العجوز الأسير - قصة - د. نزار نبيل أبو منشار " الحرباوي"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د نزار نبيل الحرباوي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2014
    • 76

    العجوز الأسير - قصة - د. نزار نبيل أبو منشار " الحرباوي"

    العجوز الأسير

    د. نزار نبيل أبو منشار " الحرباوي"

    ولجت بوابة الموت المسوّر ، وتركني الحراس أتقدم ببعض ما كان من متاع أكل الدهر عليه وشرب ، وتقدمت وأنا أزفر أنفاساً مثقلة بالمعاناة ، أنظر خلفي فلا أرى إلا أسلاكاً متعانقة ، يشد بعضها عضد بعض ، وأنظر أمامي فلا أرى إلا أسلاكاً لا أرى فيها إلا إيحاءات مأساة تتجسد في كل حجر وزاوية وناحية …

    أُُدخلتُ ما بين السرادق ، كانت تغنى كل صباح ومساء أغاني العتب ، وتروي بإيقاعاتها المنتحبة حكايات طوتها ما بين جوانبها المهترئة ..

    كل ما حولك ينبيك بالآهات المتغلغلة في تكوين الأشياء ، فالأمنيات عجاف ، والقلوب ران عليها الهمّ ، وجللتها غيوم الحزن الدافق، وباتت يد الطبيب الرحيم لا تجدي مع من سئمت من لدغة عقارب الإحباط .

    ووسط تلاطم الأفكار ، وهدير صمت مخيف من حولي ، وضعت قدمي الأولى داخل خيمة نقش الناس عليها بحروف من دمهم، " حاول أن لا تيأس " وبكل ما فيها من معاني ، طأطأت رأسي نحو ما يسمى بسرير الأسير ، هذه الأخشاب التي شاخت ، والدسر التي صدئت ، والتي باتت ككومة من القش يلتصق بعضها ببعض ، لا تخلوا من نخز الإبر ، وفيها من آلام النوم عليها ما ينبيك بالخبر .

    وما إن وصلت باحديداب ظهري إلى حقيبة بالية ورثتُها مع أرتال من الجراح التي ملأت صاحبها ، وطفقت أنثر ما في جعبتي من أطياف ملابس عاف من مرآها الزمان ، وبتُ أنقل مع كل قطعة جرحاً دائماً ، لأُشكل كثيباً من المآسي الناطقة .

    شابتني شائبة التراخي ، وهمت ضلوعي بالاتكاء على مقاصل الأسّرة ، ولكن القدر الإلهي لم يمهلني ، فأرسل إلى من وسط لُجب الحياة وجلبتها شعاع يقين.

    حوّلت بصري تلقاء اليمين لأرى نياماً يشكون بشخيرهم آهات الحال ، ويرسلون أجسادهم على صحراء الأسّرة في جوّ لاهبٍ قاتل ، ويممت شطر بوابة الخيمة ، فأثقلني أعباء التفكير ، ومستني حرارة الصيف في ربع النقب الخالي ، ونظرت أشأم مني .. فإذا بعجوز يرصد بعيونه الذابلة حركاتي ، ويرسل مع نظرات العيون ابتسامة تنتقل بانعطافاتها مع أمواج الأثير لتصل إلى عيوني ..

    يا لها من بسمة !!

    أوسط كل هذه الموت المنتشر على أطيار الخمول تُلمح أبتسامات!!

    نهض هذا العجوز ، وكان لا يشعر بالدقائق التي يستغرقها قيامه ونهوضه ، فرفعت رأسي ، ورأيته يقصد محراب عيني .. ووقفت أمامه أحدق في هذا الجسد المرهق، والتجاعيد المتراكمة كما يعلو موج البحر بعضه بعضاً … وهذه الأعضاء التي يتقاطر منها مع كل خطوة مشوار طويل من الهم الذي علاها .

    نظرت في عيونه .. وتعانقت النظرات ، واستبدّ بي العُجب حين رأيت ابتسامته تشرق في وجهه كشمس تخترق آفاق النفس ، وتفرز في فرائصها روح النضارة .. مدّ يده نحوي .. فبادلته الاحترام بالاحترام ، وخشيت أن أحرك يده بقوة فتهتز بقية أعضائه تبعاً ، وما إن وصلته ، والتحمت الأكف ، لمست في يده قوة غريبة، وعرفت من طريقة قبضته على كفي أن فيه شلالاً من ألق الشباب وعزيمة الرجال، وإن الدهر الذي جعل جسده مائدة يفترش عليها غذاءه ما نال منه .

    حيّاني بعذوبة ألفاظه ، ورحب بي بكلمات مقتضبة يلمس منها السامع حكمة قائلها، ونبل باذلها ، ويكأنه يحتال على قلب السامع بسحر لفظه ومنطقه الأخاذ .

    هذا العجوز … فيه من عجائب الدنيا عجائب ، ولديه من أنباء التاريخ وعصارتها تجارب وتجارب ،بزّت فيه روح التغيير ونبذ الروتين حتى صاغت هويته المحفورة على جبهته التي أعتراها وشاح من سواد الحرّ أخاديد الشيخوخة المضروبة على أم رأسه ، حتى تمردت روحه على لهيب القيود ، وجمحت في حناياها كل أعاصير الإباء ؛ حتى في زمن قلّ فيه الأباةُ الكماةُ .

    أسرتني رغبة جامحة في أن أخترق أسوار الهالة التاريخية التي ينثرها ذاك الشيخ حوله ،وقد ألجأت نفسي إلى النوم قسرأ ، حتى أنسى لظى الشمس التي انصب حرها فوق رأسي على طول طريق القمع التي حنت ظهر حياة الأسير الذي قاسي الأَمَرّين ، فوضعت جسدي الذي ارتخى فوق سرير تعمّدت قوائمه بالخراب ، وألصقت رأسي عنوة بالوسادة الخشنة ، ورحت أبوح لها بما اجتاحني من هموم وعناء .

    وفي صبيحة اليوم الثاني ، بدأت خيوط الشمس تتسلل من الثقوب التي حفرت بيد الدهر على جدران الخيمة ، تتأرجح وتغازل وجنتي ، ومن حرارة الجو أفلت زمام القرار من يدي ، وباتت خطوات الاستيقاظ مأخوذة بالحسبان ، فسمحت لعيوني أن تفتح أزاهيرها ، لتبصر الواقع الجديد في قحط صحراء جفّت فيها روح العطاء ونضارة الإرادة قبل أن تجف ورودها ونباتاتها .

    ولم تكد أنفاسي تعود إلى رئتي بعد أول زفرة، حتى وجدت " أبو إسماعيل " يقوم ببعض الحركات الرياضية التي تحاول أن تزحزح الصدأ المتراكم على مفاصلة ، لكم كانت دهشتي عظيمة حين علمت أنه أستيقظ كعادة الجيل الماضي بعد أذان الشمس ، وقبل أن تفرد أشرعتها الزاهية على رمضاء الصحراء المحيطة به من كل جانب ، لملمت قوتي واستجمعت شجاعتي للوقوف ، وما إن نجحت ، حتى وجدته واقفاً أمامي بابتسامته التي قابلني بها أول مرة ، ليأخذ بيدي إلى حيث يئد هموم جسده كل يوم ، فإذا به يقريني ببعض قهوته التي أعدها في الصباح .

    رشفت منها بعض ما حوته من لذة ونكهة ، وأومأت برأسي كناية عن أعجابي بمذاقها ، فسرّ باستطابتي لما قدمه لي ، فقام بانتزاع يده من جيبه ليخرج لي بعض السكاكر، فوضعتها في فمي أطمس فيها أثر طعم القهوة التي تُختزل لذاتها في مرارتها .

    وبسكينته وتواضعه الجم ، بدأ يبني جسور الترابط والمحبة بيني وبينه وكأننا نعرف بعضنا طوال سنين خلت ، يضاحكني ويمازحني لكي يزيل حواجز الرهبة بيننا ويسمح لثمار التلاقي أن تنضج ويفوح عطرها من جناها ، وفي مواجهة حنكة صبغت بها الحياة منطقه ، وبسمة ساحرة تنقشع من خلف هذه الشفاه ، وجدت أنني أنساق معه في الحديث بكل سلاسة ، وأطوي ملفات الرهبة التي تفتح أمام كل من التقاني على مائدة غربة .

    توطدت العلاقة بيننا ، وصارت وشائج التلاقي تزداد مع تلاقح الأفكار اليومي بيننا، أخذني الانبهار بطباع هذا الكهل الجواد الذي كانت يده الندية سخية على الدوام،حتى في توافه الأمور التي لا يعبأ الناس بوضعها على ميزان القياس .

    ومع إطلالة كل صباح ، كنت أراني مضطراً إلى مجالسة هذا الحكيم الذي يلبس قبعة الشيب على رأسه ، فأغترف من تقسيمات الوجه حكايا الماضي ، وأترك لحدسي مساحات واسعة أدلل بها على كل ألم قاساه في حياته العابقة بالحكايا .

    لطالما استوقفني هذا الشيخ العملاق وهو يمسح وجهه كل صباح بنور اليقين، فكان له موعداً لا يتجاوزه ولا يتأخر عنه مع كتاب الله ، فيقذف القرآن في وجهه نور الحق ، فتتغير ملامحه كلما أمسكه ، لتراه كائناً آخر يتذوق كل حرف في كتاب الله ، ويقف على كل لفظة ودلالة .

    وفي واقع يكتحل بالمآسي ، وتُضرب عليه قيود الأسر ، وأغلال الإرهاق النفسي ، وسلاسل البعد عن الأهل والخلان ، كان هذا الفهم المنصهر في ثوب البشر يشع على من حوله ببرد اليقين الذي لطّف نهار الصحراء الذي تكلح فيه الوجوه، ويبعث في العزائم روح التوقد والتوثب، حتى أنه ليقلب كل همّ إلى بسمة، ويحيل كل محنة إلى منحة ، يرسل إلى قلوب من حوله أشراقات الأمل في وحل الألم المترامي …

    تارة … تكون البسمة رسوله الذي لا يُشق له غبار ، ولا تلجئه إلى التعبير اللفظي، وتارة يرسل بريد النظرة إلى العيون المعذبة فتتلألأ بوهج الصبر والمرابطة ، وفي زمن الآه ، وفي عيد مولد الحزن الذي يتجدد للسجين في كل صباح ، تراه يقذف بسهام طرائفه ومداعباته الرقيقة لتضحك منها الخيام وتقفز منها قلوبٌ تحجّرت وتمرّد اليأس في أوردتها حتى تملكها من الرأس إلى أخمص القدمين.

    أعجوبة نادرة هذا الكهل .. كل ما فيه يتحدث إلا شفتيه ، يرغمك على فهمه حتى وهو صامت ، أمتزجت فيه طهارة البناء وروعة الصقل وحكمة التاريخ وجود الراح .

    يستهزئ بمستنقعات الإحباط ، ويقهر لواء اليأس ، ويستأصل شأفة الخمول بحركته الدائبة التي تخلو من الأهداف إلا من تحفيز الهمم ، وحسبه أن ينال الشرف بذلك، ويكفيه شرف اقتحام بوابات النفوس التي إذا ما دخلها فهو لا محالة غالبُُ منتصر.

    وأثناء لقاء جمعنا على منضدة من الأخشاب التي أبتدعها السجناء .. منضدة لتناول الفتات المسموح به عليها، طرحت عليه أستفساراً هالني جوابه عليه ، فقد سألته … ما الذي جاء بك إلى هذا السجن القاحل يا عمّ " أبو إسماعيل" فكانت كلماته المنسابة من شفاهه كقطرة الماء من فم سقائها لا تجد مشقة الاصطدام بحاجز ..

    " أوَما علمت بأني مسلم، وهل يحتاج المسلم في زمن أقفرت فيه النخوة وخارت فيه العزائم إلى تهمة أخرى ؟؟ !!

    حملقت في عينيه اللتين أستترتا خلف عدسات نظاراته الكبيرة ، أية صلابة قد تمرست في جسدك البالي ؟

    أي يقين هذا الذي افترس لحم الوهم والوهن وسحق عظامه !!

    تالله إنك قد جمعت في إهاب جسدك مكارم الانتماء ، وحقائق الولاء ومواطن البراء …

    أواه يا هذا الزمن … لله درك ما أغربك !!

    أيوضع مثل هذا الكهل بين شقي طاحونة الابتلاء ، أتَّسعت دائرة الاستهداف لتطال من هم بحاجة إلى من يتكئون عليه عند المسير ؟

    وإن تعجب فعجبّ قوله إنه كان من بين ثلة طاهرة ألقاها بطن الحافلات الإسرائيلية خارج حدود وطنها ، وقذف بها إلى العراء ، لا يتلقفهم إلا ثلج كسا الدنيا بثوبه الأبيض ، وأرضٍ جرداء ، ونقصٍ في المأكل والمشرب ، وأي جحر يصلح لسكن مهما كان وكأن شيخوخته تطيق هول الإبعاد ، وقسوة الظروف التي كشّرت عن أنيابها حين لقائهم .

    وأسترسل الكهل في ذكرياته، ذكرها أمامنا ونحن ننصت بكل تدبر، وتعبيرات وجهه تعطينا صورة من بين شفتيه الذابلتين ، ليتزاوج الحديث والوصف ولتتراقص بينهما حكايات وحكايات ، كل واحدة منها تركت قبلة على جبين هذا الكهل وطبعت بصمتها في قلبه.

    واستمرت عجلة الزمان تدور ، وبات هذا الأسير الصابر يعلمني كل يوم معنى من معاني هذه الحياة ، وصرت أنظر إليه وهو متربع على بعض الملابس البالية في أواخر النهار ، لتخترق الشمس بياض الشيب في رأسه فتدعه يتلألأ كغشاء اللؤلؤ الذي يوضع على رأس عروس ثرية يراد لها أختطاف الأبصار .

    وتطبق الدنيا فكيها على الأسرى الذين باتوا كبد الأمة النازف، وكلما أستشرى البلاء ، وعمت المحن ، كان هذا الفجر الصامت يشع من بين جوانبه بسمة التحدى ، يقفز بها فوق متاهات التشكيك في أبسط وأعظم تربية للناشئة من حوله ، ولمن لم تمطر عليهم سُحب التجربة من ودقها الرقراق ، وليجعل من جسده وعيونه وحركات أطرافه رسالة مفتوحة لكل قارئ ، تبتدئ كلماتها بالصبر والمؤاساة ، ويمهر في خاتمتها معنى الأمل الحق .

    ومع ما رسخ من هذا الشيخ الباسم من حكمة أخرست البلغاء والشعراء ، فإني كنت أجد ما بين الكلمة والكلمة آه عذاب ، وما بين كل جملة وجملة تنهيدة مبتلى ، في حالة أشبه ما يكون فيها بالنبتة البكر في أرض عذراء ، وقعت ما بين سطوة فأس لا ترحم بحدها الذي يلمع مع وهج الشمس ، ومنجل قد حد أسنانه أبتهاجاً بقدوم موسم الحصاد .

    يا هذا المحزون الذي يفتعل الابتسامة ليدفن في أعماق نفسه مرارة حاله ، أي فهم رصين قد بناك وسواك ؟ !!

    على عين أي منهاج ترعرعت وصُنعت ؟

    تكتم في أعماق قلبك جراحاً لو مزج بعضها بماء البحر لغيّر لونه وأسن ريحه.. أنت يا سيدي لهب يتوقد جدّاً وحدّاً ، ومفعم بالأمل يترنم بنشيد الثبات رغم المَحْل والقحط.

    أنت أيها الكهل عربون أقساط الضريبة ، أنت الذي تدفع ثمن طهارة انتمائك من عمر قد حمل مع كل وداع شفق من سمائه أسمك البراق ، ووصفك الأخاذ، أنت أيها الفذ الفلسطيني الذي دخل إلى ساحة الصراع وقد عرف عدوه وصمم على نزاله ...

    ستبقى هذه الذكريات يا أبا إسماعيل ، وستكتحل عيونك بمرأى أحبائك . ولكنك قد عنونت لكل يوم ملحمة تراثية من ملاحم الصمود .

    إنما هي زفرات قلمٍ تبث وجدها إلى الله عن لأواء قد تكالبت في وجه شعبي حتى أفقده العذاب ولؤم الخيانة ثقته بذاته ، ويعود هذا الكهل ليجددها بالله من جديد .
  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    ياالله، على هذا السرد الممتع والشيّق، ولو بطعم المرارة..لغة متينة، سلسلة ومنسابة، ووصف دقيق للشخوص والأمكنة
    شكرا لك على متعة القراءة
    مودتي وتقديري، أخي الكريم والأستاذ الفاضل، نزار نبيل الحرباوي
    يرفع إلى فوق

    تعليق

    يعمل...
    X