روح شقية
...غيم أسود يكتم أنفاس هذه الليلة المعتمة و قمر يختنق وراء سحب كثيفة..ليل كئيب ؛ صمت ممل تتردد موسيقى حزينة ,مخيفة مزيج من حفيف الاغصان و عويل الرياح و طقطقة الاسنان..أكوام من البشر النائم المستسلم و غير بعيد ساحة من كتل القمامة تحوم حولها أسراب من الذباب, جثث هامدة ,تتنفس ,تشخر,تتوسد الحجر و تغط في نوم عميق,في حين ان هناك من يتقلب على اثير الأسرة الناعمة يفترسه الأرق يود لو يؤتى هنيهة من النوم..! انهم لا يأبهون لصلابة الأرض و لا للسعات البرد او البعوض و لا حتى لهاته الرائحة النتنة التي تخنق الانفاس,لقد عبت انوفهم فما عادت تزدريهم, لقد اعتادوا و ألفوا و تآلفوا مع هذا العيش المرير ليس لديهم ما يخسرون فقد خسروا كل شيء من الأزل..
غير بعيد شجرة صفصاف عجوز باسقة الأفنان تذرف أوراقها دمعا تفرش بها الارض,وجه شحوب ما زالت تدب فيه اليقظة يتوسد جذع الشجرة,ممددا رجليه على الارض و السيجارة عالقة بين شفتيه,بيمناه شفرة حادة موجهة الى معصم يسراه. بدى متصنما,ذاهلا ,جاحظ العينين و كأنه في عالم آخر.السيجارة تكاد تحرق شفتيه و هو متخشب لا يبدي أية حركة. و ما بال الشفرة الموجهة نحو معصمه كسيف جلاد فوق رقبة عاص...
تحرك أخيرا بعدما شعر بالسيجارة تنطفئ بين شفتيه فرماها بحركة من لسانه, بلع ريقه بصعوبة مستشعرا حرقة في حلقه من أثر الدخان.أردف بزفرة مخنوقة ثم أطرق يبحث في سريرته عن تبريرات لقراره قبل أن يقدم عليه ,و يتساءل ما الفرق ؟فلا أحد يهتم انه يدرك انه وحيد في هذه الليلة يجتر همومه بين ضلوعه.لطالما عاش وحيدا بل ولد وحيدا مهيض الجناح تقبل مجبرا مرارة قدره المشئوم و تجرعها على مضض طوال عشرين عاما. ميلاده كان جنابة و وجوده كان عبئا فنبذ في العراء كقطعة غيار لا فائدة منها. روح آثمة حملته مكرهة تسعة أشهر و شعرت به يتخبط في أحشاءها تركته من دون تردد على قارعة الطريق, فلم تكن لديها القسوة الكافية لتكتم أنفاسه و ترمي به في صناديق القمامة, أودعته للمجهول و فوضت مصيره لخالقه, لكنه كان أقوى منها و تشبث بالحياة الى ان اسعفته أياد رحيمة سرعان ما ألقته من جديد في دور الأيتام.ترعرع مع زملائه في اليتم و ما أن بلغ السابعة من عمره حتى تمرد و فر الى الشوارع حاسبا أنها جنة يتحر فيها من كل تلك القواعد المملة,عاد من جديد الى العراء وهكذا بدل ان يمسك محفظة و يتجه الى المدرسة و العلم ,أمسك جمرة و اتجه نحو عالم التشرد و الحرمان.لكنه بعدما استكشف شراسته عض على انامله ندما و ود لو يعود الى تلك القواعد المملة.
يوما بعد يوم ألف حياة الترحال من زقاق الى زقاق,أخضعته الشوارع لقوانينها الصارمة فلم تكن لتراعي سنه الصغير, جسمه الفتي كان اغراءا للكلاب الشاردة فكان ضريبة التشرد التخلي عن براءته و هي في مهدها . دفن الطفل الصغير بداخله و تقبل الوضع في خضوع و صمت..في العاشرة من عمره أمسك لأول مرة بسيجارة و سحب منها أنفاسا الى رئته الصغيرة دون أن يسعل,كان انجازا بحد ذاته فلطالما كانت لديه رغبة في استكشاف ذاك الشيء الصغير الابيض المشتعل الذي يولد تلك المتعة الكبيرة عند متعاطيه. و مع مرور الوقت تحولت الرغبة الى شهية ثم الى شراهة لم يعد قادرا على مفارقة السيجارة, اضطر لكي يوفي فاتورة التدخين الى امتهان أقدم مهنة عرفها التاريخ : النشل, فلم تعد اعقاب السجائر التي يلتقطها من المارة تشفي غليله. استطاع الفتى بهمة أن يؤمن قوت يومه من نشل حقيبة إمرة عجوز او محفظة رجل غافل ناهيك عن ريع بعض الامسيات في دور الشواذ.
أقبلت سن المراهقة فإنضافت فاتورة جديدة الى سجله الاسود " الحشيش" كان يجد فيها مقبرة يدفن فيها أشجانه الوطيئة و وحدته الموحشة, مقبرة يميت فيها واقعه المرير فلا يحس و لا يفكر..لم تكن لديه أحلام لا طموحات أو حتى رغبة في الاستمرار في العيش, استسلم و أيقن أنه بطل لدراما مأساوية كثير ما تتردد هنا و هناك فلم تعد تستثير ذاك القدر من الشفقة و العطف,أحرق أحاسيسه في محرقة الحرمان و أغرق حزنه في بحر الادمان فغدى كتلة جامدة تهيم على الارض,تقتات ,تدخن,تتحشش و تنام...
تمعن الشفرة الحادة بيد أصابعه و شعر بشيء يذوب و يسري بين مقلتيه و يسكب مدرارا على خديه,انها دموعه التي جفت في المحجرين طويلا , ما بالها تنهمر اليوم دون سابق إنذار ؟انه يجهش بالبكاء و ينتحب, نعم انه ذاك الطفل المغتصب بداخله يخرج عن صمته و يبحث عن طفولته الموءودة تحت رماد احاسيسه المحترقة ,انه اليوم يصيح و يستصرخه أن يفك أسره الذي وضع فيه منذ الميلاد الاحشاء تتلظى و الوجع قاتل و الدواء مفقود
أمي....أمي,,,,خرج النداء من فمه كالنعي ,انه يناديها لأول مرة, طوال حياته لم يذكرها يوما و لم ينطق لسانه باسمها فلماذا يناديها الآن؟ أ لحاجته اليها ام لحاجته للومها لما تركته قبل ان يكحل عينيه برؤيتها, و يشم رائحتها ,و ينام في حضنها,و يناديها امي
أمي...أمي.. شعر بانتشاء غريب و هو يلوك الكلمة في فمه و يتذوق مذاقها لأول مرة لو كانت معه لتغيرت أشياء كثيرة و لما اتخذت حياته هذا المسار المأساوي. الهروب الى الموت جبن او شجاعة, قرار صعب شائك و الرغبة في الانعتاق من واقعه المظلم و الهروب من جحيم الحياة يلحان عليه..نظر مجدد الى الشفرة التي تنتظره لتنفذ قرار الاعدام ,ربما كانت هذه اللحظة التي يتحرر فيها الجسد من قيود هاته النفس الشقية و اخراس ذاك الصراخ الهائج الباحث عن ابرة مهدئة او شمة مسكنة...
جفت الدموع من جديد و نفذ القرار و سالت الدماء صارخة في جنح الليل الكئيب انطفأت أخيرا الروح الشقية و في العيون دمعة يتيمة و بين الشفتين "أمي.." كان موته مثل ميلاده في صمت, في العراء في الظلام...
.....
تعليق