الخطابة
أسس منهجية في تطوير مهارة الخطابة العامة وفق تدرج علمي فاعل
د. نزار نبيل أبو منشار الحرباوي
قال تعالى :(( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)) صدق الله العظيم.
المقدمة
تصطرع في الساحة الفكرية اليوم الأفكار والرؤى ، والثوابت والمرتكزات ، يحاول كل طرف بما أوتي من وسائل القوة أن يؤثر على المجتمع بأفكاره وأن يحشد الناس حول فكرته ورؤيته .
أفكار صائبة وأخرى خاطئة ، ومتحدثون يملؤون شاشات التلفزة والإذاعات والندوات والمؤتمرات والحشود الجماهيرية على مدار الساعة ، فهل يمكن لنا أن نتحدث هنا عن الكلمة وأثرها ؟ أم أننا أمام تحدي بناء النخب الواعية لقيادة الجمهور .
الأمر لا يختلف ، فمن أراد التأثير في المجتمع ، خيراً أو شراً ، فعليه أن يحسن خطاب الناس ، وخطاب الناس يعتمد على أسس ومنطلقات وثوابت علمية ، تجمع بين قوة الشخصية ونبرة الصوت وحجم الوعي الفردي والجماعي ، والقدرة التمثيلية ، وفهم علم النفس السلوكي والنفس –حركي ، وهي عوامل جامعة مؤثرة في الناس دون أدنى شك .
لقد أمرنا كمسلمين أن نخاطب الناس ونبصرهم بدروب الخير (( فاصدع بما تؤمر )) ، " بلغوا عني ولو آية " ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة في هذا الاتجاه من خطاب القبائل في مكة وخطاب الوفود وإرسال السفراء والرسائل والبعثات للملوك والبلاد ، وكل ذلك يعتمد على الكلمة المنطوقة والمكتوبة وفحوى الخطاب ومصداقيته وبلاغته ومستويات تأثيره في القلوب والعقول التي تسمع .
وهنا ، لا بد لنا من فهم طبيعة الكلمات وما هي عوامل القوة فيها ، وكيف نبدأ كلماتنا وكيف نؤثر في الناس من خلالها ..
بالطبع هذا علم تخصصي ، علم قائم بذاته ، يعتمد على مقومات ومؤهلات ، ولكنه علم يتم اكتسابه من خلال الممارسة والتحضير والاستعداد ، والعلوم عامة يتم بناؤها من خلال المكتسبات المعرفية التي تؤصل للإبداع والتميز .
لقد حاولت من خلال هذا الجهد المتواضع أن أجمع ما استطعت من العلوم والفنون ، وأن أجعلها مختزلة قصيرة واضحة بلغة يفهما الصغير والكبير .
وقد استفدت من خبرات الأستاذة المبدعين من العالم العربي والغربي على حد سواء ، وضمنت هذه الأوراق مجموعة من التوجيهات المتصلة بعلوم السياسة والتواصل والاتصال والخبرة البلاغية ومحددات الخطابات العامة ونحوها مما يثري معرفة الإنسان بالواقع الذي يعيشه ويبصره بطريق التميز في الخطاب والتأثير .
لا أزعم هنا التميز ، ولكنه جهد أرجو أن يكون باكورة عمل مثمر ، يقوم من خلاله أصحاب العقول المعقولة والأفكار الإبداعية بتطوير مهارات الكلام وملكات الخطاب لديهم بحيث يضيفوا كل جديد .
أسأل الله تعالى إخلاص الجهد وقبول العمل
د. نزار نبيل الحرباوي
تعريف الخطابة :
للخطابة تعريفات عدة ، ما يهمنا منها هو ما يتعلق بمنهجية الفهم السليم لها للتأسيس لمرحلة التطور الفعلي في مجال المهارات الفعلية فيها .
فالخطابة المقصودة هنا : (( توجيه الحديث لفئة ما بوسيلة معلومة عبر التخاطب اللفظي لتحقيق هدف معين )) .
ومن التعريف الوارد تلمس التركيز الحقيقي على أن الحديث المؤثر يتم على الأمور الآتية :
1. الحديث المؤثر هو حديث موجه وليس حديثاً اعتباطيا .
2. أن هذا الحديث الخاص موجه إلى شريحة من الشرائح في المجتمع أو إلى المجتمع ككل بوصفه فئة واحدة عامة .
والإبداع الفعلي هنا يتصل بمستويات الفهم الحقيقي لطبيعة الفئة المستهدفة وخصائصها الذاتية ، وبقدر الإبداع في تخصيص الخطاب للفئة المستهدفة بقدر ما يتحقق الهدف المرجو من الخطاب والأثر المترتب عليه .
فمثلا الاطفال شريحة من شرائح المجتمع ، ولكن تخصيص الخطاب لهم على نحو من 3-5 سنوات / 5-12 سنة / 12-18 سنة . يؤتي ثماره بصورة أفضل .
3. الهدف المقصود من الخطاب هو المعيار الحقيقي الضابط للإبداع ، فالكلام العشوائي والمجاملات الفارغة من مضمونها والجمل المحفوظة ونحو ذلك من مجالات الحديث لا تؤسس لخطاب جدي مؤثر في الفئات المستهدفة .
فالخطاب لا بد أن يكون له هدف وهذا الهدف يمكن فهمه من قبل المخاطبين وليس من طرف المتحدث ، فالخطاب القصير ذو الهدف الواضح أجدى من خطابات طويلة مملة متعددة بلا هدف .
والإشكالية الكبرى في حياتنا المعاصرة أن كثيرا من المتحدثين يقومون بإلقاء الخطابات من أجل إثبات أنفسهم، أو لإسقاط الواجب عنهم ، أو ليقال أنهم تحدثوا .. دون أن يكون لخطاباتهم هدف .. وهو ما يعني ضياع قيمة وأهمية الخطاب وضياع وقت المستمعين .
4. أما وسيلة الخطاب فقد أفرزت التكنولوجيا المعاصرة اليوم الكثير من الوسائل والتقنيات الخاصة بالاعلام والاعلان والدعاية مقروءة ومسموعة ومرئية .
فهناك الإعلام المسموع المتاح كالمذياع والخطابة المسجدية والخطاب الجماهيري عبر المايكروفون أو مكبرات الصوت ، وهناك الإعلام المقروء كالكتاب والمجلة والصحيفة والرسائل ونحوها ، وهناك الإعلام المنظور كما هو الحال في التلفزة والفضائيات ..
كل هذه الوسائل هي موصلة للأفكار وليست موجدة للأفكار .
لذلك على المتحدث من ذوي الأفكار أن يغتنم فرصة المساحة الممنوحة له بأي وسيلة إعلامية ليطرح من خلالها فكرته وتشكيل الوعي العام للارتقاء بمستويات العطاء . وإنشاء صيغة للحلول المثلى للإشكاليات التي تعترض مسار الواقع تفصيلا وبشكل تراكمي
5. وعند التخصيص بالخطاب اللفظي يتم التركيز على مجال الرقي بأساس التخاطب وهو المعتمد على العقل واللسان ..
التخاطب اللفظي يشمل هنا الخطابة العامة والجماهيرية والندوات والمحاضرات والحديث الإذاعي والمتلفز ونحوها من أشكال التواصل الأخرى التي لا تزال على رأس أولويات التواصل البشري حتى يومنا هذا . ولها أثرها المباشر في صياغة العقل البشري الفردي والجمعي من خلال تراكم الأفكار وصناعة منهجية التفكير .
قبل الخطابة
من المهم جدا من الناحية الفنية أن تتم الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الحيوية قبل الحديث مع الآخرين أفرادا أو جماعات ، وهذه الأسئلة وإن بدت قصيرة فهي أساس التأثير الفعلي في المخاطبين دون أدنى شك .
وعند الإجابة عن هذه الأسئلة تتم بشكل تلقائي عملية التفاعل الذهني بين المتحدث وشكل الخطاب ومستوياته وألفاظه .
الأسئلة هي :
من ؟ يقول ماذا؟ ومتى ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ وأين ؟
جرب أن تجيب عن هذه الأسئلة وستعرف مستويات تعقيدها وأثرها على المخاطبين .
أنا من بلدة كذا .. هل سيتحدث معي ابن بلدي أم شخص وافد ؟ ولماذا ؟ وما هو أثر وجود شخص وافد على الجمهور ؟ وما هي دلالات عدم ظهور فلان الآن ؟ ولماذا فلان أفضل من فلان في هذا الخطاب بالتحديد ؟ هل لظهور فلان علاقة بالبعد العشائري ؟ التنظيمي؟ السياسي؟ قطاع الشباب؟ قطاع المرأة ؟
هذه الأسئلة وغيرها تتصل فقط بإجابة السؤال الأول ( من )؟
التوقيت والمكان والصيغة الخطابية ومستوى نبرة الصوت ونحو ذلك أمر آخر تجب دراسته بعمق أيضاً ..
إذا .. من أراد التميز فعلاً فعليه أن يؤسس لخطاب له دلالته من حيث الشخص المتحدث وتوقيت الحديث ومكان طرح هذا الحديث ونبرة الصوت والكلمات المنتقاة لهذا الحديث بالذات ، وأشكال تفعيل الجمهور معها بصورة حقيقة وفاعلة .
تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المواقف تتطلب أن يلقي الحديث فيها طفل وبعضها شاب وبعضها امرأة وبعضها شخصية سياسية رفيعة المستوى ، وبعضها تلقى بأسلوب أدبي رفيع ، وغيرها بخطاب سياسي رصين وبعضها بالعاطفة ، وبعضها بالعقل ، وبعضها بالجمل المبتورة ، ونحو ذلك من أشكال الخطاب الصامت كليا . فالشخص المتحدث له دلالات حتى قبل البدء بحديثه .
محاور الخطاب المؤثر
الخطابة فن من فنون اللغة العربية .. وهذا الفن كغيره من الفنون له أصوله وضوابطه وأشكاله وتفرعاته ومميزات النجاح والفشل والتميز فيه ، لذلك ، وجب فهم هذه الأسس ودلالاتها قبل أي حديث بين شخصين أو بين شخص وملايين البشر ؛ وهذه الأسس :
·المقدمة :
وهي أول ما يصل السامع من كلمات المتحدث لافتتاح خطابه .
وللمقدمة الإبداعية صفات هامة تجعل منها مميزة ومؤثرة وبتجربتها يمكن لك أن تعرف قيمة التميز فيها .
انظر مثلا لبعض الخطباء الذين يكررون مقدمة الخطبة الروتينية لديهم " إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ..."
هي مقدمة قيّمة في مضمونها ، ولكن تكرارها لأكثر من مرة يعني الملل الحقيقي لدى السامع ، ويعطي دلالة على ضعف الذخيرة المعرفية والفكرية واللغوية لدى المتحدث نفسه .
ومن أهم مميزات المقدمة الإبداعية :
1. أن تكون قصيرة موجزة ..
2. أن تدل على مضمون الخطاب وفحوى الحديث الأساسي، وفيها إشارة لذلك .
3. أن تشمل بعض الكلمات المميزة والعبارات الجاذبة للجمهور .كآية قصيرة أو بيت من الشعر أو حكمة مؤثرة ...
4. أن تحمل دلالة على شخصية المخاطب وهويته الفكرية ، فمن يبدأ كلامه مثلا: بسم الله ، يختلف عمن يبدؤه بعبارة " مساء الخير " ، ويختلف عمن يبدؤه بكلمة "hello " .. فلكل مقدمة دلالة على شخصية المتحدث وهويته الفكرية والعقائدية ومميزات شخصيته وصلته بعالم القيم ونحوها ..
2. العرض ( مضمون الحديث ).
وهو صلب الموضوع الذي يريد المتحدث الخوض فيه ، سياسيا أو معرفيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو نحوه .
والعرض هو متن الخطبة المراد القاؤها ، وفيه يتم وضع الأفكار والمفاهيم والقيم التي يريد المتحدث إيصالها للناس والجمهور من خلال حديثه .
وللعرض أو المتن الإبداعي سمات تتصل بكنه الموضوع وشخص المتحدث وقدرته على الحديث من حيث القوة والأثر وبلاغة اللغة وحسن الاستدلال وعرض الآراء ونقاشها ومن هذه السمات الفارقة :
1. وضع الأهداف المراد إيصالها للناس من خلال الحديث بصورة واضحة وترتيبها من حيث الأولوية .
2. البدء بقوة وبلاغة وفصاحة بحيث يتم البدء بالآيات الكريمة أو الأحاديث المطهرة الموثوقة أو بالحكمة والمثل العربي أو من خلال الشعر قديمه وحديثه ونحو ذلك .
3. الاشتمال على الأرقام والإحصائيات ودراسات الواقع والاستئناس بالبحوث الاستقصائية من مراكز الأبحاث ودوائر الإحصاء المختلفة ، مع التأكيد هنا على أن للرقم دلالته في جذب السامع والتفاعل مع مادة الحديث وله أثر على شخصية المتحدث وكونه يؤمن بالعلم والدراسات البحثية ولا يتكلم جزافا أو لملء الفراغ .
4. عبارات الجذب والتنبيه .
وهي تلك العبارات والجمل التي تمثل فاصلا بين الفقرات أو عنوانا لتنبيه السامع لأهمية ما سيأتي وأمثلتها كثيرة .. كان يقول المتحدث مثلا :
السادة الأفاضل حضور الحفل
المؤتمرون الأحبة
السيدات والسادة
ومنها أمثلة أعمق دلالة وأثرا مثل :
يا سدنة الحق والحقيقة
يا جيل التغيير والحرية
يا أمل الأمة بالعطاء والحرية
أيها الأحرار الأطهار الأبرار.... وهكذا
فهذه العبارات تنشط ذاكرة المستمع وتعينه على مواصلة الاستماع بلا ملل ولا خمول .
والمتحدث اللبق هو من يحسن صياغة هذه العبارات وينتقي كلماتها ويحسن توزيعها على مساحة كلمته لكي يستمر جذب الكلمة للجمهور .
5. الربط الهادف بين الواقع والتاريخ ، وإعطاء الشواهد التاريخية التي تدلل على فكرة المتحدث بصورة واضحة وجلية دون ليّ أعناق النصوص والدلائل لتتوافق مع رغبة المتحدث ، وفي التاريخ عبر لا تنتهي .
ومن المفيد في خطاب الشعوب المسلمة أن يتم الربط بين الواقع وبين ما جرى في السيرة النبوية قدر الإمكان ، فالسيرة معلومة لدى العامة ، وربط الواقع بها يغني المتحدث عن الإطالة والشرح والبيان .
6. الاعتماد على القصة ، سواء قصص الأنبياء أو التابعين أو الأمم السابقة أو قصص الحيوانات الرمزية . فالقصة لها أثر عميق في النفوس ، وهي من الأمور التي يصعب على السامع نسيانها بسرعة .
7. الاعتماد على المثل العربي القصير في مكانه ، فالمثل العربي هو قصة مختزلة في كلمات ومعظم العامة والعلماء يفهمون دلالته ، وأثره عميق جداً ، فمثلا ؛
من جرب المجرب عقله مخرب ..
هذا المثل يغنيكم عن الشرح المطول لضرورة عدم تكرار التجارب السابقة مما ثبت فشله منها . فبكلمات المثل القليلة تكون قد أوصلت للجمهور رسالة قوية ومباشرة ويفهمها الجميع وتعلق في الأذهان بقصرها وقوتها .
3. الخاتمة .
والخاتمة هي الكلمات والعبارات التي تنهي بها كمتحدث كلماتك مع الناس .
يستهتر كثير من الناس مع الأسف بخاتمة الكلام . فبعضهم تراه يتحدث بعبارات عامة وآخر يتحدث بموضوع بعيد عما طرحه في كلمته في العرض والمقدمة وآخر يطيل المقدمة فينسى الناس موضوع الخطاب المركزي ، وغير هؤلاء وهؤلاء من يسرد خاتمة الحيث بسرعة وصوت منخفض وسريع الإيقاع .. وهكذا ..
لكن الخاتمة هي عنصر مهم جداً من عناصر الخطاب ، وفهمها يعين المتحدث على الانتفاع بها وجعلها مؤثرة وقوية وذات دلالة أخرى تضاف إلى سجل نجاحاته وتميزه في مقدمته وعرضه .
وللخاتمة سمات ومميزات لا بد من استيعابها.. وأهمها :
1. أن تكون قصيرة جداً . ولو استطاع المتحدث اختزال خاتمته في سطر أو سطرين على الأكثر فهناك النجاح وثمّ التميز .
2. أن تشمل خلاصة الفكرة الرئيسة في الخطاب ، وتكرر الفكرة وتدلل عليها بأسلوب احترافي . كأن تؤكد على فكرتك المنطوقة في متن الخطبة ببيت من الشعر في الخاتمة .. وفي ذلك تكرار نافع وإعادة مثمرة لفحوى الخطاب المركزي لتعلق الفكرة في الأذهان .
3. أن تطرح بقوة لافتة . وعلينا أن لا ننسى هنا أن الخاتمة هي أكثر ما يعلق في ذهن المستمع ، فكثرة الكلام ينسي بعضه بعضا . وتبقى كلمات المتحدث الأخيرة حاضرة في أسماع وأذهان الحاضرين .
ومن عناوين القوة في الختام أن تطرح فيها رقما وتستثمره ، أو أن تطرح أية كريمة أو حديثاً قصيرا أو بيتا من الشعر أو حكمة مؤثرة مع استثمار ذلك كله .
وربما ينتقي بعض المتحدثين عبارات قوية أعجبته .. فيضعها في خاتمة الكلام لديه ، فمثلا : يقول : خلق الله الخطوب رجالا .. ورجالا لقصعة وثريد
أو : المسلم وقف لله تعالى
أو نحو ذلك من العبارات والكلمات القوية الجامعة والمؤثرة .
تميز فلست لوحدك :
لا بد من الحديث بصراحة مع الراغبين بخوض غمار الحديث مع العامة ، بحيث عليهم أن يتفهموا حقيقة أنهم ليسوا وحدهم في الميدان ، فهناك ألف إنسان يعمل للخير ويدعوا إليه بأسلوبه وإمكاناته ووسائله ، وهناك مليون وكيل للشيطان يخاطب الناس بلسان الحال والمقال .
هذا التنوع والتعدد من حيث الطرح يشمل التنوع الديني والإثني والطائفي والسياسي والفكري والمعرفي والثقافي ، ويتطلب بالضرورة أن يكون لدى المتحدث لون من ألوان التحدي لذاته ، وللمعيقات الموجودة في الواقع ، بحيث تتولد لديه القناعة بأنه قادر على التأثير بالكلمة والتوجيه ، وأنه سيترك في نفوس الناس القيمة الإيجابية ليلتزموا بها وسط طوفان الأفكار والقيم والمفاهيم والأطروحات السياسية والفكرية الموجودة في كل ساحة وميدان، بفعل التنوع الحاصل في فسيفساء الشعب ومكونات المجتمع وشرائحه .
التميز هنا يقتضي الحصول على مفاتيح النجاح وأسرار التأثير ،وهي معرفية وشكلية ، تتصل بشكل المتحدث ولغته وثقافته ، ومدى إيمانه بما يطرحه من فكر ، كما تتصل أيضاً بقدراته على خلق الخطاب اللغوي والأدبي والفلسفي المقنع والتراكمي في أذهان الناس ليقودهم إلى ما يؤمن به من خلال الطرح العلمي العقلاني الموضوعي المتدرج .
وهنا، على المتحدث أن لا يفقد الأمل أمام كثرة الناعقين بالشر والفساد والإفساد، فهذه سنة التدافع في الكون ، وهي المغالبة المطلوبة والاصطبار على الحق في وجه عتاولة الباطل وأزلامه .
البعد الشكلي وهندام المتحدث
يظن بعض الناس أن تنميق الكلام واختيار الصيغ البلاغية يكفي وحده في مجال التأثير في الناس وهؤلاء يتناسون تأثير حاسة البصر لدى الناس ، والتي ثبت بالدراسات والإحصائيات أنها تؤثر في قرار الناس أكثر من حاسة السمع بنسبة الضعفين .
الشكل الخارجي للمتحدث ، وشكل ملابسه ، وتناسقها ، وقبول العين لها ، يسهم نفسيا في تقبل شخصية المتكلم من قبل المستمعين ، وهذا معناه أن الهندام والملابس وتسريحة الشعر لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب وقوته .
اللون وتناسق الثياب ( حتى وإن لم تكن حديثة أو على الموضة ) والشعر المرتب وطريقة الدخول والخروج من موقع إلقاء الكلمة كلها أمور هامة تعزز من قوة الكلمة ومكانة المتكلم أمام الناس ، والعاقل من أحسن خطاب العين والأذن معا .
متى تبدأ الكلمة ومتى تنتهي
في عالم الإعلام والتواصل هناك معايير وضوابط لا بد من فهمها وهضمها لضمان مستويات التأثير المرجوة .
البعد النفسي في تشكيل القبول للسامع أو لدى الجمهور - قل أو كثر- يتضمن حسن التعامل مع الموقف الخطابي بشكل جدي ومؤثر ومدروس ، ولو من باب تصنع الأحداث وافتعال التعابير الجسدية واللفظية لتوجيه الناس نحو انطباع معين .
السؤال الكبير هنا ، هل تبدأ الكلمة بمجرد افتتاح المتحدث لمقدمة خطابه ؟
والجواب الحتمي لذلك ؛ هو لا .
فدخول المتحدث لقاعة المؤتمرات ، أو المسجد لخطبة الجمعة ، أو دخول المتحدث لقاعة الاحتفال ، هي أولى منازل الخطاب لديه ، بحيث أنه يؤثر في الناس بمجرد رؤيتهم له ، وسلوك سلبي واحد قبل إلقاء الكلمة يعني انطباعا سلبيا عن المتحدث قبل أن يبدأ .
وهنا يجب الانتباه للأمور الآتية :
1. الحرص على الدخول المتزن لموقع إلقاء الخطاب .
2. تفقد ملابس المتحدث ولياقتها ولباقتها للحدث .
فمثلا الملابس الملونة ليست ملائمة لمن يريد الحديث في مأتم وعزاء . والحذاء الرياضي له دلالة سلبية في قاعة مؤتمرات رسمية .وهكذا ..
3. الحرص على الجلوس في المقاعد المتقدمة، أو أقرب مكان ممكن للمنصة أو المنبر لتجنب العثرات ومعيقات الطريق .
4. الخروج لمكان إلقاء الكلمة بكل اتزان ، وبخطوات ثابتة ، وظهر مرفوع ، وخطوات بطيئة تدل على الثقة بالنفس، لا على التسرع والعشوائية .
5. التأكد من جاهزية المايكروفون أو أجهزة الصوت من خلال تقريبها لسنتميترات أو إرجاعها .
6. لا تبدأ مباشرة .. خذ نفسا قصيرا وانظر للجمهور بابتسامة بسيطة تدل على المحبة والاحترام قبل أن تبدأ .
7. ألق كلمتك مقدمة وعرضا وخاتمة .
8. احرص أن تجمع أوراقك بيدك بشكل لائق وثابت حتى لا تقع منك بعد المغادرة فوراً أو تكون غير مرتبة في يدك وأنت تغادر .
9. غادر المنصة إلى مكان جلوسك أو إلى خارج المكان إذا رغبت بنفس الطريقة التي دخلت بها، بالهدوء والوقار والتؤدة والسكينة .
هذا معناه .. أن إلقاء الكلمة هو جزء من كل ، والعاقل الراغب بالتأثير لا يهتم بنقطة وينسى ثمانية ..
فكلمتك تبدأ قبل أن تبدأها وتنتهي بعد أن تنهيها.
الصوت ونبراته
الصوت عالَم متكامل ، وعلم تخصصي ، له درجاته ومميزاته وأوتاره ومستوياته ، وهناك أناس لديهم نبرات مميزة من الصوت وهناك أناس يتعاملون مع الصوت كعلم يتفاعلون معه للمرة الأولى ، وما بين هؤلاء وهؤلاء يبقى الصوت علما تخصصيا لا بد لنا من فهمه وفهم أثره في المخاطبين .
متى أرفع صوتي ومتى أخفضه ؟
متى أبدأ بمقدمة نارية لاهبة ومتى أبدأ بمقدمة انسيابية هادئة ؟
ما هي محطات رفع الصوت ؟
كيف أخاطب جمهوراً في ساحة مفتوحة وكيف أخاطب جمهورا في قاعة مغلقة ؟
ما هي دلالة الصوت المرتفع في هذه العبارة وما هي الرسائل التي يمكن أن تصل من خلاله ؟
إذا فالصوت ليس خامة ، وليس نبرة ، وليس صراخا ، الصوت هو علم وفن له رسائل ينبغي فهمها حتى يؤدي الرسالة المرادة منه ، فرفع الصوت مع الابتسامة يورث الضحك ، ورفع الصوت مع تعبير غضب يصاحبه يعني الكثير من رسائل التهديد والتخويف .
وعليه؛ فإن الفنان الحقيقي هو الذي يرسم صورة نمطية ظلية لشكل خطابه قبل بدايته ، متى يبتسم ومتى يغضب ، متى يلاطف الجمهور ومتى يستثير حماسته ، وذلك بكل تأكيد ملاصق لعامل الصوت ونبرته وحدته وارتفاعه و سرعة الكلمات وبطئها ، ونحو ذلك من أمور .
تجدر الإشارة هنا إلى أن نبرة الصوت هي عامل أساس في جذب الجمهور ، فالمتحدث الذي يعتمد نبرة صوت واحدة يزرع في الحضور الملل والكآبة ، حتى ولو تحدث بأفضل الكلام وأجوده ، والمتحدث الذي يعتمد رفع الصوت وخفضه ويلون لهجة خطابه ، له حظ وافر في التأثير في السامعين وجذبهم إلى مربع التفاعل معه .
ولك أن تتخيل الآتي :
إنسان يتحدث مع الجمهور بنبرة صوت منخفضة لا يكاد يسمعها الناس في الصفوف الخلفية ، فهل الجمهور مجبر على الاستماع له ؟ وأن يسعى جاهدا لفهم مقصده ؟ أم أن المتحدث هو الذي يريد خطاب الناس وهو المسؤول عن إيصال صوته اليهم ؟
وعلى اليد الأخرى تخيل إنسانا يصرخ بصوت عالٍ طوال مدة كلماته والجمهور أمامه قليل العدد قريبٌ منه ، لماذا تصرخ ؟ هذا سيؤدي إلى تصديع عقول الناس ولن يفهموا منك كلمة واحدة .
فالصوت رسالة ، وقوته وضعفه وسرعته وبطؤه والتلوين في حدته بين فترة وأخرى هي عوامل جاذبة ومؤثرة بلا أدنى شك .
الأمر ذاته هنا ينطبق على تجويد آية من القران في ثنايا كلمتك ، فتجويدها يعني اختلاف صوتك ، وهو يشد الناس إلى ما تتميز به أنت ، أو ما تريد أنت أن تجعله مميزا .
هنا عليك أن تدرك ، الناس ليست عبيدا عندك ، وليست مجبرة على الاستماع إليك أو تصديقك ، أنت بحاجة الجمهور ، وعليك أن تبدع لإيصال صوتك وفكرتك ورسائله إليهم ، فإن فشلت فهناك ألف متحدث غيرك لديهم المهارة ،وإن نجحت سبقت غيرك للخير وكسبت الناس لصفك ولفكرك .
كيف تتغلب على رهبة الموقف ومواجهة الجمهور ؟
يخاف كثير من الناس من هيبة الوقوف أمام الجمهور والحديث معه ، وهذا الخوف فطري طبيعي بامتياز ، فالناس تخشى من كل جديد غير مألوف .
السؤال هنا ؛ كيف يمكن لي أن أتغلب على هذا الخوف ؟
بالطبع يظن الناس أن المرة الأولى هي الأصعب ، ولكن في حقيقة الأمر أن لكل موقف ومجمع واحتفالية وتجمهر هيبته الخاصة . ربما لو سألت جهابذة المتحدثين اليوم لأخبروك عن رحلة بداياتهم ، وطرائف خوفهم في بدايات مواجهة الناس ..
الموقف له هيبة ولا غرو ، ولكن واجب " بلغوا عني ولو آية " يحفزنا على المضي قدما ، لا سيما وأن الخوف هنا فطري ، وهناك دراسات تخصصية أثبتت كيفية التغلب عليه .
بالدرجة الأولى .. الخوف أمر نفسي ، والتغلب عليه يتم بالعلاج النفسي والاستعداد النفسي .
بالنظر لذلك ، نرى أن الدراسات والتجارب والخبرات السابقة أفادت بأنه يمكن التغلب على هذا العائق النفسي من خلال عدة خطوات .
1. الإيمان بصدق وأحقية ما تطرحه .
2. الثقة بالنفس مع قبول إمكانية اعتراض الآخرين عليك مسبقا .
3. التدريب المسبق في البيت أو مع الأهل أو مع جمع من الأصدقاء .
4. البداية المأمونة ، كخطاب قصير في جمع عائلي أو مسجد الحي الصغير أو في صف دراسي أو نحو ذلك . للتدرب على الأمر .
5. التدرب المسبق على الوقوف على منصة الخطاب إن أمكن ذلك ، كصعود المنبر وقت خلو المسجد ، أو الوقوف على المنصة قبل قدوم الجمهور أو نحو ذلك .
6. معرفة أن من أمامك سيعيش نفس الظرف الذي تعيشه أنت لو وقف أي منهم في موقفك، فهذا يريحك لمعرفتك أنك إنسان مثلهم ، وهم يتفهمون إمكانية ارتباكك لأول مرة .
7. استعد جيدا في لباسك وأناقتك وضع الطيب ، فهذا يعينك على الثقة بنفسك في الموقف .
8. رتب أوراقك في يدك بشكل سلس ، واجعلها صغيرة ، غير قابلة للإفلات ، فهذا يعفيك من التخبط والخوف من وقوع الأوراق أو جمال شكلها أمام الناس أو اختلال ترتيبها عند الإلقاء .
9. ادخل بتؤدة وسكينة ووقار واخرج بتؤدة وسكينة ووقار . وتدرب على ذلك برفع هامتك ، وثبات خطواتك .
10. لا تبدأ مباشرة ، انظر في الميكروفون أمامك وخذ نفسا عميقا .
11. قل لا حول ولا قوة إلا بالله ، وتجرد من معرفتك وعلمك وقدراتك . واطلب العون من الله وعندها ستشعر أن معك أقوى قوة في الكون كله .
12. وطن نفسك على إمكانية خطئك ، فكل الناس تخطئ ، والخطأ لا يعني الموت ، وردد مرارا ؛ ماذا يحصل إن أخطأت ؟ لا شيء ، سأعود وأصوب نفسي .
13. اطلب من أصدقائك العون بتوزعهم بين الحضور ، وحاول توزيع نظراتك على الجمهور من خلال نظرك في الوجوه التي تألفها فهذا يريحك جدا .
14. تذكر أجر الكلمة الطيبة في الناس ، وتذكر أجر تذكيرك لهم بالله ، " وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملئ خير منه " وماذا تريد للأمن النفسي أكثر من استشعارك أن الله يذكرك بين الملائكة لحظة ذكرك له بين الناس ؟
15. تذكر بعض المتحدثين الفاشلين وقارن نفسك بهم ، فعلى أقل تقدير ستتكلم مع الناس بعلم ، وعلى أقل تقدير أنت متحدث جديد وغيرك يتحدث منذ سنين وهو فاشل . فهذا يعينك على صلابة إرادة خوض التحدي .
16. لا تنس " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن والصعب إذا شئت سهلا " وكذلك " اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ". فلذلك أثر ستتذكره وستشعر دلالته .
أخطاء المتحدثين
الكلام كثير ، واللغة العربية ثرية بمفرداتها ، ومع ذلك ، ليس كل من جمع الكلمات خطيبا ، ولا يقال عن كل قائل : مؤثر .
المتحدثون من غير ذوي الخبرة ، أو الذين يمارسون الخطابة فجأة ، يقعون في مجموعة من الأخطاء يجدر التنبه لها .
1. عدم الاستعداد ، فمن باب إنزال الناس منازلهم كما أمرنا بشريعتنا أن تستعد لكل لقاء ، وأن تتعب في انتقاء مفردات كلامك أمام الناس والجمهور الذي يستعد لسماعك . على أقل تقدير كن مستعدا لمن جاء مستعدا لك .
بادل الناس الاهتمام ، لأنهم لو شعروا بإهمالك وعدم جاهزيتك فأنت تضع نفسك طوعا في دائرة الشخصيات غير المرغوب بها في أذهان الناس ، أو في إطار المتحدثين الذين يضيعون وقت الناس بما لا يجدي .
2. العبوس . أنا لست مجبرا على الاستماع لشخص لا يبتسم في وجهي ، أو أراه فأخاف من عبوسه ، حتى بافتراض أن لسانه ينطق الحكم والدرر ، فإن عبوسه يقول للجمهور : لا تكترث . والبسمة التي هي صدقة في ديننا ، هي رسالة تآلف مع الجمهور أيضاً ، وبها يتم طرق أبواب القلوب .
3. عدم التعامل المنطقي مع حركات الجسد . كالتركيز على مكان دون آخر في مجال نظرك ، وإكثار حركة اليدين بما لا يتطلبه المقام ، وعدم الاهتمام بالزي الرسمي في جمهور يهمه ذلك . ونحو هذه الأمور مما يتصل بشخصية المتحدث والبعد النفسي عند المخاطبين .
4. التركيز على أحد جناحي الطائر . وأعني بذلك التركيز على الصياغة اللفظية والبديع والجناس والطباق والمحسنات اللفظية على حساب القيم والمفاهيم المشمولة أو المقصودة في الخطاب ، أو العكس تماماً ؛ كالتركيز على القيم والمضامين الجامدة دون تقديمها للجمهور بقوالب مشجعة على الاستماع إليها وإعمال العقل فيها .
الوسطية والاعتدال ، والصياغة الاحترافية ، تعتمد بالمطلق على التوازن الفعلي بين هذا الجناح وذاك الجناح ليحلق طائر الخطبة .
5. الإطالة المملة ..فكثير من المتحدثين يتبارون في قدرتهم على خطاب الجماهير لساعات طويلة ، ولكنهم يتناسون أن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا ، وخير الكلام ما قلّ ودلّ .
وعلى المتحدث أن يعي بحق ؛ أن أمامه شيخا كبيرا ، وامرأة لديها متطلبات في بيتها ، وطفلا يحب اللعب ولا يطيق الانتظار ، ومريضا لا يقوى على الجلوس كثيرا ، وأناسا لديهم أعمالهم ومسؤولياتهم ولا يمكن أن ينشغلوا عنها كثيرا ، فإذا اختصرت واختزلت مقولتك ، فهموك وأحبوك ، وإن أطلت عليهم سئموا منك ومن أفكارك .
6. عدم التجديد ، والاعتماد على الروتين . فهذا المتحدث قصصه معروفة والآيات التي يحفظها معلومة ومنذ خمس سنوات لم يخرج خارج هذه الأفكار ، لماذا سيذهب إليه الناس ؟
التجديد هنا ؛ أن يقوم المتحدث بتجديد شخصيته ومقدرات خطابه ويحشد أفكاره الجديدة ويصوغ ذلك كله بمقدمة وعرض وخاتمة لم يسمعها الناس ، حتى ولو من خلال تنميق وتغيير الصياغات ، فالناس تمل التكرار ، وتحب التغيير والتعرف على كل جديد .
ولذلك قيل : كن طازجا تحفظ مكانك في السوق .
7. عدم الخروج عن نطاقات الواقع المعروف .
لنفترض أن خطيب جمعة أو سياسي ما يقف بين الناس ويخاطبهم منذ سنوات بقضايا الواقع ويطرح رأيه فيه ، أيهما أجدى برأيك ؛ أن يجلب لهم شواهد السابقين وحكايات التاريخ وآثار الأقوام الأخرى أم يبقى في دائرة خطاب محصورة ، كل ما فيها هو وصف ما يعيشه المتحدث والمخاطبون على حد سواء .
هذا لعمري كما قال أحدهم قديما : وفسر الماء بعد الجهد بالماء ، فما تشاهده يشاهده غيرك ، وما سمعته سمهوه هم أيضاً .
8 . عدم تلوين لهجة الخطاب .الناس تحب أن تستمع لما يفيدها ، أو يلبي لديها حاجة داخلية أو ميولا معينا ، وهم ينظرون إلى كل متحدث بنظرة تشخيصية ناقدة تماماً كما يتابع الناقد السينمائي أحداث الفيلم وتسلسلها ومنطقيتها وشخصيات الفيلم وتفاصيله الدقيقة .
هنا ، أنت مطالب بتجديد لسانك كل دقيقة ، حدثهم عن فكرتك بآية ، وادعمها بحديث ، واروها ببيتين من الشعر ، ودعّم أركانها بالأمثال والقصص ، وداعب وجدان جمهورك بالحكمة ، واقتنصهم بشواهد من التاريخ ، وحدّق في عيونهم ، فإذا شعرت بمللهم فاقذفهم بطرفة قصيرة . هكذا يتم جذب الجمهور إليك وإلى فكرتك ، وهكذا يتم التأثير فيهم بقوة .
9. طول الختام. كلنا يستمع للمتحدثين .. هناك بعض المتحدثين من يعلق الناس في نهاية خطابه كأن أعناقهم ملفوفة بحبل مشنقته حتى ينهي .. لن أطيل عليكم .. اعذروني للإطالة .. لا أريد ان أكون ثقيل الظل .. ويتحدث بعد ذلك لفترات طويلة والناس قد أعدت أذهاننا لوداعه ، وبعد هذه العبارات لن تفهم منه شيئا ، فقد ودع الناس ذهنيا لا جسديا .
نحن نقول .. كلام مختزل وخاتمة قصيرة موجزة واستعداد جيد ، فإذا وصلت الخاتمة فلا تعد العرض أبدا .. عوّد جمهورك أنك رائع ملتزم صاحب تصور للخطابة ، وعلم غيرك كيف يحترمون عقول الناس وحضورهم.
10. عدم الدقة وأخطاء اللغة القاتلة وعدم التثبت.
عندما تقول : قال تعالى ، كن كزين العابدين رضي الله عنه ، فقد كان إذا سمع الأذان تغير لونه ، يقول أتدرون من أقابل الآن ؟؟.. وعندما تتحدث في حديث تذكر " فبلغه كما سمعه " واحمل الأمانة . نعم أنها الأمانة ، أمانة العلم والمعلومة ، أمانة الثقة الشعبية بك وثقة الجمهور الذي لم يضربك بالحجارة لمجرد رؤيتك ، فأنت تعني له الكثير وقد منحك فرصة ، فلا تهدرها بضعف إعدادك وأخطائك في كتاب الله وسنة نبيه ، وجهلك لروي الشعر وقافيته .
كن قويا متجددا ، إذا قلت كلمة صدقك الناس لعلمهم أنك تتعب وتسأل وتتحرى عن معلوماتك ، فإذا تغير الواقع تغيرت نظرتهم إليك، واحترامهم لك ، وتفاعلهم معك ومع أفكارك .
بالطبع هناك العديد من الأخطاء الأخرى ولكن حسن تفاعلك مع نفسك واستشعارك لمكانة المتحدث وثقتك بأنك قادر على إبلاغ المعلومة الموثقة وحسن استعدادك نفسيا سيؤثر في الناس بلا أدنى شك .
علم النفس والخطابة
شهدت السنوات الأخيرة طفرة في علم البحث والدراسات الإحصائية والسلوكية والنفس - حركية التي ترتبط بالانسان وتوجهاته وميوله .
هذه الدراسات التخصصية صنفت لنا الناس بناء على شرائحهم الاجتماعية ، وأنماط تفكيرهم، ومستويات عطائهم ، وقابليتهم للتغيير والتحول فكريا أو سياسيا أو اجتماعيا، أو نحو ذلك .
هذه الأمور هي خلاصة التخصصية في خطاب الناس بشكل واعٍ ومؤثر بناء على المعادلة الثلاثية الآتية :
فهناك الإنسان ؛ المتسامح والعصبي ، المتزمت والمنفتح ، العالم والجاهل ، الصغير والكبير ، المرأة والطفل ، السليم والمعاق والمريض ونحوها ..
وهناك المكان ؛ فالخطاب في جامعة أكاديمية يختلف عن خطبة الجمعة ، وهناك المسيرات الجماهيرية واللقاءات الحزبية ، والاجتماعات المؤسساتية واللقاءات العائلية والعشائرية ونحوها .
وهناك الظروف الخاصة وقت الخطاب ، فالحديث مع الأطفال في وقت الحرب يختلف عنه في وقت السلم ، والحديث مع المرأة في وقت الأزمات الاقتصادية يختلف عنه في أوقات الاستقرار والتنمية المجتمعية ، والحديث مع العاطلين عن العمل من حيث الوقت يختلف عن الحديث مع المسؤولين الحكوميين .
الزمان هنا له أهميته والإنسان له طبيعته والظروف تحتم عليك لغة خطاب والمكان له دلالاته الواجبة ، وعليك أن تصوغ معادلة نجاحك بين كل هذه التحديات .
البعد النفسي للجمهور
الإنسان عموما والمتحدث اللبق على وجه التحديد لا بد أن يكون متفهما للبعد النفسي للجمهور الذي يتابعه .
ومن خلال فهم المتحدث لطبيعة الجمهور وردود الفعل الخاصة به، المتحدث عليه أن يعي تفاعل الجمهور وتقاعسه ، ورغباته وتوجهاته ، وما يحبه ، وما يقربه من الملل ، حتى يقوم بالتركيز على ما يفيده ويهمه ويبتعد عما يصيبه بالملل ..
فإذا شعر المتحدث بملل الجمهور وعدم تفاعله مع المتحدث لسبب أو لآخر ، عليه أن يبادر فورا لابتكار أسلوب تغييري مباشر ، كطرح طرفة بسيطة ومباغتة ، أو تغيير مكان جلوس الآخرين أو تغيير نمط الخطاب من الإلقاء إلى طرح الأسئلة التفاعلية مع الجمهور لشد انتباههم .
مهارات الترويح والترفيه
قد يلجأ الإنسان إلى مهارة الترفيه عن الجمهور بأسلوب يراه مناسبا في ظل ظروف معينة ، ربما يلجأ لها مضطرا وربما يلجأ لها من باب الجذب المقصود للجمهور .
في حال ملل الجمهور ، أو وجود كلمات متعددة من قبل أشخاص وهيئات في فعالية واحدة ، على المتحدث اللبق أن يلجأ لفرض ذاته وأسر جمهوره من خلال قوته وسعة ثقافته ، وبدل أن يطلب منهم الاستماع اليه ، أو يعتذر لهم عن الإطالة أو نحو ذلك من إشكاليات المتحدثين يمكن أن يلجأ لأسلوب الفكاهة ليرطب الأجواء ويزيد من حماس الجمهور للاستماع إليه ، وهو أمر لا بد أن يتم في زمانه وبأسلوب يتفق مع الظرف والمكان والمناسبة وشخص المتحدث .
فطرح طرفة معينة ، أو استجلاب مثل شعبي فكاهي له دلالة حقيقية في الترويح عن الناس . والذكاء هنا أن تطرح المثل أو الطرفة لتكون بدلالة معينة .
مثلا ؛ كلنا يعرف قصص جحا ، ولكن لو قام متحدث سياسي بطرح تصوره لرأي خصومه بأنهم مثل جحا في هذا الموقف ، ستتجدد الرغبة الضمنية لدى الجمهور بالاستماع للإنسان وانشدادهم إلى طرحه حتى ولو خالفوه الرأي .
هنا ، أسلوب القصص القصيرة والرمزية له دلالاته وله أثره المباشر .
مثلا؛ أنت تريد أن يبتعد الجمهور عن فكرة الارتهان للغرب ، أو الاعتماد على الدعم الغربي ، أو الابتعاد عن العمالة للاحتلال أو نحو ذلك ؛ يمكن لك أن تطرح كل هذه القيم من خلال القصص الرمزية المنتشرة بكثرة :
كانت هناك مجموعة من أشجار النخيل الكبيرة والمعمرة في بستان ، وكان بينها عدد من شجيرات النخيل الصغيرة ، ووقع في أحد الأيام فأس أو قدوم وسط البستان ، فخافت النخلات الصغيرة وقالت : سيقطعنا كلنا !! فقالت النخلات الكبيرة : إن لم تقبل واحدة منكن أن تكون يد القدوم فلن يقوم بقطعنا .
هذا مثال صغير وقصير وله دلالته التي يفهمها الناس ، بأكثر مما تريده أنت .
ويجب هنا أن يتحدث الإنسان بطريقة تناسب مقامه بين الناس ، لا أن يتحدث خطيب جمعة أو سياسي بارز بطرفة لا تليق ، لأنها ستكون سبّة عليه ووصمة عار على الجهة التي يمثلها ، ولها دلالات لا تمحى مع الأيام .
حركات الجسد
لنفترض جدلاً أنك تتحدث في جمع مكون من ألف شخص وتوجه نظرك باتجاه زاوية واحدة من الرؤية ولم تقم بتوزيع نظراتك على الحضور الموجودين ، فيا ترى ما معنى ذلك ؟
إن المعنى التطبيقي للأمر أنك قلت بلسان الحال لنصف الحاضرين أنك لا تهتم بهم، وأنهم ليسوا مهمين لديك ، وخطابك غير موجه لهم ، وهذا معناه أيضاً : لا تستمعوا ولا تتفاعلوا مع كلمتي فهي لا تعنيكم .
هذه حركة واحدة من حركات الجسد ، وهذا هو تأثيرها، فيكف بنا إذا تحدثنا عن الثبات ، وكثرة تحريك اليدين ، والحركة على المسرح ، والابتسام في غير موضعه والعبوس في وجه الناس ودلالته ...
الجسد يتكلم ، وتعبيره أقوى من لسانك ، فإذا شعر الناس حولك بتأثرك بمصيبة ألمت بهم كان خطابك نافذا إلى قلوبهم ، وإن شعروا أنك متحدث ليقال قد تحدث فلان فإن الانطباع المتكون لديهم سيكون: ( + واحد... أو + متحدث ) .
المتحدث المؤثر هو الذي يحسن استنطاق بدنه ، فإذا كان محاضرا شعر الناس بأنفاسه الحارقة التي تدلل على صدقه وتفانيه ، وإذا تكلم شمل الحضور جميعا ببسمته ونظرات عيونه وتفاؤله ، وليس بعد هذا النجاح من نجاح .
تذكر هنا ، أن الناس تستمع يوميا للأخبار والسياسة والفكر والثقافة ، وأنه يمر عليهم كل يوم عشر مذيعين وعشر مقدمي برامج وعشرات الأفكار. . وعليك هنا أن تقتنص الناس لفكرك في بحر عاصف من الأفكار والإعلام والاعلان والتحليل والكذب والنفاق والضلال والبهتان والزيغ . فهل أنت على قدر هذا التحدي ؟
العمق والأثر وأسس الحصول عليه
عمق الحديث ومقدار نفاذه للعقول والقلوب يعتمد على مدى إيمان المرء بالفكرة التي يؤمن بها، والناس لا تسمع بآذانها فقط وإنما تسمع بعقولها وعيونها وقلوبها.
وما خرج من القلب أصاب القلب
ما بين العقل والعاطفة يصل الخطاب ، وبمقدار هندسة كلمتك وتوزيعها لخطاب العيون والأذان والقلوب والعقول بقدر امتلاكك لأسباب القوة المؤثرة في توجيه الخطاب وتحرير الأفكار المرجوة في جمهورك الذي تخاطبه .
كثير من المتحدثين لا يجدون الزمن الكافي للأعداد لكلماتهم، لا سيما الساسة منهم ، وهؤلاء مطالبون بالاستعداد اللحظي لتقييم الموقف وحالة الجمهور وتصنيف الشرائح واعتماد الكلمات المناسبة، وإلا كانوا رقما جديدا مفرغا من معانيه في عالم المتحدثين .
هي ملكة ومهارة ولا شك ، يبدع بها البعض ، ويسعى آخرون للوصول إليها ، ولكنها على كل الأحوال سمة نجاح ، والمهارات تكتسب ، والتأثير المنهجي لتغيير القناعات لا بد منه للوصول للغايات الفردية والجماعية .
باختصار .. عمق الخطاب ليس في كثرة الكلام أو صف الجمل المنمقة ، بل بمستويات دخول المعلومة إلى العقل والوجدان ، بالحكمة القديمة القائلة " خير الكلام ما قل ودل " أي باعتماد التأثير الفعلي لا بعدد الجمل والصوت وجمال المظهر المفرغ من مضمون قوي يهز أعماق النفس والعقل .
من الآن لا تسأل كيف ؟ الطريق واضح أمامك ، ركز على خطاب العقل والقلب ، وأحشد جنود أفكارك وقيمك وأشعارك للتدليل على فكرتك ، فالقوة بين يديك ، والعاقل من يحسن استخدامها .
كن كبيرا دائماً
الأطفال أفكارهم طفولية ، والعظماء أفكارهم كبيرة .
المترددون يخافون من طرح الأفكار ، والعقلاء يدرسون مقترحاتهم طويلا ، والجهلاء يتكلمون بلا بصر ولا بصيرة . فأي هؤلاء أنت ؟
إن الذين يؤمنون أنهم حملة لواء التغيير الفاعل ، وكبار العاملين من أصحاب العقول المتقدة والإخلاص الحقيقي والعمل الدؤوب ، لا يقبلون لأنفسهم أن يكونوا في صف الضعفاء أو صغار القوم ، كبارٌ هُم ، كبارٌ في تفكيرهم ، كبارٌ في تصرفاتهم ، كبار في مشروعاتهم ، لا يقبلون بأقل من التميز .
دعونا نتفق هنا بأن عالم السياسة المعاصر قائم على الكذب والتهويل والصراع على المصالح والنفوذ .
هنا ، لا بد لمن يخوض ميدان التغيير والتأثير أن يكون سباقا لطرح نفسه بقوة ، ليشعر القوي والضعيف أمامه أنهم أمام تحدٍ حقيقي ، فصاحب الفكرة الحقة ، يقدم نفسه للمجتمع بقوة ، أنا هنا ، وأنا هكذا ، ولدي من الخير لكم ما يعجز غيري عن تقديمه ، وأنا لا أقبل أن أتساوى في أذهان الناس مع أي كيان أو تجمع أو جماعة مهما كانت .
اليسار في البلاد العربية يتقن هذه اللعبة ، فبعد انحسار الشيوعية ، وجد اليسار في المشرق الإسلامي نفسه عموما كطفل يتيم ، فقد انقطعت عنه حبال الدعم الروسي وبات مجبرا على صياغة خطاب قوي ، لا ليكسب به الانتخابات أو الجولات التنافسية في المؤسسات والنقابات والدول ، بل ليحافظ على وجوده بالحد الأدنى ، لا سيما في ظل نمو الإسلام السياسي بخطابه الشمولي ، والذي اشتد عوده في مطلع ثمانينيات القرن العشرين ، وهو ما جعل اليسار أمام خيارين ؛ الفناء أو الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود من خلال الكلمات ، حتى ولو كانت تتجاوز الممكن ، وتخترق إمكانات التيار السياسي كله ، ولكنها وسيلته اليتيمة لإثبات أنه لا زال على قيد الحياة .
وإذا كنت تؤمن هنا أنك صاحب مشروع عالمي ، أو صاحب فكرة هي الأجدر بقيادة البشرية ، فعليك أن تكون كبيرا ، تلفت النظر دائماً بما تطرحه ، فإذا طُرحَ حشدُ الناس لمسيرة وبات كل طرف يتحدث عن مئات المشاركين فاطرح قدرتك على حشد الملايين أو مئات الآلاف ، وإذا طرح الناس مشروعات التنمية الصغيرة قدم خطتك الاستراتيجية التي تخرج خارج صندوق التفكير ، هنا ، يكون صمتك مرعبا ، وتصبح كلماتك مُهابة والكل بانتظار رأيك ورؤيتك لكل مسألة ، وتمسي بذلك رقما حقيقيا في المعادلة لا يمكن تجاوزه .
عالم الخطاب السياسي
السياسة لها عالم خاص بها ..
في عالم السياسة ، تختلط القيم والثوابت والمرتكزات مع الدهاء والخبث والكلمات ذات الدلالات المبهمة ، تلتقي تارة لترهق خصما وتارة أخرى لتأصيل رؤية ، وتراها تتمايل حينا لتجعل الأسود أبيضا والأبيض أسودا .
لا ترتبك ، فعالم السياسة قائم إلى حد بعيد على انعدام الموازين وتغليب المصالح واقتناص الفرص والوقوف على كل مستجد بما يخدم هذا الطرف أو ذاك .
الإعلام هنا يلعب دوراً هاماً في صناعة الوجوه السياسية وتقديمها للمجتمع ، وهو بذلك يخلق القيادة المجتمعية كما يقال .
والسياسي الحذق هو من يعول على هذا وذاك، ويجمع بين الموجود والمعطيات بشكل احترافي واعٍ .
والناضج هنا يحاول بكل طاقته أن يفعل عناصر القوة الخطابية وموجهات الواقع الداعمة لفكرته باتجاه صياغة الرأي العام لصفه ، باستثمار وجوه الإعلام المتاحة أمامه ، بمؤسسات الإعلام وأشكاله ومسمياته .
السياسة عالم احتراب خفي ، عالم من المصالح والقواسم المشتركة والتناقضات والحروب والاتفاقات السرية والعلنية ، وهو ما يفسر لجوء هذا الطرف السياسي لمواقف جامدة ثابتة حينا ، ولتكتيكات سياسية وحيل خطابية داعمة حينا آخر ..
هذه هي السياسة ، فهم وتحليل ، وعمق وتدوير مواقف ، وصراع لتحقيق المصالح والمكتسبات ، وسعي دؤوب لإثبات الذات وإقصاء الآخر ، حتى ولو تم الإعلان عن عكس ذلك .
هذا يتطلب بالضرورة أن يكون هناك وعي بهذه الطبيعة الخاصة للخطاب السياسي الذي يختلف جوهرا ومظهرا عن خطبة الجمعة أو إلقاء الشعر أو نحو ذلك .
هذا الوعي لا بد أن يتحرك من خلال نخبة سياسية واعية تستطيع فهم خطاب الآخر وحسن قراءة الواقع ، وتحسن بالضرورة فن التعامل مع الفرص والمهددات ، وهي قادرة على رسم الأولويات ورعايتها في عالم التناقضات في الأفكار والأطروحات الصادرة عن هذا الطرف أو ذاك .
التحدي الحقيقي هنا ؛ كيف يمكن لنا أن نؤسس مثل هذه النخب ؟ وكيف يمكن لنا بناء جيل سياسي خطابي يتعامل مع الوقائع ويحسن صياغة الخطاب المناسب لكل مرحلة وحدث بما يتطلبه هذا الأمر وفق رؤية الإنسان البناء والمعطاء، ليتحقق مبدأ التدافع بين الخير والشر.
هنا لا يسع المرء التغاضي عن أهمية قراءة كتب التاريخ والفلسفة ، ومعرفة الآثار والأمثال والتبصر بالشواهد من الحضارات الإسلامية والغربية على حد سواء ، إضافة إلى أهمية تنمية المهارات البشرية والمعرفية والخبراتية ، فهذا يعين على حسن الخطاب وحسن توجيهه وقوة التأثير في الجمهور.
خلاصة :
كن واثقا بنفسك ، واستعد ، ووثق معلومتك ، وأحشد جنود أفكارك ، واقدح في ذهنك زناد التجديد ، تحظى بثقة الناس ومحبتهم وقبولهم النفسي لما تريد ، وتحقق التميز في الخطاب والأداء والأثر .
الخاتمة
حمداً لله كما أمر والصلاة والسلام على خير البشر ، وعلى من سار على درب الفلاح والرشاد وبهدي الله ورسوله ائتمر .. وبعد ..
لقد حاولت جاهداً أن أقدم للجمهور المستفيد خلاصة تجربة ذاتية وتجارب لآخرين سألتهم ووقفت على تجاربهم ، من خلالها يمكن امتلاك مفاتيح التميز في الخطابة كما أراها .
وأرغب هنا أن أشير إلى قضية حساسة ، وهي أن أسس الخطابة واحدة ، فمقدمة وعرض وخاتمة تعطيك كلمة ، ولكن مستويات التميز ، ومستويات الصياغة ، وقوة الشخصية وحسن الخطاب وهضم البعد النفسي لجمهورك المخاطب ، واستيعابك لعناصر الزمان والمكان والإنسان ، هي الكفيلة بأن تحقق لك السقف الأعلى من التميز في مسيرة الهدى والهداية ، التي أنت جزء منها وبعض من ركاب قطارها .
وإذا كانت كلمة يقولها المرء قد تهوي به في قعر جهنم سبعين خريفا ، فإن كلمة حق قد ترفع صاحبها لأعلى عليين ، ويكفي للتدليل على الأمر كلمة سهيل بن عمرو الذي عادى رسول الله سنوات حياته كاملة ، ولكنه لما أسلم ، وقف في أهل مكة بعد معركة حنين ، وقد اعتراهم التردد ، فقال كلمته المشهورة ( يا أهل مكة : كنتم آخر من آمن ، أفتكونون أول من يكفر ؟ ) فثبت الإيمان في أهل مكة بفضل كلمته .
والناس هكذا ، في كثير من الأحيان تنتظر كلمة مثبّته ، أو بشرى أمل ، أو شعاع خير ينير لهم من بعيد في نفق الحياة المظلم والمفعم بالصعوبات والمشاق ، فكن أنت مشعل الخير ، وتقدم الصفوف بعلمك وقدرتك ، ولا تترك الساحة لأهل الهوى ليتحكموا بالناس .
إن الفتى من يقول هاأنذا ..... ليس الفتى من يقول كان أبي
وفقكم الله للخير .. وجعلكم هداة مهديين
ولكم وافر محبتي وتقديري
د. نزار نبيل أبو منشار ( الحرباوي )
أسس منهجية في تطوير مهارة الخطابة العامة وفق تدرج علمي فاعل
د. نزار نبيل أبو منشار الحرباوي
قال تعالى :(( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)) صدق الله العظيم.
المقدمة
تصطرع في الساحة الفكرية اليوم الأفكار والرؤى ، والثوابت والمرتكزات ، يحاول كل طرف بما أوتي من وسائل القوة أن يؤثر على المجتمع بأفكاره وأن يحشد الناس حول فكرته ورؤيته .
أفكار صائبة وأخرى خاطئة ، ومتحدثون يملؤون شاشات التلفزة والإذاعات والندوات والمؤتمرات والحشود الجماهيرية على مدار الساعة ، فهل يمكن لنا أن نتحدث هنا عن الكلمة وأثرها ؟ أم أننا أمام تحدي بناء النخب الواعية لقيادة الجمهور .
الأمر لا يختلف ، فمن أراد التأثير في المجتمع ، خيراً أو شراً ، فعليه أن يحسن خطاب الناس ، وخطاب الناس يعتمد على أسس ومنطلقات وثوابت علمية ، تجمع بين قوة الشخصية ونبرة الصوت وحجم الوعي الفردي والجماعي ، والقدرة التمثيلية ، وفهم علم النفس السلوكي والنفس –حركي ، وهي عوامل جامعة مؤثرة في الناس دون أدنى شك .
لقد أمرنا كمسلمين أن نخاطب الناس ونبصرهم بدروب الخير (( فاصدع بما تؤمر )) ، " بلغوا عني ولو آية " ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة في هذا الاتجاه من خطاب القبائل في مكة وخطاب الوفود وإرسال السفراء والرسائل والبعثات للملوك والبلاد ، وكل ذلك يعتمد على الكلمة المنطوقة والمكتوبة وفحوى الخطاب ومصداقيته وبلاغته ومستويات تأثيره في القلوب والعقول التي تسمع .
وهنا ، لا بد لنا من فهم طبيعة الكلمات وما هي عوامل القوة فيها ، وكيف نبدأ كلماتنا وكيف نؤثر في الناس من خلالها ..
بالطبع هذا علم تخصصي ، علم قائم بذاته ، يعتمد على مقومات ومؤهلات ، ولكنه علم يتم اكتسابه من خلال الممارسة والتحضير والاستعداد ، والعلوم عامة يتم بناؤها من خلال المكتسبات المعرفية التي تؤصل للإبداع والتميز .
لقد حاولت من خلال هذا الجهد المتواضع أن أجمع ما استطعت من العلوم والفنون ، وأن أجعلها مختزلة قصيرة واضحة بلغة يفهما الصغير والكبير .
وقد استفدت من خبرات الأستاذة المبدعين من العالم العربي والغربي على حد سواء ، وضمنت هذه الأوراق مجموعة من التوجيهات المتصلة بعلوم السياسة والتواصل والاتصال والخبرة البلاغية ومحددات الخطابات العامة ونحوها مما يثري معرفة الإنسان بالواقع الذي يعيشه ويبصره بطريق التميز في الخطاب والتأثير .
لا أزعم هنا التميز ، ولكنه جهد أرجو أن يكون باكورة عمل مثمر ، يقوم من خلاله أصحاب العقول المعقولة والأفكار الإبداعية بتطوير مهارات الكلام وملكات الخطاب لديهم بحيث يضيفوا كل جديد .
أسأل الله تعالى إخلاص الجهد وقبول العمل
د. نزار نبيل الحرباوي
تعريف الخطابة :
للخطابة تعريفات عدة ، ما يهمنا منها هو ما يتعلق بمنهجية الفهم السليم لها للتأسيس لمرحلة التطور الفعلي في مجال المهارات الفعلية فيها .
فالخطابة المقصودة هنا : (( توجيه الحديث لفئة ما بوسيلة معلومة عبر التخاطب اللفظي لتحقيق هدف معين )) .
ومن التعريف الوارد تلمس التركيز الحقيقي على أن الحديث المؤثر يتم على الأمور الآتية :
1. الحديث المؤثر هو حديث موجه وليس حديثاً اعتباطيا .
2. أن هذا الحديث الخاص موجه إلى شريحة من الشرائح في المجتمع أو إلى المجتمع ككل بوصفه فئة واحدة عامة .
والإبداع الفعلي هنا يتصل بمستويات الفهم الحقيقي لطبيعة الفئة المستهدفة وخصائصها الذاتية ، وبقدر الإبداع في تخصيص الخطاب للفئة المستهدفة بقدر ما يتحقق الهدف المرجو من الخطاب والأثر المترتب عليه .
فمثلا الاطفال شريحة من شرائح المجتمع ، ولكن تخصيص الخطاب لهم على نحو من 3-5 سنوات / 5-12 سنة / 12-18 سنة . يؤتي ثماره بصورة أفضل .
3. الهدف المقصود من الخطاب هو المعيار الحقيقي الضابط للإبداع ، فالكلام العشوائي والمجاملات الفارغة من مضمونها والجمل المحفوظة ونحو ذلك من مجالات الحديث لا تؤسس لخطاب جدي مؤثر في الفئات المستهدفة .
فالخطاب لا بد أن يكون له هدف وهذا الهدف يمكن فهمه من قبل المخاطبين وليس من طرف المتحدث ، فالخطاب القصير ذو الهدف الواضح أجدى من خطابات طويلة مملة متعددة بلا هدف .
والإشكالية الكبرى في حياتنا المعاصرة أن كثيرا من المتحدثين يقومون بإلقاء الخطابات من أجل إثبات أنفسهم، أو لإسقاط الواجب عنهم ، أو ليقال أنهم تحدثوا .. دون أن يكون لخطاباتهم هدف .. وهو ما يعني ضياع قيمة وأهمية الخطاب وضياع وقت المستمعين .
4. أما وسيلة الخطاب فقد أفرزت التكنولوجيا المعاصرة اليوم الكثير من الوسائل والتقنيات الخاصة بالاعلام والاعلان والدعاية مقروءة ومسموعة ومرئية .
فهناك الإعلام المسموع المتاح كالمذياع والخطابة المسجدية والخطاب الجماهيري عبر المايكروفون أو مكبرات الصوت ، وهناك الإعلام المقروء كالكتاب والمجلة والصحيفة والرسائل ونحوها ، وهناك الإعلام المنظور كما هو الحال في التلفزة والفضائيات ..
كل هذه الوسائل هي موصلة للأفكار وليست موجدة للأفكار .
لذلك على المتحدث من ذوي الأفكار أن يغتنم فرصة المساحة الممنوحة له بأي وسيلة إعلامية ليطرح من خلالها فكرته وتشكيل الوعي العام للارتقاء بمستويات العطاء . وإنشاء صيغة للحلول المثلى للإشكاليات التي تعترض مسار الواقع تفصيلا وبشكل تراكمي
5. وعند التخصيص بالخطاب اللفظي يتم التركيز على مجال الرقي بأساس التخاطب وهو المعتمد على العقل واللسان ..
التخاطب اللفظي يشمل هنا الخطابة العامة والجماهيرية والندوات والمحاضرات والحديث الإذاعي والمتلفز ونحوها من أشكال التواصل الأخرى التي لا تزال على رأس أولويات التواصل البشري حتى يومنا هذا . ولها أثرها المباشر في صياغة العقل البشري الفردي والجمعي من خلال تراكم الأفكار وصناعة منهجية التفكير .
قبل الخطابة
من المهم جدا من الناحية الفنية أن تتم الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الحيوية قبل الحديث مع الآخرين أفرادا أو جماعات ، وهذه الأسئلة وإن بدت قصيرة فهي أساس التأثير الفعلي في المخاطبين دون أدنى شك .
وعند الإجابة عن هذه الأسئلة تتم بشكل تلقائي عملية التفاعل الذهني بين المتحدث وشكل الخطاب ومستوياته وألفاظه .
الأسئلة هي :
من ؟ يقول ماذا؟ ومتى ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ وأين ؟
جرب أن تجيب عن هذه الأسئلة وستعرف مستويات تعقيدها وأثرها على المخاطبين .
أنا من بلدة كذا .. هل سيتحدث معي ابن بلدي أم شخص وافد ؟ ولماذا ؟ وما هو أثر وجود شخص وافد على الجمهور ؟ وما هي دلالات عدم ظهور فلان الآن ؟ ولماذا فلان أفضل من فلان في هذا الخطاب بالتحديد ؟ هل لظهور فلان علاقة بالبعد العشائري ؟ التنظيمي؟ السياسي؟ قطاع الشباب؟ قطاع المرأة ؟
هذه الأسئلة وغيرها تتصل فقط بإجابة السؤال الأول ( من )؟
التوقيت والمكان والصيغة الخطابية ومستوى نبرة الصوت ونحو ذلك أمر آخر تجب دراسته بعمق أيضاً ..
إذا .. من أراد التميز فعلاً فعليه أن يؤسس لخطاب له دلالته من حيث الشخص المتحدث وتوقيت الحديث ومكان طرح هذا الحديث ونبرة الصوت والكلمات المنتقاة لهذا الحديث بالذات ، وأشكال تفعيل الجمهور معها بصورة حقيقة وفاعلة .
تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المواقف تتطلب أن يلقي الحديث فيها طفل وبعضها شاب وبعضها امرأة وبعضها شخصية سياسية رفيعة المستوى ، وبعضها تلقى بأسلوب أدبي رفيع ، وغيرها بخطاب سياسي رصين وبعضها بالعاطفة ، وبعضها بالعقل ، وبعضها بالجمل المبتورة ، ونحو ذلك من أشكال الخطاب الصامت كليا . فالشخص المتحدث له دلالات حتى قبل البدء بحديثه .
محاور الخطاب المؤثر
الخطابة فن من فنون اللغة العربية .. وهذا الفن كغيره من الفنون له أصوله وضوابطه وأشكاله وتفرعاته ومميزات النجاح والفشل والتميز فيه ، لذلك ، وجب فهم هذه الأسس ودلالاتها قبل أي حديث بين شخصين أو بين شخص وملايين البشر ؛ وهذه الأسس :
·المقدمة :
وهي أول ما يصل السامع من كلمات المتحدث لافتتاح خطابه .
وللمقدمة الإبداعية صفات هامة تجعل منها مميزة ومؤثرة وبتجربتها يمكن لك أن تعرف قيمة التميز فيها .
انظر مثلا لبعض الخطباء الذين يكررون مقدمة الخطبة الروتينية لديهم " إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ..."
هي مقدمة قيّمة في مضمونها ، ولكن تكرارها لأكثر من مرة يعني الملل الحقيقي لدى السامع ، ويعطي دلالة على ضعف الذخيرة المعرفية والفكرية واللغوية لدى المتحدث نفسه .
ومن أهم مميزات المقدمة الإبداعية :
1. أن تكون قصيرة موجزة ..
2. أن تدل على مضمون الخطاب وفحوى الحديث الأساسي، وفيها إشارة لذلك .
3. أن تشمل بعض الكلمات المميزة والعبارات الجاذبة للجمهور .كآية قصيرة أو بيت من الشعر أو حكمة مؤثرة ...
4. أن تحمل دلالة على شخصية المخاطب وهويته الفكرية ، فمن يبدأ كلامه مثلا: بسم الله ، يختلف عمن يبدؤه بعبارة " مساء الخير " ، ويختلف عمن يبدؤه بكلمة "hello " .. فلكل مقدمة دلالة على شخصية المتحدث وهويته الفكرية والعقائدية ومميزات شخصيته وصلته بعالم القيم ونحوها ..
2. العرض ( مضمون الحديث ).
وهو صلب الموضوع الذي يريد المتحدث الخوض فيه ، سياسيا أو معرفيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو نحوه .
والعرض هو متن الخطبة المراد القاؤها ، وفيه يتم وضع الأفكار والمفاهيم والقيم التي يريد المتحدث إيصالها للناس والجمهور من خلال حديثه .
وللعرض أو المتن الإبداعي سمات تتصل بكنه الموضوع وشخص المتحدث وقدرته على الحديث من حيث القوة والأثر وبلاغة اللغة وحسن الاستدلال وعرض الآراء ونقاشها ومن هذه السمات الفارقة :
1. وضع الأهداف المراد إيصالها للناس من خلال الحديث بصورة واضحة وترتيبها من حيث الأولوية .
2. البدء بقوة وبلاغة وفصاحة بحيث يتم البدء بالآيات الكريمة أو الأحاديث المطهرة الموثوقة أو بالحكمة والمثل العربي أو من خلال الشعر قديمه وحديثه ونحو ذلك .
3. الاشتمال على الأرقام والإحصائيات ودراسات الواقع والاستئناس بالبحوث الاستقصائية من مراكز الأبحاث ودوائر الإحصاء المختلفة ، مع التأكيد هنا على أن للرقم دلالته في جذب السامع والتفاعل مع مادة الحديث وله أثر على شخصية المتحدث وكونه يؤمن بالعلم والدراسات البحثية ولا يتكلم جزافا أو لملء الفراغ .
4. عبارات الجذب والتنبيه .
وهي تلك العبارات والجمل التي تمثل فاصلا بين الفقرات أو عنوانا لتنبيه السامع لأهمية ما سيأتي وأمثلتها كثيرة .. كان يقول المتحدث مثلا :
السادة الأفاضل حضور الحفل
المؤتمرون الأحبة
السيدات والسادة
ومنها أمثلة أعمق دلالة وأثرا مثل :
يا سدنة الحق والحقيقة
يا جيل التغيير والحرية
يا أمل الأمة بالعطاء والحرية
أيها الأحرار الأطهار الأبرار.... وهكذا
فهذه العبارات تنشط ذاكرة المستمع وتعينه على مواصلة الاستماع بلا ملل ولا خمول .
والمتحدث اللبق هو من يحسن صياغة هذه العبارات وينتقي كلماتها ويحسن توزيعها على مساحة كلمته لكي يستمر جذب الكلمة للجمهور .
5. الربط الهادف بين الواقع والتاريخ ، وإعطاء الشواهد التاريخية التي تدلل على فكرة المتحدث بصورة واضحة وجلية دون ليّ أعناق النصوص والدلائل لتتوافق مع رغبة المتحدث ، وفي التاريخ عبر لا تنتهي .
ومن المفيد في خطاب الشعوب المسلمة أن يتم الربط بين الواقع وبين ما جرى في السيرة النبوية قدر الإمكان ، فالسيرة معلومة لدى العامة ، وربط الواقع بها يغني المتحدث عن الإطالة والشرح والبيان .
6. الاعتماد على القصة ، سواء قصص الأنبياء أو التابعين أو الأمم السابقة أو قصص الحيوانات الرمزية . فالقصة لها أثر عميق في النفوس ، وهي من الأمور التي يصعب على السامع نسيانها بسرعة .
7. الاعتماد على المثل العربي القصير في مكانه ، فالمثل العربي هو قصة مختزلة في كلمات ومعظم العامة والعلماء يفهمون دلالته ، وأثره عميق جداً ، فمثلا ؛
من جرب المجرب عقله مخرب ..
هذا المثل يغنيكم عن الشرح المطول لضرورة عدم تكرار التجارب السابقة مما ثبت فشله منها . فبكلمات المثل القليلة تكون قد أوصلت للجمهور رسالة قوية ومباشرة ويفهمها الجميع وتعلق في الأذهان بقصرها وقوتها .
3. الخاتمة .
والخاتمة هي الكلمات والعبارات التي تنهي بها كمتحدث كلماتك مع الناس .
يستهتر كثير من الناس مع الأسف بخاتمة الكلام . فبعضهم تراه يتحدث بعبارات عامة وآخر يتحدث بموضوع بعيد عما طرحه في كلمته في العرض والمقدمة وآخر يطيل المقدمة فينسى الناس موضوع الخطاب المركزي ، وغير هؤلاء وهؤلاء من يسرد خاتمة الحيث بسرعة وصوت منخفض وسريع الإيقاع .. وهكذا ..
لكن الخاتمة هي عنصر مهم جداً من عناصر الخطاب ، وفهمها يعين المتحدث على الانتفاع بها وجعلها مؤثرة وقوية وذات دلالة أخرى تضاف إلى سجل نجاحاته وتميزه في مقدمته وعرضه .
وللخاتمة سمات ومميزات لا بد من استيعابها.. وأهمها :
1. أن تكون قصيرة جداً . ولو استطاع المتحدث اختزال خاتمته في سطر أو سطرين على الأكثر فهناك النجاح وثمّ التميز .
2. أن تشمل خلاصة الفكرة الرئيسة في الخطاب ، وتكرر الفكرة وتدلل عليها بأسلوب احترافي . كأن تؤكد على فكرتك المنطوقة في متن الخطبة ببيت من الشعر في الخاتمة .. وفي ذلك تكرار نافع وإعادة مثمرة لفحوى الخطاب المركزي لتعلق الفكرة في الأذهان .
3. أن تطرح بقوة لافتة . وعلينا أن لا ننسى هنا أن الخاتمة هي أكثر ما يعلق في ذهن المستمع ، فكثرة الكلام ينسي بعضه بعضا . وتبقى كلمات المتحدث الأخيرة حاضرة في أسماع وأذهان الحاضرين .
ومن عناوين القوة في الختام أن تطرح فيها رقما وتستثمره ، أو أن تطرح أية كريمة أو حديثاً قصيرا أو بيتا من الشعر أو حكمة مؤثرة مع استثمار ذلك كله .
وربما ينتقي بعض المتحدثين عبارات قوية أعجبته .. فيضعها في خاتمة الكلام لديه ، فمثلا : يقول : خلق الله الخطوب رجالا .. ورجالا لقصعة وثريد
أو : المسلم وقف لله تعالى
أو نحو ذلك من العبارات والكلمات القوية الجامعة والمؤثرة .
تميز فلست لوحدك :
لا بد من الحديث بصراحة مع الراغبين بخوض غمار الحديث مع العامة ، بحيث عليهم أن يتفهموا حقيقة أنهم ليسوا وحدهم في الميدان ، فهناك ألف إنسان يعمل للخير ويدعوا إليه بأسلوبه وإمكاناته ووسائله ، وهناك مليون وكيل للشيطان يخاطب الناس بلسان الحال والمقال .
هذا التنوع والتعدد من حيث الطرح يشمل التنوع الديني والإثني والطائفي والسياسي والفكري والمعرفي والثقافي ، ويتطلب بالضرورة أن يكون لدى المتحدث لون من ألوان التحدي لذاته ، وللمعيقات الموجودة في الواقع ، بحيث تتولد لديه القناعة بأنه قادر على التأثير بالكلمة والتوجيه ، وأنه سيترك في نفوس الناس القيمة الإيجابية ليلتزموا بها وسط طوفان الأفكار والقيم والمفاهيم والأطروحات السياسية والفكرية الموجودة في كل ساحة وميدان، بفعل التنوع الحاصل في فسيفساء الشعب ومكونات المجتمع وشرائحه .
التميز هنا يقتضي الحصول على مفاتيح النجاح وأسرار التأثير ،وهي معرفية وشكلية ، تتصل بشكل المتحدث ولغته وثقافته ، ومدى إيمانه بما يطرحه من فكر ، كما تتصل أيضاً بقدراته على خلق الخطاب اللغوي والأدبي والفلسفي المقنع والتراكمي في أذهان الناس ليقودهم إلى ما يؤمن به من خلال الطرح العلمي العقلاني الموضوعي المتدرج .
وهنا، على المتحدث أن لا يفقد الأمل أمام كثرة الناعقين بالشر والفساد والإفساد، فهذه سنة التدافع في الكون ، وهي المغالبة المطلوبة والاصطبار على الحق في وجه عتاولة الباطل وأزلامه .
البعد الشكلي وهندام المتحدث
يظن بعض الناس أن تنميق الكلام واختيار الصيغ البلاغية يكفي وحده في مجال التأثير في الناس وهؤلاء يتناسون تأثير حاسة البصر لدى الناس ، والتي ثبت بالدراسات والإحصائيات أنها تؤثر في قرار الناس أكثر من حاسة السمع بنسبة الضعفين .
الشكل الخارجي للمتحدث ، وشكل ملابسه ، وتناسقها ، وقبول العين لها ، يسهم نفسيا في تقبل شخصية المتكلم من قبل المستمعين ، وهذا معناه أن الهندام والملابس وتسريحة الشعر لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب وقوته .
اللون وتناسق الثياب ( حتى وإن لم تكن حديثة أو على الموضة ) والشعر المرتب وطريقة الدخول والخروج من موقع إلقاء الكلمة كلها أمور هامة تعزز من قوة الكلمة ومكانة المتكلم أمام الناس ، والعاقل من أحسن خطاب العين والأذن معا .
متى تبدأ الكلمة ومتى تنتهي
في عالم الإعلام والتواصل هناك معايير وضوابط لا بد من فهمها وهضمها لضمان مستويات التأثير المرجوة .
البعد النفسي في تشكيل القبول للسامع أو لدى الجمهور - قل أو كثر- يتضمن حسن التعامل مع الموقف الخطابي بشكل جدي ومؤثر ومدروس ، ولو من باب تصنع الأحداث وافتعال التعابير الجسدية واللفظية لتوجيه الناس نحو انطباع معين .
السؤال الكبير هنا ، هل تبدأ الكلمة بمجرد افتتاح المتحدث لمقدمة خطابه ؟
والجواب الحتمي لذلك ؛ هو لا .
فدخول المتحدث لقاعة المؤتمرات ، أو المسجد لخطبة الجمعة ، أو دخول المتحدث لقاعة الاحتفال ، هي أولى منازل الخطاب لديه ، بحيث أنه يؤثر في الناس بمجرد رؤيتهم له ، وسلوك سلبي واحد قبل إلقاء الكلمة يعني انطباعا سلبيا عن المتحدث قبل أن يبدأ .
وهنا يجب الانتباه للأمور الآتية :
1. الحرص على الدخول المتزن لموقع إلقاء الخطاب .
2. تفقد ملابس المتحدث ولياقتها ولباقتها للحدث .
فمثلا الملابس الملونة ليست ملائمة لمن يريد الحديث في مأتم وعزاء . والحذاء الرياضي له دلالة سلبية في قاعة مؤتمرات رسمية .وهكذا ..
3. الحرص على الجلوس في المقاعد المتقدمة، أو أقرب مكان ممكن للمنصة أو المنبر لتجنب العثرات ومعيقات الطريق .
4. الخروج لمكان إلقاء الكلمة بكل اتزان ، وبخطوات ثابتة ، وظهر مرفوع ، وخطوات بطيئة تدل على الثقة بالنفس، لا على التسرع والعشوائية .
5. التأكد من جاهزية المايكروفون أو أجهزة الصوت من خلال تقريبها لسنتميترات أو إرجاعها .
6. لا تبدأ مباشرة .. خذ نفسا قصيرا وانظر للجمهور بابتسامة بسيطة تدل على المحبة والاحترام قبل أن تبدأ .
7. ألق كلمتك مقدمة وعرضا وخاتمة .
8. احرص أن تجمع أوراقك بيدك بشكل لائق وثابت حتى لا تقع منك بعد المغادرة فوراً أو تكون غير مرتبة في يدك وأنت تغادر .
9. غادر المنصة إلى مكان جلوسك أو إلى خارج المكان إذا رغبت بنفس الطريقة التي دخلت بها، بالهدوء والوقار والتؤدة والسكينة .
هذا معناه .. أن إلقاء الكلمة هو جزء من كل ، والعاقل الراغب بالتأثير لا يهتم بنقطة وينسى ثمانية ..
فكلمتك تبدأ قبل أن تبدأها وتنتهي بعد أن تنهيها.
الصوت ونبراته
الصوت عالَم متكامل ، وعلم تخصصي ، له درجاته ومميزاته وأوتاره ومستوياته ، وهناك أناس لديهم نبرات مميزة من الصوت وهناك أناس يتعاملون مع الصوت كعلم يتفاعلون معه للمرة الأولى ، وما بين هؤلاء وهؤلاء يبقى الصوت علما تخصصيا لا بد لنا من فهمه وفهم أثره في المخاطبين .
متى أرفع صوتي ومتى أخفضه ؟
متى أبدأ بمقدمة نارية لاهبة ومتى أبدأ بمقدمة انسيابية هادئة ؟
ما هي محطات رفع الصوت ؟
كيف أخاطب جمهوراً في ساحة مفتوحة وكيف أخاطب جمهورا في قاعة مغلقة ؟
ما هي دلالة الصوت المرتفع في هذه العبارة وما هي الرسائل التي يمكن أن تصل من خلاله ؟
إذا فالصوت ليس خامة ، وليس نبرة ، وليس صراخا ، الصوت هو علم وفن له رسائل ينبغي فهمها حتى يؤدي الرسالة المرادة منه ، فرفع الصوت مع الابتسامة يورث الضحك ، ورفع الصوت مع تعبير غضب يصاحبه يعني الكثير من رسائل التهديد والتخويف .
وعليه؛ فإن الفنان الحقيقي هو الذي يرسم صورة نمطية ظلية لشكل خطابه قبل بدايته ، متى يبتسم ومتى يغضب ، متى يلاطف الجمهور ومتى يستثير حماسته ، وذلك بكل تأكيد ملاصق لعامل الصوت ونبرته وحدته وارتفاعه و سرعة الكلمات وبطئها ، ونحو ذلك من أمور .
تجدر الإشارة هنا إلى أن نبرة الصوت هي عامل أساس في جذب الجمهور ، فالمتحدث الذي يعتمد نبرة صوت واحدة يزرع في الحضور الملل والكآبة ، حتى ولو تحدث بأفضل الكلام وأجوده ، والمتحدث الذي يعتمد رفع الصوت وخفضه ويلون لهجة خطابه ، له حظ وافر في التأثير في السامعين وجذبهم إلى مربع التفاعل معه .
ولك أن تتخيل الآتي :
إنسان يتحدث مع الجمهور بنبرة صوت منخفضة لا يكاد يسمعها الناس في الصفوف الخلفية ، فهل الجمهور مجبر على الاستماع له ؟ وأن يسعى جاهدا لفهم مقصده ؟ أم أن المتحدث هو الذي يريد خطاب الناس وهو المسؤول عن إيصال صوته اليهم ؟
وعلى اليد الأخرى تخيل إنسانا يصرخ بصوت عالٍ طوال مدة كلماته والجمهور أمامه قليل العدد قريبٌ منه ، لماذا تصرخ ؟ هذا سيؤدي إلى تصديع عقول الناس ولن يفهموا منك كلمة واحدة .
فالصوت رسالة ، وقوته وضعفه وسرعته وبطؤه والتلوين في حدته بين فترة وأخرى هي عوامل جاذبة ومؤثرة بلا أدنى شك .
الأمر ذاته هنا ينطبق على تجويد آية من القران في ثنايا كلمتك ، فتجويدها يعني اختلاف صوتك ، وهو يشد الناس إلى ما تتميز به أنت ، أو ما تريد أنت أن تجعله مميزا .
هنا عليك أن تدرك ، الناس ليست عبيدا عندك ، وليست مجبرة على الاستماع إليك أو تصديقك ، أنت بحاجة الجمهور ، وعليك أن تبدع لإيصال صوتك وفكرتك ورسائله إليهم ، فإن فشلت فهناك ألف متحدث غيرك لديهم المهارة ،وإن نجحت سبقت غيرك للخير وكسبت الناس لصفك ولفكرك .
كيف تتغلب على رهبة الموقف ومواجهة الجمهور ؟
يخاف كثير من الناس من هيبة الوقوف أمام الجمهور والحديث معه ، وهذا الخوف فطري طبيعي بامتياز ، فالناس تخشى من كل جديد غير مألوف .
السؤال هنا ؛ كيف يمكن لي أن أتغلب على هذا الخوف ؟
بالطبع يظن الناس أن المرة الأولى هي الأصعب ، ولكن في حقيقة الأمر أن لكل موقف ومجمع واحتفالية وتجمهر هيبته الخاصة . ربما لو سألت جهابذة المتحدثين اليوم لأخبروك عن رحلة بداياتهم ، وطرائف خوفهم في بدايات مواجهة الناس ..
الموقف له هيبة ولا غرو ، ولكن واجب " بلغوا عني ولو آية " يحفزنا على المضي قدما ، لا سيما وأن الخوف هنا فطري ، وهناك دراسات تخصصية أثبتت كيفية التغلب عليه .
بالدرجة الأولى .. الخوف أمر نفسي ، والتغلب عليه يتم بالعلاج النفسي والاستعداد النفسي .
بالنظر لذلك ، نرى أن الدراسات والتجارب والخبرات السابقة أفادت بأنه يمكن التغلب على هذا العائق النفسي من خلال عدة خطوات .
1. الإيمان بصدق وأحقية ما تطرحه .
2. الثقة بالنفس مع قبول إمكانية اعتراض الآخرين عليك مسبقا .
3. التدريب المسبق في البيت أو مع الأهل أو مع جمع من الأصدقاء .
4. البداية المأمونة ، كخطاب قصير في جمع عائلي أو مسجد الحي الصغير أو في صف دراسي أو نحو ذلك . للتدرب على الأمر .
5. التدرب المسبق على الوقوف على منصة الخطاب إن أمكن ذلك ، كصعود المنبر وقت خلو المسجد ، أو الوقوف على المنصة قبل قدوم الجمهور أو نحو ذلك .
6. معرفة أن من أمامك سيعيش نفس الظرف الذي تعيشه أنت لو وقف أي منهم في موقفك، فهذا يريحك لمعرفتك أنك إنسان مثلهم ، وهم يتفهمون إمكانية ارتباكك لأول مرة .
7. استعد جيدا في لباسك وأناقتك وضع الطيب ، فهذا يعينك على الثقة بنفسك في الموقف .
8. رتب أوراقك في يدك بشكل سلس ، واجعلها صغيرة ، غير قابلة للإفلات ، فهذا يعفيك من التخبط والخوف من وقوع الأوراق أو جمال شكلها أمام الناس أو اختلال ترتيبها عند الإلقاء .
9. ادخل بتؤدة وسكينة ووقار واخرج بتؤدة وسكينة ووقار . وتدرب على ذلك برفع هامتك ، وثبات خطواتك .
10. لا تبدأ مباشرة ، انظر في الميكروفون أمامك وخذ نفسا عميقا .
11. قل لا حول ولا قوة إلا بالله ، وتجرد من معرفتك وعلمك وقدراتك . واطلب العون من الله وعندها ستشعر أن معك أقوى قوة في الكون كله .
12. وطن نفسك على إمكانية خطئك ، فكل الناس تخطئ ، والخطأ لا يعني الموت ، وردد مرارا ؛ ماذا يحصل إن أخطأت ؟ لا شيء ، سأعود وأصوب نفسي .
13. اطلب من أصدقائك العون بتوزعهم بين الحضور ، وحاول توزيع نظراتك على الجمهور من خلال نظرك في الوجوه التي تألفها فهذا يريحك جدا .
14. تذكر أجر الكلمة الطيبة في الناس ، وتذكر أجر تذكيرك لهم بالله ، " وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملئ خير منه " وماذا تريد للأمن النفسي أكثر من استشعارك أن الله يذكرك بين الملائكة لحظة ذكرك له بين الناس ؟
15. تذكر بعض المتحدثين الفاشلين وقارن نفسك بهم ، فعلى أقل تقدير ستتكلم مع الناس بعلم ، وعلى أقل تقدير أنت متحدث جديد وغيرك يتحدث منذ سنين وهو فاشل . فهذا يعينك على صلابة إرادة خوض التحدي .
16. لا تنس " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن والصعب إذا شئت سهلا " وكذلك " اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ". فلذلك أثر ستتذكره وستشعر دلالته .
أخطاء المتحدثين
الكلام كثير ، واللغة العربية ثرية بمفرداتها ، ومع ذلك ، ليس كل من جمع الكلمات خطيبا ، ولا يقال عن كل قائل : مؤثر .
المتحدثون من غير ذوي الخبرة ، أو الذين يمارسون الخطابة فجأة ، يقعون في مجموعة من الأخطاء يجدر التنبه لها .
1. عدم الاستعداد ، فمن باب إنزال الناس منازلهم كما أمرنا بشريعتنا أن تستعد لكل لقاء ، وأن تتعب في انتقاء مفردات كلامك أمام الناس والجمهور الذي يستعد لسماعك . على أقل تقدير كن مستعدا لمن جاء مستعدا لك .
بادل الناس الاهتمام ، لأنهم لو شعروا بإهمالك وعدم جاهزيتك فأنت تضع نفسك طوعا في دائرة الشخصيات غير المرغوب بها في أذهان الناس ، أو في إطار المتحدثين الذين يضيعون وقت الناس بما لا يجدي .
2. العبوس . أنا لست مجبرا على الاستماع لشخص لا يبتسم في وجهي ، أو أراه فأخاف من عبوسه ، حتى بافتراض أن لسانه ينطق الحكم والدرر ، فإن عبوسه يقول للجمهور : لا تكترث . والبسمة التي هي صدقة في ديننا ، هي رسالة تآلف مع الجمهور أيضاً ، وبها يتم طرق أبواب القلوب .
3. عدم التعامل المنطقي مع حركات الجسد . كالتركيز على مكان دون آخر في مجال نظرك ، وإكثار حركة اليدين بما لا يتطلبه المقام ، وعدم الاهتمام بالزي الرسمي في جمهور يهمه ذلك . ونحو هذه الأمور مما يتصل بشخصية المتحدث والبعد النفسي عند المخاطبين .
4. التركيز على أحد جناحي الطائر . وأعني بذلك التركيز على الصياغة اللفظية والبديع والجناس والطباق والمحسنات اللفظية على حساب القيم والمفاهيم المشمولة أو المقصودة في الخطاب ، أو العكس تماماً ؛ كالتركيز على القيم والمضامين الجامدة دون تقديمها للجمهور بقوالب مشجعة على الاستماع إليها وإعمال العقل فيها .
الوسطية والاعتدال ، والصياغة الاحترافية ، تعتمد بالمطلق على التوازن الفعلي بين هذا الجناح وذاك الجناح ليحلق طائر الخطبة .
5. الإطالة المملة ..فكثير من المتحدثين يتبارون في قدرتهم على خطاب الجماهير لساعات طويلة ، ولكنهم يتناسون أن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا ، وخير الكلام ما قلّ ودلّ .
وعلى المتحدث أن يعي بحق ؛ أن أمامه شيخا كبيرا ، وامرأة لديها متطلبات في بيتها ، وطفلا يحب اللعب ولا يطيق الانتظار ، ومريضا لا يقوى على الجلوس كثيرا ، وأناسا لديهم أعمالهم ومسؤولياتهم ولا يمكن أن ينشغلوا عنها كثيرا ، فإذا اختصرت واختزلت مقولتك ، فهموك وأحبوك ، وإن أطلت عليهم سئموا منك ومن أفكارك .
6. عدم التجديد ، والاعتماد على الروتين . فهذا المتحدث قصصه معروفة والآيات التي يحفظها معلومة ومنذ خمس سنوات لم يخرج خارج هذه الأفكار ، لماذا سيذهب إليه الناس ؟
التجديد هنا ؛ أن يقوم المتحدث بتجديد شخصيته ومقدرات خطابه ويحشد أفكاره الجديدة ويصوغ ذلك كله بمقدمة وعرض وخاتمة لم يسمعها الناس ، حتى ولو من خلال تنميق وتغيير الصياغات ، فالناس تمل التكرار ، وتحب التغيير والتعرف على كل جديد .
ولذلك قيل : كن طازجا تحفظ مكانك في السوق .
7. عدم الخروج عن نطاقات الواقع المعروف .
لنفترض أن خطيب جمعة أو سياسي ما يقف بين الناس ويخاطبهم منذ سنوات بقضايا الواقع ويطرح رأيه فيه ، أيهما أجدى برأيك ؛ أن يجلب لهم شواهد السابقين وحكايات التاريخ وآثار الأقوام الأخرى أم يبقى في دائرة خطاب محصورة ، كل ما فيها هو وصف ما يعيشه المتحدث والمخاطبون على حد سواء .
هذا لعمري كما قال أحدهم قديما : وفسر الماء بعد الجهد بالماء ، فما تشاهده يشاهده غيرك ، وما سمعته سمهوه هم أيضاً .
8 . عدم تلوين لهجة الخطاب .الناس تحب أن تستمع لما يفيدها ، أو يلبي لديها حاجة داخلية أو ميولا معينا ، وهم ينظرون إلى كل متحدث بنظرة تشخيصية ناقدة تماماً كما يتابع الناقد السينمائي أحداث الفيلم وتسلسلها ومنطقيتها وشخصيات الفيلم وتفاصيله الدقيقة .
هنا ، أنت مطالب بتجديد لسانك كل دقيقة ، حدثهم عن فكرتك بآية ، وادعمها بحديث ، واروها ببيتين من الشعر ، ودعّم أركانها بالأمثال والقصص ، وداعب وجدان جمهورك بالحكمة ، واقتنصهم بشواهد من التاريخ ، وحدّق في عيونهم ، فإذا شعرت بمللهم فاقذفهم بطرفة قصيرة . هكذا يتم جذب الجمهور إليك وإلى فكرتك ، وهكذا يتم التأثير فيهم بقوة .
9. طول الختام. كلنا يستمع للمتحدثين .. هناك بعض المتحدثين من يعلق الناس في نهاية خطابه كأن أعناقهم ملفوفة بحبل مشنقته حتى ينهي .. لن أطيل عليكم .. اعذروني للإطالة .. لا أريد ان أكون ثقيل الظل .. ويتحدث بعد ذلك لفترات طويلة والناس قد أعدت أذهاننا لوداعه ، وبعد هذه العبارات لن تفهم منه شيئا ، فقد ودع الناس ذهنيا لا جسديا .
نحن نقول .. كلام مختزل وخاتمة قصيرة موجزة واستعداد جيد ، فإذا وصلت الخاتمة فلا تعد العرض أبدا .. عوّد جمهورك أنك رائع ملتزم صاحب تصور للخطابة ، وعلم غيرك كيف يحترمون عقول الناس وحضورهم.
10. عدم الدقة وأخطاء اللغة القاتلة وعدم التثبت.
عندما تقول : قال تعالى ، كن كزين العابدين رضي الله عنه ، فقد كان إذا سمع الأذان تغير لونه ، يقول أتدرون من أقابل الآن ؟؟.. وعندما تتحدث في حديث تذكر " فبلغه كما سمعه " واحمل الأمانة . نعم أنها الأمانة ، أمانة العلم والمعلومة ، أمانة الثقة الشعبية بك وثقة الجمهور الذي لم يضربك بالحجارة لمجرد رؤيتك ، فأنت تعني له الكثير وقد منحك فرصة ، فلا تهدرها بضعف إعدادك وأخطائك في كتاب الله وسنة نبيه ، وجهلك لروي الشعر وقافيته .
كن قويا متجددا ، إذا قلت كلمة صدقك الناس لعلمهم أنك تتعب وتسأل وتتحرى عن معلوماتك ، فإذا تغير الواقع تغيرت نظرتهم إليك، واحترامهم لك ، وتفاعلهم معك ومع أفكارك .
بالطبع هناك العديد من الأخطاء الأخرى ولكن حسن تفاعلك مع نفسك واستشعارك لمكانة المتحدث وثقتك بأنك قادر على إبلاغ المعلومة الموثقة وحسن استعدادك نفسيا سيؤثر في الناس بلا أدنى شك .
علم النفس والخطابة
شهدت السنوات الأخيرة طفرة في علم البحث والدراسات الإحصائية والسلوكية والنفس - حركية التي ترتبط بالانسان وتوجهاته وميوله .
هذه الدراسات التخصصية صنفت لنا الناس بناء على شرائحهم الاجتماعية ، وأنماط تفكيرهم، ومستويات عطائهم ، وقابليتهم للتغيير والتحول فكريا أو سياسيا أو اجتماعيا، أو نحو ذلك .
هذه الأمور هي خلاصة التخصصية في خطاب الناس بشكل واعٍ ومؤثر بناء على المعادلة الثلاثية الآتية :
فهناك الإنسان ؛ المتسامح والعصبي ، المتزمت والمنفتح ، العالم والجاهل ، الصغير والكبير ، المرأة والطفل ، السليم والمعاق والمريض ونحوها ..
وهناك المكان ؛ فالخطاب في جامعة أكاديمية يختلف عن خطبة الجمعة ، وهناك المسيرات الجماهيرية واللقاءات الحزبية ، والاجتماعات المؤسساتية واللقاءات العائلية والعشائرية ونحوها .
وهناك الظروف الخاصة وقت الخطاب ، فالحديث مع الأطفال في وقت الحرب يختلف عنه في وقت السلم ، والحديث مع المرأة في وقت الأزمات الاقتصادية يختلف عنه في أوقات الاستقرار والتنمية المجتمعية ، والحديث مع العاطلين عن العمل من حيث الوقت يختلف عن الحديث مع المسؤولين الحكوميين .
الزمان هنا له أهميته والإنسان له طبيعته والظروف تحتم عليك لغة خطاب والمكان له دلالاته الواجبة ، وعليك أن تصوغ معادلة نجاحك بين كل هذه التحديات .
البعد النفسي للجمهور
الإنسان عموما والمتحدث اللبق على وجه التحديد لا بد أن يكون متفهما للبعد النفسي للجمهور الذي يتابعه .
ومن خلال فهم المتحدث لطبيعة الجمهور وردود الفعل الخاصة به، المتحدث عليه أن يعي تفاعل الجمهور وتقاعسه ، ورغباته وتوجهاته ، وما يحبه ، وما يقربه من الملل ، حتى يقوم بالتركيز على ما يفيده ويهمه ويبتعد عما يصيبه بالملل ..
فإذا شعر المتحدث بملل الجمهور وعدم تفاعله مع المتحدث لسبب أو لآخر ، عليه أن يبادر فورا لابتكار أسلوب تغييري مباشر ، كطرح طرفة بسيطة ومباغتة ، أو تغيير مكان جلوس الآخرين أو تغيير نمط الخطاب من الإلقاء إلى طرح الأسئلة التفاعلية مع الجمهور لشد انتباههم .
مهارات الترويح والترفيه
قد يلجأ الإنسان إلى مهارة الترفيه عن الجمهور بأسلوب يراه مناسبا في ظل ظروف معينة ، ربما يلجأ لها مضطرا وربما يلجأ لها من باب الجذب المقصود للجمهور .
في حال ملل الجمهور ، أو وجود كلمات متعددة من قبل أشخاص وهيئات في فعالية واحدة ، على المتحدث اللبق أن يلجأ لفرض ذاته وأسر جمهوره من خلال قوته وسعة ثقافته ، وبدل أن يطلب منهم الاستماع اليه ، أو يعتذر لهم عن الإطالة أو نحو ذلك من إشكاليات المتحدثين يمكن أن يلجأ لأسلوب الفكاهة ليرطب الأجواء ويزيد من حماس الجمهور للاستماع إليه ، وهو أمر لا بد أن يتم في زمانه وبأسلوب يتفق مع الظرف والمكان والمناسبة وشخص المتحدث .
فطرح طرفة معينة ، أو استجلاب مثل شعبي فكاهي له دلالة حقيقية في الترويح عن الناس . والذكاء هنا أن تطرح المثل أو الطرفة لتكون بدلالة معينة .
مثلا ؛ كلنا يعرف قصص جحا ، ولكن لو قام متحدث سياسي بطرح تصوره لرأي خصومه بأنهم مثل جحا في هذا الموقف ، ستتجدد الرغبة الضمنية لدى الجمهور بالاستماع للإنسان وانشدادهم إلى طرحه حتى ولو خالفوه الرأي .
هنا ، أسلوب القصص القصيرة والرمزية له دلالاته وله أثره المباشر .
مثلا؛ أنت تريد أن يبتعد الجمهور عن فكرة الارتهان للغرب ، أو الاعتماد على الدعم الغربي ، أو الابتعاد عن العمالة للاحتلال أو نحو ذلك ؛ يمكن لك أن تطرح كل هذه القيم من خلال القصص الرمزية المنتشرة بكثرة :
كانت هناك مجموعة من أشجار النخيل الكبيرة والمعمرة في بستان ، وكان بينها عدد من شجيرات النخيل الصغيرة ، ووقع في أحد الأيام فأس أو قدوم وسط البستان ، فخافت النخلات الصغيرة وقالت : سيقطعنا كلنا !! فقالت النخلات الكبيرة : إن لم تقبل واحدة منكن أن تكون يد القدوم فلن يقوم بقطعنا .
هذا مثال صغير وقصير وله دلالته التي يفهمها الناس ، بأكثر مما تريده أنت .
ويجب هنا أن يتحدث الإنسان بطريقة تناسب مقامه بين الناس ، لا أن يتحدث خطيب جمعة أو سياسي بارز بطرفة لا تليق ، لأنها ستكون سبّة عليه ووصمة عار على الجهة التي يمثلها ، ولها دلالات لا تمحى مع الأيام .
حركات الجسد
لنفترض جدلاً أنك تتحدث في جمع مكون من ألف شخص وتوجه نظرك باتجاه زاوية واحدة من الرؤية ولم تقم بتوزيع نظراتك على الحضور الموجودين ، فيا ترى ما معنى ذلك ؟
إن المعنى التطبيقي للأمر أنك قلت بلسان الحال لنصف الحاضرين أنك لا تهتم بهم، وأنهم ليسوا مهمين لديك ، وخطابك غير موجه لهم ، وهذا معناه أيضاً : لا تستمعوا ولا تتفاعلوا مع كلمتي فهي لا تعنيكم .
هذه حركة واحدة من حركات الجسد ، وهذا هو تأثيرها، فيكف بنا إذا تحدثنا عن الثبات ، وكثرة تحريك اليدين ، والحركة على المسرح ، والابتسام في غير موضعه والعبوس في وجه الناس ودلالته ...
الجسد يتكلم ، وتعبيره أقوى من لسانك ، فإذا شعر الناس حولك بتأثرك بمصيبة ألمت بهم كان خطابك نافذا إلى قلوبهم ، وإن شعروا أنك متحدث ليقال قد تحدث فلان فإن الانطباع المتكون لديهم سيكون: ( + واحد... أو + متحدث ) .
المتحدث المؤثر هو الذي يحسن استنطاق بدنه ، فإذا كان محاضرا شعر الناس بأنفاسه الحارقة التي تدلل على صدقه وتفانيه ، وإذا تكلم شمل الحضور جميعا ببسمته ونظرات عيونه وتفاؤله ، وليس بعد هذا النجاح من نجاح .
تذكر هنا ، أن الناس تستمع يوميا للأخبار والسياسة والفكر والثقافة ، وأنه يمر عليهم كل يوم عشر مذيعين وعشر مقدمي برامج وعشرات الأفكار. . وعليك هنا أن تقتنص الناس لفكرك في بحر عاصف من الأفكار والإعلام والاعلان والتحليل والكذب والنفاق والضلال والبهتان والزيغ . فهل أنت على قدر هذا التحدي ؟
العمق والأثر وأسس الحصول عليه
عمق الحديث ومقدار نفاذه للعقول والقلوب يعتمد على مدى إيمان المرء بالفكرة التي يؤمن بها، والناس لا تسمع بآذانها فقط وإنما تسمع بعقولها وعيونها وقلوبها.
وما خرج من القلب أصاب القلب
ما بين العقل والعاطفة يصل الخطاب ، وبمقدار هندسة كلمتك وتوزيعها لخطاب العيون والأذان والقلوب والعقول بقدر امتلاكك لأسباب القوة المؤثرة في توجيه الخطاب وتحرير الأفكار المرجوة في جمهورك الذي تخاطبه .
كثير من المتحدثين لا يجدون الزمن الكافي للأعداد لكلماتهم، لا سيما الساسة منهم ، وهؤلاء مطالبون بالاستعداد اللحظي لتقييم الموقف وحالة الجمهور وتصنيف الشرائح واعتماد الكلمات المناسبة، وإلا كانوا رقما جديدا مفرغا من معانيه في عالم المتحدثين .
هي ملكة ومهارة ولا شك ، يبدع بها البعض ، ويسعى آخرون للوصول إليها ، ولكنها على كل الأحوال سمة نجاح ، والمهارات تكتسب ، والتأثير المنهجي لتغيير القناعات لا بد منه للوصول للغايات الفردية والجماعية .
باختصار .. عمق الخطاب ليس في كثرة الكلام أو صف الجمل المنمقة ، بل بمستويات دخول المعلومة إلى العقل والوجدان ، بالحكمة القديمة القائلة " خير الكلام ما قل ودل " أي باعتماد التأثير الفعلي لا بعدد الجمل والصوت وجمال المظهر المفرغ من مضمون قوي يهز أعماق النفس والعقل .
من الآن لا تسأل كيف ؟ الطريق واضح أمامك ، ركز على خطاب العقل والقلب ، وأحشد جنود أفكارك وقيمك وأشعارك للتدليل على فكرتك ، فالقوة بين يديك ، والعاقل من يحسن استخدامها .
كن كبيرا دائماً
الأطفال أفكارهم طفولية ، والعظماء أفكارهم كبيرة .
المترددون يخافون من طرح الأفكار ، والعقلاء يدرسون مقترحاتهم طويلا ، والجهلاء يتكلمون بلا بصر ولا بصيرة . فأي هؤلاء أنت ؟
إن الذين يؤمنون أنهم حملة لواء التغيير الفاعل ، وكبار العاملين من أصحاب العقول المتقدة والإخلاص الحقيقي والعمل الدؤوب ، لا يقبلون لأنفسهم أن يكونوا في صف الضعفاء أو صغار القوم ، كبارٌ هُم ، كبارٌ في تفكيرهم ، كبارٌ في تصرفاتهم ، كبار في مشروعاتهم ، لا يقبلون بأقل من التميز .
دعونا نتفق هنا بأن عالم السياسة المعاصر قائم على الكذب والتهويل والصراع على المصالح والنفوذ .
هنا ، لا بد لمن يخوض ميدان التغيير والتأثير أن يكون سباقا لطرح نفسه بقوة ، ليشعر القوي والضعيف أمامه أنهم أمام تحدٍ حقيقي ، فصاحب الفكرة الحقة ، يقدم نفسه للمجتمع بقوة ، أنا هنا ، وأنا هكذا ، ولدي من الخير لكم ما يعجز غيري عن تقديمه ، وأنا لا أقبل أن أتساوى في أذهان الناس مع أي كيان أو تجمع أو جماعة مهما كانت .
اليسار في البلاد العربية يتقن هذه اللعبة ، فبعد انحسار الشيوعية ، وجد اليسار في المشرق الإسلامي نفسه عموما كطفل يتيم ، فقد انقطعت عنه حبال الدعم الروسي وبات مجبرا على صياغة خطاب قوي ، لا ليكسب به الانتخابات أو الجولات التنافسية في المؤسسات والنقابات والدول ، بل ليحافظ على وجوده بالحد الأدنى ، لا سيما في ظل نمو الإسلام السياسي بخطابه الشمولي ، والذي اشتد عوده في مطلع ثمانينيات القرن العشرين ، وهو ما جعل اليسار أمام خيارين ؛ الفناء أو الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود من خلال الكلمات ، حتى ولو كانت تتجاوز الممكن ، وتخترق إمكانات التيار السياسي كله ، ولكنها وسيلته اليتيمة لإثبات أنه لا زال على قيد الحياة .
وإذا كنت تؤمن هنا أنك صاحب مشروع عالمي ، أو صاحب فكرة هي الأجدر بقيادة البشرية ، فعليك أن تكون كبيرا ، تلفت النظر دائماً بما تطرحه ، فإذا طُرحَ حشدُ الناس لمسيرة وبات كل طرف يتحدث عن مئات المشاركين فاطرح قدرتك على حشد الملايين أو مئات الآلاف ، وإذا طرح الناس مشروعات التنمية الصغيرة قدم خطتك الاستراتيجية التي تخرج خارج صندوق التفكير ، هنا ، يكون صمتك مرعبا ، وتصبح كلماتك مُهابة والكل بانتظار رأيك ورؤيتك لكل مسألة ، وتمسي بذلك رقما حقيقيا في المعادلة لا يمكن تجاوزه .
عالم الخطاب السياسي
السياسة لها عالم خاص بها ..
في عالم السياسة ، تختلط القيم والثوابت والمرتكزات مع الدهاء والخبث والكلمات ذات الدلالات المبهمة ، تلتقي تارة لترهق خصما وتارة أخرى لتأصيل رؤية ، وتراها تتمايل حينا لتجعل الأسود أبيضا والأبيض أسودا .
لا ترتبك ، فعالم السياسة قائم إلى حد بعيد على انعدام الموازين وتغليب المصالح واقتناص الفرص والوقوف على كل مستجد بما يخدم هذا الطرف أو ذاك .
الإعلام هنا يلعب دوراً هاماً في صناعة الوجوه السياسية وتقديمها للمجتمع ، وهو بذلك يخلق القيادة المجتمعية كما يقال .
والسياسي الحذق هو من يعول على هذا وذاك، ويجمع بين الموجود والمعطيات بشكل احترافي واعٍ .
والناضج هنا يحاول بكل طاقته أن يفعل عناصر القوة الخطابية وموجهات الواقع الداعمة لفكرته باتجاه صياغة الرأي العام لصفه ، باستثمار وجوه الإعلام المتاحة أمامه ، بمؤسسات الإعلام وأشكاله ومسمياته .
السياسة عالم احتراب خفي ، عالم من المصالح والقواسم المشتركة والتناقضات والحروب والاتفاقات السرية والعلنية ، وهو ما يفسر لجوء هذا الطرف السياسي لمواقف جامدة ثابتة حينا ، ولتكتيكات سياسية وحيل خطابية داعمة حينا آخر ..
هذه هي السياسة ، فهم وتحليل ، وعمق وتدوير مواقف ، وصراع لتحقيق المصالح والمكتسبات ، وسعي دؤوب لإثبات الذات وإقصاء الآخر ، حتى ولو تم الإعلان عن عكس ذلك .
هذا يتطلب بالضرورة أن يكون هناك وعي بهذه الطبيعة الخاصة للخطاب السياسي الذي يختلف جوهرا ومظهرا عن خطبة الجمعة أو إلقاء الشعر أو نحو ذلك .
هذا الوعي لا بد أن يتحرك من خلال نخبة سياسية واعية تستطيع فهم خطاب الآخر وحسن قراءة الواقع ، وتحسن بالضرورة فن التعامل مع الفرص والمهددات ، وهي قادرة على رسم الأولويات ورعايتها في عالم التناقضات في الأفكار والأطروحات الصادرة عن هذا الطرف أو ذاك .
التحدي الحقيقي هنا ؛ كيف يمكن لنا أن نؤسس مثل هذه النخب ؟ وكيف يمكن لنا بناء جيل سياسي خطابي يتعامل مع الوقائع ويحسن صياغة الخطاب المناسب لكل مرحلة وحدث بما يتطلبه هذا الأمر وفق رؤية الإنسان البناء والمعطاء، ليتحقق مبدأ التدافع بين الخير والشر.
هنا لا يسع المرء التغاضي عن أهمية قراءة كتب التاريخ والفلسفة ، ومعرفة الآثار والأمثال والتبصر بالشواهد من الحضارات الإسلامية والغربية على حد سواء ، إضافة إلى أهمية تنمية المهارات البشرية والمعرفية والخبراتية ، فهذا يعين على حسن الخطاب وحسن توجيهه وقوة التأثير في الجمهور.
خلاصة :
كن واثقا بنفسك ، واستعد ، ووثق معلومتك ، وأحشد جنود أفكارك ، واقدح في ذهنك زناد التجديد ، تحظى بثقة الناس ومحبتهم وقبولهم النفسي لما تريد ، وتحقق التميز في الخطاب والأداء والأثر .
الخاتمة
حمداً لله كما أمر والصلاة والسلام على خير البشر ، وعلى من سار على درب الفلاح والرشاد وبهدي الله ورسوله ائتمر .. وبعد ..
لقد حاولت جاهداً أن أقدم للجمهور المستفيد خلاصة تجربة ذاتية وتجارب لآخرين سألتهم ووقفت على تجاربهم ، من خلالها يمكن امتلاك مفاتيح التميز في الخطابة كما أراها .
وأرغب هنا أن أشير إلى قضية حساسة ، وهي أن أسس الخطابة واحدة ، فمقدمة وعرض وخاتمة تعطيك كلمة ، ولكن مستويات التميز ، ومستويات الصياغة ، وقوة الشخصية وحسن الخطاب وهضم البعد النفسي لجمهورك المخاطب ، واستيعابك لعناصر الزمان والمكان والإنسان ، هي الكفيلة بأن تحقق لك السقف الأعلى من التميز في مسيرة الهدى والهداية ، التي أنت جزء منها وبعض من ركاب قطارها .
وإذا كانت كلمة يقولها المرء قد تهوي به في قعر جهنم سبعين خريفا ، فإن كلمة حق قد ترفع صاحبها لأعلى عليين ، ويكفي للتدليل على الأمر كلمة سهيل بن عمرو الذي عادى رسول الله سنوات حياته كاملة ، ولكنه لما أسلم ، وقف في أهل مكة بعد معركة حنين ، وقد اعتراهم التردد ، فقال كلمته المشهورة ( يا أهل مكة : كنتم آخر من آمن ، أفتكونون أول من يكفر ؟ ) فثبت الإيمان في أهل مكة بفضل كلمته .
والناس هكذا ، في كثير من الأحيان تنتظر كلمة مثبّته ، أو بشرى أمل ، أو شعاع خير ينير لهم من بعيد في نفق الحياة المظلم والمفعم بالصعوبات والمشاق ، فكن أنت مشعل الخير ، وتقدم الصفوف بعلمك وقدرتك ، ولا تترك الساحة لأهل الهوى ليتحكموا بالناس .
إن الفتى من يقول هاأنذا ..... ليس الفتى من يقول كان أبي
وفقكم الله للخير .. وجعلكم هداة مهديين
ولكم وافر محبتي وتقديري
د. نزار نبيل أبو منشار ( الحرباوي )