احتراق
هذه ذكريات من زادك الوفير وقد امتطيت صهوتها رغم أنفك ؛ وشريط اللحظات مخبأ كتحفة العمر. كلما فتشته أدرت وجهك في اتجاه الغيم كي تحمي نفسك من صفعاته ... لكن هيهات ....لن تسلم من وخز الإبر...
شغل أبو منصور محرك سيارته بلمسة فنان ماهر ؛ ثم سحب منديلا من علبة المناديل قبل الانطلاق ؛ ومسح على وجهه العرق الذي يتصبب منه في وهج الظهيرة . حدق في الوجوه الشاحبة التي تغدو وتروح من الباب الأمامي لمستشفى ابن طفيل .زوار معوزون؛ متدفقون؛ ومنهم تائهون؛ يسألون ويستفسرون عن مكان ذويهم؛ والغرف التي تأويهم .
خارت قواه فتداعى جسده كله على المقود؛ وسحب المنديل الثاني ومسح عن وجهه.ثم شكر الله على عملياته الجراحية الناجحة ؛ فهو طبيب خبر تقنيات مهنته حتى ذاع صيته. وقد أنهى لتوه جراحة لرجل في أرذل العمر؛ تأثر كثيرا لرهافة إحساسه فعاد شريط الأحداث أمام عينيه بعاصفة هوجاء من الذكريات المرة التي هزت كيانه كمرجل يغلي على النار .. ضاق صدره فتنهد. ثم أخذ قنينة ماء ففتحها وبلل ريقه بجرعات متتالية جرجرت في حلقه . لم يتوقع أن وقود بعض المآسي يلهب الذكريات من جديد فيحترق الإنسان مرتين أو أكثر ...بدت له الصورة كاملة بدون تمويه أو تظليل باهت؛ وهو طفل قد سقته أمه لبنا مخيضا فشعر بدوار وألم ينهش بطنه؛ وقد نشب مخالبه في سائر أحشائه فعلمت أنه تسمم؛ وصاحت بملء فيها .....انقذوه...لكن لا مستجيب ...صبت الماء على وجهه ليستفيق من غيبوبته ؛وقد شرب من معين حنانها كوب المحبة عندما ضمته إلى صدرها والدموع الغزيرة تتدفق على خديها كشلال منهمر. ثم مدته فوق فراشها الذي لم يكن وثيرا؛ وسحبت الملاءة فوقه فأحكمت إغلاق الباب وتاهت بين الدروب تبحث عن دواء وهي صفر اليدين. تسمرت قدماها أمام صيدلية العرفان تستجدي المحسنين لاقتناء الدواء؛ مرددة بصوتها المبحوح :....ياأهل الله....من كان في عون أخيه كان الله في عونه... لا من مجيب ..........لوت شالها حول عنقها واسترجعت أدراجها لا تلوي على شيء ... هالها الأمر وارتجفت يداها عند فتح الباب فصاحت: < أبو منصور...ا > رأته طريح الفراش وهو يلوح بورقة نقدية من مائتي درهم ويقول : هذه من عند أخيك قدم لتوه ؛ وقال إنها زكاة.
منذ ذلك الحين علم ،أن الله كان في عونه وعونها.
تعليق