وجع البين والفراق
وكانت ليلة العبور ….
كان علينا عبور الجبال والغابات في صمت
صاحب المركب اختار تلك الليلة للإقلاع ...
كان عليه الإعداد وعلينا السداد وحسن الإصغاء للربان متى تلقفنا الموج…
كل شيء كان جاهزا…إلا من قلب متعثر مكلوم…
خلعنا الأحذية وكأن على رؤوسنا الطير… لم نكن نرغب في إيذاء الحشائش والحشرات
أمسكت بيد والدي الذي صاحبني لمحطة الانطلاق
... من بعيد يسمع هدير موج هادر فحانت من الجوارح ارتعاشه
همس الوالد في أذني :
ويحك هل تخشى موج البحور
طلب مني الكف عن البكاء والحرص على الحقيبة
هي كل شيء يا بني...ورق ومال ولباس ووو..
.بدونها أنت لا شيء
و في السماء رأيت نظراته تمتزج بالسحاب
ثروتنا في القلب قال أبي و ليس بإمكان أحد أن يسلبنا إياها….
……
و إلى اليوم
ما زلت أسأل القلب
كيف حافظ على موقعه في القفص
دائم الخفقان
على إيقاع هدير الموج
علوا ونزولا
يعزف رعب الهيجان
بين موج ومد وجزر
قادنا المركب لحلم ملتبس كالقدر
وحمل وجهي ملح الصخب وسكون الموت
متعبا احتضنت حقيبتي وغفوت
رافقتني هواجس القوم
وحفنة أحلام
وحدي أمضي مسافرا يترصدني حتفي
هي مجرد تفاصيل من حياة بسطاء
أغفلهم تاريخ وأماني غلفتها العتمة
رفاق الرحلة بلا استثناء تحرجوا
من إعلان الخوف من فشل مر يدمي الأرض والسماء
ومثلي استسلموا لنوم أسود كالعدم
على إيقاع خيبات الغربة وآلامها سارت الأوقات وتوالت الأيام
والآن أفتقد كل شيء رائحة العشب، و دفء الشمس، و لهاث الدواب …
أحمل أرضي في دمي، و في يدي ارتسم ملح البحر،
و في عمق عيني تجذرت إيقاعات الشِّعْر ورقص الفراشات.
ينطلق نظري
في هذا الفضاء المعادي
أحمل الأمل و في أغوار النفس هواجس الأهل و الأحلام…
ولو أزف أوان رحيلهم سأعود لأواريهم ثرى البلاد
هناك بالجنوب جذور روحي وهي مثواي وآخر مساري...
سأحتضنها وألثم التراب…
وبأعماقي توجعني نظرات أبي التي غلفها السحاب. ..
سأعيد لأمي عطرها وخضاب شعرها …
سأغطيه بوشاح العطف وامتداد المحبة والحنين…
سأسترجع آمالا غلفها الضباب...
أحلم بمحو وجع المنفى وألم البعاد..
وكلما تذكر الفؤاد توقف عن الخفقان
وبكى جذوره بحرقة وأنين...
.. حسن لشهب
تعليق