الفارس المتخفي
د.نزار نبيل أبو منشار "الحرباوي"
تعرفت عليه في سجن غنّت أسلاكه لحن القرون البائدة ، وجدرانه عفا عليها الزمن ، والخيام فيه استطاب طعمها العت والأرضة ، وتوسعت فيها مستعمرات الفئران ، وتناكحت العناكب فيها حتى أثبت كل واحد من سلالاتها المتعددة مسكنه الذي تطلب أشعة الشمس منه الأذن إذا أرادت الدخول إلى الخيمة البالية التي جمعتنا بين قوائمها الثمانية .
وفي غسق ليلٍ خبا فيه نور القمر ، ولم تترك آليات العدو فيه زهرة تهدينا عبير الاستقبال ولو على بعد ميل ، أُنزُلت معصوبَ العينين مكبّل اليدين ، وأُخِذَت بحقي الإجراءات الإجرامية الروتينية ، لأقُاد وحولي فوهات البنادق الرشاشة مصوبة ، ليس بيني وبين الرصاص النائم فيها إلا حركة إصبع ، وأُرمي في أحد الأقفاص العفنة ، أقاسي مر الجفى والحرمان والنوى .
وفي حلكة الليل ، إذا بنوره يسطع آتياً من جانب إحدى الخيام، يتمشى بحركاته المميزة ، وطلعته المعروفة صوبي ، يرّحب بي ويستقبلني بوجهه الباش، وابتسامته الوداعة ، وأراه بتواضعه ومعروفه الذي بدأ من أول لحظة يساعدني ويرشدني إلى سريري ، بعد أن تعرّت الساحة من روادها وغطّاهم النوم ، إلا بعض الحيارى ممن شدّهم الوجد وأرّقهم البعاد .
بحلول الصباح ، تفتحت عيناي كزهرتين برّيتين داعبهما قطر الندى ، لأراه قد جفا مضجعه قبل أن يقوم الجميع ، وتأهب لتحضير الطعام لهم ليجدوه جاهزاً إذا استفزهم الصباح ، فنظرت إليه، وأعجبت بصنيعه الرائع ، وما إن شعر بمراقبتي إياه ، حتى بادرني بابتسامة تحمرّ منها وجنتا الشمس الذهبية ، فشعرت باطمئنان سابغ ، وأمان يحتل قطرات الدم في عروقي .
فإذا بزغت الشمس وتمطّت في كبد السماء ، انزوى عن المجموع ليجمع الحجارة الصغيرة من بين الأسلاك الشائكة ، ينتقي ما صبغته الدنيا بأثر الحمرة أو الصفرة أو التموج ، يجلس في موضع رَصَدهُ وانتقاهُ ووجده صالحاً ليجعل منه محكاً لحجارته التي يصطفيها من بين نظرائها مما لم ينالوا رضاه .
كان صمته الذي زيّن هامته يُمثل همّةً نورانية تعربد في أوصاله ، ويحكي قصة فنّ مكتنزٍ في صدره ، وكانت حجارته الصماء تستحيل بين يديه لوحات تبدعها آفاق خياله ، وتصوغ فنها منهجية إبداعية رائدة تألق سناها في أروقة دماغه الوضاء .
بداية معرفتي فيه كانت من حرفته التي أجادها حتى صارت قبلةً لكل محتاج فيها ، يقصده تلاميذ له ولو فاقوه سناً أو سنانا ، فقد كان مشهوراً بالتحف التي تحفرُها أنامله ، يرسم في كبد الحصى دمعاً وقلوباً ، وماساً وسفيناً ، ويشكّل الحصاة التي تصغر عن حجم الكف راية مزروعة في وجه أرضٍ أقفرت ، ويُتبعُ ما نحت بطلاءٍ يزيد البهاء بهاءً ، ويضفي على الرسم الخافت روحاً ناطقة تحاكيها أنوار البدر في ظلام الليل البهيم .
أعجبني من صبره على النحت ، كان يجلس في موقعه الخاص ساعات طويلة ، يعود إلى الخيمة بعدها كل يوم بلوحةً فنيةٍ تضاهي ما أبدعه من سبقوه من أهل الإبداع الفني الزاهر ، فتقدمت إليه وإيجابياته تدفعني إلى بناء أواصر التلاقي مع هذا الشخص المبدع.
كان تصوري المسبق عنه ، أنه إنسان خدوم ، فيه إيجابيات متعددة ، ولمحت من خلال معرفتي السطحية به بعض بوارق الخير التي جذبتني نحوه ، ولكني قررت أن ألج ميادين شخصيته لأتعرف إليه عن قرب ، وهذا ما كان .
عمت مساءَ يا محمد
عممت بالنور والسناء ، تفضل وأجلس .
رأيتك تنقش على الأحجار رسومات وأسماء ، من أين تعلمت ذلك ؟
السجن مدرسة يا أخي ... هنا تحتكُّ مع البشر بطبائعها ، وتختبر الصالح منها والطالح ، وبعد مخالطة الناس واكتشاف كنههم ستلجأ إلى الخيار الذي انتهجته أنا .
وما هو ذاك الخيار يا محمد ؟
إنه خيار التعامل مع الجامد الذي لا يعي ، تأمن بذلك مكر النفس ، وخبث النية ، وخداع الكلام ، وزور التصنع في المصادقة التي دافعها المصلحة للذات .
ولكن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرُُ ممن يتجنبهم وينعتهم بشتى صنوف النعوت ، مهما كانوا ، وشمعة تُنار وسط ديجور الليل خير من شتم الليل ، فالنور يجدي والشتائم غِل .
ضحك محمد ضحكة لا زلت أذكرها ، إنها ضحكة الحكيم الذي نطلق أمامه صغير بحكمةٍ قد فاتته ، ورأيته ينفض رأسه إيجاباً ، ثم ضحك أخرى وقام لبعض شأنه ، ثم مضى وتركني على محجة الاستغراب لا أنطق ولا أنبس ببنت شفة .
ساورتني الشكوك بمرمى حديثه الذي سكبه في أذني قبل أن يحوّل نظره عني ، وازدادت الرغبة لدي في التعلم منه حتى وإن كنت أكبره بأربع سنوات .
كان السجن يغصّ بآباء رغال ، وكانت الحكمة تقتضي أن لا يخوض أحد مع غيره حواراً يتعلق بالقضية التي اعتقل من أجلها ، وهذا عين الصواب ، لئلا يسرق أحد هؤلاء المدنّسين برجس التخاذل والوضاعة كلمة من هنا وهناك ؛ فيكون فيها لأحدنا أو لكلينا نسيء في السجن وبأسه .
وبعد أن غفت عيناي ما بين نومها وسِنتها شهراً ، نودي على محمد ، ليجهز نفسه للنزول إلى المحكمة العسكرية التي يَحكم فيها ذئاب بقناع بشري ، تعلو صدورهم نياشين الخسّة ، وتلمع على أكتافهم شارات الرتب العليا ، ليقف المعتقل أمامها تُفَصِّلُ له تهمة على مزاج الجالس تحت شارة العدل الدولي ، دون جريرة أو ذنب ، إنما لأنه ممتلئ إيماناً بحقه وأرضه ووطنه ودينه ، ولمعت بين عينيه شرارة الانتماء والانعطاف لهذا التراب المقدس .
وتطلع الشمس تشاركنا الترقب لمصير هذا الفارس ، وما رضِيتَ أن تودعنا حتى عاد إلينا يحمل بين يده صكاً يشتري فيه الصهاينة سنة ونصفاً من حياته بعوضٍ هو المأساة المتجذرة في سجونها التي ما أقيمت إلا لقمع الإرادة .
اقتربت منه كي أواسيه في مصابه ، فإذا بثغرة يفيض عليّ وعلى من حولي بابتسامة ساخرة ، كانت عيونه تلومنا .. أمثلي يحتاج إلى من يعلمه الصبر!! .
أنا من أعلم الصخر في أعالي الجبال كيف يثبت إذا حزبه أمر، يا هؤلاء تفرقوا ، إليكم عنّي ، فو الله الذي لا إله غيره لو وزن يقيني وصبري لصار يفوق عجائب الدنيا بأسرها ، ولغنّتهُ أطيار الكنار مع تفتق الفجر في كل صباح .
ويسير محمد يشق طريقه بيننا بكل ثقة وتوازن ، يتوضأ ويحني قامته لمن لا يغفل ولا يعزب عنه شئ في السماوات والأرض، يتبتل إليه بخشوعه ودموعه المنسابة رضىً بقدر الله وقضائه ، لا سخطاً من هؤلاء وأذنابهم ، فلا قرار يعلو على قرار الله .
كان في كل تحركاته يرشح بالفضل ، ويستنير من بين يديه العمل، وهذا أمر لا ينُكر في المخلصين العاملين ذوي الهمة التي تصدّع السحاب ، وحين كنت أرى الجميع قد حنى رأسه للفراق وللحنين ، كنت أشعر أنه يمد يديه إلى السحاب المتناثر في السماء يعصره بكفّه المعطاءة ، فتسيل منه قطرات الصبر ليتجرعها فمه التائق لها .
دنوت منه أكثر ، وتوطدت العلاقة بيننا ، واتخذت من حكمه الذي ابتُلى به مادة للنقاش ، فعرفت التهمة التي لفّقت له ، وكيف أنه برئ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام .
ولا زال عقلي يحفر في خلجاته تلك الكلمات التي تبادلناها سوياً في ذلك الليل الداجي ، حينما أطفأنا سراج الخيمة ، ونام ساكنوها ، وغطت الأجفان في نوم عميق ، وبقينا وحدنا نتجاذب أطراف الحديث الشجيّ .
عز الله وجلّ .. وتقدّست أسماؤه ، تختلف كثير من المعايير والضوابط لحكمك على إنسان حين تراه ولا تحتك به ، فإذا تعاملت معه عن قرب ولم يعد بينك وبينه باب موصد ، توسعت دائرة حمكك وأضفت إلى معطياتك أموراً مستحدثة .
لقد أعجبتني مسامرته ، ومع أني كتمته هذا الأمر ، إلا أني أشعر أن قدراته الذهنية قد عرفت ذلك من خلال النقاشات التي دارت بيننا ، والتي لولا عتم الليل ، ونوم العيون حولنا لما وجدت لترجمة انفعالي معها غير القهقهة المرسلة .
حياته إلياذة ساحرة ، وروحه المرحة تحفظ العديد من الذكريات التي ستدون في أسفار الذهن إلى ساعة الاحتضار ، في كل فصل منها تجد الحلاوة والمرارة يتزاوجان ، وتلقى محطات من الغيرة التي تنفذ من أحشائه على أرضه وقضيته ودينه ، وتحسّ بمنطقه البسيط ولهجته التي تسارعت كلماتها في نسق الإخراج ، ليتشكل من هذا المزيج إنسان يدب على الأرض ، يترك خلفه أثراً عظيماً يقرؤه حتى أمّيو البشر .
حدثني عن دراسته الجامعية ، وكيف كان يتهرب من عيون الحكومة بصداقاته الحذرة ، وكيف كان يتخذ من لقاءاته في وضح النهار مع متبرجات الإناث ستاراً ، ويعلل ذلك بمصطلحاته المضحكة وكلماته التي تنسجها سليقته وبساطته ، ويتخفى في مواطن العمل العام ، لتجده نحلة لا تحل إلا على الطيب من الأشياء ، ولا يدخل جوفها إلا طيب، ولا تفرز إلا طيباً .
رأيت في عينيه أثناء محادثتي معه أطياراً مهاجرة تبحث عن خارطة تعود بها إلى وطنها ، وتقرأ في وجه السحاب أسماء المواقع ، وكانت لحيته التي بالكاد تُرى بالعين الباصرة مخضّبة بحناء الانتماء ، وكانت قسمات وجهه تنضخ مع كل كلمة تعبيراً يدل على انفعاله وصدقه فيما يطرح .
وتحت قاعدة ثابتة يعرفها كل من ذاق نَصلَ السجن تقول: " أحبب من شئت فإنك مفارق " حكمت عليه الدولة المتغطرسة بأن يُنفى إلى سجن آخر .
كنت أنظر إليه وهو يحزم أمتعته من طرف خفي ، كان حريصاً على التراث الذي استهلك منه جُلّ وقته ، فجمع القلائد والأشكال الهندسية التي أبدعها بأنامله الفنية ، كنت أرى فيه منظر ظبي ساقته مجموعة من الضباع بعيداً عن قطيعه الذي ترعرع فيه ، لقد أحببت مجالسته ، واعتدت على حديثه الشيق ، ولكنه قدر الله ، تخضع له رقابنا ، وتنحني أمامه بصمت الصخر حتى تنال أجر الطاعة ، وتشرق فينا منارات الهداية والرشاد .
ودعناه والدمع النقي يتوحد على الأرض البتول العذراء ، لأرى في وداعي له أجتثاثاً لبعض أجزاء جسدي مني ، وأناجي .. وكم في ذلك من أمل !!
وتشاء إرادة الرحمان أن تحكم علىّ إدارة البغي النازي بمثل ما حكمت على محمد ، وعلى النسق المتدرج ، تسوقني حافلة النقل إلى سجن آخر لأنزل فيه غريباً، وما إن خطت قدماي خطوات معدودة حتى سمعت بصوت يقرع مسامعي ، فوقفت مكاني ، وتسمرت أعضائي في مكانها ، إنه صوت أعرفه.. إنه صوت محمد !! وما إن يممت شطر الصوت أتلمس مصدره ، حتى وجدته قد انغمس في الأسلاك يريد الخروج منها للترحيب بي وبمقدمي .
وأُدخلت على القسم الذي هو فيه ، لتتكرر صورة الاستقبال الحافل منه لي ، ولنرتمي في أحضان بعضنا البعض ، تعصف حولنا أعاصير الشوق والتحنان ، وبعد مرحلة خضناها سوياً ، وذكريات عطرة جمعتنا ببعضنا البعض ، في السجن الأول ، والمعتقل الثاني ، أيقنّا أن الدنيا ستجمعنا بمشيئة الله خارج هذا الألم المستشري ، وخارج هذا الظلم الذي نخر عظامنا .
وعلى أملٍ باللقاء حيث لا سجان ولا أسلاك ولا صَلف ، تفارقنا من السجن والشوق يحدونا للقاء من جديد ، لنتنسّم هواء الحرية المعتّق بشهد الحنين .
وإن تعجب .. فكل العجب في مصادقة رجل جمعتك به سويعة من نهار ، لتراه يملك لبّك ، ويقتحم عليك خلواتك ، ويجبرك على نقش اسمه في رواياتك ومذكراتك ، وهل تجد أصفى من الصداقة الحرة في دنيا المحرومين ؟
وهل تجد أروع من قلبين اجتمعا حباً في الله وتفرقا عليه !!؟!! .
د.نزار نبيل أبو منشار "الحرباوي"
تعرفت عليه في سجن غنّت أسلاكه لحن القرون البائدة ، وجدرانه عفا عليها الزمن ، والخيام فيه استطاب طعمها العت والأرضة ، وتوسعت فيها مستعمرات الفئران ، وتناكحت العناكب فيها حتى أثبت كل واحد من سلالاتها المتعددة مسكنه الذي تطلب أشعة الشمس منه الأذن إذا أرادت الدخول إلى الخيمة البالية التي جمعتنا بين قوائمها الثمانية .
وفي غسق ليلٍ خبا فيه نور القمر ، ولم تترك آليات العدو فيه زهرة تهدينا عبير الاستقبال ولو على بعد ميل ، أُنزُلت معصوبَ العينين مكبّل اليدين ، وأُخِذَت بحقي الإجراءات الإجرامية الروتينية ، لأقُاد وحولي فوهات البنادق الرشاشة مصوبة ، ليس بيني وبين الرصاص النائم فيها إلا حركة إصبع ، وأُرمي في أحد الأقفاص العفنة ، أقاسي مر الجفى والحرمان والنوى .
وفي حلكة الليل ، إذا بنوره يسطع آتياً من جانب إحدى الخيام، يتمشى بحركاته المميزة ، وطلعته المعروفة صوبي ، يرّحب بي ويستقبلني بوجهه الباش، وابتسامته الوداعة ، وأراه بتواضعه ومعروفه الذي بدأ من أول لحظة يساعدني ويرشدني إلى سريري ، بعد أن تعرّت الساحة من روادها وغطّاهم النوم ، إلا بعض الحيارى ممن شدّهم الوجد وأرّقهم البعاد .
بحلول الصباح ، تفتحت عيناي كزهرتين برّيتين داعبهما قطر الندى ، لأراه قد جفا مضجعه قبل أن يقوم الجميع ، وتأهب لتحضير الطعام لهم ليجدوه جاهزاً إذا استفزهم الصباح ، فنظرت إليه، وأعجبت بصنيعه الرائع ، وما إن شعر بمراقبتي إياه ، حتى بادرني بابتسامة تحمرّ منها وجنتا الشمس الذهبية ، فشعرت باطمئنان سابغ ، وأمان يحتل قطرات الدم في عروقي .
فإذا بزغت الشمس وتمطّت في كبد السماء ، انزوى عن المجموع ليجمع الحجارة الصغيرة من بين الأسلاك الشائكة ، ينتقي ما صبغته الدنيا بأثر الحمرة أو الصفرة أو التموج ، يجلس في موضع رَصَدهُ وانتقاهُ ووجده صالحاً ليجعل منه محكاً لحجارته التي يصطفيها من بين نظرائها مما لم ينالوا رضاه .
كان صمته الذي زيّن هامته يُمثل همّةً نورانية تعربد في أوصاله ، ويحكي قصة فنّ مكتنزٍ في صدره ، وكانت حجارته الصماء تستحيل بين يديه لوحات تبدعها آفاق خياله ، وتصوغ فنها منهجية إبداعية رائدة تألق سناها في أروقة دماغه الوضاء .
بداية معرفتي فيه كانت من حرفته التي أجادها حتى صارت قبلةً لكل محتاج فيها ، يقصده تلاميذ له ولو فاقوه سناً أو سنانا ، فقد كان مشهوراً بالتحف التي تحفرُها أنامله ، يرسم في كبد الحصى دمعاً وقلوباً ، وماساً وسفيناً ، ويشكّل الحصاة التي تصغر عن حجم الكف راية مزروعة في وجه أرضٍ أقفرت ، ويُتبعُ ما نحت بطلاءٍ يزيد البهاء بهاءً ، ويضفي على الرسم الخافت روحاً ناطقة تحاكيها أنوار البدر في ظلام الليل البهيم .
أعجبني من صبره على النحت ، كان يجلس في موقعه الخاص ساعات طويلة ، يعود إلى الخيمة بعدها كل يوم بلوحةً فنيةٍ تضاهي ما أبدعه من سبقوه من أهل الإبداع الفني الزاهر ، فتقدمت إليه وإيجابياته تدفعني إلى بناء أواصر التلاقي مع هذا الشخص المبدع.
كان تصوري المسبق عنه ، أنه إنسان خدوم ، فيه إيجابيات متعددة ، ولمحت من خلال معرفتي السطحية به بعض بوارق الخير التي جذبتني نحوه ، ولكني قررت أن ألج ميادين شخصيته لأتعرف إليه عن قرب ، وهذا ما كان .
عمت مساءَ يا محمد
عممت بالنور والسناء ، تفضل وأجلس .
رأيتك تنقش على الأحجار رسومات وأسماء ، من أين تعلمت ذلك ؟
السجن مدرسة يا أخي ... هنا تحتكُّ مع البشر بطبائعها ، وتختبر الصالح منها والطالح ، وبعد مخالطة الناس واكتشاف كنههم ستلجأ إلى الخيار الذي انتهجته أنا .
وما هو ذاك الخيار يا محمد ؟
إنه خيار التعامل مع الجامد الذي لا يعي ، تأمن بذلك مكر النفس ، وخبث النية ، وخداع الكلام ، وزور التصنع في المصادقة التي دافعها المصلحة للذات .
ولكن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرُُ ممن يتجنبهم وينعتهم بشتى صنوف النعوت ، مهما كانوا ، وشمعة تُنار وسط ديجور الليل خير من شتم الليل ، فالنور يجدي والشتائم غِل .
ضحك محمد ضحكة لا زلت أذكرها ، إنها ضحكة الحكيم الذي نطلق أمامه صغير بحكمةٍ قد فاتته ، ورأيته ينفض رأسه إيجاباً ، ثم ضحك أخرى وقام لبعض شأنه ، ثم مضى وتركني على محجة الاستغراب لا أنطق ولا أنبس ببنت شفة .
ساورتني الشكوك بمرمى حديثه الذي سكبه في أذني قبل أن يحوّل نظره عني ، وازدادت الرغبة لدي في التعلم منه حتى وإن كنت أكبره بأربع سنوات .
كان السجن يغصّ بآباء رغال ، وكانت الحكمة تقتضي أن لا يخوض أحد مع غيره حواراً يتعلق بالقضية التي اعتقل من أجلها ، وهذا عين الصواب ، لئلا يسرق أحد هؤلاء المدنّسين برجس التخاذل والوضاعة كلمة من هنا وهناك ؛ فيكون فيها لأحدنا أو لكلينا نسيء في السجن وبأسه .
وبعد أن غفت عيناي ما بين نومها وسِنتها شهراً ، نودي على محمد ، ليجهز نفسه للنزول إلى المحكمة العسكرية التي يَحكم فيها ذئاب بقناع بشري ، تعلو صدورهم نياشين الخسّة ، وتلمع على أكتافهم شارات الرتب العليا ، ليقف المعتقل أمامها تُفَصِّلُ له تهمة على مزاج الجالس تحت شارة العدل الدولي ، دون جريرة أو ذنب ، إنما لأنه ممتلئ إيماناً بحقه وأرضه ووطنه ودينه ، ولمعت بين عينيه شرارة الانتماء والانعطاف لهذا التراب المقدس .
وتطلع الشمس تشاركنا الترقب لمصير هذا الفارس ، وما رضِيتَ أن تودعنا حتى عاد إلينا يحمل بين يده صكاً يشتري فيه الصهاينة سنة ونصفاً من حياته بعوضٍ هو المأساة المتجذرة في سجونها التي ما أقيمت إلا لقمع الإرادة .
اقتربت منه كي أواسيه في مصابه ، فإذا بثغرة يفيض عليّ وعلى من حولي بابتسامة ساخرة ، كانت عيونه تلومنا .. أمثلي يحتاج إلى من يعلمه الصبر!! .
أنا من أعلم الصخر في أعالي الجبال كيف يثبت إذا حزبه أمر، يا هؤلاء تفرقوا ، إليكم عنّي ، فو الله الذي لا إله غيره لو وزن يقيني وصبري لصار يفوق عجائب الدنيا بأسرها ، ولغنّتهُ أطيار الكنار مع تفتق الفجر في كل صباح .
ويسير محمد يشق طريقه بيننا بكل ثقة وتوازن ، يتوضأ ويحني قامته لمن لا يغفل ولا يعزب عنه شئ في السماوات والأرض، يتبتل إليه بخشوعه ودموعه المنسابة رضىً بقدر الله وقضائه ، لا سخطاً من هؤلاء وأذنابهم ، فلا قرار يعلو على قرار الله .
كان في كل تحركاته يرشح بالفضل ، ويستنير من بين يديه العمل، وهذا أمر لا ينُكر في المخلصين العاملين ذوي الهمة التي تصدّع السحاب ، وحين كنت أرى الجميع قد حنى رأسه للفراق وللحنين ، كنت أشعر أنه يمد يديه إلى السحاب المتناثر في السماء يعصره بكفّه المعطاءة ، فتسيل منه قطرات الصبر ليتجرعها فمه التائق لها .
دنوت منه أكثر ، وتوطدت العلاقة بيننا ، واتخذت من حكمه الذي ابتُلى به مادة للنقاش ، فعرفت التهمة التي لفّقت له ، وكيف أنه برئ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام .
ولا زال عقلي يحفر في خلجاته تلك الكلمات التي تبادلناها سوياً في ذلك الليل الداجي ، حينما أطفأنا سراج الخيمة ، ونام ساكنوها ، وغطت الأجفان في نوم عميق ، وبقينا وحدنا نتجاذب أطراف الحديث الشجيّ .
عز الله وجلّ .. وتقدّست أسماؤه ، تختلف كثير من المعايير والضوابط لحكمك على إنسان حين تراه ولا تحتك به ، فإذا تعاملت معه عن قرب ولم يعد بينك وبينه باب موصد ، توسعت دائرة حمكك وأضفت إلى معطياتك أموراً مستحدثة .
لقد أعجبتني مسامرته ، ومع أني كتمته هذا الأمر ، إلا أني أشعر أن قدراته الذهنية قد عرفت ذلك من خلال النقاشات التي دارت بيننا ، والتي لولا عتم الليل ، ونوم العيون حولنا لما وجدت لترجمة انفعالي معها غير القهقهة المرسلة .
حياته إلياذة ساحرة ، وروحه المرحة تحفظ العديد من الذكريات التي ستدون في أسفار الذهن إلى ساعة الاحتضار ، في كل فصل منها تجد الحلاوة والمرارة يتزاوجان ، وتلقى محطات من الغيرة التي تنفذ من أحشائه على أرضه وقضيته ودينه ، وتحسّ بمنطقه البسيط ولهجته التي تسارعت كلماتها في نسق الإخراج ، ليتشكل من هذا المزيج إنسان يدب على الأرض ، يترك خلفه أثراً عظيماً يقرؤه حتى أمّيو البشر .
حدثني عن دراسته الجامعية ، وكيف كان يتهرب من عيون الحكومة بصداقاته الحذرة ، وكيف كان يتخذ من لقاءاته في وضح النهار مع متبرجات الإناث ستاراً ، ويعلل ذلك بمصطلحاته المضحكة وكلماته التي تنسجها سليقته وبساطته ، ويتخفى في مواطن العمل العام ، لتجده نحلة لا تحل إلا على الطيب من الأشياء ، ولا يدخل جوفها إلا طيب، ولا تفرز إلا طيباً .
رأيت في عينيه أثناء محادثتي معه أطياراً مهاجرة تبحث عن خارطة تعود بها إلى وطنها ، وتقرأ في وجه السحاب أسماء المواقع ، وكانت لحيته التي بالكاد تُرى بالعين الباصرة مخضّبة بحناء الانتماء ، وكانت قسمات وجهه تنضخ مع كل كلمة تعبيراً يدل على انفعاله وصدقه فيما يطرح .
وتحت قاعدة ثابتة يعرفها كل من ذاق نَصلَ السجن تقول: " أحبب من شئت فإنك مفارق " حكمت عليه الدولة المتغطرسة بأن يُنفى إلى سجن آخر .
كنت أنظر إليه وهو يحزم أمتعته من طرف خفي ، كان حريصاً على التراث الذي استهلك منه جُلّ وقته ، فجمع القلائد والأشكال الهندسية التي أبدعها بأنامله الفنية ، كنت أرى فيه منظر ظبي ساقته مجموعة من الضباع بعيداً عن قطيعه الذي ترعرع فيه ، لقد أحببت مجالسته ، واعتدت على حديثه الشيق ، ولكنه قدر الله ، تخضع له رقابنا ، وتنحني أمامه بصمت الصخر حتى تنال أجر الطاعة ، وتشرق فينا منارات الهداية والرشاد .
ودعناه والدمع النقي يتوحد على الأرض البتول العذراء ، لأرى في وداعي له أجتثاثاً لبعض أجزاء جسدي مني ، وأناجي .. وكم في ذلك من أمل !!
وتشاء إرادة الرحمان أن تحكم علىّ إدارة البغي النازي بمثل ما حكمت على محمد ، وعلى النسق المتدرج ، تسوقني حافلة النقل إلى سجن آخر لأنزل فيه غريباً، وما إن خطت قدماي خطوات معدودة حتى سمعت بصوت يقرع مسامعي ، فوقفت مكاني ، وتسمرت أعضائي في مكانها ، إنه صوت أعرفه.. إنه صوت محمد !! وما إن يممت شطر الصوت أتلمس مصدره ، حتى وجدته قد انغمس في الأسلاك يريد الخروج منها للترحيب بي وبمقدمي .
وأُدخلت على القسم الذي هو فيه ، لتتكرر صورة الاستقبال الحافل منه لي ، ولنرتمي في أحضان بعضنا البعض ، تعصف حولنا أعاصير الشوق والتحنان ، وبعد مرحلة خضناها سوياً ، وذكريات عطرة جمعتنا ببعضنا البعض ، في السجن الأول ، والمعتقل الثاني ، أيقنّا أن الدنيا ستجمعنا بمشيئة الله خارج هذا الألم المستشري ، وخارج هذا الظلم الذي نخر عظامنا .
وعلى أملٍ باللقاء حيث لا سجان ولا أسلاك ولا صَلف ، تفارقنا من السجن والشوق يحدونا للقاء من جديد ، لنتنسّم هواء الحرية المعتّق بشهد الحنين .
وإن تعجب .. فكل العجب في مصادقة رجل جمعتك به سويعة من نهار ، لتراه يملك لبّك ، ويقتحم عليك خلواتك ، ويجبرك على نقش اسمه في رواياتك ومذكراتك ، وهل تجد أصفى من الصداقة الحرة في دنيا المحرومين ؟
وهل تجد أروع من قلبين اجتمعا حباً في الله وتفرقا عليه !!؟!! .
تعليق