القاعة شبه خالية تتردد فيها أصداء بعض ما يصدره المخرج من تعليمات ولا شيء على الركح يثير الاهتمام عدا ذلك الشاب الراكب جواده ...لا شيء يثير الاهتمام عدا ذلك الفارس الذي جيء به من كهوف التاريخ كان غريبا غريبا بقميصه الأسود القصير وسرواله الذي لا يلامس كعبه وكان في يده درع ورمح وقد أغمد السيف في قرابه الذي شدّه إلى شماله .لا شيء يثير الاهتمام فالمسرح أثناء التدريبات يبدو حزينا وكئيبا ومهجورا ,والرطوبة التي تذكّر بالماضي السحيق تزكم الأنوف وتترك في الحلق بحة .لا شيء يثير الاهتمام عدا لغة الفارس المفعمة بالعاطفة وقد قدّت من الرقاع التي أكلتها الأرضة
"يا قوم ... يا قوم ... لقد سمعت صوت التي تنادي المعتصم وتستغيث به فبكيت وأقسمت ألا أضع جنبي إلى الارض إلاّ بعد ان انتقم لحرة من حرائر المسلمين .يا قوم ...إنّ الصوت الزبطري لا يزال يدويّ في مسمعيّ ولن آذن لجيش المسلمين بالراحة إلاّ بعد ان يستعيد العرب ثغورهم السليبة ..."
صفق المخرج ببرودة واضحة واتجه إلى الفارس قائلا "أخيرا اتقتنتها ... طيب ..أحسنت ..لك أن تشرب قهوة ثمّ لنا عودة بعد ذلك ..."
خرج الجميع غلى المشرب وظلّ الفارس على الحصان يحملق في الكراسي الفارغة وفي الفوانيس المتعبة الذابلة وظلّ يغرق في العتمات الموزعة بين الصفوف حتى انطلق كالسهم مغادرا المسرح ومتجها إلى الغابة المجاورة .في الدّروب والمنعرجات كان يلتقي بفتيان لا يختلفون عنه في شيء يلبسون ما يلبس ويقولون ما يقول وسريعا ما ينضمون إليه كانهم كانوا على موعد مسبق معه .كلما وجد فارسا سلم عليه ومرّ فينخرط المتطوع الجديد في مؤخرة القافلة ومازال يمشي ويجمع الفرسان حتى كان له مثل جيش المعتصم وربما أكثر .مشى في الفيافي والبيد والجبال وقطع الرؤوس وسبى العذارى ووعد وتوعّد وأجلى اقواما وعذ{ب وعفا كما فعل الاسكندر بالضبط .اصلح التقويم وصوّب الاتجاهات والجهات وغير الاسماء وحطم الأصنام ولكنه لم يكن له من الصبر ما يكون لمن يريد البناء والزرع والحرث والحصاد ...كان على عجل كأنّه يخشى عودة المخرج من المشرب ...زرع الرعب في الأرض وخافه الصديق قبل العدوّ واستجاب الله دعاء عبده الفارس فمده بالقوة والعزم وفقهه في الدين ونقى سريرته من الدّنس وخدمته الملائكة وهابه الجنّ ولهجت نشرات الأخبار باسمه واسم دولته وقال بأعلى ما يستطيع " أنا الأمير ...أنا الأمير المهدي فتبا لمن لا يبايع ّ.تبا للمعاند تبا لمن يناصب ...ّ
قرأ الناس اللافتات الدّعائية المعلقة على الجدران في الشوارع وغصت بهم القاعة يوم العرض واقتحمموها بلا اذن وأطلّ الناس من نوافذ المسرح وركب بعضهم بعضا عند الباب ولا أحد كان قادرا على تفسير الظاهرة ولا أحد وجد لذلك تفسيرا ...
عندما ارتفع الصوت من الكواليس"ّوا معتصماه" ودوى في القاعة المحمومة هاجت الجماهير وكثر الضغط على الجدران من الخارج وارتجت الخشبة فتوجس المخرج خيفة وبثّ الله في قلبه الرّوع اما الممثل الفارس فقد شخص ببصره في الجموع ونسي النصّ أو تناساه وجعل يبكي بكاء مرّا وسمعه الناس يقول :"لبيك يا جدّي .لبيك" ورفع درعه ورمحه وكبّر في الجموع الغفيرة فردّدوا التكبير اضعاف المرات أما المخرج وأعوان الإضاءة والصوت والمقيفون والسائقون والطباخون والخطّاط والحمالون وكاتب النصّ الثرثار فقد انزوى جميعهم في الكواليس وجعلوا يرقبون الوضع بحذر وخوف .
اضطربت الحركة في القاعة اضطرابا شديدا وشوهد الفارس ينزل من الخشبة وسط التكبير والتهليل وشوهد بعض الناس يسجدون شكرا لله والبعض الآخر شوهد يرفع يديه إلى السماء داعيا بالتوفيق وكان يشير بالذّبح إلى حيث يفترض أن يكون المخرج والكاتب وجماعتهما .
ترك الفارس القاعة والأضواء المهزومة والكراسي المتراصة واتجه مع موع المؤمنين إلى الأدغال القريبة من المدينة
لا أحد اليوم يصحو من نومه أو ينهض من عثرة أو يتسلّى من مصيبة أو يشكو قهرا ولا يلعن المسرح
في 28اوت2014
"يا قوم ... يا قوم ... لقد سمعت صوت التي تنادي المعتصم وتستغيث به فبكيت وأقسمت ألا أضع جنبي إلى الارض إلاّ بعد ان انتقم لحرة من حرائر المسلمين .يا قوم ...إنّ الصوت الزبطري لا يزال يدويّ في مسمعيّ ولن آذن لجيش المسلمين بالراحة إلاّ بعد ان يستعيد العرب ثغورهم السليبة ..."
صفق المخرج ببرودة واضحة واتجه إلى الفارس قائلا "أخيرا اتقتنتها ... طيب ..أحسنت ..لك أن تشرب قهوة ثمّ لنا عودة بعد ذلك ..."
خرج الجميع غلى المشرب وظلّ الفارس على الحصان يحملق في الكراسي الفارغة وفي الفوانيس المتعبة الذابلة وظلّ يغرق في العتمات الموزعة بين الصفوف حتى انطلق كالسهم مغادرا المسرح ومتجها إلى الغابة المجاورة .في الدّروب والمنعرجات كان يلتقي بفتيان لا يختلفون عنه في شيء يلبسون ما يلبس ويقولون ما يقول وسريعا ما ينضمون إليه كانهم كانوا على موعد مسبق معه .كلما وجد فارسا سلم عليه ومرّ فينخرط المتطوع الجديد في مؤخرة القافلة ومازال يمشي ويجمع الفرسان حتى كان له مثل جيش المعتصم وربما أكثر .مشى في الفيافي والبيد والجبال وقطع الرؤوس وسبى العذارى ووعد وتوعّد وأجلى اقواما وعذ{ب وعفا كما فعل الاسكندر بالضبط .اصلح التقويم وصوّب الاتجاهات والجهات وغير الاسماء وحطم الأصنام ولكنه لم يكن له من الصبر ما يكون لمن يريد البناء والزرع والحرث والحصاد ...كان على عجل كأنّه يخشى عودة المخرج من المشرب ...زرع الرعب في الأرض وخافه الصديق قبل العدوّ واستجاب الله دعاء عبده الفارس فمده بالقوة والعزم وفقهه في الدين ونقى سريرته من الدّنس وخدمته الملائكة وهابه الجنّ ولهجت نشرات الأخبار باسمه واسم دولته وقال بأعلى ما يستطيع " أنا الأمير ...أنا الأمير المهدي فتبا لمن لا يبايع ّ.تبا للمعاند تبا لمن يناصب ...ّ
قرأ الناس اللافتات الدّعائية المعلقة على الجدران في الشوارع وغصت بهم القاعة يوم العرض واقتحمموها بلا اذن وأطلّ الناس من نوافذ المسرح وركب بعضهم بعضا عند الباب ولا أحد كان قادرا على تفسير الظاهرة ولا أحد وجد لذلك تفسيرا ...
عندما ارتفع الصوت من الكواليس"ّوا معتصماه" ودوى في القاعة المحمومة هاجت الجماهير وكثر الضغط على الجدران من الخارج وارتجت الخشبة فتوجس المخرج خيفة وبثّ الله في قلبه الرّوع اما الممثل الفارس فقد شخص ببصره في الجموع ونسي النصّ أو تناساه وجعل يبكي بكاء مرّا وسمعه الناس يقول :"لبيك يا جدّي .لبيك" ورفع درعه ورمحه وكبّر في الجموع الغفيرة فردّدوا التكبير اضعاف المرات أما المخرج وأعوان الإضاءة والصوت والمقيفون والسائقون والطباخون والخطّاط والحمالون وكاتب النصّ الثرثار فقد انزوى جميعهم في الكواليس وجعلوا يرقبون الوضع بحذر وخوف .
اضطربت الحركة في القاعة اضطرابا شديدا وشوهد الفارس ينزل من الخشبة وسط التكبير والتهليل وشوهد بعض الناس يسجدون شكرا لله والبعض الآخر شوهد يرفع يديه إلى السماء داعيا بالتوفيق وكان يشير بالذّبح إلى حيث يفترض أن يكون المخرج والكاتب وجماعتهما .
ترك الفارس القاعة والأضواء المهزومة والكراسي المتراصة واتجه مع موع المؤمنين إلى الأدغال القريبة من المدينة
لا أحد اليوم يصحو من نومه أو ينهض من عثرة أو يتسلّى من مصيبة أو يشكو قهرا ولا يلعن المسرح
في 28اوت2014
تعليق