تحليق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    تحليق

    تحليقوصلت الفصل لاهثا ، العرق يتصبب من جبيني و جسمي ، وجدت التلاميذ قد اتخذوا أماكنهم بنطام ، جلست على الكرسي ، أخرجت منديلا معطرا أهدته لي حبيبتي ذات لقاء ، مسحت به وجهي ، و بعد أن استرجعت أنفاسي المتقطعة ، ألقيت نظرة على الفصل : لأول مرة أجده ضيقا ، كئيبا و متسخ الجدران ، بابه حديدي ، لم هو كذلك ؟ عجيب أمر الإدارة ، تصر على جعله زنزانة. النوافد لا تنفتحباستثناء واحدة و بصعوبة ،و كأن الأمر مقصود قصدا؛ الهواء لا يسمح لنفسه بالدخول مخافة التلوث. التلاميذ متأهبون ، و متحمسون لاجتياز الامتحان ، في عيونهم تحد ، و في أنفسهم شراهة النجاح.
    دق الجرس فقمت بتوزيع أوراق التسويد و الامتحان. و بقيت أذرع الحجرة ، أحس بمتعة و أنا أنصت لوقع أقدامي ترسم الخوف في القلوب ، يطربني إيقاع الحذاء ، أحس نفسي جنديا في ساحة الوغى ، أزرع الرعب في قلوب الأعداء ، و أجلب لي نياشين النصر؛ أتنقل بين الصفوف متأملا صمت الفصل و إيقاعي ، في ما التلاميذ قد انكبوا على الأوراق باهتمام بالغ. ظننت ، للحظة ، أنهم قد غرقوا ، فكانت فرصة لاعود إلى الكرسي جلبا لمزيد راحة ، فلا حركة تدل على نية القيام بالغش.
    في لحظة ، رفع التلاميذ رؤوسهم ، استقاموا ، رشقوا السبورة بنظرات متسائلة ، ثم جمعا تثاءبوا ، انفتحت أفواههم على أشدها ، فخيل لي أن الفصل قد صار فم قرش يطلب الطعام ، و خيل لي أنني ذاك الطعام المطلوب ، و وجدتني أنجذب إلى داخله حتى إني أحسست بحدة الاسنان الشبية بالمناشير. تذكرت ذلك الذي ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت ، ها أنا في بطنه ، أتنقل بين أروقته ، قاومت بدمع الروح ، و بالصبر مقتاح الفرج ؛ قاومت بقوة الرغبة، بالكاد استرجعت حضوري و خرجت من دهشتي. مازال التلاميذ متثائبين ، يصدرون في الوقت نفسه صوت : آآآآآآآآآآآآخخخخ؛ لم يضعوا أيديهم فوق أفواههم الفاغرة ؛ فسرت العدوى في جسمي ، و بشكل لا إرادي فتحت فمي متثائبا ، شعرت بدبيب خدر لذيذ يكتسح جسمي ، و بعيني و هما ينغلقان من دون إرادتي. و بارتخاء شديد ، ملت إلى الوراء مغمض الجفنين ، و مال رأسي إلى أن لامس الجدار، و بدأت في إصدار شخير متقطع..و حلمت أني أغرق ، و أغرق ..إلى أن أخرجني صوت ينادي علي :
    _ أستااااااذ ، أستاااااااذ ؟
    نهضت مرتجفا ، و بصوت متلعثم رددت :
    _ماذا ؟ و وضعت ظهر يدي اليسرى على فمي و قد تابع تثاؤبه.
    رد علي التلميذ المنادي بهدوء :
    _ لقد أنهينا الامتحان ، و الأوراق أمامك ، و قد وقع كل واحد ..
    دعوتهم للانصراف. و بقيت أمام كومة الأوراق متأملا..بدت لي شبيهة بأكياس خندق وضعت لحماية النفس من رصاص طائش ، و غير طائش ، تبسمت لأبعد كآبة حلت كفراشة ربيع أزهر قبل أوانه. و أنا محلق في وهمي الجميل ، هبت ريح صرصر عاتية ، أطارت الأوراق ، و للحظة تخيلتها طائرات نفاثة تريد إلقاء كرهها علي . ارتعبت ، رمت الفرار، ثم ، بفعل فكرة ملهمة ؛تدثرت بكومة الأوراق كطوق نجاة ، و أكملت غرقي.
  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    جميلة ورائعة
    ههه
    قص ممتع وشيق، يلعب على الوتر السايكولوجي للشخصية..راقت لي النهاية الفانطاستيكية
    مودتي، سي عبد الرحيم عيد مبارك سعيد

    تعليق

    • سالم وريوش الحميد
      مستشار أدبي
      • 01-07-2011
      • 1173

      #3
      العودة للماضي ..
      البحث عن الماضي ، ومحاولة العودة إليه ، والهروب من الحاضر ، عملية ترتيب الزمن بما يتفق ومخيلتنا ، خصوصا عندما يصل الإنسان إلى حالة من اليأس واللا أمان ، يبقى يحن إلى وظيفته أو عمله ويتمنى العودة إليه ويسمى ذلك في علم النفس النكوص ، فمثلا عند أحالة شخص على التقاعد أو عزله عن العمل حسب أوامر قسرية أو حسب قوانين معمول بها ، يولد ذلك حالة من الرفض للعقل الباطني سايكلوجيا ، لا تستجيب لرغباته الداخلية ، لأن هناك قوة رفض تشعره بأنه لم يعد ذلك الرجل المعطاء ، يكون فيض عطاءه تبخر ، وأنه أصبح طاقة معطلة وهو في المحطة الأخيرة من عمره ،لذا فهناك دفاعات ذاتية واهمة تجعله يعود للأمس الذي كان فيه أكثر أمانا وثقة بالنفس ، كرنولوجيا خادعة يعيشها بحواسه ويحاول ترجمتها على أرض الواقع ،
      هي نكوص سيكولوجي ؛ يريد الإنسان فيه الرجوع إلى مرحلة عمرية كان قد عاشها فيما مضى كانت ناجحة حسب معايير ه الخاصة ، فشكلت جزء من شخصيته التي تعامل فيها مع محيطه العملي طلبة ومدرسون ، وصفوف .. شخصية كانت منصهرة كل الانصهار في هذه الأجواء والطقوس التربوية ،
      النص كان رائعا بمعنى الكلمة ، حيث تعامل الكاتب مع الصراعات الباطنية كمضمون إنساني ، أخضع بطله إلى العرض وبشكل يكاد يكون غير واضح المعالم لأنه اعتمد المتلقي ليشخص الحالة بدقة ،
      هي حالة استفزاز لمنظومة الوعي عند القاريء ، يجعله شريكا في النص ناقدا ومحاورا ومحللا ,,
      عنوان النص
      كل عنوان هو دال لمدلول ، واختيار الكاتب للفظ تحليق ، جاء متوائما مع مضمون النص دون أن يفضحه ، بل جاء كإضافة له وهو كلمة إيحائية تعني أما أن المحلق هو المنتشي من فرط السعادة ، أو إنسان به واهمة ، تجعله يطير في عالمه المخيالي بعيدا عن واقعه هاربا من الزمان الآني محاولا التشبث بالمكان كنقطة انطلاق لذلك التحليق ..
      أن أبلغ صورة يمكن أن تعبر عن الذات والتناول السيكولوجي لحالة مرضية مثل القهر النفسي وحالات الإحباط والنكوص هو المنولوج الداخلي ، استخدام لغة الأنا في السرد ، لأنها تعبر بوضوح عن دقائق الأمور في النفس البشرية ..
      في بداية النص وصف السارد حالة الإرهاق المستمرة التي يعيشها كأستاذ وهو يعاني من الحر واللهاث ، وهي صورة مقصودة رسمها الكاتب ليعطينا انطباعا أن وصوله للصف لم يكن هينا ...؟ ، أراد أن يوصل فكرة بان بطله كان حريصا على أن يدخل الصف في الوقت المحدد ، لذا فقد جاء يلهث ، واللهاث لم يكن نتيجة لحالة طبيعية مر بها ( فأما أنه كان يركض أو جاء يهم الخطى مسرعا للوصول ) ، إن ذلك يعني له الكثير كمدرس ملتزم بنظام صارم من الأخلاقيات والسلوكيات التي ربى نفسه عليها أو تربى عليها وتعامل معها كمبدأ من مبادئه ، ربما أن مثل هذه السلوكيات قد انعدمت في زمننا هذا أو قلت بنسبة كبيرة لأن الظروف تغيرت والنظرة للتعليم أصبحت مادية أكثر منها هواية أو ضرب من الفنون ، المدرس سابقا لم يتخذ التدريس كحرفة أو مهنة يحاول أن يكسب عيشه منها بل كانت مهمة إنسانية نبيلة ورسالة ملزم بإيصالها لقد كثف الكاتب عبد الرحيم التدلاوي وضغط كلاما كثيرا كان ينوي قوله بسرد بسيط ولغة سلسة وبأسلوب رائع ، وهذه هي إحدى مهام الأديب عليه أن يرتب أدوات إبداعه لنقل الواقع وترجمته بصورة إبداعية لا نقليه ، وتكثيف الحدث إلى حد الوصول به إلى الإيحاء كتعبير عما في داخله ،إن الخروج عن المألوف والكتابة النمطية وإشراك المتلقي بشكل إيجابي للتفاعل مع النص ، أي لا يترك المتلقي يتعامل مع النص بسلبية أن يستلم معلومة جاهزة كما التقرير الإخباري ، وهو بذلك يعطي الكاتب الحرية في انتقاء الشكل الفاعل للحدث من هنا جاء النص محملا بالكثير لا يمكن تجزئته أو تفكيكه وعزل كل جزء عن الآخر لأن هذا الترابط الدينامكي يوصلك إلى الثيمة الأصلية للنص والقصدية الكامنة لدى المؤلف ،
      وهذا قد يصعب من عملية التحليل للنص بتجزئته لأن النهاية هي ما اعتمد عليه الكاتب في كشف حقيقة هذا المعلم هل هو كان يمارس حقا مراقبة الامتحان أم هي عملية خداع للذات ، محاولة الهروب من واقعه المعاش ، والقفز إلى الماضي ...؟
      ولو ركزنا على النص لوجدنا أن كوامن اللاوعي عند الكاتب تجلت عندما رأى كل شيء غريبا عليه ، الصف الشبابيك ( ألقيت نظرة على الفصل
      : لأول مرة أجده ضيقا ، كئيبا و متسخ الجدران ، بابه حديدي ، لم هو كذلك ؟ عجيب أمر الإدارة ، تصر على جعله زنزانة. النوافد لا تنفتح باستثناء واحدة و بصعوبة ) وهذا جزء من سيكولوجية الفرد إذ أنه في ذروة عمله وانغماسه في شغل يعشقه ويحبه ، قد ينسى نفسه ولا يرى أحيانا كل ما يحيط به من موجودات أي أن الزمكان يتلاشى في ذهنه وتنصب صهارة تفكيره وجهده على عمل يحبه وهذا كثيرا ما يحدث لأصحاب الفكر الخلاق ، للعلماء والفنانين والمفكرين ،
      تمتد الأحداث بنفس الرتابة ، لم يعط النص الذروة التصاعدية ، ولم يك نصا مركبا هو أقحم صورا سريالية جاءت مكملة للمضمون

      وصف لحالته النفسية وما يمنحه وقوفه كمراقب من اعتداد بالنفس وهيبة لما أعطي من سلطات تثير نشوة في نفسه هو يمارس سلطته البطريريكية على الطلبة ، ورغم إن المهمة تقليدية ضمن الواجب المناط به لكنه اعتبرها مهمة موت وحياة ، اندحار وانتصار ، خسارة وفوز ، وثواب وعقاب

      (أحس نفسي جنديا في ساحة الوغى ، أزرع الرعب في قلوب الأعداء ، و أجلب لي نياشين النصر )
      في صورة رائعة يشبه فيها طلب التلاميذ منه المساعدة كما أن سمك القرش جاء لالتهامه هو لا يريد أن يكون إلا رقيبا مخلصا وحارسا أمينا على ما أؤتمن به ، لا يريد أن يكون خائن لتلك الأمانة
      وكدرس عليه تطبيقه استفاد من الموروث القرآني حيث ضرب ب( نبي الله يونس ) مثلا واتخذ من قصته حكمة كي تجنبه الوقوع في الخطأ
      ألا يستجيب لطلب تلامذته الذين غلبهم النعاس .. يتذكر مغاضبة النبي يونس .. وهنا المغاضبة تأتي الإدانة للنفس على فعل يقترف ..
      النص يحمل الكثير من الدلالات التربوية
      وهو أدانه واضحة لمن يريد أن يقتل الإبداع عند المعلم ، فالمعلم مثل طالب العلم لن يشيخ وكلما مر عليه الزمان يصبح مستودع للخبرة نتيجة للتراكم المعرفي لديه ..
      النص موفقا .. وجدير بالقراءة ...
      التعديل الأخير تم بواسطة سالم وريوش الحميد; الساعة 22-10-2014, 18:17.
      على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
      جون كنيدي

      الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

      تعليق

      • عبير هلال
        أميرة الرومانسية
        • 23-06-2007
        • 6758

        #4
        نص مدهش يستحق الإشادة به

        وتحليل مذهل للقدير سالم

        سلمت أناملكما البديعة


        بوركتما وبوركت جهودكما

        sigpic

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
          جميلة ورائعة
          ههه
          قص ممتع وشيق، يلعب على الوتر السايكولوجي للشخصية..راقت لي النهاية الفانطاستيكية
          مودتي، سي عبد الرحيم عيد مبارك سعيد
          أخي الجميل، السي لختام
          شكرا لجمال تعليقك. سعدت بتقبلك النص.
          مودتي

          تعليق

          • عبدالرحيم التدلاوي
            أديب وكاتب
            • 18-09-2010
            • 8473

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة سالم وريوش الحميد مشاهدة المشاركة
            العودة للماضي ..
            البحث عن الماضي ، ومحاولة العودة إليه ، والهروب من الحاضر ، عملية ترتيب الزمن بما يتفق ومخيلتنا ، خصوصا عندما يصل الإنسان إلى حالة من اليأس واللا أمان ، يبقى يحن إلى وظيفته أو عمله ويتمنى العودة إليه ويسمى ذلك في علم النفس النكوص ، فمثلا عند أحالة شخص على التقاعد أو عزله عن العمل حسب أوامر قسرية أو حسب قوانين معمول بها ، يولد ذلك حالة من الرفض للعقل الباطني سايكلوجيا ، لا تستجيب لرغباته الداخلية ، لأن هناك قوة رفض تشعره بأنه لم يعد ذلك الرجل المعطاء ، يكون فيض عطاءه تبخر ، وأنه أصبح طاقة معطلة وهو في المحطة الأخيرة من عمره ،لذا فهناك دفاعات ذاتية واهمة تجعله يعود للأمس الذي كان فيه أكثر أمانا وثقة بالنفس ، كرنولوجيا خادعة يعيشها بحواسه ويحاول ترجمتها على أرض الواقع ،
            هي نكوص سيكولوجي ؛ يريد الإنسان فيه الرجوع إلى مرحلة عمرية كان قد عاشها فيما مضى كانت ناجحة حسب معايير ه الخاصة ، فشكلت جزء من شخصيته التي تعامل فيها مع محيطه العملي طلبة ومدرسون ، وصفوف .. شخصية كانت منصهرة كل الانصهار في هذه الأجواء والطقوس التربوية ،
            النص كان رائعا بمعنى الكلمة ، حيث تعامل الكاتب مع الصراعات الباطنية كمضمون إنساني ، أخضع بطله إلى العرض وبشكل يكاد يكون غير واضح المعالم لأنه اعتمد المتلقي ليشخص الحالة بدقة ،
            هي حالة استفزاز لمنظومة الوعي عند القاريء ، يجعله شريكا في النص ناقدا ومحاورا ومحللا ,,
            عنوان النص
            كل عنوان هو دال لمدلول ، واختيار الكاتب للفظ تحليق ، جاء متوائما مع مضمون النص دون أن يفضحه ، بل جاء كإضافة له وهو كلمة إيحائية تعني أما أن المحلق هو المنتشي من فرط السعادة ، أو إنسان به واهمة ، تجعله يطير في عالمه المخيالي بعيدا عن واقعه هاربا من الزمان الآني محاولا التشبث بالمكان كنقطة انطلاق لذلك التحليق ..
            أن أبلغ صورة يمكن أن تعبر عن الذات والتناول السيكولوجي لحالة مرضية مثل القهر النفسي وحالات الإحباط والنكوص هو المنولوج الداخلي ، استخدام لغة الأنا في السرد ، لأنها تعبر بوضوح عن دقائق الأمور في النفس البشرية ..
            في بداية النص وصف السارد حالة الإرهاق المستمرة التي يعيشها كأستاذ وهو يعاني من الحر واللهاث ، وهي صورة مقصودة رسمها الكاتب ليعطينا انطباعا أن وصوله للصف لم يكن هينا ...؟ ، أراد أن يوصل فكرة بان بطله كان حريصا على أن يدخل الصف في الوقت المحدد ، لذا فقد جاء يلهث ، واللهاث لم يكن نتيجة لحالة طبيعية مر بها ( فأما أنه كان يركض أو جاء يهم الخطى مسرعا للوصول ) ، إن ذلك يعني له الكثير كمدرس ملتزم بنظام صارم من الأخلاقيات والسلوكيات التي ربى نفسه عليها أو تربى عليها وتعامل معها كمبدأ من مبادئه ، ربما أن مثل هذه السلوكيات قد انعدمت في زمننا هذا أو قلت بنسبة كبيرة لأن الظروف تغيرت والنظرة للتعليم أصبحت مادية أكثر منها هواية أو ضرب من الفنون ، المدرس سابقا لم يتخذ التدريس كحرفة أو مهنة يحاول أن يكسب عيشه منها بل كانت مهمة إنسانية نبيلة ورسالة ملزم بإيصالها لقد كثف الكاتب عبد الرحيم التدلاوي وضغط كلاما كثيرا كان ينوي قوله بسرد بسيط ولغة سلسة وبأسلوب رائع ، وهذه هي إحدى مهام الأديب عليه أن يرتب أدوات إبداعه لنقل الواقع وترجمته بصورة إبداعية لا نقليه ، وتكثيف الحدث إلى حد الوصول به إلى الإيحاء كتعبير عما في داخله ،إن الخروج عن المألوف والكتابة النمطية وإشراك المتلقي بشكل إيجابي للتفاعل مع النص ، أي لا يترك المتلقي يتعامل مع النص بسلبية أن يستلم معلومة جاهزة كما التقرير الإخباري ، وهو بذلك يعطي الكاتب الحرية في انتقاء الشكل الفاعل للحدث من هنا جاء النص محملا بالكثير لا يمكن تجزئته أو تفكيكه وعزل كل جزء عن الآخر لأن هذا الترابط الدينامكي يوصلك إلى الثيمة الأصلية للنص والقصدية الكامنة لدى المؤلف ،
            وهذا قد يصعب من عملية التحليل للنص بتجزئته لأن النهاية هي ما اعتمد عليه الكاتب في كشف حقيقة هذا المعلم هل هو كان يمارس حقا مراقبة الامتحان أم هي عملية خداع للذات ، محاولة الهروب من واقعه المعاش ، والقفز إلى الماضي ...؟
            ولو ركزنا على النص لوجدنا أن كوامن اللاوعي عند الكاتب تجلت عندما رأى كل شيء غريبا عليه ، الصف الشبابيك ( ألقيت نظرة على الفصل
            : لأول مرة أجده ضيقا ، كئيبا و متسخ الجدران ، بابه حديدي ، لم هو كذلك ؟ عجيب أمر الإدارة ، تصر على جعله زنزانة. النوافد لا تنفتح باستثناء واحدة و بصعوبة ) وهذا جزء من سيكولوجية الفرد إذ أنه في ذروة عمله وانغماسه في شغل يعشقه ويحبه ، قد ينسى نفسه ولا يرى أحيانا كل ما يحيط به من موجودات أي أن الزمكان يتلاشى في ذهنه وتنصب صهارة تفكيره وجهده على عمل يحبه وهذا كثيرا ما يحدث لأصحاب الفكر الخلاق ، للعلماء والفنانين والمفكرين ،
            تمتد الأحداث بنفس الرتابة ، لم يعط النص الذروة التصاعدية ، ولم يك نصا مركبا هو أقحم صورا سريالية جاءت مكملة للمضمون

            وصف لحالته النفسية وما يمنحه وقوفه كمراقب من اعتداد بالنفس وهيبة لما أعطي من سلطات تثير نشوة في نفسه هو يمارس سلطته البطريريكية على الطلبة ، ورغم إن المهمة تقليدية ضمن الواجب المناط به لكنه اعتبرها مهمة موت وحياة ، اندحار وانتصار ، خسارة وفوز ، وثواب وعقاب

            (أحس نفسي جنديا في ساحة الوغى ، أزرع الرعب في قلوب الأعداء ، و أجلب لي نياشين النصر )
            في صورة رائعة يشبه فيها طلب التلاميذ منه المساعدة كما أن سمك القرش جاء لالتهامه هو لا يريد أن يكون إلا رقيبا مخلصا وحارسا أمينا على ما أؤتمن به ، لا يريد أن يكون خائن لتلك الأمانة
            وكدرس عليه تطبيقه استفاد من الموروث القرآني حيث ضرب ب( نبي الله يونس ) مثلا واتخذ من قصته حكمة كي تجنبه الوقوع في الخطأ
            ألا يستجيب لطلب تلامذته الذين غلبهم النعاس .. يتذكر مغاضبة النبي يونس .. وهنا المغاضبة تأتي الإدانة للنفس على فعل يقترف ..
            النص يحمل الكثير من الدلالات التربوية
            وهو أدانه واضحة لمن يريد أن يقتل الإبداع عند المعلم ، فالمعلم مثل طالب العلم لن يشيخ وكلما مر عليه الزمان يصبح مستودع للخبرة نتيجة للتراكم المعرفي لديه ..
            النص موفقا .. وجدير بالقراءة ...
            أخي الراقي ، سالم
            رائع رائع رائع
            أشكرك بحرارة على قراءتك المدهشة ، بكل صدق ، أنعشت حرفي ، و أسعدتني.
            لم أحظ بمثل هذا التشريف.
            بارك الله فيك.
            مودتي

            تعليق

            يعمل...
            X