احـــــــــــتــــــــــــراق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    احـــــــــــتــــــــــــراق

    احتراق
    هذه ذكريات من زادك الوفير وقد امتطيت صهوتها رغم أنفك ؛ وشريط اللحظات مخبأ كتحفة العمر. كلما فتشته أدرت وجهك في اتجاه الغيم كي تحمي نفسك من صفعاته ... لكن هيهات ....لن تسلم من وخز الإبر...
    شغل أبو منصور محرك سيارته بلمسة فنان ماهر ؛ ثم سحب منديلا من علبة المناديل قبل الانطلاق ؛ ومسح على وجهه العرق الذي يتصبب منه في وهج الظهيرة . حدق في الوجوه الشاحبة التي تغدو وتروح من الباب الأمامي لمستشفى ابن طفيل .زوار معوزون؛ متدفقون؛ ومنهم تائهون؛ يسألون ويستفسرون عن مكان ذويهم؛ والغرف التي تأويهم .
    خارت قواه فتداعى جسده كله على المقود؛ وسحب المنديل الثاني ومسح عن وجهه.ثم شكر الله على عملياته الجراحية الناجحة ؛ فهو طبيب خبر تقنيات مهنته حتى ذاع صيته. وقد أنهى لتوه جراحة لرجل في أرذل العمر؛ تأثر كثيرا لرهافة إحساسه فعاد شريط الأحداث أمام عينيه بعاصفة هوجاء من الذكريات المرة التي هزت كيانه كمرجل يغلي على النار .. ضاق صدره فتنهد. ثم أخذ قنينة ماء ففتحها وبلل ريقه بجرعات متتالية جرجرت في حلقه . لم يتوقع أن وقود بعض المآسي يلهب الذكريات من جديد فيحترق الإنسان مرتين أو أكثر ...بدت له الصورة كاملة بدون تمويه أو تظليل باهت؛ وهو طفل قد سقته أمه لبنا مخيضا فشعر بدوار وألم ينهش بطنه؛ وقد نشب مخالبه في سائر أحشائه فعلمت أنه تسمم؛ وصاحت بملء فيها .....انقذوه...لكن لا مستجيب ...صبت الماء على وجهه ليستفيق من غيبوبته ؛وقد شرب من معين حنانها كوب المحبة عندما ضمته إلى صدرها والدموع الغزيرة تتدفق على خديها كشلال منهمر. ثم مدته فوق فراشها الذي لم يكن وثيرا؛ وسحبت الملاءة فوقه فأحكمت إغلاق الباب وتاهت بين الدروب تبحث عن دواء وهي صفر اليدين. تسمرت قدماها أمام صيدلية العرفان تستجدي المحسنين لاقتناء الدواء؛ مرددة بصوتها المبحوح :....ياأهل الله....من كان في عون أخيه كان الله في عونه... لا من مجيب ..........لوت شالها حول عنقها واسترجعت أدراجها لا تلوي على شيء ... هالها الأمر وارتجفت يداها عند فتح الباب فصاحت: < أبو منصور...ا > رأته طريح الفراش وهو يلوح بورقة نقدية من مائتي درهم ويقول : هذه من عند أخيك قدم لتوه ؛ وقال إنها زكاة.
    منذ ذلك الحين علم ،أن الله كان في عونه وعونها.
    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 06-10-2014, 06:17.
  • ابن الجنوب
    أديب وكاتب
    • 25-09-2014
    • 10

    #2
    رائع..متجدد..يملك تقنية القصة القصيرة.
    الحرية

    تعليق

    • البكري المصطفى
      المصطفى البكري
      • 30-10-2008
      • 859

      #3
      أشكرك أخي الكريم ابن الجنوب على ذوقك الرفيع.

      تعليق

      • أ.د/خديجة إيكر
        أستاذة جامعية
        • 24-01-2012
        • 275

        #4
        مهما ظلّ متماسكاً ناجحا في أصعب المهن و هي الجراحة و تظاهربالقوة ، فبداخله طفل يتيم عاش المعاناة
        اختزال موفّق في قصّة قصيرة لفكرة إنسانية كبيرة


        تقبّل تحياتي و تقديري ، أ. البكري


        ملاحظة :

        مسح على وجهه = مسح عن وجهه
        دويهم = ذويهم
        بملء فاها = بملء فيها
        انقذوه = أنقذوه
        فصاحت: أبو منصور= أبا منصور


        تعليق

        • البكري المصطفى
          المصطفى البكري
          • 30-10-2008
          • 859

          #5
          الأستاذة الفاضلة خديجة إيكرتحيتي الخالصة . أشكرك جزيل الشكر على تصويبك؛ وملاحظتك الأدبية الرفيعة.دمت سعيدة .

          تعليق

          • وفاء الدوسري
            عضو الملتقى
            • 04-09-2008
            • 6136

            #6
            أستاذنا القدير : البكري
            من أروع ما يمكن قلمك هنا وهذه الصياغة بهذا المعنى الانساني النبيل
            أظن أنه جبران من قال .. عندما تبدون احتقارا لكل مريح وللفراش الوثير، ويتراءى لكم مضجعكم على الدوام غير بعيد بما فيه الكفاية عن لين وثير: فهناك يكون منبع وأصل فضيلتكم لا تدعوا فضيلتكم تقلع عن الأشياء الأرضية وتظل تخبط بأجنحتها على جدران أبدية! لكم كان هناك دوما من الفضائل التائهة في طيرانها، أعيدوا مثلي كل الفضائل المحلقة في التيه إلى الأرض، أجل، لتعد إلى الجسد وإلى الحياة، كي تمنح الأرض معناها، معنى إنسانياً!

            تحية وتقدير

            تعليق

            • بسباس عبدالرزاق
              أديب وكاتب
              • 01-09-2012
              • 2008

              #7
              نص جميل استاذي البكري مصطفى

              ما بين الماضي و الحاضر و تلك الإلتقاطة الجميلة لمد يد العون من الإنسان لأخيه الإنسان
              نعم الله في عوننا ما دمنا في عون إخواننا

              و استغرب أحيانا كيف لأشخاص أثرياء يقومون ببناء المساجد (رغم ما فيها من خير و ورع و حب لبيوت الله) و بعض الأسر مشردة و مكومة فوق بعضها
              هلا انتبه البعض منهم و قام ببناء عمارات لتعطي هذا الإنسان بعض الراحة

              نحتاج أن نعود للإنسان و أن نزرع الفضيلة بين الناس

              نص جميل و لغة أعجبتني كثيرا

              تقديري و احتراماتي
              السؤال مصباح عنيد
              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

              تعليق

              • البكري المصطفى
                المصطفى البكري
                • 30-10-2008
                • 859

                #8
                الأديب الراقي وأخي العزيز بسباس عبد الرزاق ؛أشكرك بداية على تفضلك بقراءة النص؛ وسرني كثيرا أنك تعاملت مع مجموع أحداثه ووقائعه من منظور فكري ؛ إسلامي مجدد ومتحرر . يرمي إلى خلق تقويم المعادلة في فقه الأولويات . فكثير من الناس في وطننا العزيز يحجون ويعمرون بيت الله عشرات المرات بمصاريف لا تحصى ولا تعد ؛ لكن أياديهم مغلولة إلى أعناقهم ؛ لا يطعمون مسكينا بجنبهم ؛ ولا محروما بقريتهم . يخلدون إلى العبادة وينسون الإفادة ؛ يؤدون زكاة الشعير ويغضون الأبصار عن زكاة الثروة المالية المكدسة . ...لقد فهمت القصد ..إنك مجدد للرؤية .
                دامت لك المسرات.

                تعليق

                يعمل...
                X