من يومياتي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الأرواح المتمردة
    عضو الملتقى
    • 02-09-2014
    • 35

    من يومياتي

    كانت أفكاري تتوه بي مرارا ونحن نقطع المسافة القصيرة مابين سيارة الأجرة ومنزل قريبتي التي لم أسمع باسمها يوما وبينما أخذت أمي تتثبت من المنازل لكي لا تخطئ الطريق لاحت لي تلك الكراسي البيضاء التي تكون عادة إما بشير عرس وفرحة..أو نذيرا لذلك الخبر الحزين...
    فأشرت إليها بحركة واحدة نحو البيت دون أن أتكلم ..فقد شلني الإعياء وهي لا تعلم طبعا أني قضيت الليل ساهرة كالعادة أجتر أحزاني وذكرياتي الأليمة وأحاول التلهي بمناقشة الغرباء في عالم افتراضي..
    مررنا أمام مجموعات الرجال الجالسين المتمسكين بوقارهم ..مخفين العبرات التي كانت تكاد تصنع مضيقا ما بين المقلة والجفن.....وعندما دخلنا من الباب كان ترتيل القرآن هو الصوت الوحيد المسموع مما زاد الموقف ألما...
    تبعت أمي كطفلة صغيرة لتعرفني على صاحبة الشأن..لما صرنا في الغرفة الضيقة التي اختنقت بالنسوة..وجدتني أغوص في ظلام عكسته أثوابهم السوداء في نفسي ولم يخرجني منه غير تلك اللوحة الزاهية ..نظرت للمرأة التي ترتدي فستانا طويلا أشبه بالحديقة الغناء بكل تلك الألوان الفاقعة..وهي تتأبط حقيبة يدها الصغيرة الحمراء..وخمنت بتهكم في داخلي إن كانت قد أخطأت العنوان في طريقها لحضور إحدى الحفلات..
    و جدنا سبيلنا أخيرا بين النساء وعرفتني أمي على أم المتوفيين فقبلتها واحتضنتها بعاطفة لم يشبها زيف..بل تمنيت لو قلت لها بعض الكلمات المواسية..غير أني قدرت أنها ربما تهيج أحزانها وصمتت بعد أن تلفظت بما حكمت به العادة:
    _إن لله وان إليه راجعون..لبركة فيك..ربي يصبرك..
    ثم جلست بجوارها عن عمد كأني أردت أن أسحب القليل من حزنها كي أحمله معي خارج البيت حين يأتي موعد انصرافي....
    أما أمي فاتخذت لها مكانا بين من تعرفت من الأقارب والأحباب...كان للموقف رهبته الخاصة وتذكرت كل من ودعت من أحبتي في مثيل هته اللحظات...
    وتساءلت خائفة إن كان بيتنا سيستضيف عما قريب هذا الزائر وأنا اذكر ابن أختي الطفل الذي بدأ سرطان الدم يأكل جسمه منذ أكثر من سنة.....وبكيت...لا أعلم هل هي دموع على الشابين الغارقين أم لحال ابن أختي المريض أم هي فقط دموع حبستها كثيرا ووجدت أخيرا منفذا لها...
    أمي....ااااه من أمي....أمي نادرة...كنت ارقبها بهدوء وهي لا تتوقف عن الكلام...وبعد جملتين أو ثلاثة منها فهمنا آن الغريقين لم يكونا شقيقين بل أبناء خالة وأن في مكان ثاني يوجد بيت أخر قد زاره الحزن على حين غرة ....على ما يبدو كان الشابين البالغين الخامسة والعشرين سنة فقط قد ذهبا ليستمتعا بالمياه في هذا الحر ودخلا وسط دوامة في البحر حيث سحبتهما إلى الحدف المحتوم...وروت إحدى الجالسات القصة بهمس متكلف كي لا تسمع الأم المفجوعة...ولكن همسها المشابه لصراخ كان قد بلغ كل الأذان فعادت الأم إلى بكائها الصامت ..ضغطت يدها بحركة عفوية..أنا لا أعلم من هي حتى ..لكني أعلم مرارة الوجد والفقدان...وتلصصت عيناي لترقبها..وجدتها امرأة قوية محببة الملامح ذات طيبة لا تخفى عن من يراها للوهلة الأولى وحركت عيناي برفق لأعاين الغرفة متلهية بذلك عن ما تقوله أمي كي لا افقد صوابي..كان كل شيء عاديا لا ينم عن ترف أو فقر...فقط شدت انتباهي المرآة الكبيرة المغطاة في ركن قبالتي..وتذكرت فورا أني لمحت عند المدخل مرآة تمت تغطيتها...فتملكني الفضول...هل تراها إحدى المعتقدات الشعبية أو أنهم يعتنقون تلك الفكرة التي تقول بأنك يمكن أن ترى شبح الميت في المرأة قبل الدفن...لم يخرجني من متاهة أفكاري سوى صوت أمي الذي لا يتعب وهي تردد....:
    _كلنا ليها....يا ناري وخيتي عندك لحق مشوية...اااه ربي يبنيلك بيه قصر
    في الجنة...
    ارتاح...ارتاحو الزوز ..والله الدنيا عذابها وذنوبها أكثر من الموت...
    الغريق شهيد...الغريق شهيد ...
    الخ الخ الخ..
    أغمضت عيناي وأنا اكتم صرختي وتمنيت ان اطلب منها فقط الصمت....فرغم كلماتها المواسية..إلا أنها كانت الوحيدة وسط الحشد الساكن التي تتحدث دون توقف...وتشعل فتيل الحزن الواحد تلو الأخر...
    بدأ فوج جديد من الزائرات يجتاح الغرفة وبدا كأن كل واحدة منهن لديها وضيفة هي إثارة عبرات الأم الحزينة من جديد كلما توقفت عن البكاء...لكني فجأة وجدت نفسي سعيدة لأن الكثيرين تخلو عن تلك العادات الجاهلية السيئة في هكذا مناسبة ..ولم يعد احد يلتجئ إلى العويل والصياح واللطم...
    وكأن قوة خفية حاولت أن تتحدى رضائي في تلك اللحظة بانتصاري أو لنقل بانتصار الدين والشرع على المعتقدات الفاسدة...
    واقتحم المكان لحن حزين..ترنيم أشبه بالأنين منه إلى الغناء..ودخلت مصدر الشجن العجيب..كانت امرأة علمت من بعض الجالسات جواري أن اسمها لويزة..اسم تصغير للوزة..وكان شكلها كحبة لوز جافة تملئها التجاعيد ومحت السنون كل البهجة والنعومة من ذلك الجسد...ودخلت مغمضة العينين في حالة أشبه بالسكر أو كأنها غيبت إلى عالم من الحزن والألم...وهي تردد كلمات حزينة باكية في شكل أغنية متحدية بصوتها صوت القرآن المنبعث من التلفاز...وكدت مرارا أخرسها بموعظة حول الحرام والحلال ولكني فضلت الصمت وأنا انظر إلى هذه العادة التي لم أرها قبلا..ولمس قلبي ذلك اللحن الشجي,,,فتوقفت مرغمة لأسمع ما يقال...وهذا ما استطعت أن أميزه من هذيانها
    : ( يا قلبي واش تتحمل واش تتحمل ايييييييييييه...نبكي وما يبكي على وليدي غيري اييييييه...النار سارحة ي قلبي واش يطفيها إيه...واش يصبرني على فراقو وواش يصبر اميمتو ايييه........................)كانت الكلمات عبارة عن
    :أيا قلبي كم تتحمل..كم ستتحمل أأأأأأه ابكي على صغيري ولا يذرف غيري الدمع اااااه...طغت نار في القلب ماذا سيطفئها اااااه...ماذا سيصبرني أنا _ أي الغريبة_ فضلا على أن يصبر أمه ااااااااه ..كان ترنيمها مستمرا ولم أرى للأمانة أشبه بتلك النغمات التي جعلت كل من بالغرفة يبكي رغما عنه حتى وصلت إلى أم الفقيد تعانقتا في بكاء مدة كبيرة ربما تعدت الخمس دقائق ثم أفلتتها فإذا بالعجوز لويزة صارت بعد هذا العناق أكثر شيبا واكبر سنا..أو ربما هذا ما خيل لي وأنا انظر إليها بإعجاب وسخط ملاحظة هيئتها التي تدل على أنها سعت إلى هنا ما إن سمعت بالخبر دون أن تغير ما ترتدي أوان تنظر حتى في المرآة..وبعد أن رحل عني ذهولي بدأ ضميري في تأنيبي لآني سمحت بهذه البدعة الغير موافق عليها دينيا..ورأيت أمي تقبل لويزة وتدعوها لجلوس بجانبها وكأنها تتفاخر بهذه المعرفة ..ولم أكن أرى حقا سببا وجيها لهذه المفاخرة.. ما فتح لامي المزيد من المجال لتثرثر أكثر..وحيث أننا سنضطر لتعزية بيت ثاني أقنعتها بعين مؤنبة أن تترك الجمع على أمل لقاء ثاني..وعدت انا للحظات قلت فيها للمرأة المتجلدة التي لا اذكر حتى أني عرفت اسمها..أن الله أراد متاعه ولا يحق لك ان تعترضي أو تلطمي وقت التشييع هي أمانته ومن حقه إستردادها وقتما يشاء..قالت نعم إن شاء الله..وخرجنا بعد دقائق من بين جموع الرجال مرة ثانية وانأ أدعو الله لكل أم ولكل حبيب الصبر والسلوان على فقدان الأحبة,,,مذكرة نفسي أنها المرة الأخيرة التي أخرج فيها مع أمي لأي جنازة..قد تبين لي أنها غريبة الأطوار ...هداك الله يا أمي سلام عليكم

    من يوميات...الأرواح المتمردة




  • الأرواح المتمردة
    عضو الملتقى
    • 02-09-2014
    • 35

    #2
    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته...انا الارواح المتمردة ..23 عام ...أكتب الشعر والقصيدة النثرية والقصص القصيرة..سعدت باكتشاف المنتدى وهذه مشاركتي الأولى هنا ,,أنا مازلت مبتدأة ورغم أني بدأت الكتابة منذ 10 من عمري الا اني احاول دائما أن أكون أفضل..وأكيد ستكون لي مشاركات نثرية وشعرية وأرجو أن تستمتعو بالقراءة

    تعليق

    يعمل...
    X