فخاخ المتاهة
ما كل هذا الإلحاح و الإصرار ؛ كأن كل ما كتبت و تكتب ليس كافيا ، لمحاصرة وفض هذا القلق و الأرق ، و كسر مخالب التمزق و الشتات التي نالت وتنال منك ؟
كلما ألح خاطر ، و حاصرته قليلا ، راوغك ، و حلق بعيدا ، و لا يترك خلفه سوى جدران صماء ، و بضعة أشباح معلقة على مشنقتك ، بين دبيب و صراخ ، يبتلي روحك بالصخب و الصفير الزاعق حد المطاردة .
هاهي تأتي بمئات من الوجوه الملونة و الباهتة ، تسوق جنود رغبتك ، صوب قلاعها و حصونها التي تبدو هشة و متهالكة ، و لا تدري أنها تدعي ما ليس لها ، كنداهة .. تبحرك مسوقا إلي حتفك ، ومزيد من الغرق في بحر أشجانك الفائرة بالحزن ، الحبلى بالجنون و الموت .
هاهي تلبس رداء متهتكا ، مفخخة بعرق صاخب ، أنثوي الريح والرائحة ، فاعطها يديك بلا مقاومة ، و لو حطت بك هناك ، حيث كان التاريخ الطفل ، مازال يرعى حملانه ، و ينفخ في شبابته شوقا لآلهة تتسرب في ملامحه و أشواقه ، و قمر يتخلى عن بلاده البعيدة .. تتوه في التفاصيل ، تسقط في رمالها المتحركة ، محاصرا بالاختناق و زائف المشاعر ، التي سوف يكون عليك أن تضخها من روحك ، حتى تستوي نارا ، قد تحرقك أنت ، قبل أن تعلن السيطرة على قارئك ، ليعيش حلما كاذبا للحظات ، و ربما عمرا محاطا بالكوابيس .
هناك رغبة مميتة في التمسك بالفكرة ، لكنها لن تصل بك إلي ما تود ، لن تصل بك إلا إلي الإخفاق لمرة جديدة ، و قد تكون نهايتك حيئذ .. قهقهات تتدلى من هنا و هناك ، بل ومن تحتك تأتي أيضا ، ساخرة من قصور و ضحالة أفكارك و معانيك . تصرخ فيك : لا تحتج أيها الفاشل اختلاق قصة من هناك ، كي تتبنى قضية مثل هذي ، لست مؤمنا بها بما يكفي لأن تسرقك ، و ترغمك على الفعل .. لا تنتفض فتحاصرك دقات قلبك الضعيف ، وانتفاضات صدرك المعبأ بالرمال و الريم اللزج، وحينها يعطى العذاب مبررا لأن يقترب منك أكثر ، بل الموت الذي يعيش فيك ، في جلدك و دمك .
مئات من مواقف تتحرك حولك ، و في سديم جنونك ، تتنازل بعضها عن مركزيتها ، متسربة إلي أباط نزوعك ، كأنها تحدث نوعا ما مؤامرة على رأسك .. هاأنت تتربص كجرذ قرب جحور و شقوق البيوت ، ودقات المعاول و الأزاميل تجرك جرا لأن ترى بنفسك مايتم ، كأنها تغزوك بنصالها ، تشق ألف جرح و جرح .. وترى بعين أخرى مالا تراه عيناك ، و حجم ما آلت إليه الضمائر من خراب و فقر .. تبحر في العلة ، و لا تجدها إلا شظايا ، و ذبالة باهتة ، حتى اصطدمت بها ، و أقنعتك كمعادلة صريحة ، فقهقهت من سخافة أمرك ، أنت المطحون بها مذ ارتحلت إلي عالم شبيه ، و عالم معاش ، و عالم له امتداد البياض في الرؤوس و النوايا .. هي طبيعة الوقت ، كل شيء قابل للبيع ، كل شيء مهما غلا له ثمن ، حتى المقدس كانت له أسواقه على سواعد و أقدار الملوك و الرعية !
عد من حيث كانت روايتك العصية ، و انظر كيف تفجرت الأحداث ، ثورة الروح بالمعنى المتجسد . ما همك أن كان أبطالك هم الأبطال أنفسهم ، المخرجون أنفسهم ، المتحكمون في مصائر العرض ، القادرون على الفعل ، بل على صنع الأحداث ، و صنع رجالها و أدواتها ، و على فعل التعقيد و التأزيم ، و أيضا الحل و إراقة دم المصائر أو إحلالها ، بحسب ما يودون وما يتطلبه الاستلاب ، و إن خانهم التوفيق إلا أنها رؤية ، قد لا تكون شيطانية بما يكفي لأن تنعش النظارة ، و تنال تصفيقهم .
: السحر يسوقك إلي مداه ، و الغرق ضالة الإمتاع .. و لكن .......
: ماذا ؟ لم توقفت .. هات ما ترى ؟
: تسليط القبضة على الخاص يستلزم منك قدرة إضافية ، قد لا تملكها ؛ لكنها خارج الفعل ، و إن كانت ما سوف يعطيه القدرة على التحليق أو السقوط !
: زدت ألأمر غموضا ، و إن وصلتني الرهبة ، و أحكمت خناقها ، وما كانت قاسما في معاملتنا للأفكار المجنحة كهذي ؟!
: مبهور بما تفعل ، و لكن الخوف من الجرأة قد يحد من جموحها قليلا ، وتضمن لك مزيدا من الوقت لتتنفس ، و ربما تتباعد و هذا الفصيل من الأبطال ، لائذا بأبطالك أنت ، من المهمشين الذي تعرف جيدا ، و تعاشر .. و قد تكون أكثر إقناعا كما هو الحال مع بطلك الأول وشخوص محيطه .. لم تعد في حاجة لكشف أدق !
: بل أنا في أمس الاحتياج إلي رؤية أرفق حتى لا يكون التوقف هو الحال .
: كن قاضيا إذا ، و احكم على غريمك فيك !
الغباء ينقر أوراقه ، ليتخفف من مسئوليته ، و كما أضلك سنينا ، سيفلح في تلوين خيبتك بألوان التعالي أو النكوص ، و تنسى مع الوقت ضرورة أن تعري ما وصلك ، إن كان ما تكتب له ضرورة ما ، و لا أظن بضرورة ما تكتب .. انظر جيوب مكتبك ، و حاذر أن تفقد روحك في أضيقها رئة .. ها عمرك ، ها دمك ، لا قيمة لشيء .. كتبت أو لم تكتب سيان .. فقط الوهم هو ما يهيأ لك الخديعة ، و لعبة الحظ التي أحاطتك بأصدقاء ورفاق لم يكونوا كما أحببت ، كما لم تكن كما يحبون ؛ فالأمر ليس أن تكتب و فقط ، فأنت لا تجيد الكتابة الأهم على جدران الوقت المريض ، حتى و إن أرغمته على احترامك !
لا تهمد الجذوة ، ولا ينفض الإلحاح ، بل يتزايد كالمرض ، فترى أمامك سرداب جامع الحي . كنت طفلا طيبا ، و مشاغبا كما أطفال الفقراء ، تتدحرج مع الأولاد على كميان التراب ، التي رفعت وقت ترميم المسجد . تغور في التراب علك ترى بعض الحكايات التي يرددها الأطفال ، لكن التعب يقهرك ، و ربما أدركك النعاس بين الكميان ، و أنت تحدد من أي جهة اقتحم عم رجب السرداب ، و أين كان يتحمم في بحر السحر ، حين أدركته الجنيات .لكن صور القوم وهم يردمون السرداب كانت هي الحية ، و كنت بحمار العائلة تلبي نداء كبار الحي ، وقت قرروا الردم حفاظا على أرض المسجد ، و حتى لا يغضب السادة الشوافعية ، و تحول حياتهم لكوابيس ،. لم تكن تدرك لم فعلوا ، و أمر رجال الآثار و معرفتهم إلا حين طاردك الأمر وأنت في طور الفهم و الوعي .. لم ردموا السرداب ، و لم ردموا البحر الذي كان يطوق المدينة ؟
ليس إلا أن يتردد صوت الشيخ محمود القلّوط – فوّال الحي - من أعلى المئذنة ، لتمتلئ ساحة الجامع ، و يهتز صدر الحي بالغبار و الضحكات ، التي دائما ما كانت تواري خيبات لا يعلمها سوى رأس أو أكثر قليلا !
كل ما قيل أن السرداب ممر تحت الأرض ، يمتد من جامع الشوافعية حتى " بنا بوصير" ، وهي قرية تابعة لمركز مدينة سمنود أو أبعد ، و ليس له من أهمية ؛ رغم ما يطلق من أقوال وحكايات كانت تتردد ، بعضها يتحدث عن أيام الفتح العمري ، و البقية مغموسة بالتخويف والترهيب ، و لها روائح لا تقنع الأنوف الشمامة !
كأني بك تود لو فعلت الآن ، كأني بك تضرب رأسك في صخرة ، تعيش حيرة غير مقنعة ، ربما يراها البعض محض افتعال ، و فورة لا يحكمها منطق .. ماذا لو أن الحي استيقظ على رائحة السرداب ، في هذا الوقت البائع لكل شيء ؟ و حفر الأنفاق مهما كان مكلفا لن يكون عصيا على من يبيع البانجو و العفة و التراب الذي قال عنه الشيوخ أنه نجس ، وكم كانوا يتمرغون فيه ، و يقبلون أحذيته ، و روائح الأنبياء الذين مروا على وجهه ، فأعطاهم رضاه و ابتداعاته .
للحديث بقية
تعليق