سفر في قساوة الوثيقة و الحجارة-اسطورة قرطاج-للباحث حاتم سعيد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    سفر في قساوة الوثيقة و الحجارة-اسطورة قرطاج-للباحث حاتم سعيد

    أهلا بكم أيها الاخوة من جديد في صفحات صوت الحضارات ، و أتقدّم باعتذاري منكم لطول غيبتي التي كانت وليدة تراكمات و مشاغل الحياة وفقدان أعز الأحباب بالتزامن مع معاناة أكيدة من أجل اتمام كتابي الجديد بعنوان "سفر في قساوة الوثيقة و الحجارة" وهو عبارة عن رحلة لمحطات عرفت بها مدينة الماتلين ببعدها المتوسطي الجغرافي و العالمي لأنها اسم مشهور في عديد القارات.
    اخترت أن أشارككم بنبذة من هذا الكتاب لأتواصل مع نقدكم و آرائكم قبل أيام من طباعته بعنوان :
    أسطورة قرطاج



    الإهداء
    إلى من علمتني معاني الإصرار
    إلى من سماّني الحاتم بكل افتخار

    وأتقدّم بالشكر الكبير لكل من ساعدني وشجّعني وساندني في انجاز هذا العمل المتواضع وأخصّ بالذكر :

            • السيدة الكريمة الكاتبة و الشاعرة منيرة الفهري
            • السيّد المهندس محمد الناصر ڤلوز
            • الكاتب والصديق محمد بليغ التّركي
            • السيّد محمّد الحبيب بن عبد الله مدير مهرجان الصّداقة
            • جميع الأصدقاء من شباب الماتلين.






    افريقية هي تونس في الأصل ، أعطت اسمها لكامل القارّة ، أطلقها الفينيقيون قديما على أهل البلاد الأصليين للتفرقة بين عنصرهم و العناصر الأخرى، نتبيّن ذلك من خلال الجذر (فرق) الذي يدلّ في العبرية كما في العربية على فكرة التفرقة، وبهذا المعنى نقله الرّومان و أطلقوه على سكان هذه البلاد.
    هذا المعنى يتغيّر عند النوميديين فقد كانوا يعبدون آلهة تسمّى "إيفرو" وقع تجسيدها على شكل امرأة تحمل فوق رأسها جلد فيل، و "إيفري" عند الأمازيغ و البربر تعني المغارة، هذا وقد وجدت قبائل تحمل اسم "بني إفران" و"افرين ابن دلال" و "ايفيرا" ببلدان ما يعرف اليوم بالمغرب الإسلامي .
    ومن أحسن ما قيل حول (افريقية/تونس) أنّها البلاد التي حباها الله بمرتبة الوسط ففرقت بين المشرق و المغرب وهي المقصودة في القرآن الكريم "اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) سورة النور،فهي البلاد التي فرّقت بين المشرق و المغرب وزيتونها هو المقصود بالآية ،وهذه الشجرة موجودة إلى اليوم في الشرف من ولاية نابل بين معتمديّتي قليبية و الهواريّة و قد قيل أنّ عمرها يفوق 2500 سنة.

    تاريخ البلاد يمثّل إشكالا حقيقيا للدّارسين، إنّه يبرز كأسطورة لا حقيقة ملموسة فيه، وهو ما يثير الجدل و يبعث على التساؤل ويجعله عرضة للتشكيك، لقد تولّدت عن هذا التاريخ الأسطوري قولة لطالما استفزّتنا :"(تونس تبني تاريخها على أسطورة ووجود غريب محتل في أرضها)" في إشارة لقدوم (علّيسة) المرأة الذكيّة التى تحتال على سكّان هذه الأرض و تأسّس مدينة عظيمة بثمن مساحة جلد ثور، وقبل تلك الحادثة لا حديث إلا عن الزّمن القبصيّ و سكان الكهوف، ثم تتالى موجات المحتلين من رومانيين ، بيزنطيين ،عرب ، اسبان ، أتراك ، فرنسيين...فكأن البلاد مرتع لكل قادم تستقبله بالورود وتقدّم له عبارات الترحيب.

    • فمن نحن يا ترى ؟
      نحن ندرك جيّدا أن لشعوب العالم عددا هائلا من القصص والأساطير و التخيّلات للإجابة على أحداث مبهمة شهدها التاريخ أو أسئلة صعبة لا وجود لأجوبتها، ونعلم جيّدا أنه بالرغم من كونها لا تمثل معرفة يقينية فإنها في بعض الأحيان تبقى المصدر الوحيد الذي يمكن اعتماده لبداية كل بحث ، و كما يقول العلامة ابن خلدون رائد علم الاجتماع "التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار و في باطنه نظر و تحقيق".

      التاريخ في حاجة لبحث عقلاني يرتكز على النقد ، علينا أن نجري عليه التعديل الملائم الدائم كلّما امتلكنا معلومة جديدة أو وسيلة أكثر تطوّرا في البحث، نحن نتحدّث اليوم عن الجينات الوراثية ، وصور الأقمار الصناعيّة ، والتدخل ألمعلوماتيّ ثلاثي الأبعاد ... فلابدّ إذا من مراجعة محتوى التاريخ ليكون أكثر ثباتًا فنفصل بين الأسطوري المتوارث والمعلومة الدقيقة التي يقبلها العقل نتيجة للتجربة.
      كتابة التاريخ لا يمكن أن تخضع لوجهة نظر واحدة فهو ليس كتلة جامدة بل هو مسار لأحداث و شخصيات وأماكن وصراع بين القوى الاقليمية، صحيح أنّه يكتب لتخليد المنتصرين في المقام الأوّل ولكن أيضا لطمس الممارسات اللاأخلاقية و لتغييب الحقائق، إنّه يحتمل قراءات عديدة من زوايا متعدّدة، والباحث المعاصر الذي ينبش ركام الماضي عليه أن يتجرّد من العاطفة السلبيّة التي تمنعه من القبول بالرأي المخالف أو توجّهه إلى منحى فكري مسبق أو دفاع عن مذهب ديني يعتبره لا يخطئ بينما هو في الحقيقة نتاج عقل بشري قاصر حاول الفهم قدر ما يستطيع، علينا أن نحارب قناعات مسقطة تتوهم الانفراد بالحقيقة .
      نحن نتعلّم من التاريخ أن كل ما في هذا العالم نسبيّ و لا يحمل حقيقة مطلقة، حتى ما تراه الأعين، لأن الفعل الانساني وليد تراكمات وحوادث ومسارات تؤثر سلبا أو إيجابا في أفكارنا، فقد يكون الماضي أسطوريا بكامله ولكن ذلك يعني في كثير من الأحيان أن الحوادث التي مرّت قد أختير لها أن تبقى في غياهب النسيان أو لأنّ العقل الانسانيّ لم يسعى إلى تحليلها وفهمها.
      لنحاول أن نكتشف التاريخ من زاوية أخرى تبدو أكثر حياديّة، نتخلص فيها من اليقين لطرح السؤال من جديد و البحث عن الإجابة بأكثر عمق وأوّل هذه الأساطير بناء قرطاج.
    • 1- أسطورة بناء قرطاج:
      تبدأ الأسطورة بقدوم أميرة فينيقية قبل 38سنة من بداية الأولمبياد (ذكره المؤرخ اليوناني "تيمايوس"الذي عاش في القرن 3 ق-م) وقد اعتمد أكثر المؤرخين على هذا التقدير للقول أن ذلك يوافق سنة 814 ق.م ، ولكن من المحتمل جدا أن يكون البحارةالفينيقيون قد أسّسوا محطة توقّف فحسب في ذلك المكان.

      تقول الرواية الكلاسيكية أن الملكة (علّيسة/أليسا)أو "ديدون" كما يسمّيها الرومان قد جاءت إلى سواحل هذه البلاد هاربة من أخيها الذي قام باغتيال زوجها لكي لا يتمكن من الاستحواذ على ثروته.

      يسرد لنا "جوستينوس" (وهو مؤرخ روماني عاش في القرن الثالث أو الرابع ميلادي) تفاصيل هذه الأسطورة فيذكر أن هذه الملكة الجميلة القادمة من بلاد المشرق ، كانت متزوجة من(عمها أو خالها) و يدعى "عاشرباص" وكان صاحب جاه ومنصب ديني، ولكن وبعد وفاة أبيها طمع أخوها بأملاك صهره فقام باغتياله فثارت ثائرة أخته وبقيت في دوامة من الحزن لم تكن لتنتهي إلا بالانتقام منه أو اللحاق بزوجها.
      ذات يوم دعاها للإقامة معه في قصره ممنيا نفسه بالتقرب منها للاستيلاء على أملاكها الكثيرة لكن عليسة أدركت نواياه، فأبدت الموافقة على طلبه والخضوع لرغبته ، عندها قام بإرسال الخدم لمساعدتها في حمل أغراضها ، وعندما ركبوا السفينة، طلبت من الخدم رمي أكياسها المحملة بجميع كنوزها في البحر، فخافوا من ردّة فعل أخيها وعقابه لهم إن هو علم بصنيعهم، فأخبرتهم أن يتكتموا على فعلتها و أن يقولوا له أنه قد تمّ سرقتها ولم يجدوها، ثم أمرت مرافقيها بتغيير الوجهة إلى غرب المتوسط ....
      و فعلا اتجهت السفينة إلى الغرب تشق طريقها في المتوسط بين جزره إلى أن وصلت إلى إحداها فتوقفت فيها بعض الوقت ، و نزلت لمقابلة كاهن معروف لنيل البركة من الآلهة كما اختارت من الجزيرة 80 بنتا لتزويجهن بنفس العدد من الرجال الذين رافقوها.
      عندما وصلت عليسة إلى سواحل افريقيا سعت لإقامة علاقات ودّيّة مع السكان المحليين وأبدت رغبتها في شراء قطعة أرض مقدار ما يغطيه جلد ثور ليكون مكانا خاصاّ بها .
      وافق المستضيفون على هذاالعرض ، غير أن عليسة بيّتت حيلة ذكية تتمثل في قص جلد الثور إلى سيور رفيعة جدا لتتمكن من الحصول على مساحة أوسع ، و من هنا يقول المؤرخون يأتي اسم "بيرصا" الذي يعني باليونانيّة الجلد.
      عندها قام سكان أوتيكا بزيارة أبناء وطنهم حاملين معهم الهدايا لتشجيعهم على إعمار ذلك المكان والاستقرار به لطيبة أجواره وتكريمهم لضيوفهم.
      أمرت الملكة مرافقيها بالحفر في تلك الأرض لتأسيس المدينة الموعودة فعثروا على رأس ثور فبدا لهم ذلك نذير شؤم فاختاروا مكانا آخر وحفروا فيه فوجدوا رأس حصان فرأوا فيه مباركة من الآلهة لأن هذا الحيوان يرمز للقوة والشجاعة عندها واصلوا عملهم في ذلك المكان حتى تمّ البناء.
      أقام الفينيقيون ميناءا بسيطا واتفقوا مع أحد ملوك الأفارقة على شراء جميع ما تنتجه مزارع بلاده للمتاجرة بها في أنحاء البحر المتوسط فوافق، وبفضل هذا الاتفاق تمكنوا من ربط علاقات تجارية متبادلة مع كل سكان المنطقة.
      و في مدّة وجيزة تكاثر سكان قرطاج فأصبحت مدينة كبيرة و مزدهرة ومشهورة، ففكّر الملك الأفريقي "هيارباس"الذي أغرم بعليسة الجميلة و الذكية أنه قد حان الوقت ليتقدم لخطبتها، و قام باستدعاء أكابر مدينتها طالبا منهم تزويجه منها مهما يكون الثمن أو تكون الحرب بينهم، كعادة كلّ الملوك، بكت عليسة كثيرا و تذكرت زوجها "عاشرباص"و قالت لأتباعها أنها أمام قرار صعب سيتحدد به مصيرهم جميعا، و بعد مضي ثلاثة أشهر (وهي المهلة المحددة)،أقامت عليسة نارا كبيرة عند بوابة المدينة وتوجّهت نحو أهلها و أتباعها قائلة : « هذا هو قراري » ، طعنت نفسها بخنجر وألقت بجسدهها وسط اللهب، فكانت نهايتها المأساويّة، و لكن يعلّمنا التاريخ أنّ قرطاج بعدها عرفت مجدا لا مثيل له فأصبحت تقريبا سيّدة كل هذه البلاد وصاحبة القوّة في كامل حوض المتوسّط بل و ترسل بحارتها لاكتشاف أقاصي الأرض، ولكن زوالها سيكون تراجيديا و بنفس الطريقة على أيدي الرومان ، محرقة رهيبة لم تترك أثرا يمكن العودة إليه، وحتى كتب مكتبتها لم تسلم من النيران، فكيف يمكن معرفة الحقيقة؟.
      تتكون كلمة قرطاج كما يشير إلى ذلك الباحثون من جزءين (قرت حدشت) أو (قرط حدشت) وتعني حسب رأيهم (القرية الحديثة) وتنسب للكلمة اليونانية (كارشيدون -karchedon)و تكتب (كارتاج) وهذه الاشارة تبدو مبهمة وتحتاج لكثير من التفسير فآخر الكلمة هو معنى واضح لا جدال فيه (طاج/تاج) والتَّاجُ ما يوضع على رؤوس الملوكِ من الذّهب والجواهر، وهذه المدينة بموقعها مثلت تاجا على تلك الربوة فكانت بحصونها و أسوارها شبيهة به .
      "فلماذا لجأ المفسرون إلى اعتباره يعني (الحداثة)؟
      وما الداعي للعودة إلى اللغة اليونانية إذا كان الذين أطلقوا الاسم فينيقيون من أصل كنعاني؟"
      أما (قرط أو قرت) التي ربما تكون تصحيفا لكلمة قرية فيمكن أن تعني أيضا الحلقوهوما يُعَلَّقُ في شَحْمَة الأُذن من دُرٍّ أَو ذهب أَو فضّة أَو نحوها والمقصود به هو ميناؤها الدّائري الذي يجاورها على الشاطئ.
      فلماذا لا يكون اسم قرطاج المتكون من هاتين الكلمتين (قرط و تاج) يعني بها (قرية التاج) أو (ميناء دائري و قلعة فوق الربوة)؟
      إنّه وصف دقيق لقرطاج فكأنها ملكة تحمل التاج على رأسها و تزيّن أذنها بقرط أو حلقة.
      وقيل أن التسمية (قرية حديثة) اتخذت بسبب مدينة قبلها أسسها التجار الفينيقيون وتسمى (القرية العتيقة) وهي أوتيكا أو (عوتيقا) و تبعد عنها حوالي 30 كم.
      فهل سمّيت أوتيكا(العتيقة) عندما تسمّت قرطاج ؟
      لاشك أن طرح هذا السؤال يبدو ساذجا ، فتسمية أوتيكا كان سابقا قبل معرفة بناتها بأنه ستبنى مدينة أخرى حديثة.
      فما هو الداعي لتسمية(أوتيك) عتيقة إذا كانت هي من أولى المدن الفينيقية في هذه البلاد ، بل كيف استمدّت قدمها و عتاقتها ؟

      من حيث المنهج، هذه التسمية بلا معنى ، لأنّه لا يمكننا أن نقبل هذا التبرير وهذا الربط بين المدينتين، فالعقل البشري المحلل يرفض هذه الاستنتاجات المسقطة من المؤرخين و الباحثين الأجانب ولا يقبل بهذا التسرع في تحديد المفاهيم .

      يمكننا أن نحدّد أن أوتيك هي كلمة تعني في بعدها اللغوي (الإيواء) من الفعل آوى فلانًا إليه أي ضمّه إليه ، وأسكنه وأنزله مطمئنًّا عنده،وأصلها (آوت ك) أي المكان الذي آوى إليه التجار الفينيقيين بعد غربتهم وبعدهم عن مسقط رأسهم ، ورغم أنّ هذا الفعل من اللغة العربية إلاّ أنّ هذا الاستدلال يبدو منطقيا و غير مستبعد، لأن تقارب اللغة الكنعانية و الفينيقية والعبرية والعربية معروف لكل الدارسين ودليلنا على ذلك هو تبنّيهم لفكرة (قرت حدشت التي عني بها قرية حديثة)، والتقارب بين اللغات لم يعد خافيا فقد تناولته الدراسات الحديثة بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة بفضل شبكات المعلومات، حتّى أن هناك من الدراسات من يتبنّى فكرة (اللغة الأم) التي أنجبت جميع اللغات، وهي حسب بعضهم (العربية)لغة القرآن.

      كذلك تسمية (هضبة بيرصا) التي عني بها المكان الذي احتلته قرطاج ، جاءت حوله عديد التفاسير سواء باليونانة أو اللاتينية أو الفينيقية أو العربية فلم يقدّموا لنا معنى واحدا متفقا عليه فذهب بعض المفسرين للقول أنّه يفيد (بئر الأغنام) وكأنها نفس الكلمة العربيّة "(بير أو بئر) (صا /السعي باللغة المحلية/ الأغنام)".
      نحن أمام معطيات متضاربة و أقوال لمؤرخين أثبت التاريخ عدم حياديتهم و بالتالي لا يمكن الوثوق باستنتاجاتهم كثيرا، فتسمية الأماكن تخضع في غالب الأحيان إلى معطيات موضوعيّة تتعلّق بالموقع والتضاريس الطبيعية أو أسماء الملوك و القادة أو شخصيات أخرى يخلّدها التاريخ وفي حالة قرطاج هو اسم محلّي يتعلق بسكان هذه الأرض من الأوائل و أي تغيير في شكله أو نسبته يؤدّي بالضرورة إلى تشويه المعنى و تغييب الحقيقة.
      علينا أن ننطلق من معطيات تاريخية أثبتها العلم وهو اشتراك الفينيقيين مع النوميديين في عديد المعارك و تأدية طقوس دينية مشتركة للاله بعل و الآلهة تانيت ووجود مقابر تجمع الفئتين و تبادل تجاري كثيف لا غبار عليه وهو أدّي إلى مجتمع ديموقراطي متعاون تسوده العدالة وهذا ما كانت عليه قرطاج فلا غرابة أن تكون جذور الفئتين واحدة و أن يكونا من أصل واحد ، وبالتالي فهذا الاسم يجب أن يكون مرتبطا بلغة هؤلاء الشعوب .
      وردت في كتاب العهد القديم العديد من الإشارات إلى المدن الكنعانية الفينيقية، كما نقل إلينا معطيات دينية بحتة عن الآلهة والمعبودات فهو يشير إلى الصوريين الذين ازدانوا باللباس الأرجواني الذي يأتي نتاج صناعة فينيقية - بونية أما المادة الخام، فكانت متوفرة في المناطق البونية مثل جربة وكركوان، والوطن القبلي .
      تسمى لغة النوميديين (البدو الرحّل) في شمال افريقيا (التيفيناغ/التيفيناق) وهي كلمة تبدو ذات دلالة صريحة بأنها تعني الفينيقيين مماّ يمكننا من القول أن الفريقين كانا يملكان نفس الجذور وأن الفاصل بينهما هو سكن الفينيقيين للمدن و اختيار النوميديين لحياة البداوة و الترحال.
      علاقة الفينيقيين بالنوميديين في مراحلها الأولى كانت علاقة تأثر و تأثير مما أنتج لنا شكلا جديدا سمّي البونيقيّة وهو انصهار للنموذجين معا تحكمه مصلحة مشتركة متبادلة تعتمد على البحر(التجارة الفينيقية) والأرض (ما ينتجه الفلاحون النوميديون ).
      ولكنّ هذه العلاقة تاريخيا شابتها منغّصات ساهمت في فك هذه الرّوابط واندلاع الأزمات و الصراعات عندما آثر أحدهما أو كلاهما الاستقلال بنفسه أو أراد أن يكون سيّدا على الثاني و هذا ما سنتوسع في ذكره من خلال ثورة النوميديين و العبيد على تجار قرطاج عند انحطاط هذه الحضارة.
      لم تقدّم المراجع التاريخية علاقة واضحة بين المدن الفينيقية التي أسّسها تجّار صور في بلادنا مع وطنهم ، وحتى في زمن عنفوان قرطاج فقد بدت كل من بنزرت (هيبو) و أوتيك القريبتين منها مدنا شبه مستقلة.
      فاذا كان هذا حال أشهر مدينة عرفت في بلادنا فكيف يكون واقع بعض القرى و المدن المغمورة في هذه الأرض الطيبة ؟ ، وهو سؤال ربط نريد من خلاله التوجّه مباشرة لموضوع الكتاب الأصلي وهو تاريخ منطقة الماتلين لاكتشاف أسباب تسميتها و تاريخها ومعرفة آراء من قاموا بمحاولات سابقة لفكّ لغز وجودها ومختلف المحطات التي عرفت فيها.
      تونس في 01 أكتوبر 2014































    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    أستاذي القدير و الباحث الكبير
    أخي الغالي
    حاتم سعيد ابو هادي
    أهلا أهلا أهلا بك من جديد تضفي على الملتقى سحر التاريخ و جمال قرطاجة العظيمة
    أجدد تعازي لفقدانك الوالدة رحمها الله و برد ثراها
    و بما ان الحياة تواصل حزن و فرح فسأبارك لك مولودك الجديد
    سفر في قساوة الوثيقة و الحجارة
    و ما أروعه من عنوان ..للوهلة الأولى يشعرك أنك في حقبة جميلة من تاريخ تونس الرائدة
    أما عن ما قرأتُه هنا و ما جدتَ به علينا من كتابك الجديد فقد كان ضافيا لكي نقدر قيمة العمل الذي قمت به
    و نبحر معك في غياهب الجمال و الحضارة
    بالتوفيق دائما و أبدا و لك مني كل التحايا الصادقة أخي حاتم

    تعليق

    • المختار محمد الدرعي
      مستشار أدبي. نائب رئيس ملتقى الترجمة
      • 15-04-2011
      • 4257

      #3
      مبروك منجزكم أخي حاتم كم هو رائع بروعة تاريخ قرطاج ذاك التاريخ الذي مازال يأسر قارئه في كل بقاع العالم
      نظرا لكثرة تلك الصراعات و التحولات الكبيرة التي يرويها فهي المليئة بكل عناصر الهيبة و التشويق
      عبر العصور
      كما أعجبني كثيرا ذكرك للآية الكريمة التي ذكر الله عز و جل فيها شجرة الزيتون المباركة
      فعلا يبقى شجر الزيتون معجزة من المعجزات التي خص الله بها أرض تونس
      فهناك بسهل القيروان خاصة مازالت آلاف أشجار الزيتون التي غرسها الرومان منذ أكثر من 3000 سنة صامدة شامخة
      تروي للأجيال جيلا بعد جيل معجزة الله في خلقها
      و روعة و جمال تونس في أرضها ,في مناخها و في أهلها
      مرة أخرى مبروك ما أنجزتم
      و رحم الله والدتكم برحمته الواسعة و تلك هي سنة الله في خلقه أخي حاتم
      مع خالص الود و التقدير

      [youtube]8TY1bD6WxLg[/youtube]
      الابتسامة كلمة طيبة بغير حروف



      تعليق

      • محمد الحزامي
        عضو الملتقى
        • 13-06-2014
        • 356

        #4
        كل الشكر والتقدير للاستاذ والباحث القدير :حاتم سعيد أبو هادي عن منجزه"سفر في قساوةالوثيقة والحجارة "اذ انه بحق عمل باهر وبحث مستفيض لتاريخ تونس مركز على الوسائل المتطورة والحديثة في البحث (للوثيقة والحجارة)من زوايا أكثر دقة وموضوعية . لك كل الامتنان والتقدير على هذا العمل الرائد الجميل .

        تعليق

        يعمل...
        X