المجرم المأجور... قصة - د.نزار نبيل أبومنشار "الحرباوي"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د نزار نبيل الحرباوي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2014
    • 76

    المجرم المأجور... قصة - د.نزار نبيل أبومنشار "الحرباوي"

    المجرم المأجور...

    د.نزار نبيل أبومنشار "الحرباوي"


    لما رأيته للوهلة الأولى دعوت بالرحمة لكل ضحايا سفاح القرن العشرين " ميلوسوفيتش" ، وحين خالطته في غير موقعة لم تعد بلاغتي لتجد دعاءً أرفعه إلى الله ليكف شرّ هذا الطاغية عن أمته التي خرج من رحمها.

    مع أن كل شرائع السماء التي أنارت بها ظلمات الوجود تحرّم الإجهاض ، إلا أني دعوت الله لو أن أمّه ما رمت به في وجه الإنسانية كامل الأعضاء مشوّه الضمير ، معوّق القلب .

    هذا الشئ !! الذي كلما رأيته أحسست بانقباضة في صدري تكاد تبطش بي، وإن بعض الناس إذا رأيتهم لا تملك إلا أن تقول: " شاهت الوجوه ".

    إذا لُمت الشيطان لمكره ودسائسه ووساوسه ، فإنه بذكر الله يخنس وتقوى عليه ، أما هذا المجرم الذي أستفحل شره واستطال بغيه فإنك تعرف وبدون مراء ، أن الشيطان يتعلم منه دروس الخيانة والحقد والوسوسة والخداع .

    وحق من رفع السماء بلا عمد، وكان لمن يبحث عن حوائجه صمداً، إنك لو قلت عنه إبليس لمدحته، ولو شبهته بما شئت من دون البهائم وسقطها لزدت في مكانته وقدره.

    حين جئت لأكتب عنه للأجيال حتى يتعظوا أحسست بالغيثان، وقاءت روحي هذه الفكرة مرّات ومرّات ، ولكني من وحي واجبي أجدني ملزماً بنقل صورة هذا الشيطان الإنسي الأرعن ، ليكون لمن قرأ هذه السطور عبرة ، وليرتدع من استرسل في صغائر الأمور ولممها أن يصل مرتبة نالها هذا النجس الحاقد ، الذي حُشي لؤماً وحقداً وكراهية عمياء على كل شيء جميل وطاهر .

    حين أدخلت إلى معصرة المحنة والابتلاء ، وجدته كتيسٍ يقود قطيعاً من أغنام كلها طأطأت له الرأس ، ومع مرور الليإلى الجائرات، كنت أتعلم عن شخصيته وقذارته ما يعيَ القلم بكتابته ، وتبصقه الصحائف من الثنايا ، فلقد تمرّس في المراء والجدل السفسطائي حتى تربع على عرش القذارة المسورّة بالمنطق ، فكان وحشاً مرعباً نبتت أنيابه في تربة فمه ، وبزّت قرونه من فوق أم رأسه.

    كنا أسمع من الناس القصص، وكانت جداتي تروي لي الحكايا عن الأشرار ومكائدهم ، ولكني لما اصطدمت بكيانٍ وحشي مرعب اسمه " أبو عنتر" تبدلت مصطلحاتي ، واختلفت أولوياتي ، حتى وضعته في رأس الهرم الإجرامي المرسوم في مخيلتي .

    عدوك تعلم عنه وعن دناءته ، ولا يتشدق لك لترضى عنه ، ويسلُ على مرأى ومسمع البشرية سيفه لتقطر شفراته من دمك ،أما أن تُطعن من الخلف فهذه أم البلايا ، ولا تسأل نفسك فترهقها كيف ؟؟ ولماذا ؟؟ فمن عرف " أبو عنتر" تجلت له الصورة كاملة دون أي لبس أو غبش .

    دخلت السجن في لحظة تسعّرت فيها إحدى نقاط الخلاف بين الأسرى ، فرأيته قد ركب باخرة السوء وتسلم زمام القيادة فيها ، وانهال بكلامه الساقط يثلم طهارة الدين ويشتم أتباعه وليوثه، ويجرد حدّ سيفه ولسانه ليغرسه في كبد كل معارض ، ولم يقطع هذا الدويّ والجلبة إلا صوت قرقعة السجان وهو يفتح الباب لإدخالي ، فانفضت الخصومة لجولة أخرى ، ليعيد " أبو عنتر " حفظ باقي ألفاظه السوقية التي تباع بلا ثمن على جنبات الطرقات التي يكثر فيها المتشردون ، ثم يعيد الكرّة من جديد .

    إن قمة المأساة تكمن في أن تُفرض عليك داخل الأسر قيود داخلية ، تحبط عزائمك، وتخمد جذوة الصمود في قلبك ، حتى تترك كريشة عذراء في وجه زوابع الإحباط التي تترصد على أسوار المعتقل النازي ، وتنتظر فرصة تقتنصها لتأخذك إلى حيث شاءت .

    مثّلَ " أبو عنتر" صورة حية على ما أقول – فلم يكن يهدأ له جفن على وسادته إن لم يفتعل في يومه مشكلة ، أو لم يؤجج حقداً بين متحابين ، لأن قلبه الذي طُلي بالسواد الداكن لا يستطيع استقبال إطلالات النور ، فتراه يعمد إلى نثر بذور الفتنة ، وإيقاظ الأحقاد من سباتها ، وإيجاد مبررات الصدام بين الأفراد والجماعات ، حتى بدا وكأنه أستبعد الشيطان فلم يعجبه عمله ، فاستعاض عنه بجهده الذاتي، ليترك الشيطان ينام قرير العين بينما " أبو عنتر " يعمل أضعاف أضعاف ما يمكن للشيطان فعله .

    وفي القيد الذي يرفل فيه الناس ، تجدهم ، يبحثون عن شهاب قبس يصطلون به ، ويتخذونه أغنية للصمود ، ينسجون حروفها من كلمات الإشراق ، ويضعون ألحانها على أوتار الصبر ، وكان أبو عنتر بصورته الحقيقة على عكسهم جميعاً ، فقدّر في نفسه أنه صاحب وظيفة رسمية ، مهمته أن يقف في الليالي المقمرة ينفخ على ضوء القمر ليطفئه ، أو يغطيه بغمائم لفافاته التي يزفرها من فمه ومنخريه كالدخان المتصاعد من مدخنة قطارٍ يعمل على الفحم .

    يا لهف نفسي !! أيعقل أن يتجرد الإنسان من كل شئ ؟

    أيستقيم في عرف الله أو عرف الناس أن يبيع إنسان ذاته من أجل أن يتصدر مكانة، أو يقال عنه كذا وكذا ؟ !!

    إنه والله زمن العجائب !!! زمن لابد فيه أن تلجم الشمس بلجام من الحكمة حتى لا تبوح بما تراه ، ولابد أن يوضع على القمر غشاء الرويّة حتى لا تزدرينا الخلائق والكواكب ، بظنها أن الناس في دهرنا كأبي عنتر وأمثال أبو عنتر .

    كانت شتائمه وألفاظه وسبابه أنشودة صباحية لا بد أن يسمعها كل الأسرى ، فمن يصرخ يعطي دلالة على مكانته وقوة شخصيته وشيطان عقله لا يرضى له أن ينزل إلى مرحلة من هم مثله أو من هم معه ، فتراه يزعج منام النجوم ، ويصخّ آذان الجبال بكرةً وعشياً بما سفل وخسّ من سقط الكلام ولغوه .

    إن مثل هذا المكان في عالم الأحياء كمثل ربان سفينة شق أصطدامها بجبال اللؤم بنيانها شقين ، فهي تهوي في قعر محيط مظلم ، ولكن ربانها يصر على أن يمسك بيده حبل صفارتها الداوية ، ويصفر بها باستمرار ، ليثبت أنه ما زال الربان، وأن صفارة الباخرة حتى وهي تغوص بغير رجعة بما فهيا ومن فيها لا زالت في يده ...

    عربدة ما بعدها عربدة ، ومجون وعنجهية قادا صاحبهما إلى أعلى نقطة في قعر حذاء صغير من هذه الأمة ... والنعل أعلاه وأسفله نعل .

    لا غرو أن من كان هذا وصفه ، وكانت هذه سمته أن يحطم الجمال في كل شئ ، لقد آلى على نفسه أن يعزل الناس عن بعضها ، لا ليقال فرّق تسد ، وإنما ليمزق كل شئ حوله ويسود بعدها باطمئنان، فتراه يستصدر منكر القرارات ، وفحش التصرفات ويجمع الناس ويفرقهم وهو يغرز في أذهانهم كل قبيح ، ويشوه في أدمغتهم كل طيب وجميل ومعروف .

    كان " أبو عنتر " يقيء الكلام من شدقيه ليملأ مسامع من حوله من صدأ حديثه ، ومرارة تعبيره ، وسوء فهمه وقلة حيائه ، فلا تكاد تجده إلا وهو يهذي ويرغي ويُزبد ، وإذا دققت النظر وأمعنت السمع وجدت كلماته كسراب يحسبه الظمآن ماءً في صحراء قاحلة، فمن دقق فيه أخرى وجده تحدث بعد ساعات كلامه المتواصل والممتد فقال : " لا شيء " !!!

    بلغت به الوقاحة مبلغاً بيّناً ، وترعرعت قذارته حتى بلغت في أحشائه سن الرشد، ليتخذ من علاقات مشبوهة أقامها مع السجانين أداة لقمع من يناوئه ، وعصاً يرفعها على رقاب مخالفيه ، فقد شهدنا من الحوادث ما يندى له جبين البشرية ، حيث كان يتواطأ مع إدارة المعتقل الصهيوني لقمع الأسرى ممن كانوا شوكة في حلق طموحاته الإجرامية ، في جرأة على ولوج الشر ما سمع بها الزمان من قبل .

    المذهل أن وجهه العابس على مدار اليوم لا ينقشع عن ابتسامات صادقة ، وضحكات وقهقهة إلا حين يحادث السجانين من خلال الأسلاك ، الأمر الذي استطابه وأستحسنه النازيّون الجدد ، فأنى لهم أن يظفروا بدعيّ مثل هذا ينوب عنهم في إحداث الجلبة الداخلية التي تشغل الأسرى عن المطالبة بحقوقهم ، بالتالي يفسح أمام الإدارة الصهيونية مجالاً تتنفس منه الصعداء .

    لقد كان شماعة الحل وهو أسّ البلاء ومظهره وجوهره ، ومن دهائه الذي أدهش الشمس في رابعة النهار ، وترك عيونها مفتوحة بكل استغراب : أنه هو الذي يتصدر حل المشاكل والمناكفات التي كان هو مفتعلها ، ليوجه الحل كيف أراد، ويستدرج الكل إلى حيث أراد ، ولولا قدر الله بوجود رجال ربانيين باعوا أنفسهم لله فلم تأخذهم في دينه لومة لائم ، لما ركع في السجن لله أحد ، ولصار السجن مصنعاً للوضاعة والانحراف بدل أن يكون قلعة تصدّر للأمة حكماء النضال والكفاح الذي لا يفهم أبو عنتر منه إلا اسمه ، هذا إذا فقهه أصلاً !!

    منظره الذي يوحي لك بالشؤم ، وعيناه اللتان تغوران بالغيظ والحنق حتى فاقتا قيظ يوم محرق في الرمضاء الملهبة ، وقلبه الذي يضخ السم في عروقه بدل الدم ، ومنطقه الذي لو خلط بماء المحيطات والبحار لأدخل عليها الأسن ، أرداه حتى باتت أحابيل مكره مكشوفة لكل من حوله ، بل ولكل أسير حتى وإن لم يقابله ، فرائحة النفايات تدل عليها حتى لو لم تكن العين الباصرة تراها مشاهدة .

    وتتدخل يد الرحمان مراراً وتكراراً لتمنع الدم الطاهر أن يسيل باكياً من أجسادٍ عبثت بها وبعقولها يد هذا الملعون الماكر ، الذي حطم جدار الحكمة، ونسف سور التعقل، وبات هواه رائده ، ومزاجه قائده ، وأمره لا يعصى إلا ويحلّ البلاء وتنزل النازلات على العاصي .

    هابه من معه ، وكانوا ينظرون إليه بخوف شديد ، فباتوا كشياهٍ ترتجف في حظيرة كبيرة ، تلمع أمامهم سكاكين الجزار ، يخافون إن هم أصدروا صوتاً يُعجل لهم بالعذاب ، وهم لا يدرون أن سكينة ستسافر على رقابهم إن صمتوا أو نطقوا ، ولكنهم قوم يفرقون .

    وأمام سطوته التي تقصم ظهر من يخالف أو يعصى ، وأمام زمرة اتخذها كذراع ضاربة له تنفذ أوامره دون بصيرة ، استطرد أبو عنتر في طغيانه ، وبات التنسيق الذي ألفه مع سجانيه يستمر ويتطور ، حتى سمحت له إدارة السجن لبراعته ومكانته ودوره الفاعل بالتنقل حيث شاء ومتى شاء ، حتى دون أبداء الأسباب ، الأمر الذي حُرم منه المرضى والأشبال وكبار السن ، وأهل المكانة التنظيمية في كل أطياف الشعب وشرائحه، فلا يسمح بالتنقل إلا لأبي عنتر ، ولا يسمح بالتجوال بين أروقة السجن وأقسامه إلا له ، وكأن الناس تحجرت فلم يبق فيهم إلا هذا الدعي الحاقد .

    كنت أساور نفسي بين الوهلة والأخرى أن تتناسى لؤمه وأن تتغاضى عن شروره التي أصابت كل من هم حوله من الضعفاء والبسطاء ، ولكن قوانين السجن التي أصطلح عليها الأسرى فيما بينهم تمنع التدخل في شؤون الآخرين ، ليفرض علينا هذا النظام أن تعرش فوقنا غمامة حزن سوداء ، تفيض علينا بين الحين والحين بودق الألم .

    لكني كنت لا أعتب عليه في أحيان كثيرة من جانب واحد ، وهو أن من حوله قد رضوا بحياة الاستعباد ، وحفروا لأنفسهم أخاديد للصمت فهم يتقلبون فيها بكرة وعشياً ، لا يلوون على شيء ، إن هم إلا أخشاب مسندة ، تدحرجها الزوابع حين اشتدادها ، وتملأ أرجاءها الرهبة من منشار تظنّه يقطع أوصالها ويعيدها نشارة تذروها الرياح.

    ويأتيني موعد النقل إلى سجن آخر ، ومع كل الحزن والألم الذي يصاحب الإنسان الذي ينتزع من بيئته التي عاش فيها ، إلا أن الحبور لم يفارق ثغري ، والسعادة لم تخرج من قلبي وأنا انظر إليه نظرات الوداع التي أسأل الله أن لا أراه بعدها إلا في ساحة الحساب يوم يقوم الناس أمام الجبار ، فتخرس كل ألسنة الجبابرة المزورّين ، ولا يصدح إلا صوت الحق الوضاء ، وتنصب الموازين بين الناس بالقسط .

    إن هذا الوجه القاتم للإنسانية يصبغ حياة الناس بالسواد الناقع، ويسهم في وأد العزيمة ، واندحار الجاهزية ، والتوقد والتوثب الذي هو صمام الأمان والحياة لكل أسير مبتلى ، ويكأنه تعاقد مع مؤسسات الشياطين الدولية فأعطته حق الوكالة الدورية ، وفوضت إليه سائر التصرفات ، فهو يركن إلى أصل السوء ، ويتعامل بضراوة الحق ... فماذا تنتظرون من ذلك ؟!!

    لست أماري حين أصف ، ولست أتشدق بالحديث حين أرسم لك هذه الصورة القاتمة ، والذي نفسي بيده لو جئت لأتخيل الشيطان في ذاكرتي ما رأيته أشنع ولا أقذر ولا أخسّ من " أبو عنتر " .

    فحسبنا الله ونعم الوكيل
يعمل...
X