مقتطف من روايتي " زقاق اعتقوا الرّوحْ " من الصفحة 12 إلى الصفحة 30
عندما استوى البشير على ظهره ، خلتُ أنّه رحل في غيبوبة جديدة ؛ إلاّ أنّه فتح عينيه ، ونزع بعصبيّة كلّ الأنابيب وكلّ الموصلات الرّهيفة الّتي توصله بالأجهزة الطّبّية المعقّدة المحيطة به ؛ ثمّ استوى قاعدا كأنّ ليس به شيء ، زمّ شفتيه لهنيهة ، وقال في غيظ ونرفزة « ماذا أسمع يا شريكي " أمالو " لا تقل لي إنّها مظاهرات أو اعتصامات لإسقاط نظامي .. هيّا قل لهؤلاء المتمرّدين ، إنّني لم أكن أبداً إلاّ خادم جالجامش وليس بيدي شيء !..» . كان كلّ ما حول المستشفى يغلي بشدّة ، حتّى لتكاد تتناهى أصوات المعتصمين والمتظاهرين إلى مسامعنا من على علوّ السّبع عشر طابقا .. فبالإضافة إلى الصّحفيين المعتصمين ، إنضاف ألاف من سّكاّن" زقاق اعتقوا الروح " . لم يكن في الحقيقة لا هؤلاء ولا أولئك يريدون شيئا من زحفهم الهادر إلى جنبات المستشفى الكبير إلاّ مواساة رئيسهم الّذي حكمهم لمدّة تزيد على ستين سنة ، ومؤازرته في محنته . من جهتي كشريك لسيّدي الرّئيس - مدى الحياة و مدى الممات أيضاً - ، بيّنت له مردّ تلك الأصوات الّتي اختطفته من غيبوبة وشيكة فقال : «... هيّئ لي منصةً أريد أن أخاطب مواطني الأعزّاء ..» أجبته أنّه لا داعي لذلك . وهو تقنيا لا يمكنه .. لمّا صرخ في وجهي ، فككت إتّصاله ببعض الأجهزة الّتي مازالت تغذّي جسمه ، الّذي يتضاءل يوما بعد يوم ، بعد أن أقنعت الجهاز الطّبّي باستحالة إقناع الرّئيس بشيء وسوست له به نفسه ، ومن الصّعب إقناع مهووس بالأنانية والنّرجسية الّتي لا تخفى حتّى على الأطفال ، غارق في السّادية إلى أخمص قدميه مثل رجل كسيّدي البشير . حاولت أن أقنعه باستحالة وجود منصّة على علوّ سبعة عشر طابقا ، لكنّه أصرّ على موقفه ؛ فلم أجد بدّا من إصدار أمري لطاقم من الممرّضين بتثبيت مكبّرات عبر كلّ شرفات الطّوابق السّبعةعشر ، موجّهة إلى الحشود الّتي تتمايل كالموج أمام المستشفى تراقب عن كثب ظهور الرّئيس البشير على واجهة نافذة زجاجية في الطّابق نفسه ، وهي نافذة الحجرة السّابعة والثّلاثون التي يرقد فيها البشير . لمّا عاد الممرّض قال : إنّ شعبك سيّدي الرّئيس ينتظر كلمتك بلهفة ؛ هيّا شنّف آذاننا !.. بدأ الرّئيس بالتّلويح بيديه المرتعشتين النّحيلتين من خلال واجهة زجاجية لبالكون الطابق السابع عشر . وكنت خلال السّبع وثلاثين دقيقة الّتي استغرقها خطابه المرتجل ، المليء بالأخطاء اللّغويّة والنّحويّة ، على خلاف خطاباته الحماسية إبّان عهده البائد لمدينة الشّفق . خلال مدّة إلقائه الخطاب على المعتصمين ، وإن كان قصيرا بالمقارنة مع خطابات سابقة ، كنت أحاول بكلّ ماأوتيت من قوّة أن أجعل سيّدي البشير يستوي قائما . كان يتمايل كعود قصب يميل مع الرّيح أينما مالت ، ولولا خوفي من سقوطه الحرّ من علوّ سبعة عشر طابقا ، وانزعاجي من مصير غامض كان ينتظرني - إذا ما رفضت طلب البشير- : لكنت أوّل من يرمي به من هذا العلوّ وسأختم عملي الّذي قد يتمنّى وقوعه كلّ من في الأرض قاطبة ، بصرخة على جثّته وهي تهوي كورقة ذابلة : «..إلى الجحيم يا شيخ مجانين الأرض ..! »
طلب سيدي الرّئيس كأس ماء قبل أن يبدأ خطابه الّذي أظنّه الأخير قيد حياته و الّذي عوّد العالم وسكان مدينة الشّفق من خلاله أن لا يدع أيّ شيء ذي بال أوغير ذي بال أن يفوته دون أن يتعرّض له بالدّرس والتّحليل ، وهو ما سمّي لاحقا ب "المتون البشيرية " . لمّا أوتي له بالماء عاينه بعينين شبه نائمتين وهو يمرّر الكأس أمامهما أفقيا ، يمينا، ويسارا ، ثمّ في انتفاضة مباغتة ، صبّه مع جام غضبه في وجه الممرّض الّذي جاءه به ؛ ونهرني قائلاً : من أين أتيتم بهذا البائس إلى هذا الإسطبل القذر ؟ لمّا قلت له إنّه من خريجي المعاهد العليا للطّبّ البديل ، قال : كيف وهو من مواطني مدينة الشّفق ولا يدري أنّ رئيسه لا يشرب إلاّ ماء المطر الغير المعرّض لأيّة تصفية؟ ، إنحنى الممرّض استعطافا وقال : سيدي الرّئيس إنّه من فرط صدمة مرضك ، تغافلنا عن بروتوكولات كثيرة حفظناها لك عن ظهر قلب ؛ أعتذر لك سيدي البشير .. ثمّ غاب وأتى بقنينة بلاستيكية من ماء المطر علّ منها البشير سبع جرعات ؛ كأنّي به أمام المواطنين في ساحة الشّهداء وهو يلقي خطبه الحماسية المشهورة وخاصّة في الجُمُعات الكُسكُسية، الّتي لا يستطيع أحد إلاّ أن يخضع لتأثيرها السّحري ، ويقتنع بما جاء فيها . أخيرا قال : « الحمد لله وحده ولا يدوم إلاّ ملكه ؛ وأحمده تعالى أنّني مكّنني منكم وبالرّغم منكم !، وأظهرني عليكم : أخدم مصالحكم وأرعى شؤونكم ، كلّكم منّي وكلّي منكم ، أمّهاتكم أمّهاتي زوجاتكم زوجاتي ، مهما هرب منّي أحد منكم ، فإليّ سيعود ...إلخ ».. كانت كلمته قصيرة وبين كلّ سطر وسطر يستريح لثانيتين ، يأخذ نفسا عميقا ، يتّكئ على كتفيّ ، وبعد أن يستوي قائما يمضي بقوّة إلى أن تستولي الحشرجة على صوته ، فيمد ّلي يده ويعاود الإستراحة ثمّ يقوم بعد ذلك . في كلمته أثنى على الصّحفيين المعتصمين أمام المستشفى ، ودعاهم إلى فكّ الإعتصام والعودة إلى بيوتهم وأعمالهم دون قيد أوشرط ؛ مذكّرهم أنّ جلجامش تغضبه أحيانا احتجاجات بلا معنىً، وأثنى على الشّفقيين الّذين أتوا من كلّ أحياء المدينة وذكّر الجميع بالآية القرآنية :« "وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل ، أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ؟..."» ، «..ولم أكن يوماً أنا البشير رغم ما بنيتموه حولي من هالة ، إلاّ نكرة أمام هؤلاء العظماء من البشر فاختطفهم الموت على حين غرّة !» في اللّحظة الّتي أكمل فيها قراءة الآية القرآنية تعالى صوت من بين المتجمهرين : «... من تكون أيّها المجنون حتى تشبّه نفسك بالأنبياء والرّسل ؟ لم تكن أبدا شيئا يستحقّ الذّكر!، عهدنا بك روثة من قمامة "زقاق اعْتْقُوا الرّوحْ " وشجرة تخفي غابة جلجامش الإنتهازي ، وتاريخك معروف للقاصي والدّاني ؛ لو رحلت عنّا بسرعة لكنت أحسنت إلى نفسك أوّلا قبل أن تحسن إلينا ! هيا ,هيّا إلى الجحيم ...! » . كان شابّا في نهاية عقده الثّالث ويدعى " العديان ولد للاّ كلثوم " ، لمّا انتهى من احتجاجه الشّفوي ، انقضّت عليه أفواج الجماهير المحيطة به كما تنقضّ الضّباع الجائعة على فريسة إستولت عليها من بين مخالب السّباع . لكنّ البشير تدخّل بسرعة وقال بصوت غاضب : « ... إيّاكم أن تمسّوه بسوء ، دعوه يقول ما يشاء ، هو حرّ في ما يراه صائبا . وقذفه لي وسبّه لن يغيّر من الحقيقة والواقع شيئا ، وأذكّره أنّ الفرق بيننا نحن السّاسة وبين الأنبياء فرق شاسع على ما يبدو ، ولكنه بسيط : الأنبياء يحاولون جعل البشر سعداء في الآجلة ولايهمّهم من العاجلة سوى كونها مزرعة ، بينما نحن نسعى إلى جعل العاجلة محور كلّ اهتمامنا بالرّغم من ادّعائنا في أغلب الأحيان أنّنا نرجو الآخرة ؛ أيّها الغبيّ الّذي يوضّح الواضحات ، أعلم جيّدا أنّني فشلت في مدار حكمي لهذا الإسطبل الّذي سمّيناه عبثا : مركز العالم ، فشلت في كسر وشطب الحدود الفاصلة بين الأشياء ، ولكن أعدكم أنّني رغم اقتراب أجلي ، سأحاول أن أرغم الأشياء على التّعايش . ولأنّي لم أكن آمنت أبدا بقواعد الجبريّة ؛ فقد حاولت أن أوحّد البشر تحت راية واحدة ابتغاء سعادتهم ، ولكن دائماً : «.. المجد للشّيطان ..!» ، هذه هي الحقيقة أيّها الغبيّ ؛ حتّى الأنبياء وعلى مدار تاريخ البشرية ، لم يستطيعوا يوما أن يجمعوا النّاس كلّهم تحت قبّة سماء واحدة ! خلّوا سبيل هذا الغبيّ الّذي لوعلمت أنّ مدينة الشّفق ستلد مثله ، ما رضيت أن أصبح رئيس بلديّتها ليومٍ واحدٍ ! .. » قبل أن يعود الرّئيس إلى سريره ، ذكّر الصّحفيين أنّه إن لم يمت على المدى البعيد فمن المستبعد أن يموت على المدى القصير! أو لمجرّد أنّه أصيب بوعكة بسيطة ..! «...أوصيكم يا انتهازيي اللّحظة المثيرة ، ويا لصوص الوقائع وطفيليي الأحداث ، أو من تسمّون أنفسكم بالصّحافيين ، أرجوكم لا تنقلوا عنّي مالم أصرّح به وأنا على أبواب المجهول ..!» عندما عاد إلى سريره ، كان في انتظاره عميد أطبّاء المدينة ؛ وهو رجل فاره القامة ، أصلع الرّأس بعنق طويل ، نحيف البنية ، أذُناه بارزتان ، تشبهان أذني وطواط ، شفته السّفلى متدلّية من كثرة ماكان لا ينزع غليونه من فمه الّذي يشبه فم جمل ، حتّى و أسنانه تبدو - حين يصاب بضحكة فجائيّة - كأوتاد صخرية منحوتة بفعل التّآكل التّاريخي للصّخور الكلسية ؛ قلّما ينزع نظّاراته الطّبّية ، وأنبوب جسّ النّبض الّذي لم يغادرعنقه أبدا ؛ حتّى أنّ شهود عيان أكّدوا أنّه لم ينزعه أبداً حتّى وهو في أوقات وأماكن خارج العمل ؛ فقد شوهد الدّكتور" إبراهيم أبْلاضْ " في أكثر من مناسبة ، لاتفارقه آلة جسّ النّبض وهي متدلاة من عنقه ، وتتأرجح كميدالية على صدر بطل ، ولا يردّ أحدا يطلبه من المارّة في الشّارع أوفي الميادين العامّة من جسّ نبضه مجّانا . وفي مقاهي المدينة ، حيث لا تخطئه العين ، كان مولعا بمشاهدة مباريات كرة القدم ، مشجّعا كبيرا لفريق ريال مدريد أوّل الأمر ، ثمّ حين توالت الهزائم على الفريق المدريدي ، قلّب معطفه مشجّعا للبارصا ، شديد البأس إلى درجة إثارة الفوضى في المقاهي ، لحماسه الشّديد وغيرته على الفريق الكتالوني ؛ يفقد أعصابه عند انطلاق المباراة هائجا . وبآلة جسّ النّبض نفسها حول عنقه ، استقبل الفريق الإسباني "ابراهيم أبلاضْ " في عاصمة كاتالونيا كضيف شرف بمناسبة مروره إلى الدّور النّهائي من كأس أوروبّا للأندية البطلة في ذاك العام . أخذ الفريق صورة تذكارية مع" ابراهيم أبلاضْ "وقد تدلّت حول عنقه ميدالية الشّرف الذّهبية والآلة الطّبّية تلك . وأصرّ الدّكتور في طلب موجّه إلى إدارة المستشفى المركزي على وضع هذه الصّورة ، في إطار ذهبي وتثبيتها في أحد جدران غرفة الإستقبال ؛ لكنّ إدارة المستشفى رفضت ذلك بدعوى سخافة الطّلب « لسنا مجبرين على الإنصياع لمثل هكذا رغبات ، فهي ببساطة رغبات حمقى و مجانين ، حتّى وإن كان واحداً منّا...! ». كما أدلت زوجة الدّكتور بتأكيد إشاعات عن كون الدّكتور لا ينزع الآلة حتّى وهو معها في وضع حميميّ ، وأضافت -وهي لا تستطيع أن تكبت ضحكاتها الخجولة - : وحتّى وهو نائم معي !! . وما إن تمدّد البشير على سريره الخاص حتّى اقترب منه الدّكتور" ابراهيم أبْلاضْ " مبتسما فارغا فاه :« سيّدي البشير ، أنا في خدمتك وسأظلّ كذلك ؛ سيّدي البشير عليك أن تمتثل لأوامري وأنت في ضيافتنا كما كنّا تحمّلنا أوامرك المجنونة - عادة- لمدّة ستّين سنة خلت !!، هيّا أدر ظهرك الشّريف حتّى نرى كيف سنتعامل مع مرضك ، الّذي أكّدنا مرارا أنّه لا قبل لنا به .!» . وكردّ فعل طبيعي على نفور معذور من جسم الدّكتور المخيف : بوجهه المتورّم وأنف بارز، وعينين جاحظتين تكادان تخرجان من محجريهما، وفم جَمل يقذف روائح مختلطة من التّبغ الرّديء ، انتفض سيدي البشير بهيستيريا واضحة حتّى كاد يسقط من على السّرير، وقال في عصبيّة موجّها خطابه إليّ : لا تقل لي شريكي -مدى الحياة والممات -، لا تقل يا " أمالو" أنّ هذا البلشون قد لمسني أو حاول ذلك ؛ إذا كان قد سبق أن فعل ، فأنا متيقّن أنّ نهايتي وشيكة ، وأنّني على يقين أنّني مصاب بالجذام والطّاعون معا الآن ، وعليك أن تعلن في الصّحافيين نيابة عن رئيسك : أنّني راحل لا محالة خلافا لما قلت لهم سابقا ، و أن تصدر أمرا بالنّيابة عنّي إلى كلّ اللّجان المكلّفة بالصّحة في المدينة للتّحرّي عن حالات من قبيل الطّاعون والجذام قد تكون تفشّت ولا ريب في ذلك بين معظم مواطني مدينة الشّفق ، وإجراء فحص شامل على الّذين تعاملت معهم ذو القرن الواحد هذا الغير المكتمل النّمو ، بل وإجراء فحص شامل على كلّ الّذين عالجهم هذا الدّكتور المريض ! . وعلى البلديّة أن تقوم بدورها بإرسال بيان إلى منظّمة الصّحّة العالمية كي تقوم بمساعدتنا في هذا المجال لو تطلّب الأمر ذلك . هيّا ياعزيزي البلشون المنتمي إلى سلالات الدّيناصورات المنقرضة ، هيّا أغرب عن وجهي ، إنّك لا تستحقّ إلاّ مستشفى تكون فيها مريضا تُعالَج فيه ، لا أن تكون فيه طبيبا يعالج مرضى ! . ثمّ لمّا غادر الدّكتور" إبراهيم أبلاض" ، إنفردت بالبشير وألححت عليه أن يتّبع تعاليم الأطّبّاء بغضّ النّظر عن أشكالهم وطبائعهم مادامت صحّة سيدي الرّايس فوق كلّ اعتبار. لكنّ الرّايس لم يعر رأيي أيّ اهتمام ، بل أضاف أنّ الموت أفضل من أن يعبث بجسده أنصاف الأطبّاء .!. كانت حسنة الغيبوبة الّتي تتجدّد لمرّات في اليوم ، وتستغرق ثلاث ساعات إلى أربع ساعات ، فرصة ينتهزها الأطبّاء في المستشفى لإجراء تحاليل تلو أخرى على جسده الّذي أبهرت أسرار مرضه نخبة من أطبّاء العالم الّذين أشرفوا عن بعد أوعن قرب على البحث في مكامن سرّ مرض البشير . ولأنّ البحث الطّبّي بشقّيه العلمي العصري والبديل التّقليدي لا يقبل التّكهّنات ، فقد رفضت إدارة المستشفى تقارير واردة من بعض الفقهاء الّذين لهم علم واسع وخبرة سنين في علم التنجيم وعلم الرّمل وضرب الكفّ والمندل ، و شيوخ "التّسباب " والإستنزال وكشف المستور ؛ ومن بعض الشّوافات والسّاحرات الّتي فتحن عيادات بهذا التّخصّص على طول شارع جلجامش" وسط المدينة وحتّى من بعض" المشعوذين العالميين" المعروف عنهم دقّة الخبر ورجحان تصديقه ؛ ومعظم هؤلاء أجمعوا على أنّ «..البشير لم يكن مريضا ولا يُخشى عليه من الموت حتّى في المدى البعيد ، حتّى ولو كان لا بدّ من الموت في آخر المطاف ! إنّما كان مسكونا بروح زوجته اللاّمرئية "ميريهاندا " إبنة الإمبراطور اللاّمرئي " سبطائيل" جامع شمل اليهود الجنّ ؛ والّتي غادرته في ظروف مشبوهة . » وقد أعلنت كلّ الفعّاليات الّتي تنتمي إلى شبكة العلوم اللاّحسّية في بيان نشرته في الجريدة الرّسمية للمدينة ، ونقلته وسائل إعلام مختلفة محلّية وعالمية :« أنّّنا نتحدّى العلم والعلماء الطّبيعيون الّذين لا يرون أبعد ممّا ترى أعينهم وعقولهم المتحجّرة ، أن يعلنوا صراحة عن المرض الّذي أصاب سيّدنا البشير !! وما هي أعراضه وكيف يمكن علاجه ؟ وإذ نستنكر تعرّض جسده الشّريف - وباستمرار -، لأيادِ نجسة من أطبّاء المستشفى المركزي ومجانين الطّبّ العام ، نهيب بالبشير أن يفصح لشعبه ومواطني مدينة الشّفق ولشعوب العالم الّتي تتابع بقلق كبير تطوّرات حالته الصّحّية ، عن السّبب الّذي أدّى إلى انفصال المصونة " ميرهاندا " عنه ، وكشف المسكوت عنه وملابسات قرانهما الشّرعي الذي أفضى إلى ما أفضى إليه ؛ وهو في الحقيقة ما نعتبره مفتاح شفائه ودواء دائه ، ولا شيء غير ذلك !.. ولم ترُقْ البشيرَ فكرة أن يصبح متّهما ومريضا في نفس الوقت ، وهو الّذي كان يؤمن بشكل لا يقبل زحزحته عنه ، أنّه أسدى لكلّ شعوب الأرض معروفا، كان قد لخّصه في خطاب له مشهود ، لم تبق قناة إعلاميّة ورقيّة أومرئية أومسموعة في العالم أجمع إلاّ ونقلته ؛ وكان من بين أفكار الخطاب : «....أنّني أيّها العالم المستعصي على حكمة الأنبياء ، استطعت بعون اللّه أن أجعلك ليس قرية صغيرة كما يدّعي غلاة نهاية التّاريخ ، وإنّما مدينة كبيرة ، آمنة مطمئنّة متآخية لا فرق فيها بين مواطن ومواطن أبدا ، ولن أستعمل أيّ أداة استثناء ، ومستثنى ، حتّى لا يركب عليها المغرضون ؛ مدينة اعتبرناها خليّة نمل الكلّ فيها يعمل لصالح الآخر ، نعم ، انتهت فلسفة " الجحيم هو الآخر" وبدأت فلسفة " النّعيم هو الآخر" لأوّل مرّة في التّاريخ ؛ ستّون سنة لم تقع فيها حرب واحدة على الإطلاق بين البشر وحتّى بين الحيوانات في البراري ، إلاّ في إطار الحفاظ على العنصر الحيواني؛ استطعنا أن ننهيها ونحدّ منها برغم أنف صنّاع الأسلحة وشركات التّطهير الجسدية ، الّتي يسوّق لها عتاة السّياسة ، والّذين يرفضون الآخر ، وكشفنا عن مخطّطاتهم الّتي ترمي إلى إقبار الإنسان والحدّ من تناسله ، و بعون اللّه و بطرقنا وإمكانيّاتنا الخاصة الجدّ فعّالة فتحنا صفحة جديدة في تاريخ البشريّة ، وبفضل قدراتنا الّتي تتجاوز التّكنلوجيا والأحلام الصّغيرة لإنسان مابعد الألفية الثّالثة ، والّتي لم تعرفها أيّ مملكة على مدار التّاريخ سوى مملكة سليمان ....!» لم يرق البشير تعرّضه لإهانة لا يتحمّلها «...وممّن ؟ من المشعوذين المنبوذين الّذين لم يعترف بهم أحد في تاريخ البشريّة غير البشير، ثمّ «..أخيرا يحاسبونني على حقّي في أن أفعل في نفسي ما أشاء ، ضدّا على أنّي كفلت بضماني الخاصّ حقّهم المنصوص عليه في الدّستور : أنّ أيّ إنسان قيمته العليا والّتي لا يمكن المساومة عليها ، أنّه إنسان وكفى ، وما يأتي لا حقا من رتوشات تجميلية لا تهمّنا ولا ننظر إليها بعين الرّضا ولا بعين السّخط ... »! ما أدهش الأطبّاء وأدهشني أنا "أمالو " مستشار الرّئيس وظلّله الدّائم مدى الحياة والموت ، كون البشير ورغم كبر سنّه الّذي ناهز المائة سنة ، ما يزال يحتفظ بذاكرة قويّة ، وسرعة في البديهة ، ورجحان دلائله في ردّه على من يخالفونه . ولكنّه وهو يتهاوى كشمعة أمام أشعّة شمس حارقة ، أعرف جيّدا أنّ كل هذه الأعراض إنّما كانت ردّة فعل صحّية ولكن ، في الزّمن الميّت ، وفي مكان " خارج التّغطية " ، وحيلة المُدافع المنهزم الّذي لا يملك أيّ وسيلة أخرى هي الهجوم لإفراغ شحنة بطّاريته المنذورة للإنكفاء بطريقة إنتحاريّة . أخبرتُ الممرّضة المياومة سعاد عن كون البشير قد هوى على الأرجح في أتون غيبوبة جديدة ؛ و أنّه بإمكان الأطبّاء إجراء ما يريدون إجراءه من عمليّات على جسده . وقد جاءني الطّبيب الزّيمبابوي" كتابولا كينتاكا "على غرّة وقال إنّه تلقّى برقية من منظّمة الصّحة العالمية توصيه بالرّأفة بجسد البشير واحترام قدسيّته ، وعدم إجراء أيّ عمليّات تنتهي ببتر عضو صالح كان أوغير صالح من جسده ، وعدم إعطاء الرّئيس البشير عقاقير تؤثّر على جزء صغير أوكبير من مخّه ، و«..لا تسمح المنظّمة العالميّة بإدخال أيّ عضو غريب إلى جسده الشّريف حتّى ولو كان ضروريا لإنقاذ حياته ؛ أمّا في حالة وفاته- لا قدّر اللّه - فإنّ المنظّمة ومعها المجتمع الدّولي بريئة من إجراء أيّ تشريح أوعمليّة جراحيّة تروم الإنتفاع بأيّ عضو من أعضائه المباركة »؛ وتقول المنظّمة العالميّة أنّها قد استعدّت فعلا لاستقبال جسد البشير حين تخرج منه الرّوح راضية مرضية ، « وسيقوم بمهمّة تحنيطه سليل الأسرة الفرعونية "عماد قطب شعبان السّيّد " وأنّ متحفا جاهزا يضاهي متحف اللّوفر بفرنسا قد أعدّ لاحتضان جسده الشّريف ، إضافة إلى كلّ مقتنياته الخاصّة سواء المهمّة منها والّتي لا أهمّية لها . فبالرّغم من أنّ معظمها لا قيمة له على الإطلاق ! «...لكنّنا نثمّن رمزيّتها..!.» . وقد نسّقت المنظّمة مع بلديّة الشّفق لإنشاء مزار سياحيا في ساحة الشّهداء أمام البلدية حتّى يكون محجّا عالميا لكلّ النّاس يأتون إليه من كلّ فجّ عميق . يتحدّث إليّ "كتابولا " ، حتّى تمنّيت لو ينتهي في أقرب لفظة قبل أن يسترسل مرّة أخرى . كانت هيئته ديناصوريّة وأشدّ إثارة للرّعب أكثر بكثير من الدّكتور " ابراهيم أبلاض" . كان فمه الّذي يشبه فم " فرس النّهر " ، ينفث الألفاظ وكأنّي بأحرفها النّحاسيّة برؤوسها الحادّة تسبح في الفضاء ما بيني وبينه ، تشبه خناجرأو سيوفا ، ملوّثة برائحة مركّزة جدّا ومستخلصة من كلّ الرّوائح النّتنة المعروفة على وجه الأرض ... لكنّ الغريب من هذا كلّه هو أنّ " كينتاكي كتابولا " الزّنجيّ كان أقرب النّاس إلى قلب البشير من كلّ الأطبّاء الذين يتناوبون على رعايته وتمريضه . حتّى أنّه بعد استفاقاته من كلّ غيبوبة ، كان الإسم الّذي يلي الشّهاديتين والحمدلة والهيللة ، هو إسم " كتابولا " : « كتابولا أين أنت عزيزي ؟ ، لولا أنت ، لأمرت هؤلاء الأطبّاء- المغضوب عليهم- أن يجعلوا حدّاً لحياتي الّتي لم يبق منها إلاّ الفتات ! نعم أيّها الزّنجيّ الجميل ، حينما تمسّني يدك أحسّ كأنّ ناموساً من الطّمأنينة يتغشّاني !...» وقد منحه البشير وهو على سريره في المستشفى أثناء تحسّن مفاجئ طرأ على صحّته ، وبحضور الطّاقمين الطّبّيين الحديث والبديل ، وسام " المحبّة " وهو وسام كان يمنحه الرّئيس البشير لكلّ شيء يلمس فيه جمالاً بمواصفات يحدّدها البشير ، إنطلاقا من معايير غير واضحة تخصّه هو فقط ، سواء أكان بشراً أوحيوانا أوغير ذلك . فقد مُنح هذا الوسام سبعة وسبعين مرّة خلال حكمه البائد ؛ كان أوّل ما منحه ، منحه لكلب مزركش ، ولكن بعد إجراء اختبار من طرف لجنة مختصّة والتّأكّد من أنّ الألوان الأربعة الّتي تزركش ظهر الكلب طبيعية ، ولم يكن ليد البشر أيّ دخل فيها .. بينما منح الوسام الثّاني لصحافيّة سويدية كانت غاية في الجمال – كما ادّعى البشير دون أن يستطيع أحدٌ أن يحاججه في ذلك - ؛ واتّفق أنّها كانت تغطّي أحداث الزّواج الجماعي السّنوي الّذي تقيمه بلدية مدينة الشّفق على شرف الشّباب والشّابّات الّذين يوقعون أنفسهم بأنفسهم في شباك القفص " الذّهبي " وكان الرّئيس البشير ينعتهم أحياناً ب " المغرّر بهم " والّذين من كثرة تناولهم المزمن لمخدّر الحبّ والمشاعر المفخّخة المتبادلة أمام شاشات الحواسيب وعلى المواقع الإجتماعية كالفايسبوك والتويتر وجوجل بلوس ومواقع الشّات العالميّة ، وفخاخ مواقع الزّواج الحلال وقنوات : " إبحث عن نصفك الثّاني " : «... فإنّ علينا نحن المسؤولين تحمّل تكاليف نزوات هؤلاء المجانين الشّباب بنقلهم من المستوى النّظري إلى التّطبيقي ، بسرعة فائقة ، والزّجّ بهم في زنازن السّجن الّذي قايضوا من أجله الحرّية بالمتعة ، وهو ما يسمّونه كناية بإلقفص الذّهبي والّذي يكتشفونه بعد فوات الأوان زنزانة من خرسانة وإسمنت مسلح ، في انتظار محاكمتهما بالتّحايل على الحقائق الكبرى للحياة من أجل قضاء نزوة عابرة !!...» . وقد تحمّلت بلديّة مدينة الشّفق مسؤولية نفقة قران كلّ زوج شبابي إتّفقا عبر الشّات العالمي وعبر المواقع الأخرى المحرّضة على الزّواج سواءٌ أكان الإثنان من مدينة الشّفق ، أم واحد منهما شفقيّ والآخر خارج المدينة أم هما معا . حتّى أطلق على مدينة الشّفق ملتقى العشّاق العالمي.. واتّفق في اللّحظة نفسها ، أنّ الرّئيس البشير كان يخطب احتفاء بالعرسان الجدد . ثمّ فجأة انهار وسقط مغشيا عليه دون أن يستطيع إكمال الكلمة التي كان بصدد الوصول إلى آخر لفظة منها . وبعد خروجه من إغمائه الّذي دام سبع دقائق ، وأمام ذهول الجميع ، هبط من المنصّة تاركا وراءه الحضور الرّسمي المكوّن من أعضاء المجلس البلدي السّبعة والثّلاثين بحضور شرفي لأمّ الرّئيس" للاّ خدّوج " والكرسيّ الفارغ المعدّ وكما جرت عليه العادة للضّيف فوق العادة " المبجّل " جلجامش " ؛ غادر المنصّة مشيرا عليّ أنا شريكه ومستشاره الخاص " أمالو " بتعقّب أثره في الحال ، وقريب من العرائس والعرسان المنتظمين في صفوف طويلة على بعد أقلّ من سبعة أمتار حول المنصّة الرّئيسيّة الّتي تتوسّط ساحة الشّهداء ، والمفروشة عن آخرها بالسّجّاد الأحمر ؛ وخلف الضّيوف الشّباب يقف الصّحافيون متعدّدوا الجنسيات والإنتماءات الإعلاميّة ، بكاميراتهم المحمولة على الأكتاف أو المتبّثة على منصّات متنقّلة . في المنطقة الفاصلة بين الحضور والمنصّة ، أسرّ إليّ البشير بحديث حول ما إذا كان تعثّره قد لفت الإنتباه أو أحدث أيّ شيء يسيء إلى سمعته ؟ ، قلت إنّ الأمر مرّ في لحظة خاطفة لم يعد كافيا فيها إلى لفت انتباه أحد ، وقد أدليت بتصريحي هذا إلى سيّدي البشير إيمانا منّي بأنّ أيّ انتقاد يوجّه إلى شريكي سيّدي الرّئيس قد يفوّت على المدينة وسكّانها سمعة تضيع بسببها أغلب الفرص الذّهبية الّتي يمكن انتهازها مثل موسم الأعراس السّنوي وغيرها، في تنميّة المدينة وجعلها عاصمة التّقدّم والازدهار في كلّ المجالات . عقّب سيّدي البشير على حديثه إنّ أمرا ما حدث وأنا أدلي بكلمتي على غير العادة ، ثم همس في أذني : « .. تلك المصوّرة - وهو يشير إليها في استحياء – المرتدية قلنسوّة حمراء والّتي تعمل – على ما أعتقد – مصورّة صحافيّة لشبكة cnn العالميّة ؛ شريكي عليك أن تستدعيها الآن إلى المنصّة ..» تخطّيت الصّفوف حتّى وقفت على الصّحافيّة "ماري جونسون"، طلبت بياناتها كأنّني شرطي حتّى أتأكّد من هوّيتها، وعرضت عليها طلب البشير. لم تكن فائقة الجمال ولاحتّى جميلة ؛ كانت في السّتين من عمرها أو أقرب إلى ذلك ، وجهها الذّابل يشبه وجها لصورة عجوز أطلسية في لوحة زيتية ، عيناها تبدوان في محجريهما كأنّهما ذاك الغشاء اللامع حدّ الإضاءة الّذي يتوسّط مكبّرات الصّوت الحديثة ، أنفها مصقول كما لو أنّه حدّ صخرة مكشوفة للرّيح والمطر، أو كأنّه قمّة هاوية جبليّة حادّة ، أسنانها الّتي يبدو أنها اصطناعيّة : حليبية مكشوفة من خلال ابتسامة صارخة وانفلاق حدّيْ بحر شفتيها اللتين يشعّ منهما بريق ماكياج أرقى متاجر باريس للمستلزمات النّسائية ؛ شعرها المصبوغ بالأصفر المائل إلى الحمرة ، والمدهون "بجيل" يبدو من الرّائحة المنبعثة منه ، أنّه من مستخلصات زيت الأركان ، ومعطّر بمركّز فاكهة الصّبّار الصّحراوية ، ومرسل بعناية ، ومنسدل إلى ما بعد مشارف تفّاحتي مؤخّرتها المكتنزة ؛ يبدو شعرها هذا برّاقا إلى حدّ ناصع ، كما لوكان يشعّ تحت أشعّة شمس أبريل الوهّاجة ، وكأنّه أليافٌ حريريّةٌ !!. تحدّثتُ إلى سيّدي البشير عن سرّ اختيار هذه السيّدة الّذي سبّب احتجاجا كبيرا، وتنديدا من قبل الصّحافة المحلّية و عدد كبير من المواطنين الّذين يرون أنّ الإختيار البشيري ، لا يستند إلى معايير موضوعيّة ومحدّدة ، بل ومبتسرة في أغلب الحالات كما في هذه ؟ أجاب بهدوء «.. بالرغم من أنهم في الواقع إنّما هم متوهمون ، جاهلين حقيقة كونهم منبوذين «..من الحكمة أن نردّ الإعتبار لأناس يقبضون على جمر الحياة بقبضة من حديد ، في الوقت الّذي تغادرهم فيه أشعّة الحياة لتغزوهم ظلال الإنكفاء شيئاً فشيئاً ، وتهاجمهم وتتحرّش بهم ذئاب الموت من كلّ جانب ؛ هؤلاء نقف معهم وقفة رجل واحد ، نحرّضهم على الصمود بعناد أمام الحقائق الموضوعيّة الّتي يشهرها الواقع أمام رغباتهم الصغيرة : أنظروا بعيون باردة لا ترى إلاّ ما تشتهي ولا يرفّ لها جفن إزاء الهاويات المقدّرة سلفا والموثّقة في أجندة أيامكم الحالكة ، إسمعوا بآذان لا تسمع إلاّ ما ينعش آمالهم في حياة مستحيلة ...!!» ربّت البشير على كتفها بل أكثر من ذلك أدارها بخفّة إليه كما يفعل راقصي الباليه ، وضمّها إلى صدره حتّى – وكما صرّحت لاحقا في مذكّراتها – «... كادت تختلف عظام صدري وظهري المنهوكة بثلاثين سنة من العمل في ميدان الصّحافة نهاراً ، وليلا : أختلف إلى عشّاقي الكثيرين حتّى نضب معيني وجفّت ينابيعي.!.» ، قبّلها من فمها ثمّ في وجنتيها وفي جبهتها أخيرًا ، ليعلن على الملأ أنّه يعتزّ بسيّدة أعطت الكثير ومازالت تعطي ، «.. هاأنتم مواطني مدينة الشّفق والحضور الكريم ، أنتم ترون سرّ الحياة في هذا الجسد الفاره في العناد ، إنّه لم يستسلم بعد ولا يريد ..! » . وفي انفراد به ، في مكتبه ألححتُ على البشير أن يطلعني على سرّ سقوطه المفاجئ ؛ فكان صريحاً حين قال : «..أنّ الصّحافية المعنية كانت شبيهة إلى حدّ ما بزوجتي اللامرئية " ميريهاندا " والّتي عشت معها عشرين سنة في جحيمٍ لا يطاق ، لقد أوقعتني في شراك حبّها بخبث ، كانت مختلفة تماما عن الشّكل الّذي بدت به أمامي وأمام سكّان مدينة الشّفق في يوم العرس الكبير... الصّحافية ذكّرتني بالعشق الأوّل والأخير والّذي لم أستطع أن أحتفظ به لأسباب أحتفظ بها لنفسي .. كان عليّ أن أطردها من المدينة حال رؤيتها ولكنّ من الغباء أن نكسّر المرآة غضبا من شكلنا الّذي تعكسه . خرجت من المستشفى بعد أن أنهكني انتظاري الطّويل لغيبوبةً جديدة ، تجعل حدّا لشطحات الرّئيس الّتي لا تنتهي . نزلت الدّرجات المائة والسّبعين ، دون أن أتمكّن من استعمال المصعد الكهربائي الّذي علّقت إدارة المستشفى في كلّ بوّاباته السّبعة عشر ، ورقة مكتوبٌ عليها " معطّل ". مجهدا أتصبّب عرقا ، وقفت على طوّار الحديقة الجرداء وسط بناية المستشفى ، الّذي يقع في عشرين طابقا ، ألهث ككلب لم يتمكّن من الظّفربطريدته في صحراءقاحلة . طلبت سيّارة أجرة لكن وضّح لي ممرّض كان في هرولة إلى أحد الغرف: «.. يستحيل إيجاد وسيلة نقل عموميّة أو خصوصيّة في هذه الظّروف الصّعبة الّتي تمرّ بها المدينة على الخصوص والعالم على العموم ..» وأضاف أنّ «..جميع سكّان المدينة ومعهم المجتمع الدّولي ، في حداد وحزن على مرض الرئيس ، أسفر عن إضراب شامل ، شُلّت على إثره معظم القطاعات الحيويّة في المدينة كما في العالم أجمع .!.» .. كان عليّ أن أطلب من إدارة المستشفى نقلي عبر سيارة إسعافٍ للبحث عن أمّ الرّايس "للاّ خدّوج" والمجيء بها كما كانت أوامر الرّئيس . أمرني موظّف الإستقبال بالمستشفى بالطّابق الأرضي ، أن أطلب ذلك من الجهة المعنية بإدارة وسائل النّقل في المستشفى المركزي . كان الوقت ظهرا من زوالات يوم من أيّام الخريف ؛ الرّياح تعصف بنوافذ غرف المستشفى ، ولا تُسمع بين حين وآخر إلاّ طقطقات المصاريع والأبواب ، وصراخ بعض المرضى وأناتهم ، الّذين يمرّون بظروف حرجة . بينما في بعض الغرف الغير البعيدة عنّي من غرف المستشفى أسمع صلوات وابتهالات وأمداح وتراتيل من القرآن والكتب المقدّسة بمعظم اللّغات واللّهجات العالميّة؛ أمّا السّماء فكانت ملبّدة بالغيوم الثّقيلة والشّمس الباهتة تظهر لتختفي من حين لآخر : أحد سكّان المدينة وصف الوضع " بالثّقيل" : «..لا مطر لا شمس ، أضف إلى ذلك عبء انتظار ما سيسفر عنه حدث مرض الرّئيس الّذي ألفناه على مدى ستّين سنة حتّى صار جزءا منّا ، صرنا لا نستطيع أن نتصوّر الحياة أوعالما بدون البشير..!.» مواطن آخر إستجوبته قناة إذاعيّة محلّية قال :«... إنّ كارثة توشك أن تحلّ بالعالم ، إذا قُدّر وأن تدهورت حالة سيّدنا الرّئيس الصّحيّة إلى الأسوأ.. ربّما أصبحت نهاية العالم وشيكة!. وقد تكون بالفعل حانت .» بينما أوضح مواطن من المدينة لقناة تليفزيونيّة عالميّة حضرت إلى المدينة لتغطية "الحدث العظيم" ، قال : «..هذا الرّئيس فعلا أصبح عبئا على العالم ، ومثله مثل النّكرات الّتي تصنعها الإشاعة المغرضة ، ووسائل الإعلام المتهافتة والإرتزاقية . إنّ العالم يعيش لحظة انفصام خطيرة لم يشهدها التّاريخ الإنساني أبدا ، هذا الهراء – وفي لحظة غضب حادّ أعاد المواطن : هذا الخراء !!، -ولم يحذف مقصّ رقابة القناة هذا التّعبير الخارج عن اللّياقة الأدبية والاخلاقية - أرهق كاهل البشر أجمعين وعلى الأجيال القادمة أن تمحو ستين سنة من حكم الجنون وإلى الأبد ، هذه رسالتي إلى أحفادي أمّا نحن فقد هرمنا ورضعنا من حليب الهستيريا الجماعية الّتي ظلّ البشير وزبانيته يرضعونها لنا طوال حكمهم السّرمدي لمدينة الشّفق ، ثمّ في مرحلة لاحقة نقلوها إلى العالم تحت تخدير ممنهج للإنسان ... اللّهمّ لا شماتة !» إتّصلت بمصلحة النّقل في إدارة المستشفى عن طريق موظّف إسمه " علي بلكبير الورّادْ " ، كان لطيفا معي في جميع مراحل حديثي معه إلى أن وصل بنا الحديث إلى عتبة : منحي وسيلة نقل ؛ لم يدعني أنهي طلبي ، وعقّب : وسائل نقل المستشفى محرّمة لأغراض غير نقل الأموات والمرضى ، ولست هنا لأمنح أيّ رخصة تنتهك الدّستور البلدي ..! وبسرعة أضفت : حتّى وإن كان الهدف المجيء بأمّ سيّدي البشير ؟ ردّ عليّ مستغرباً : من هذا البشير أوّلا حتّى أعرف أمّه ؟ قلت له باستغراب مضاعف : الّذي شغل العالم لأزيد من ستّة عقود ، هذا العالم الّذي لا تنتمي إليه أيّها المخبول ، لورفعت إليه أمرك لجعلك عبرة لمن يعتبر ...! سكت "علي الورّاد" لهنيهة وقال : «...نعم أعرف " الغول " و"عيشة قنديشة " و"هْرا نيْت يديرْ" و"سبعةُ رجال" و" حمّوأونمير" و" علي بابا " و المجنون الكبير البشير الّذي ادّعى المعجزات وصنع في مخيّلة رواة قصصه مالم يصنع في الأرض أحدٌ من العالمين ؛ لكن على كلّ حال أمثالك يستحقّون ألاّ نأخذ خزعبلاتهم مأخذ الجدّ ، أمثالك من المجانين كثيرون نعاملهم كالأطفال على أقلّ تقدير ..» ، قل لي ما إسمك ؟ : أمالو ؛ وما هي وظيفتك ؟ مستشار الرّئيس البشير .« يآهْ .. أعدت نفس الجنون ...» أمرني بالإقتراب منه وهو جالس على كرسيّ إلى جانب مكتب خشبيّ وقال : «" أمالو" أنت يا أخي تعيش في عالم لا وجود له ؛ البشير بطل يصوّره الحلايقيّة في حكاياتهم لاستدرار دراهم المغفّلين ، هيّا إستيقظ قبل فوات الأوان ...» أعدت على مسامعه طلبي فهدّدني :« إن لم تغادر فسأتّصل بالممرّضين ليودعوك في الرّواق الخاصّ بالمجانين .! » وأمام إصراره وعدم اهتمامه بطلبي ، إتّصلت بإدارة المستشفى !!. على عتبة باب الإدارة ، استقبلتني سعاد المياومة وهيّأت لي متّكأً قالت : ما تشرب ؟ قلت : شايا ًأو قهوة بسكّر إضافيّ .. أو نبيذاً شفقيّا أو محيا الصّبّار !. نظرتْ إليّ باستغراب : منذ مرض البشير لم نعد نقدّم لضيوفنا نبيذا ً ! وأضافت : مابك يا أمالو ؟ أراك على نحو غير طبيعيّ ؟ قلت في تردّد واضح ... لا ..لا شيء ..ثمّ أرسلتْ في طلب عصير ليمون ؛ أضافت أنّ هذا يناسبك ؛ ونحن مذ أن إستضفنا سيّدي البشير لم نفرّط في شيء ، قلوبنا دائما معه ؛ إسمع منّي يا أمالو سأسرّ لك بشيء لم يمرّ بخلدك أبدا ! قلت لها : هيّا ، وصدري يحفظ لك هذا السّرّ مادمت حيّا ، هيّا إحكي لي ، قولي ما شئت !!! . قالت : لولا قدسيّة الموت يا أمالو ووقار الإحتضار لشاركت سيّدي البشير سريره كلّ ليلةٍ حين يتركه الجميع فريسة سهلة لذئاب الألم ! عارٌ على الألم أن يفترسه ببرودة دم مدّة أطول وأنا قريبة من جنابه الكريم ، وهذه أضعف الإيمان وأقلّ ما يمكن أن أقدّمه له ، أبسط هديّة ليليّة أقدّمها لرجل قدّم للبشر على مدى حياته وموته أغلى ممّا قدّم لنفسه ؛ ألا ترى معي أنّه على مدى حياته كاملة لم يستطع أن يحبّ ، أن يتزوّج ، ولا حتّى أن ينجب ، بالرّغم من أنّه زوّج الكثيرين على نفقته وأسعدهم على حساب آلامه . إنّ البشير يستحقّ منّا كلّ شيء . كدت انتهي من بلع آخر قطرة من عصير اللّيمون حين وقّعت لي سعاد على ورقة صغيرة ، وهي بمثابة صكّ الإذن بمنحي وسيلة نقل متاحة للإتيان ب "للاّ خدّوج" أمّ البشير لزيارة إبنها الواضع -على مايبدو- رجلا في الدّنيا وأخرى في الآخرة . وقد كانت دهشتي كبيرة وأنا خارجٌ من مكتب سعاد ، أقرأ الصّك الصّغير: إلى السّيّد "علي بلكبير الورّاد " عليك أن تمدّ المستشار الخاصّ لسيّدي الرّئيس البشير بوسيلة للنّقل وفوراً ... الإمضاء : سعاد . رجعت القهقري على الفور حتّى أفسّر لها أنّ المبعوث إليه ، كان قد رفض أوّل مرّة ؛ لكن كان مكتب سعاد مقفلا ، وعدت أدراجي إلى مكتب "الورّاد " من جديد وقفت أمامه وأنا لا أدري ماذا سيكون ردّ فعله هذه المرّة ؛ دفعت إليه الورقة الصّغيرة ، دهشتي فوق التّصوّر حين استقبلني بحفاوة فيها كثير من التّملّق الظّاهر ، خرج من خلف مكتبه ليُعدّ لي شخصيّا كرسيّا للجلوس ، ثمّ وكأنّه في عجلة من أمره إتّصل عبر الهاتف السّتاندار بمسؤول المواصلات في المستشفى - ألو : "الهرموشي" لديك وسيلة نقل متاحة ؟-......... -وسائق جاهز؟ ....... - إذن في الحال ؛ قل للسّائق أن يوافيني في مكتبي حالا ،، إنّ مستشار سيّدي الرّئيس البشير في انتظاره لغرض لا يقبل التّريّث ، هيّا بسرعة -...... أقفل الخطّ ثمّ قام ومدّني ببضع قطع من البسكويت وكأس من الشّاي المنعنع ، وقال : كيف هي حال سيّدي الرّئيس ؟ قلت له فاغرا فيّ وجاحظتين عيناي ، لا بأس الأمور على ما يرام . ثمّ لمّا أحسّ بتأفّفي في الكلام قال لي : هل يشغلك أمر ما سيّدي المستشار .؟. ولم يمهلني هدير سيّارة آتية من زقاق ضيّق يفضي إلى مكتب "بن علي" كي اردّ عليه . ثمّ لمّا انتظر : قلت له ماهي إجراءات التّسليم والإعارة لهذه السّيّارة ؟ ضحك الورّاد حتّى كاد يسقط وقال : لا شيء سيّدي كلّنا فداء سيّدي البشير .. ثمّ تدخّل السّائق وقال للورّاد إنّ مدير المستشفى كان قريبا من المسؤول عن مواصلات المستشفى حين اتّصلت به وهو الّذي قدّم سيّارته الشّخصيّة هذه قائلا نحن وحتّى أشياؤنا في خدمة المبجّل الرّئيس البشير !! . [ATTACH=CONFIG]2196[/ATTACH]
عندما استوى البشير على ظهره ، خلتُ أنّه رحل في غيبوبة جديدة ؛ إلاّ أنّه فتح عينيه ، ونزع بعصبيّة كلّ الأنابيب وكلّ الموصلات الرّهيفة الّتي توصله بالأجهزة الطّبّية المعقّدة المحيطة به ؛ ثمّ استوى قاعدا كأنّ ليس به شيء ، زمّ شفتيه لهنيهة ، وقال في غيظ ونرفزة « ماذا أسمع يا شريكي " أمالو " لا تقل لي إنّها مظاهرات أو اعتصامات لإسقاط نظامي .. هيّا قل لهؤلاء المتمرّدين ، إنّني لم أكن أبداً إلاّ خادم جالجامش وليس بيدي شيء !..» . كان كلّ ما حول المستشفى يغلي بشدّة ، حتّى لتكاد تتناهى أصوات المعتصمين والمتظاهرين إلى مسامعنا من على علوّ السّبع عشر طابقا .. فبالإضافة إلى الصّحفيين المعتصمين ، إنضاف ألاف من سّكاّن" زقاق اعتقوا الروح " . لم يكن في الحقيقة لا هؤلاء ولا أولئك يريدون شيئا من زحفهم الهادر إلى جنبات المستشفى الكبير إلاّ مواساة رئيسهم الّذي حكمهم لمدّة تزيد على ستين سنة ، ومؤازرته في محنته . من جهتي كشريك لسيّدي الرّئيس - مدى الحياة و مدى الممات أيضاً - ، بيّنت له مردّ تلك الأصوات الّتي اختطفته من غيبوبة وشيكة فقال : «... هيّئ لي منصةً أريد أن أخاطب مواطني الأعزّاء ..» أجبته أنّه لا داعي لذلك . وهو تقنيا لا يمكنه .. لمّا صرخ في وجهي ، فككت إتّصاله ببعض الأجهزة الّتي مازالت تغذّي جسمه ، الّذي يتضاءل يوما بعد يوم ، بعد أن أقنعت الجهاز الطّبّي باستحالة إقناع الرّئيس بشيء وسوست له به نفسه ، ومن الصّعب إقناع مهووس بالأنانية والنّرجسية الّتي لا تخفى حتّى على الأطفال ، غارق في السّادية إلى أخمص قدميه مثل رجل كسيّدي البشير . حاولت أن أقنعه باستحالة وجود منصّة على علوّ سبعة عشر طابقا ، لكنّه أصرّ على موقفه ؛ فلم أجد بدّا من إصدار أمري لطاقم من الممرّضين بتثبيت مكبّرات عبر كلّ شرفات الطّوابق السّبعةعشر ، موجّهة إلى الحشود الّتي تتمايل كالموج أمام المستشفى تراقب عن كثب ظهور الرّئيس البشير على واجهة نافذة زجاجية في الطّابق نفسه ، وهي نافذة الحجرة السّابعة والثّلاثون التي يرقد فيها البشير . لمّا عاد الممرّض قال : إنّ شعبك سيّدي الرّئيس ينتظر كلمتك بلهفة ؛ هيّا شنّف آذاننا !.. بدأ الرّئيس بالتّلويح بيديه المرتعشتين النّحيلتين من خلال واجهة زجاجية لبالكون الطابق السابع عشر . وكنت خلال السّبع وثلاثين دقيقة الّتي استغرقها خطابه المرتجل ، المليء بالأخطاء اللّغويّة والنّحويّة ، على خلاف خطاباته الحماسية إبّان عهده البائد لمدينة الشّفق . خلال مدّة إلقائه الخطاب على المعتصمين ، وإن كان قصيرا بالمقارنة مع خطابات سابقة ، كنت أحاول بكلّ ماأوتيت من قوّة أن أجعل سيّدي البشير يستوي قائما . كان يتمايل كعود قصب يميل مع الرّيح أينما مالت ، ولولا خوفي من سقوطه الحرّ من علوّ سبعة عشر طابقا ، وانزعاجي من مصير غامض كان ينتظرني - إذا ما رفضت طلب البشير- : لكنت أوّل من يرمي به من هذا العلوّ وسأختم عملي الّذي قد يتمنّى وقوعه كلّ من في الأرض قاطبة ، بصرخة على جثّته وهي تهوي كورقة ذابلة : «..إلى الجحيم يا شيخ مجانين الأرض ..! »
طلب سيدي الرّئيس كأس ماء قبل أن يبدأ خطابه الّذي أظنّه الأخير قيد حياته و الّذي عوّد العالم وسكان مدينة الشّفق من خلاله أن لا يدع أيّ شيء ذي بال أوغير ذي بال أن يفوته دون أن يتعرّض له بالدّرس والتّحليل ، وهو ما سمّي لاحقا ب "المتون البشيرية " . لمّا أوتي له بالماء عاينه بعينين شبه نائمتين وهو يمرّر الكأس أمامهما أفقيا ، يمينا، ويسارا ، ثمّ في انتفاضة مباغتة ، صبّه مع جام غضبه في وجه الممرّض الّذي جاءه به ؛ ونهرني قائلاً : من أين أتيتم بهذا البائس إلى هذا الإسطبل القذر ؟ لمّا قلت له إنّه من خريجي المعاهد العليا للطّبّ البديل ، قال : كيف وهو من مواطني مدينة الشّفق ولا يدري أنّ رئيسه لا يشرب إلاّ ماء المطر الغير المعرّض لأيّة تصفية؟ ، إنحنى الممرّض استعطافا وقال : سيدي الرّئيس إنّه من فرط صدمة مرضك ، تغافلنا عن بروتوكولات كثيرة حفظناها لك عن ظهر قلب ؛ أعتذر لك سيدي البشير .. ثمّ غاب وأتى بقنينة بلاستيكية من ماء المطر علّ منها البشير سبع جرعات ؛ كأنّي به أمام المواطنين في ساحة الشّهداء وهو يلقي خطبه الحماسية المشهورة وخاصّة في الجُمُعات الكُسكُسية، الّتي لا يستطيع أحد إلاّ أن يخضع لتأثيرها السّحري ، ويقتنع بما جاء فيها . أخيرا قال : « الحمد لله وحده ولا يدوم إلاّ ملكه ؛ وأحمده تعالى أنّني مكّنني منكم وبالرّغم منكم !، وأظهرني عليكم : أخدم مصالحكم وأرعى شؤونكم ، كلّكم منّي وكلّي منكم ، أمّهاتكم أمّهاتي زوجاتكم زوجاتي ، مهما هرب منّي أحد منكم ، فإليّ سيعود ...إلخ ».. كانت كلمته قصيرة وبين كلّ سطر وسطر يستريح لثانيتين ، يأخذ نفسا عميقا ، يتّكئ على كتفيّ ، وبعد أن يستوي قائما يمضي بقوّة إلى أن تستولي الحشرجة على صوته ، فيمد ّلي يده ويعاود الإستراحة ثمّ يقوم بعد ذلك . في كلمته أثنى على الصّحفيين المعتصمين أمام المستشفى ، ودعاهم إلى فكّ الإعتصام والعودة إلى بيوتهم وأعمالهم دون قيد أوشرط ؛ مذكّرهم أنّ جلجامش تغضبه أحيانا احتجاجات بلا معنىً، وأثنى على الشّفقيين الّذين أتوا من كلّ أحياء المدينة وذكّر الجميع بالآية القرآنية :« "وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل ، أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ؟..."» ، «..ولم أكن يوماً أنا البشير رغم ما بنيتموه حولي من هالة ، إلاّ نكرة أمام هؤلاء العظماء من البشر فاختطفهم الموت على حين غرّة !» في اللّحظة الّتي أكمل فيها قراءة الآية القرآنية تعالى صوت من بين المتجمهرين : «... من تكون أيّها المجنون حتى تشبّه نفسك بالأنبياء والرّسل ؟ لم تكن أبدا شيئا يستحقّ الذّكر!، عهدنا بك روثة من قمامة "زقاق اعْتْقُوا الرّوحْ " وشجرة تخفي غابة جلجامش الإنتهازي ، وتاريخك معروف للقاصي والدّاني ؛ لو رحلت عنّا بسرعة لكنت أحسنت إلى نفسك أوّلا قبل أن تحسن إلينا ! هيا ,هيّا إلى الجحيم ...! » . كان شابّا في نهاية عقده الثّالث ويدعى " العديان ولد للاّ كلثوم " ، لمّا انتهى من احتجاجه الشّفوي ، انقضّت عليه أفواج الجماهير المحيطة به كما تنقضّ الضّباع الجائعة على فريسة إستولت عليها من بين مخالب السّباع . لكنّ البشير تدخّل بسرعة وقال بصوت غاضب : « ... إيّاكم أن تمسّوه بسوء ، دعوه يقول ما يشاء ، هو حرّ في ما يراه صائبا . وقذفه لي وسبّه لن يغيّر من الحقيقة والواقع شيئا ، وأذكّره أنّ الفرق بيننا نحن السّاسة وبين الأنبياء فرق شاسع على ما يبدو ، ولكنه بسيط : الأنبياء يحاولون جعل البشر سعداء في الآجلة ولايهمّهم من العاجلة سوى كونها مزرعة ، بينما نحن نسعى إلى جعل العاجلة محور كلّ اهتمامنا بالرّغم من ادّعائنا في أغلب الأحيان أنّنا نرجو الآخرة ؛ أيّها الغبيّ الّذي يوضّح الواضحات ، أعلم جيّدا أنّني فشلت في مدار حكمي لهذا الإسطبل الّذي سمّيناه عبثا : مركز العالم ، فشلت في كسر وشطب الحدود الفاصلة بين الأشياء ، ولكن أعدكم أنّني رغم اقتراب أجلي ، سأحاول أن أرغم الأشياء على التّعايش . ولأنّي لم أكن آمنت أبدا بقواعد الجبريّة ؛ فقد حاولت أن أوحّد البشر تحت راية واحدة ابتغاء سعادتهم ، ولكن دائماً : «.. المجد للشّيطان ..!» ، هذه هي الحقيقة أيّها الغبيّ ؛ حتّى الأنبياء وعلى مدار تاريخ البشرية ، لم يستطيعوا يوما أن يجمعوا النّاس كلّهم تحت قبّة سماء واحدة ! خلّوا سبيل هذا الغبيّ الّذي لوعلمت أنّ مدينة الشّفق ستلد مثله ، ما رضيت أن أصبح رئيس بلديّتها ليومٍ واحدٍ ! .. » قبل أن يعود الرّئيس إلى سريره ، ذكّر الصّحفيين أنّه إن لم يمت على المدى البعيد فمن المستبعد أن يموت على المدى القصير! أو لمجرّد أنّه أصيب بوعكة بسيطة ..! «...أوصيكم يا انتهازيي اللّحظة المثيرة ، ويا لصوص الوقائع وطفيليي الأحداث ، أو من تسمّون أنفسكم بالصّحافيين ، أرجوكم لا تنقلوا عنّي مالم أصرّح به وأنا على أبواب المجهول ..!» عندما عاد إلى سريره ، كان في انتظاره عميد أطبّاء المدينة ؛ وهو رجل فاره القامة ، أصلع الرّأس بعنق طويل ، نحيف البنية ، أذُناه بارزتان ، تشبهان أذني وطواط ، شفته السّفلى متدلّية من كثرة ماكان لا ينزع غليونه من فمه الّذي يشبه فم جمل ، حتّى و أسنانه تبدو - حين يصاب بضحكة فجائيّة - كأوتاد صخرية منحوتة بفعل التّآكل التّاريخي للصّخور الكلسية ؛ قلّما ينزع نظّاراته الطّبّية ، وأنبوب جسّ النّبض الّذي لم يغادرعنقه أبدا ؛ حتّى أنّ شهود عيان أكّدوا أنّه لم ينزعه أبداً حتّى وهو في أوقات وأماكن خارج العمل ؛ فقد شوهد الدّكتور" إبراهيم أبْلاضْ " في أكثر من مناسبة ، لاتفارقه آلة جسّ النّبض وهي متدلاة من عنقه ، وتتأرجح كميدالية على صدر بطل ، ولا يردّ أحدا يطلبه من المارّة في الشّارع أوفي الميادين العامّة من جسّ نبضه مجّانا . وفي مقاهي المدينة ، حيث لا تخطئه العين ، كان مولعا بمشاهدة مباريات كرة القدم ، مشجّعا كبيرا لفريق ريال مدريد أوّل الأمر ، ثمّ حين توالت الهزائم على الفريق المدريدي ، قلّب معطفه مشجّعا للبارصا ، شديد البأس إلى درجة إثارة الفوضى في المقاهي ، لحماسه الشّديد وغيرته على الفريق الكتالوني ؛ يفقد أعصابه عند انطلاق المباراة هائجا . وبآلة جسّ النّبض نفسها حول عنقه ، استقبل الفريق الإسباني "ابراهيم أبلاضْ " في عاصمة كاتالونيا كضيف شرف بمناسبة مروره إلى الدّور النّهائي من كأس أوروبّا للأندية البطلة في ذاك العام . أخذ الفريق صورة تذكارية مع" ابراهيم أبلاضْ "وقد تدلّت حول عنقه ميدالية الشّرف الذّهبية والآلة الطّبّية تلك . وأصرّ الدّكتور في طلب موجّه إلى إدارة المستشفى المركزي على وضع هذه الصّورة ، في إطار ذهبي وتثبيتها في أحد جدران غرفة الإستقبال ؛ لكنّ إدارة المستشفى رفضت ذلك بدعوى سخافة الطّلب « لسنا مجبرين على الإنصياع لمثل هكذا رغبات ، فهي ببساطة رغبات حمقى و مجانين ، حتّى وإن كان واحداً منّا...! ». كما أدلت زوجة الدّكتور بتأكيد إشاعات عن كون الدّكتور لا ينزع الآلة حتّى وهو معها في وضع حميميّ ، وأضافت -وهي لا تستطيع أن تكبت ضحكاتها الخجولة - : وحتّى وهو نائم معي !! . وما إن تمدّد البشير على سريره الخاص حتّى اقترب منه الدّكتور" ابراهيم أبْلاضْ " مبتسما فارغا فاه :« سيّدي البشير ، أنا في خدمتك وسأظلّ كذلك ؛ سيّدي البشير عليك أن تمتثل لأوامري وأنت في ضيافتنا كما كنّا تحمّلنا أوامرك المجنونة - عادة- لمدّة ستّين سنة خلت !!، هيّا أدر ظهرك الشّريف حتّى نرى كيف سنتعامل مع مرضك ، الّذي أكّدنا مرارا أنّه لا قبل لنا به .!» . وكردّ فعل طبيعي على نفور معذور من جسم الدّكتور المخيف : بوجهه المتورّم وأنف بارز، وعينين جاحظتين تكادان تخرجان من محجريهما، وفم جَمل يقذف روائح مختلطة من التّبغ الرّديء ، انتفض سيدي البشير بهيستيريا واضحة حتّى كاد يسقط من على السّرير، وقال في عصبيّة موجّها خطابه إليّ : لا تقل لي شريكي -مدى الحياة والممات -، لا تقل يا " أمالو" أنّ هذا البلشون قد لمسني أو حاول ذلك ؛ إذا كان قد سبق أن فعل ، فأنا متيقّن أنّ نهايتي وشيكة ، وأنّني على يقين أنّني مصاب بالجذام والطّاعون معا الآن ، وعليك أن تعلن في الصّحافيين نيابة عن رئيسك : أنّني راحل لا محالة خلافا لما قلت لهم سابقا ، و أن تصدر أمرا بالنّيابة عنّي إلى كلّ اللّجان المكلّفة بالصّحة في المدينة للتّحرّي عن حالات من قبيل الطّاعون والجذام قد تكون تفشّت ولا ريب في ذلك بين معظم مواطني مدينة الشّفق ، وإجراء فحص شامل على الّذين تعاملت معهم ذو القرن الواحد هذا الغير المكتمل النّمو ، بل وإجراء فحص شامل على كلّ الّذين عالجهم هذا الدّكتور المريض ! . وعلى البلديّة أن تقوم بدورها بإرسال بيان إلى منظّمة الصّحّة العالمية كي تقوم بمساعدتنا في هذا المجال لو تطلّب الأمر ذلك . هيّا ياعزيزي البلشون المنتمي إلى سلالات الدّيناصورات المنقرضة ، هيّا أغرب عن وجهي ، إنّك لا تستحقّ إلاّ مستشفى تكون فيها مريضا تُعالَج فيه ، لا أن تكون فيه طبيبا يعالج مرضى ! . ثمّ لمّا غادر الدّكتور" إبراهيم أبلاض" ، إنفردت بالبشير وألححت عليه أن يتّبع تعاليم الأطّبّاء بغضّ النّظر عن أشكالهم وطبائعهم مادامت صحّة سيدي الرّايس فوق كلّ اعتبار. لكنّ الرّايس لم يعر رأيي أيّ اهتمام ، بل أضاف أنّ الموت أفضل من أن يعبث بجسده أنصاف الأطبّاء .!. كانت حسنة الغيبوبة الّتي تتجدّد لمرّات في اليوم ، وتستغرق ثلاث ساعات إلى أربع ساعات ، فرصة ينتهزها الأطبّاء في المستشفى لإجراء تحاليل تلو أخرى على جسده الّذي أبهرت أسرار مرضه نخبة من أطبّاء العالم الّذين أشرفوا عن بعد أوعن قرب على البحث في مكامن سرّ مرض البشير . ولأنّ البحث الطّبّي بشقّيه العلمي العصري والبديل التّقليدي لا يقبل التّكهّنات ، فقد رفضت إدارة المستشفى تقارير واردة من بعض الفقهاء الّذين لهم علم واسع وخبرة سنين في علم التنجيم وعلم الرّمل وضرب الكفّ والمندل ، و شيوخ "التّسباب " والإستنزال وكشف المستور ؛ ومن بعض الشّوافات والسّاحرات الّتي فتحن عيادات بهذا التّخصّص على طول شارع جلجامش" وسط المدينة وحتّى من بعض" المشعوذين العالميين" المعروف عنهم دقّة الخبر ورجحان تصديقه ؛ ومعظم هؤلاء أجمعوا على أنّ «..البشير لم يكن مريضا ولا يُخشى عليه من الموت حتّى في المدى البعيد ، حتّى ولو كان لا بدّ من الموت في آخر المطاف ! إنّما كان مسكونا بروح زوجته اللاّمرئية "ميريهاندا " إبنة الإمبراطور اللاّمرئي " سبطائيل" جامع شمل اليهود الجنّ ؛ والّتي غادرته في ظروف مشبوهة . » وقد أعلنت كلّ الفعّاليات الّتي تنتمي إلى شبكة العلوم اللاّحسّية في بيان نشرته في الجريدة الرّسمية للمدينة ، ونقلته وسائل إعلام مختلفة محلّية وعالمية :« أنّّنا نتحدّى العلم والعلماء الطّبيعيون الّذين لا يرون أبعد ممّا ترى أعينهم وعقولهم المتحجّرة ، أن يعلنوا صراحة عن المرض الّذي أصاب سيّدنا البشير !! وما هي أعراضه وكيف يمكن علاجه ؟ وإذ نستنكر تعرّض جسده الشّريف - وباستمرار -، لأيادِ نجسة من أطبّاء المستشفى المركزي ومجانين الطّبّ العام ، نهيب بالبشير أن يفصح لشعبه ومواطني مدينة الشّفق ولشعوب العالم الّتي تتابع بقلق كبير تطوّرات حالته الصّحّية ، عن السّبب الّذي أدّى إلى انفصال المصونة " ميرهاندا " عنه ، وكشف المسكوت عنه وملابسات قرانهما الشّرعي الذي أفضى إلى ما أفضى إليه ؛ وهو في الحقيقة ما نعتبره مفتاح شفائه ودواء دائه ، ولا شيء غير ذلك !.. ولم ترُقْ البشيرَ فكرة أن يصبح متّهما ومريضا في نفس الوقت ، وهو الّذي كان يؤمن بشكل لا يقبل زحزحته عنه ، أنّه أسدى لكلّ شعوب الأرض معروفا، كان قد لخّصه في خطاب له مشهود ، لم تبق قناة إعلاميّة ورقيّة أومرئية أومسموعة في العالم أجمع إلاّ ونقلته ؛ وكان من بين أفكار الخطاب : «....أنّني أيّها العالم المستعصي على حكمة الأنبياء ، استطعت بعون اللّه أن أجعلك ليس قرية صغيرة كما يدّعي غلاة نهاية التّاريخ ، وإنّما مدينة كبيرة ، آمنة مطمئنّة متآخية لا فرق فيها بين مواطن ومواطن أبدا ، ولن أستعمل أيّ أداة استثناء ، ومستثنى ، حتّى لا يركب عليها المغرضون ؛ مدينة اعتبرناها خليّة نمل الكلّ فيها يعمل لصالح الآخر ، نعم ، انتهت فلسفة " الجحيم هو الآخر" وبدأت فلسفة " النّعيم هو الآخر" لأوّل مرّة في التّاريخ ؛ ستّون سنة لم تقع فيها حرب واحدة على الإطلاق بين البشر وحتّى بين الحيوانات في البراري ، إلاّ في إطار الحفاظ على العنصر الحيواني؛ استطعنا أن ننهيها ونحدّ منها برغم أنف صنّاع الأسلحة وشركات التّطهير الجسدية ، الّتي يسوّق لها عتاة السّياسة ، والّذين يرفضون الآخر ، وكشفنا عن مخطّطاتهم الّتي ترمي إلى إقبار الإنسان والحدّ من تناسله ، و بعون اللّه و بطرقنا وإمكانيّاتنا الخاصة الجدّ فعّالة فتحنا صفحة جديدة في تاريخ البشريّة ، وبفضل قدراتنا الّتي تتجاوز التّكنلوجيا والأحلام الصّغيرة لإنسان مابعد الألفية الثّالثة ، والّتي لم تعرفها أيّ مملكة على مدار التّاريخ سوى مملكة سليمان ....!» لم يرق البشير تعرّضه لإهانة لا يتحمّلها «...وممّن ؟ من المشعوذين المنبوذين الّذين لم يعترف بهم أحد في تاريخ البشريّة غير البشير، ثمّ «..أخيرا يحاسبونني على حقّي في أن أفعل في نفسي ما أشاء ، ضدّا على أنّي كفلت بضماني الخاصّ حقّهم المنصوص عليه في الدّستور : أنّ أيّ إنسان قيمته العليا والّتي لا يمكن المساومة عليها ، أنّه إنسان وكفى ، وما يأتي لا حقا من رتوشات تجميلية لا تهمّنا ولا ننظر إليها بعين الرّضا ولا بعين السّخط ... »! ما أدهش الأطبّاء وأدهشني أنا "أمالو " مستشار الرّئيس وظلّله الدّائم مدى الحياة والموت ، كون البشير ورغم كبر سنّه الّذي ناهز المائة سنة ، ما يزال يحتفظ بذاكرة قويّة ، وسرعة في البديهة ، ورجحان دلائله في ردّه على من يخالفونه . ولكنّه وهو يتهاوى كشمعة أمام أشعّة شمس حارقة ، أعرف جيّدا أنّ كل هذه الأعراض إنّما كانت ردّة فعل صحّية ولكن ، في الزّمن الميّت ، وفي مكان " خارج التّغطية " ، وحيلة المُدافع المنهزم الّذي لا يملك أيّ وسيلة أخرى هي الهجوم لإفراغ شحنة بطّاريته المنذورة للإنكفاء بطريقة إنتحاريّة . أخبرتُ الممرّضة المياومة سعاد عن كون البشير قد هوى على الأرجح في أتون غيبوبة جديدة ؛ و أنّه بإمكان الأطبّاء إجراء ما يريدون إجراءه من عمليّات على جسده . وقد جاءني الطّبيب الزّيمبابوي" كتابولا كينتاكا "على غرّة وقال إنّه تلقّى برقية من منظّمة الصّحة العالمية توصيه بالرّأفة بجسد البشير واحترام قدسيّته ، وعدم إجراء أيّ عمليّات تنتهي ببتر عضو صالح كان أوغير صالح من جسده ، وعدم إعطاء الرّئيس البشير عقاقير تؤثّر على جزء صغير أوكبير من مخّه ، و«..لا تسمح المنظّمة العالميّة بإدخال أيّ عضو غريب إلى جسده الشّريف حتّى ولو كان ضروريا لإنقاذ حياته ؛ أمّا في حالة وفاته- لا قدّر اللّه - فإنّ المنظّمة ومعها المجتمع الدّولي بريئة من إجراء أيّ تشريح أوعمليّة جراحيّة تروم الإنتفاع بأيّ عضو من أعضائه المباركة »؛ وتقول المنظّمة العالميّة أنّها قد استعدّت فعلا لاستقبال جسد البشير حين تخرج منه الرّوح راضية مرضية ، « وسيقوم بمهمّة تحنيطه سليل الأسرة الفرعونية "عماد قطب شعبان السّيّد " وأنّ متحفا جاهزا يضاهي متحف اللّوفر بفرنسا قد أعدّ لاحتضان جسده الشّريف ، إضافة إلى كلّ مقتنياته الخاصّة سواء المهمّة منها والّتي لا أهمّية لها . فبالرّغم من أنّ معظمها لا قيمة له على الإطلاق ! «...لكنّنا نثمّن رمزيّتها..!.» . وقد نسّقت المنظّمة مع بلديّة الشّفق لإنشاء مزار سياحيا في ساحة الشّهداء أمام البلدية حتّى يكون محجّا عالميا لكلّ النّاس يأتون إليه من كلّ فجّ عميق . يتحدّث إليّ "كتابولا " ، حتّى تمنّيت لو ينتهي في أقرب لفظة قبل أن يسترسل مرّة أخرى . كانت هيئته ديناصوريّة وأشدّ إثارة للرّعب أكثر بكثير من الدّكتور " ابراهيم أبلاض" . كان فمه الّذي يشبه فم " فرس النّهر " ، ينفث الألفاظ وكأنّي بأحرفها النّحاسيّة برؤوسها الحادّة تسبح في الفضاء ما بيني وبينه ، تشبه خناجرأو سيوفا ، ملوّثة برائحة مركّزة جدّا ومستخلصة من كلّ الرّوائح النّتنة المعروفة على وجه الأرض ... لكنّ الغريب من هذا كلّه هو أنّ " كينتاكي كتابولا " الزّنجيّ كان أقرب النّاس إلى قلب البشير من كلّ الأطبّاء الذين يتناوبون على رعايته وتمريضه . حتّى أنّه بعد استفاقاته من كلّ غيبوبة ، كان الإسم الّذي يلي الشّهاديتين والحمدلة والهيللة ، هو إسم " كتابولا " : « كتابولا أين أنت عزيزي ؟ ، لولا أنت ، لأمرت هؤلاء الأطبّاء- المغضوب عليهم- أن يجعلوا حدّاً لحياتي الّتي لم يبق منها إلاّ الفتات ! نعم أيّها الزّنجيّ الجميل ، حينما تمسّني يدك أحسّ كأنّ ناموساً من الطّمأنينة يتغشّاني !...» وقد منحه البشير وهو على سريره في المستشفى أثناء تحسّن مفاجئ طرأ على صحّته ، وبحضور الطّاقمين الطّبّيين الحديث والبديل ، وسام " المحبّة " وهو وسام كان يمنحه الرّئيس البشير لكلّ شيء يلمس فيه جمالاً بمواصفات يحدّدها البشير ، إنطلاقا من معايير غير واضحة تخصّه هو فقط ، سواء أكان بشراً أوحيوانا أوغير ذلك . فقد مُنح هذا الوسام سبعة وسبعين مرّة خلال حكمه البائد ؛ كان أوّل ما منحه ، منحه لكلب مزركش ، ولكن بعد إجراء اختبار من طرف لجنة مختصّة والتّأكّد من أنّ الألوان الأربعة الّتي تزركش ظهر الكلب طبيعية ، ولم يكن ليد البشر أيّ دخل فيها .. بينما منح الوسام الثّاني لصحافيّة سويدية كانت غاية في الجمال – كما ادّعى البشير دون أن يستطيع أحدٌ أن يحاججه في ذلك - ؛ واتّفق أنّها كانت تغطّي أحداث الزّواج الجماعي السّنوي الّذي تقيمه بلدية مدينة الشّفق على شرف الشّباب والشّابّات الّذين يوقعون أنفسهم بأنفسهم في شباك القفص " الذّهبي " وكان الرّئيس البشير ينعتهم أحياناً ب " المغرّر بهم " والّذين من كثرة تناولهم المزمن لمخدّر الحبّ والمشاعر المفخّخة المتبادلة أمام شاشات الحواسيب وعلى المواقع الإجتماعية كالفايسبوك والتويتر وجوجل بلوس ومواقع الشّات العالميّة ، وفخاخ مواقع الزّواج الحلال وقنوات : " إبحث عن نصفك الثّاني " : «... فإنّ علينا نحن المسؤولين تحمّل تكاليف نزوات هؤلاء المجانين الشّباب بنقلهم من المستوى النّظري إلى التّطبيقي ، بسرعة فائقة ، والزّجّ بهم في زنازن السّجن الّذي قايضوا من أجله الحرّية بالمتعة ، وهو ما يسمّونه كناية بإلقفص الذّهبي والّذي يكتشفونه بعد فوات الأوان زنزانة من خرسانة وإسمنت مسلح ، في انتظار محاكمتهما بالتّحايل على الحقائق الكبرى للحياة من أجل قضاء نزوة عابرة !!...» . وقد تحمّلت بلديّة مدينة الشّفق مسؤولية نفقة قران كلّ زوج شبابي إتّفقا عبر الشّات العالمي وعبر المواقع الأخرى المحرّضة على الزّواج سواءٌ أكان الإثنان من مدينة الشّفق ، أم واحد منهما شفقيّ والآخر خارج المدينة أم هما معا . حتّى أطلق على مدينة الشّفق ملتقى العشّاق العالمي.. واتّفق في اللّحظة نفسها ، أنّ الرّئيس البشير كان يخطب احتفاء بالعرسان الجدد . ثمّ فجأة انهار وسقط مغشيا عليه دون أن يستطيع إكمال الكلمة التي كان بصدد الوصول إلى آخر لفظة منها . وبعد خروجه من إغمائه الّذي دام سبع دقائق ، وأمام ذهول الجميع ، هبط من المنصّة تاركا وراءه الحضور الرّسمي المكوّن من أعضاء المجلس البلدي السّبعة والثّلاثين بحضور شرفي لأمّ الرّئيس" للاّ خدّوج " والكرسيّ الفارغ المعدّ وكما جرت عليه العادة للضّيف فوق العادة " المبجّل " جلجامش " ؛ غادر المنصّة مشيرا عليّ أنا شريكه ومستشاره الخاص " أمالو " بتعقّب أثره في الحال ، وقريب من العرائس والعرسان المنتظمين في صفوف طويلة على بعد أقلّ من سبعة أمتار حول المنصّة الرّئيسيّة الّتي تتوسّط ساحة الشّهداء ، والمفروشة عن آخرها بالسّجّاد الأحمر ؛ وخلف الضّيوف الشّباب يقف الصّحافيون متعدّدوا الجنسيات والإنتماءات الإعلاميّة ، بكاميراتهم المحمولة على الأكتاف أو المتبّثة على منصّات متنقّلة . في المنطقة الفاصلة بين الحضور والمنصّة ، أسرّ إليّ البشير بحديث حول ما إذا كان تعثّره قد لفت الإنتباه أو أحدث أيّ شيء يسيء إلى سمعته ؟ ، قلت إنّ الأمر مرّ في لحظة خاطفة لم يعد كافيا فيها إلى لفت انتباه أحد ، وقد أدليت بتصريحي هذا إلى سيّدي البشير إيمانا منّي بأنّ أيّ انتقاد يوجّه إلى شريكي سيّدي الرّئيس قد يفوّت على المدينة وسكّانها سمعة تضيع بسببها أغلب الفرص الذّهبية الّتي يمكن انتهازها مثل موسم الأعراس السّنوي وغيرها، في تنميّة المدينة وجعلها عاصمة التّقدّم والازدهار في كلّ المجالات . عقّب سيّدي البشير على حديثه إنّ أمرا ما حدث وأنا أدلي بكلمتي على غير العادة ، ثم همس في أذني : « .. تلك المصوّرة - وهو يشير إليها في استحياء – المرتدية قلنسوّة حمراء والّتي تعمل – على ما أعتقد – مصورّة صحافيّة لشبكة cnn العالميّة ؛ شريكي عليك أن تستدعيها الآن إلى المنصّة ..» تخطّيت الصّفوف حتّى وقفت على الصّحافيّة "ماري جونسون"، طلبت بياناتها كأنّني شرطي حتّى أتأكّد من هوّيتها، وعرضت عليها طلب البشير. لم تكن فائقة الجمال ولاحتّى جميلة ؛ كانت في السّتين من عمرها أو أقرب إلى ذلك ، وجهها الذّابل يشبه وجها لصورة عجوز أطلسية في لوحة زيتية ، عيناها تبدوان في محجريهما كأنّهما ذاك الغشاء اللامع حدّ الإضاءة الّذي يتوسّط مكبّرات الصّوت الحديثة ، أنفها مصقول كما لو أنّه حدّ صخرة مكشوفة للرّيح والمطر، أو كأنّه قمّة هاوية جبليّة حادّة ، أسنانها الّتي يبدو أنها اصطناعيّة : حليبية مكشوفة من خلال ابتسامة صارخة وانفلاق حدّيْ بحر شفتيها اللتين يشعّ منهما بريق ماكياج أرقى متاجر باريس للمستلزمات النّسائية ؛ شعرها المصبوغ بالأصفر المائل إلى الحمرة ، والمدهون "بجيل" يبدو من الرّائحة المنبعثة منه ، أنّه من مستخلصات زيت الأركان ، ومعطّر بمركّز فاكهة الصّبّار الصّحراوية ، ومرسل بعناية ، ومنسدل إلى ما بعد مشارف تفّاحتي مؤخّرتها المكتنزة ؛ يبدو شعرها هذا برّاقا إلى حدّ ناصع ، كما لوكان يشعّ تحت أشعّة شمس أبريل الوهّاجة ، وكأنّه أليافٌ حريريّةٌ !!. تحدّثتُ إلى سيّدي البشير عن سرّ اختيار هذه السيّدة الّذي سبّب احتجاجا كبيرا، وتنديدا من قبل الصّحافة المحلّية و عدد كبير من المواطنين الّذين يرون أنّ الإختيار البشيري ، لا يستند إلى معايير موضوعيّة ومحدّدة ، بل ومبتسرة في أغلب الحالات كما في هذه ؟ أجاب بهدوء «.. بالرغم من أنهم في الواقع إنّما هم متوهمون ، جاهلين حقيقة كونهم منبوذين «..من الحكمة أن نردّ الإعتبار لأناس يقبضون على جمر الحياة بقبضة من حديد ، في الوقت الّذي تغادرهم فيه أشعّة الحياة لتغزوهم ظلال الإنكفاء شيئاً فشيئاً ، وتهاجمهم وتتحرّش بهم ذئاب الموت من كلّ جانب ؛ هؤلاء نقف معهم وقفة رجل واحد ، نحرّضهم على الصمود بعناد أمام الحقائق الموضوعيّة الّتي يشهرها الواقع أمام رغباتهم الصغيرة : أنظروا بعيون باردة لا ترى إلاّ ما تشتهي ولا يرفّ لها جفن إزاء الهاويات المقدّرة سلفا والموثّقة في أجندة أيامكم الحالكة ، إسمعوا بآذان لا تسمع إلاّ ما ينعش آمالهم في حياة مستحيلة ...!!» ربّت البشير على كتفها بل أكثر من ذلك أدارها بخفّة إليه كما يفعل راقصي الباليه ، وضمّها إلى صدره حتّى – وكما صرّحت لاحقا في مذكّراتها – «... كادت تختلف عظام صدري وظهري المنهوكة بثلاثين سنة من العمل في ميدان الصّحافة نهاراً ، وليلا : أختلف إلى عشّاقي الكثيرين حتّى نضب معيني وجفّت ينابيعي.!.» ، قبّلها من فمها ثمّ في وجنتيها وفي جبهتها أخيرًا ، ليعلن على الملأ أنّه يعتزّ بسيّدة أعطت الكثير ومازالت تعطي ، «.. هاأنتم مواطني مدينة الشّفق والحضور الكريم ، أنتم ترون سرّ الحياة في هذا الجسد الفاره في العناد ، إنّه لم يستسلم بعد ولا يريد ..! » . وفي انفراد به ، في مكتبه ألححتُ على البشير أن يطلعني على سرّ سقوطه المفاجئ ؛ فكان صريحاً حين قال : «..أنّ الصّحافية المعنية كانت شبيهة إلى حدّ ما بزوجتي اللامرئية " ميريهاندا " والّتي عشت معها عشرين سنة في جحيمٍ لا يطاق ، لقد أوقعتني في شراك حبّها بخبث ، كانت مختلفة تماما عن الشّكل الّذي بدت به أمامي وأمام سكّان مدينة الشّفق في يوم العرس الكبير... الصّحافية ذكّرتني بالعشق الأوّل والأخير والّذي لم أستطع أن أحتفظ به لأسباب أحتفظ بها لنفسي .. كان عليّ أن أطردها من المدينة حال رؤيتها ولكنّ من الغباء أن نكسّر المرآة غضبا من شكلنا الّذي تعكسه . خرجت من المستشفى بعد أن أنهكني انتظاري الطّويل لغيبوبةً جديدة ، تجعل حدّا لشطحات الرّئيس الّتي لا تنتهي . نزلت الدّرجات المائة والسّبعين ، دون أن أتمكّن من استعمال المصعد الكهربائي الّذي علّقت إدارة المستشفى في كلّ بوّاباته السّبعة عشر ، ورقة مكتوبٌ عليها " معطّل ". مجهدا أتصبّب عرقا ، وقفت على طوّار الحديقة الجرداء وسط بناية المستشفى ، الّذي يقع في عشرين طابقا ، ألهث ككلب لم يتمكّن من الظّفربطريدته في صحراءقاحلة . طلبت سيّارة أجرة لكن وضّح لي ممرّض كان في هرولة إلى أحد الغرف: «.. يستحيل إيجاد وسيلة نقل عموميّة أو خصوصيّة في هذه الظّروف الصّعبة الّتي تمرّ بها المدينة على الخصوص والعالم على العموم ..» وأضاف أنّ «..جميع سكّان المدينة ومعهم المجتمع الدّولي ، في حداد وحزن على مرض الرئيس ، أسفر عن إضراب شامل ، شُلّت على إثره معظم القطاعات الحيويّة في المدينة كما في العالم أجمع .!.» .. كان عليّ أن أطلب من إدارة المستشفى نقلي عبر سيارة إسعافٍ للبحث عن أمّ الرّايس "للاّ خدّوج" والمجيء بها كما كانت أوامر الرّئيس . أمرني موظّف الإستقبال بالمستشفى بالطّابق الأرضي ، أن أطلب ذلك من الجهة المعنية بإدارة وسائل النّقل في المستشفى المركزي . كان الوقت ظهرا من زوالات يوم من أيّام الخريف ؛ الرّياح تعصف بنوافذ غرف المستشفى ، ولا تُسمع بين حين وآخر إلاّ طقطقات المصاريع والأبواب ، وصراخ بعض المرضى وأناتهم ، الّذين يمرّون بظروف حرجة . بينما في بعض الغرف الغير البعيدة عنّي من غرف المستشفى أسمع صلوات وابتهالات وأمداح وتراتيل من القرآن والكتب المقدّسة بمعظم اللّغات واللّهجات العالميّة؛ أمّا السّماء فكانت ملبّدة بالغيوم الثّقيلة والشّمس الباهتة تظهر لتختفي من حين لآخر : أحد سكّان المدينة وصف الوضع " بالثّقيل" : «..لا مطر لا شمس ، أضف إلى ذلك عبء انتظار ما سيسفر عنه حدث مرض الرّئيس الّذي ألفناه على مدى ستّين سنة حتّى صار جزءا منّا ، صرنا لا نستطيع أن نتصوّر الحياة أوعالما بدون البشير..!.» مواطن آخر إستجوبته قناة إذاعيّة محلّية قال :«... إنّ كارثة توشك أن تحلّ بالعالم ، إذا قُدّر وأن تدهورت حالة سيّدنا الرّئيس الصّحيّة إلى الأسوأ.. ربّما أصبحت نهاية العالم وشيكة!. وقد تكون بالفعل حانت .» بينما أوضح مواطن من المدينة لقناة تليفزيونيّة عالميّة حضرت إلى المدينة لتغطية "الحدث العظيم" ، قال : «..هذا الرّئيس فعلا أصبح عبئا على العالم ، ومثله مثل النّكرات الّتي تصنعها الإشاعة المغرضة ، ووسائل الإعلام المتهافتة والإرتزاقية . إنّ العالم يعيش لحظة انفصام خطيرة لم يشهدها التّاريخ الإنساني أبدا ، هذا الهراء – وفي لحظة غضب حادّ أعاد المواطن : هذا الخراء !!، -ولم يحذف مقصّ رقابة القناة هذا التّعبير الخارج عن اللّياقة الأدبية والاخلاقية - أرهق كاهل البشر أجمعين وعلى الأجيال القادمة أن تمحو ستين سنة من حكم الجنون وإلى الأبد ، هذه رسالتي إلى أحفادي أمّا نحن فقد هرمنا ورضعنا من حليب الهستيريا الجماعية الّتي ظلّ البشير وزبانيته يرضعونها لنا طوال حكمهم السّرمدي لمدينة الشّفق ، ثمّ في مرحلة لاحقة نقلوها إلى العالم تحت تخدير ممنهج للإنسان ... اللّهمّ لا شماتة !» إتّصلت بمصلحة النّقل في إدارة المستشفى عن طريق موظّف إسمه " علي بلكبير الورّادْ " ، كان لطيفا معي في جميع مراحل حديثي معه إلى أن وصل بنا الحديث إلى عتبة : منحي وسيلة نقل ؛ لم يدعني أنهي طلبي ، وعقّب : وسائل نقل المستشفى محرّمة لأغراض غير نقل الأموات والمرضى ، ولست هنا لأمنح أيّ رخصة تنتهك الدّستور البلدي ..! وبسرعة أضفت : حتّى وإن كان الهدف المجيء بأمّ سيّدي البشير ؟ ردّ عليّ مستغرباً : من هذا البشير أوّلا حتّى أعرف أمّه ؟ قلت له باستغراب مضاعف : الّذي شغل العالم لأزيد من ستّة عقود ، هذا العالم الّذي لا تنتمي إليه أيّها المخبول ، لورفعت إليه أمرك لجعلك عبرة لمن يعتبر ...! سكت "علي الورّاد" لهنيهة وقال : «...نعم أعرف " الغول " و"عيشة قنديشة " و"هْرا نيْت يديرْ" و"سبعةُ رجال" و" حمّوأونمير" و" علي بابا " و المجنون الكبير البشير الّذي ادّعى المعجزات وصنع في مخيّلة رواة قصصه مالم يصنع في الأرض أحدٌ من العالمين ؛ لكن على كلّ حال أمثالك يستحقّون ألاّ نأخذ خزعبلاتهم مأخذ الجدّ ، أمثالك من المجانين كثيرون نعاملهم كالأطفال على أقلّ تقدير ..» ، قل لي ما إسمك ؟ : أمالو ؛ وما هي وظيفتك ؟ مستشار الرّئيس البشير .« يآهْ .. أعدت نفس الجنون ...» أمرني بالإقتراب منه وهو جالس على كرسيّ إلى جانب مكتب خشبيّ وقال : «" أمالو" أنت يا أخي تعيش في عالم لا وجود له ؛ البشير بطل يصوّره الحلايقيّة في حكاياتهم لاستدرار دراهم المغفّلين ، هيّا إستيقظ قبل فوات الأوان ...» أعدت على مسامعه طلبي فهدّدني :« إن لم تغادر فسأتّصل بالممرّضين ليودعوك في الرّواق الخاصّ بالمجانين .! » وأمام إصراره وعدم اهتمامه بطلبي ، إتّصلت بإدارة المستشفى !!. على عتبة باب الإدارة ، استقبلتني سعاد المياومة وهيّأت لي متّكأً قالت : ما تشرب ؟ قلت : شايا ًأو قهوة بسكّر إضافيّ .. أو نبيذاً شفقيّا أو محيا الصّبّار !. نظرتْ إليّ باستغراب : منذ مرض البشير لم نعد نقدّم لضيوفنا نبيذا ً ! وأضافت : مابك يا أمالو ؟ أراك على نحو غير طبيعيّ ؟ قلت في تردّد واضح ... لا ..لا شيء ..ثمّ أرسلتْ في طلب عصير ليمون ؛ أضافت أنّ هذا يناسبك ؛ ونحن مذ أن إستضفنا سيّدي البشير لم نفرّط في شيء ، قلوبنا دائما معه ؛ إسمع منّي يا أمالو سأسرّ لك بشيء لم يمرّ بخلدك أبدا ! قلت لها : هيّا ، وصدري يحفظ لك هذا السّرّ مادمت حيّا ، هيّا إحكي لي ، قولي ما شئت !!! . قالت : لولا قدسيّة الموت يا أمالو ووقار الإحتضار لشاركت سيّدي البشير سريره كلّ ليلةٍ حين يتركه الجميع فريسة سهلة لذئاب الألم ! عارٌ على الألم أن يفترسه ببرودة دم مدّة أطول وأنا قريبة من جنابه الكريم ، وهذه أضعف الإيمان وأقلّ ما يمكن أن أقدّمه له ، أبسط هديّة ليليّة أقدّمها لرجل قدّم للبشر على مدى حياته وموته أغلى ممّا قدّم لنفسه ؛ ألا ترى معي أنّه على مدى حياته كاملة لم يستطع أن يحبّ ، أن يتزوّج ، ولا حتّى أن ينجب ، بالرّغم من أنّه زوّج الكثيرين على نفقته وأسعدهم على حساب آلامه . إنّ البشير يستحقّ منّا كلّ شيء . كدت انتهي من بلع آخر قطرة من عصير اللّيمون حين وقّعت لي سعاد على ورقة صغيرة ، وهي بمثابة صكّ الإذن بمنحي وسيلة نقل متاحة للإتيان ب "للاّ خدّوج" أمّ البشير لزيارة إبنها الواضع -على مايبدو- رجلا في الدّنيا وأخرى في الآخرة . وقد كانت دهشتي كبيرة وأنا خارجٌ من مكتب سعاد ، أقرأ الصّك الصّغير: إلى السّيّد "علي بلكبير الورّاد " عليك أن تمدّ المستشار الخاصّ لسيّدي الرّئيس البشير بوسيلة للنّقل وفوراً ... الإمضاء : سعاد . رجعت القهقري على الفور حتّى أفسّر لها أنّ المبعوث إليه ، كان قد رفض أوّل مرّة ؛ لكن كان مكتب سعاد مقفلا ، وعدت أدراجي إلى مكتب "الورّاد " من جديد وقفت أمامه وأنا لا أدري ماذا سيكون ردّ فعله هذه المرّة ؛ دفعت إليه الورقة الصّغيرة ، دهشتي فوق التّصوّر حين استقبلني بحفاوة فيها كثير من التّملّق الظّاهر ، خرج من خلف مكتبه ليُعدّ لي شخصيّا كرسيّا للجلوس ، ثمّ وكأنّه في عجلة من أمره إتّصل عبر الهاتف السّتاندار بمسؤول المواصلات في المستشفى - ألو : "الهرموشي" لديك وسيلة نقل متاحة ؟-......... -وسائق جاهز؟ ....... - إذن في الحال ؛ قل للسّائق أن يوافيني في مكتبي حالا ،، إنّ مستشار سيّدي الرّئيس البشير في انتظاره لغرض لا يقبل التّريّث ، هيّا بسرعة -...... أقفل الخطّ ثمّ قام ومدّني ببضع قطع من البسكويت وكأس من الشّاي المنعنع ، وقال : كيف هي حال سيّدي الرّئيس ؟ قلت له فاغرا فيّ وجاحظتين عيناي ، لا بأس الأمور على ما يرام . ثمّ لمّا أحسّ بتأفّفي في الكلام قال لي : هل يشغلك أمر ما سيّدي المستشار .؟. ولم يمهلني هدير سيّارة آتية من زقاق ضيّق يفضي إلى مكتب "بن علي" كي اردّ عليه . ثمّ لمّا انتظر : قلت له ماهي إجراءات التّسليم والإعارة لهذه السّيّارة ؟ ضحك الورّاد حتّى كاد يسقط وقال : لا شيء سيّدي كلّنا فداء سيّدي البشير .. ثمّ تدخّل السّائق وقال للورّاد إنّ مدير المستشفى كان قريبا من المسؤول عن مواصلات المستشفى حين اتّصلت به وهو الّذي قدّم سيّارته الشّخصيّة هذه قائلا نحن وحتّى أشياؤنا في خدمة المبجّل الرّئيس البشير !! . [ATTACH=CONFIG]2196[/ATTACH]
تعليق