"رايات بلا عبير"
مجموعة ق ق ج
للكاتب المغربي علي بنساعود
دلالة الفقد والافتقاد من خلال قراءة العنوان
نفي العبير بالمطلق عن الرايات في الحاضر، يفترض إثبات وجوده في الماضي، وبالتالي فالانتقال من الإثبات إلى النفي لا بد أن يحيل على علة أو علل أفقدت بالقوة ما كان في الرايات من عبير هو خاصية لها، علما بأن المتداول لمرادف العبير من أريج ورائحة طيبة،يبقى موصولا بما يرغب فيه الإنسان بإحدى حواسه مدخلا لما يبهجه ويسعده على التوافق مع يكون أصلا ومصدرا لذلك العبير.
أما الراية مفردا للرايات بمعنى العلامة على المكان في الأصل، فأثرها بحاسة رؤية العين،وقد انتقلت الى الدلالة على كل ما يلوح من قماش تعبيرا عن معنى أو انتماء، فصارت الراية دالة بلون أو إشارة رامزة حينا و صريحة حينا آخر. و قد اتخذت الراية أبعادا كان منتهاها تمثيل من يحملها أو يرفعها لدرجة التطابق، بحيث أصبحت علامة على الوجود لا تقبل المزايدة عليها، بل صارت في النزاعات والحروب رمز كينونة بالمطلق، فإن انتكست أو أسقطت ، فقد كان معها الانتكاس والسقوط في اتجاه العدم.
لكل راية اتصالا بما تمثله في الوجدان الفردي والجماعي لأمة ما، أثر هو امتداد لطيب العبير بحاسة الشم، بعد تحقق الإحساس بحاسة العين، لذلك جاز الربط بين الراية و العبير، بعد تمكن الراية في النفس باسمي ما تطيب له رائحتها مع الارتفاع والسمو بها. إلا أن تلك الرايات قد يصيبها ما يصيبها فتفقد رائحتها لتنتهي رايات بلا عبير، بلا معنى، بلا أثر في النفس، فيصبح التركيب في العنوان عند علي بنساعود، دالا على فقد وافتقاد، بعد انتهاء الرايات الى الحرمان مما كان أصلا لوجودها في الوعي الجمعي بالأساس، وبالتالي ، فما يمكن أن تنشغل به نصوص " رايات بلا عبير"، قد لا يعدو هذا الوجود الصدامي مع الذات، وقد فقدت الراية رمزيتها الاجتماعية أو السياسة أو التاريخية أو الدينية.
يمكن الربط من جديد بين الراية الملوح بها شعارا في موقف أو تعبيرا عن كينونة، وبين الخطابات مما يصدر عن فكر أو وعي، فلا شك أن بريقها الإيحائي والرمزي، يبقى معرضا للانتكاس في لحظة من تاريخ تطوركينونتها، فتصبح هي الأخرى فاقدة مفتقدة لعبيرها في الأصل، بلا معنى و بلا أثر.
الراية حمولة وجدانية، و إشهارها و التلويح بها غير منفصلين عن قيمة الصدق في التعلق بها لدرجة الاستشهاد من أجلها، غير أنها في لحظة زمنية تفقد معناها فتفتقد ذلك الإشعاع المحمول على النزوع نحو مثال تجسده عن قناعة واقتناع، و يكون السقوط بها الى المهاوي ذلة احتقارا لما كانت تدل عليه برمزيتها في حياة الجماعة.
هل ستنهل" رايات بلا عبير" من معين الوعي الشقي نفسه، و الذي شكّل مرجع الانشغالات بالوجود الإنساني في صيغه الاجتماعية والسياسية والدينية؟
أتصور " رايات بلا عبير " امتدادا للرؤية والموقف في بنية تفكير الأديب علي بنساعود، انطلاقا مما سعى إلى تصويره فنيا عبر نصوصه القصصية القصيرة جدا، في مؤلفيه السرديين السالفين" ظلال ذابلة و" انحناءات ملتوية "؟
هل سيتواصل رفض الكاتب لزيف الواقع بعدما تدخلت مشارط التزييف لإعادة إنتاجه بتدبير محكم لا يؤول إلا إلى نكوصه بتجذير أصالته التقليدية على أسس النقل الوهمية، بعد استبعاد انفتاحه على معاصرة حداثية تقوم على أسس العقل المنطقية؟
هل بلغت حالة التمزق منتهاها مع تضخم الإحساس بفقد كل قيمة ممكنة، لدرجة صار معها افتقاد الوجود عنوان المرحلة؟
الرايات علامات يفترض حملها على المعاني الإيجابية في كينونة الفرد والجماعة، وضمنها كل المؤسسات التي تؤطر حركة تلك الكينونة في مختلف المجالات، وتمثيلا لا حصرا، فالبرلمان علامة لكنه بلا عبير، و الأحزاب علامات لكنها بلا عبير، المساجد علامات هي الأخرى بلا عبير و و و و...
لعل وُرودَ الرايات جمْعاَ بلا فرق أو تمييز بينها في الشكل أو اللون، ونفيَ أي عبير لها في ذاتها قبل امتداده في تلقّي وجودها وهيئتها، إنما يعكس صدمة ذلك الوعي الشقي، ومعاناته مع إصرار الجذب إلى الخلف، من طرف قوى مضادة للتحول ببعده التطوري نحو استعادة الممكن، حيث لا عبير يَلوح في الأفق لرايات الأمل بالتغيير، بعد ضياع ما كان منتظرا على سبيل الاحتمال، لعبير ما يعيد الاعتبار والحياة لتلك الرايات، كي يكون لها معنى.
أستبق قراءة نصوص مجموعة المبدع " علي بنساعود" القصصية، انطلاقا من ممكنات التفكير في عتبة العنوان، باعتبارها فرضية واردة تحيل عليها اللغة مفردة وتركيبا.
كيف تم نقل المعنى المستوحى من صيرورة الواقع، الى صورة فنية بالتعبير الأدبي قصصيا؟
وحدها نصوص " رايات بلا عبير"، ستجيب عن تلك التساؤلات.
م.م.سرايات بلا عبير.jpg