فخاخ المتاهة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    فخاخ المتاهة

    فخاخ المتاهة

    ما كل هذا الإلحاح و الإصرار ؛ كأن كل ما كتبت و تكتب ليس كافيا ، لمحاصرة وفض هذا القلق و الأرق ، و كسر مخالب التمزق و الشتات التي نالت وتنال منك ؟
    كلما ألح خاطر ، و حاصرته قليلا ، راوغك ، و حلق بعيدا ، و لا يترك خلفه سوى جدران صماء ، و بضعة أشباح معلقة على مشنقتك ، بين دبيب و صراخ ، يبتلي روحك بالصخب و الصفير الزاعق حد المطاردة .
    هاهي تأتي بمئات من الوجوه الملونة و الباهتة ، تسوق جنود رغبتك ، صوب قلاعها و حصونها التي تبدو هشة و متهالكة ، و لا تدري أنها تدعي ما ليس لها ، كنداهة .. تبحرك مسوقا إلي حتفك ، ومزيد من الغرق في بحر أشجانك الفائرة بالحزن ، الحبلى بالجنون و الموت .
    هاهي تلبس رداء متهتكا ، مفخخة بعرق صاخب ، أنثوي الريح والرائحة ، فاعطها يديك بلا مقاومة ، و لو حطت بك هناك ، حيث كان التاريخ الطفل ، مازال يرعى حملانه ، و ينفخ في شبابته شوقا لآلهة تتسرب في ملامحه و أشواقه ، و قمر يتخلى عن بلاده البعيدة .. تتوه في التفاصيل ، تسقط في رمالها المتحركة ، محاصرا بالاختناق و زائف المشاعر ، التي سوف يكون عليك أن تضخها من روحك ، حتى تستوي نارا ، قد تحرقك أنت ، قبل أن تعلن السيطرة على قارئك ، ليعيش حلما كاذبا للحظات ، و ربما عمرا محاطا بالكوابيس .
    هناك رغبة مميتة في التمسك بالفكرة ، لكنها لن تصل بك إلي ما تود ، لن تصل بك إلا إلي الإخفاق لمرة جديدة ، و قد تكون نهايتك حيئذ .. قهقهات تتدلى من هنا و هناك ، بل ومن تحتك تأتي أيضا ، ساخرة من قصور و ضحالة أفكارك و معانيك . تصرخ فيك : لا تحتج أيها الفاشل اختلاق قصة من هناك ، كي تتبنى قضية مثل هذي ، لست مؤمنا بها بما يكفي لأن تسرقك ، و ترغمك على الفعل .. لا تنتفض فتحاصرك دقات قلبك الضعيف ، وانتفاضات صدرك المعبأ بالرمال و الريم اللزج، وحينها يعطى العذاب مبررا لأن يقترب منك أكثر ، بل الموت الذي يعيش فيك ، في جلدك و دمك .
    مئات من مواقف تتحرك حولك ، و في سديم جنونك ، تتنازل بعضها عن مركزيتها ، متسربة إلي أباط نزوعك ، كأنها تحدث نوعا ما مؤامرة على رأسك .. هاأنت تتربص كجرذ قرب جحور و شقوق البيوت ، ودقات المعاول و الأزاميل تجرك جرا لأن ترى بنفسك مايتم ، كأنها تغزوك بنصالها ، تشق ألف جرح و جرح .. وترى بعين أخرى مالا تراه عيناك ، و حجم ما آلت إليه الضمائر من خراب و فقر .. تبحر في العلة ، و لا تجدها إلا شظايا ، و ذبالة باهتة ، حتى اصطدمت بها ، و أقنعتك كمعادلة صريحة ، فقهقهت من سخافة أمرك ، أنت المطحون بها مذ ارتحلت إلي عالم شبيه ، و عالم معاش ، و عالم له امتداد البياض في الرؤوس و النوايا .. هي طبيعة الوقت ، كل شيء قابل للبيع ، كل شيء مهما غلا له ثمن ، حتى المقدس كانت له أسواقه على سواعد و أقدار الملوك و الرعية !
    عد من حيث كانت روايتك العصية ، و انظر كيف تفجرت الأحداث ، ثورة الروح بالمعنى المتجسد . ما همك أن كان أبطالك هم الأبطال أنفسهم ، المخرجون أنفسهم ، المتحكمون في مصائر العرض ، القادرون على الفعل ، بل على صنع الأحداث ، و صنع رجالها و أدواتها ، و على فعل التعقيد و التأزيم ، و أيضا الحل و إراقة دم المصائر أو إحلالها ، بحسب ما يودون وما يتطلبه الاستلاب ، و إن خانهم التوفيق إلا أنها رؤية ، قد لا تكون شيطانية بما يكفي لأن تنعش النظارة ، و تنال تصفيقهم .
    : السحر يسوقك إلي مداه ، و الغرق ضالة الإمتاع .. و لكن .......
    : ماذا ؟ لم توقفت .. هات ما ترى ؟
    : تسليط القبضة على الخاص يستلزم منك قدرة إضافية ، قد لا تملكها ؛ لكنها خارج الفعل ، و إن كانت ما سوف يعطيه القدرة على التحليق أو السقوط !
    : زدت ألأمر غموضا ، و إن وصلتني الرهبة ، و أحكمت خناقها ، وما كانت قاسما في معاملتنا للأفكار المجنحة كهذي ؟!
    : مبهور بما تفعل ، و لكن الخوف من الجرأة قد يحد من جموحها قليلا ، وتضمن لك مزيدا من الوقت لتتنفس ، و ربما تتباعد و هذا الفصيل من الأبطال ، لائذا بأبطالك أنت ، من المهمشين الذي تعرف جيدا ، و تعاشر .. و قد تكون أكثر إقناعا كما هو الحال مع بطلك الأول وشخوص محيطه .. لم تعد في حاجة لكشف أدق !
    : بل أنا في أمس الاحتياج إلي رؤية أرفق حتى لا يكون التوقف هو الحال .
    : كن قاضيا إذا ، و احكم على غريمك فيك !
    الغباء ينقر أوراقه ، ليتخفف من مسئوليته ، و كما أضلك سنينا ، سيفلح في تلوين خيبتك بألوان التعالي أو النكوص ، و تنسى مع الوقت ضرورة أن تعري ما وصلك ، إن كان ما تكتب له ضرورة ما ، و لا أظن بضرورة ما تكتب .. انظر جيوب مكتبك ، و حاذر أن تفقد روحك في أضيقها رئة .. ها عمرك ، ها دمك ، لا قيمة لشيء .. كتبت أو لم تكتب سيان .. فقط الوهم هو ما يهيأ لك الخديعة ، و لعبة الحظ التي أحاطتك بأصدقاء ورفاق لم يكونوا كما أحببت ، كما لم تكن كما يحبون ؛ فالأمر ليس أن تكتب و فقط ، فأنت لا تجيد الكتابة الأهم على جدران الوقت المريض ، حتى و إن أرغمته على احترامك !
    لا تهمد الجذوة ، ولا ينفض الإلحاح ، بل يتزايد كالمرض ، فترى أمامك سرداب جامع الحي . كنت طفلا طيبا ، و مشاغبا كما أطفال الفقراء ، تتدحرج مع الأولاد على كميان التراب ، التي رفعت وقت ترميم المسجد . تغور في التراب علك ترى بعض الحكايات التي يرددها الأطفال ، لكن التعب يقهرك ، و ربما أدركك النعاس بين الكميان ، و أنت تحدد من أي جهة اقتحم عم رجب السرداب ، و أين كان يتحمم في بحر السحر ، حين أدركته الجنيات .لكن صور القوم وهم يردمون السرداب كانت هي الحية ، و كنت بحمار العائلة تلبي نداء كبار الحي ، وقت قرروا الردم حفاظا على أرض المسجد ، و حتى لا يغضب السادة الشوافعية ، و تحول حياتهم لكوابيس ،. لم تكن تدرك لم فعلوا ، و أمر رجال الآثار و معرفتهم إلا حين طاردك الأمر وأنت في طور الفهم و الوعي .. لم ردموا السرداب ، و لم ردموا البحر الذي كان يطوق المدينة ؟
    ليس إلا أن يتردد صوت الشيخ محمود القلّوط – فوّال الحي - من أعلى المئذنة ، لتمتلئ ساحة الجامع ، و يهتز صدر الحي بالغبار و الضحكات ، التي دائما ما كانت تواري خيبات لا يعلمها سوى رأس أو أكثر قليلا !
    كل ما قيل أن السرداب ممر تحت الأرض ، يمتد من جامع الشوافعية حتى " بنا بوصير" ، وهي قرية تابعة لمركز مدينة سمنود أو أبعد ، و ليس له من أهمية ؛ رغم ما يطلق من أقوال وحكايات كانت تتردد ، بعضها يتحدث عن أيام الفتح العمري ، و البقية مغموسة بالتخويف والترهيب ، و لها روائح لا تقنع الأنوف الشمامة !
    كأني بك تود لو فعلت الآن ، كأني بك تضرب رأسك في صخرة ، تعيش حيرة غير مقنعة ، ربما يراها البعض محض افتعال ، و فورة لا يحكمها منطق .. ماذا لو أن الحي استيقظ على رائحة السرداب ، في هذا الوقت البائع لكل شيء ؟ و حفر الأنفاق مهما كان مكلفا لن يكون عصيا على من يبيع البانجو و العفة و التراب الذي قال عنه الشيوخ أنه نجس ، وكم كانوا يتمرغون فيه ، و يقبلون أحذيته ، و روائح الأنبياء الذين مروا على وجهه ، فأعطاهم رضاه و ابتداعاته .







    للحديث بقية


    sigpic
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    #2
    سأنتظر البقية

    لا تتوقف أرجوك


    حديث ينقر القلب بشدة
    يقلص المسافة كثيرا لأكون قريبا منك


    إني منتظر


    محبتي
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      إني من المنتظرين.
      شدني السرد و المعنى
      مودتي

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #4
        ياالله، على هذه الصرخة المدوية الصاعدة من جوف القلب والأعماق..نار لاهبة محرقة..صرخة كالضرب بالخنجر تحت الحزام
        نص شيّق، يجعل القارىء يتنقّل بين سطوره بلهفة .. مذبوحا
        تحية لك أستاذي النبيل ربيع

        تعليق

        يعمل...
        X