قراءة في "للبحر حكاية أخرى" للقاصة عبير هلال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الهويمل أبو فهد
    مستشار أدبي
    • 22-07-2011
    • 1475

    قراءة في "للبحر حكاية أخرى" للقاصة عبير هلال

    * للبحر حكاية أخرى* مظلة وكرسي وكتاب؛ ومايوه مستلقٍ على المقعد تحت أشعة الشمس الحارقة ؛ يستجدي أن تصبغهُ بحمرتها، جميعها تراقبُ البحر وتستصرخ أمواجهُ أن توافيها بألف لقطة ولقطة .. هكذا هيَ الصور بريئة من خبث عدسات الكاميرا؛ التي تناور عيوننا لترينا ما نأمل رؤيته "مناظر ساحرة" ولو في قلب الصحراء. ترتجف المظلة قليلاً

    البحر والمداد مقابل جنوسة الإبداع
    قراءة في "للبحر حكاية أخرى"

    الجنوسة الأدبية معيار تحكّم بالابداع منذ فجر التاريخ، فهو يسعى دائما إلى رتابة الجنس الأدبي، ليسهل "حبس" مختلف نشاطات الكتابة في المألوف من المصنفات (بفتح نونها وخفضها). وهذه حكاية البحر الأخرى، حكاية المداد لا مد البحر وجزره (على ما للبحر هنا من أهمية). فنحن هنا أمام البحر نغمس فيه سنة قلم، ومد البحر وجزره، ليست أمواجه، بل هي الحوار السردي الذي ينسج صورة غلاف كتاب بصورة جنس على وشك الولادة يبشر به "الطفل" وهو الوحيد الذي يأتي في البدء معرفا بألف ولام. ولنا أن نقرأ المشاهد بالتتابع، دون أن ندّعي إشباعها تقصيا. فلا الوقت يسمح ولا الفضاء. وحسب القراءة أن تكون توجيه لا أكثر

    في البدء مشهد تحت حرارة الشمس متماهٍ بالطبيعة لا يميزه عنها غير أشياء نكرة (مظلة وكرسي وكتاب؛ ثم لوحده منفصل "مايوه مستلق على المقعد"). المايوه وحده يستجدي اشعة الشمس الحارقة أن تصبغه بحمرتها، أن يتوحد مع الشمس لونا فيختفي في ضوئها. وهناك البحر، وجميع هذه الأشياء المختلفة ترقب البحر، تنتظر أو تتطلع أو تتشوق أن تمنحها أمواجُهُ الفَ لقطة ولقطة؛ ألفَ صورة وصورة! (وألف ليلة وليلة لا شك في الذاكرة أو في كتاب). لماذا لقطة؟ ألأن الكاميرا ستظهر في المشهد الثاني؟ لا. فهذا المشهد بريء ولقطات عدسات الكاميرا خبيثة وتناور (تحتال على بصرنا، على عيوننا) فتفتعل زورا ما نأمل رؤيتَه (مناظر ساحرة، ولو في قلب الصحراء). ينبغي هنا أن نؤكد على الفرق بين "لقطة" و"صوره": فجميع "الأشياء" على الشاطئ "ترقب" الأمواج متى تجود عليها بألف لقطة ولقطة، على النقيض من عدسات الكاميرا المراوغة وغير البريئة (الكاذبة) حتى وإن تشابهت اللقطة والصورة. لو دققنا في هذا المشهد لوجدنا الأشياء الميتة في بيئة الماء والنار والتراب (ومحرك الأمواج: ريحًا أو روحًا غير مرئية)؛ وهذه الروح هي ما تستجدية الأشياء في ترقبها الأمواج واستجداءها ألف لقطة ولقطة (تستجدي الحياة في لقطة حقيقية، لا في صورة خادعة). هذه الأربعة في الموروث الإنساني هي مكونات الحياة.

    وسرعان ما سرت الحياة في المشهد، "ترتجف حين تداعبها نسمات ضلت طريقها"! وإن ضلت هذه النسمات (نسيم البحر) طريقها، فلأن نسمات البحر تصر باستمرار على مغادرة البحر، وتصر بحدة على أن تترك أثرا! ولأن الحياة صراع "بقاء" مستمر، كذلك الأثر، وهو أثر الحياة. فالنسمات الضالة بعثت الحياة، تركت أثرا أحيا "صفحات الكتاب" فتحول من "كتاب" إلى الكتاب، وأحيا ما سبق وأصبح ذكريات، وهكذا دبت الحياة في المشهد حتى أصبح له تاريخ، وليس كما رأيناه أول مرة (مظلة وكرسي وكتاب...). ولئن فتحت النسمات صندوق الذكريات فلأن على "الأنثى المستجمة مغمضة العينين" أن تفتحهما أيضًا. ولتنتبه لكتابها وصندوق ذكرياتها. ليس غريبا أن يتناسخ المايوه إلى ما كان كناية عنه. فإن غابت الأنثى عن المشهد الأول أو كانت شيئا لا أهمية له على شاطئ، عمياء، صامة، بلا حراك، فإنها ستبرز في سياق الحياة. فما أن سرت نسمة الحياة في المشهد حتى استعادت صوتها وأحدّت بصرها وبصيرتها لترى ما لا يراه غيرها.

    فماذا نتوقع بعد أن دبت الحياة في الشاطئ وأهله، بعد أن سرت الحياة وسارت؟ الحياة تبتدء بأنثى وطفل! وهذا أول ما قالته الأنثى بعد أن استعادت صوتها (لم يعد المايوه يعنيها كما ستقول لاحقا)؛ بل حتى الطفل يحبو (يتحرك على عكس الأشياء السابقة). ويحبو إلى أين؟ "يحبو ناحية البحر"، مصدر الحياة. لا حظ أن الأنثى ليست وجلة على الطفل ولا تخشى عليه خطرًا، بل حتى أدوات الترقيم في النص خالية من أية أشارة إلى الخوف! أما "صاحبنا" فقد أخذته الحياة على حين غرة، إذ برز لنا فجأة حين سمع صوت (أثر) الأنثى يصف الطفل! إذ لا زال أعمى، لا يرى. بل أخذه الاستغراب (الطفل .. !! أنا لا أراه!) هذا مشهد ينبغي أن نراه:
    الطفل يحبو ناحيةَ البحر ؛ يحبو ويحبو ...
    ! الطفل ..!! أنا لا أراه
    هوَ هناكَ انظر!!
    -يبدو كنقطة خضراء صغيرة ، تكاد أصابعهُ النحيفة تلمس حدودَ الأفق الوهمي الذي تخيلته
    -لا أعلم لمَ لا أراه ..
    - هوَ معلقٌ هناك بينَ حدود السماء والأرض أراهُ يفكر هل يستمر بحَبْوِه أم يعود أدراجهُ ؟
    - أتظنين أن مظلة وكتابا وكرسيا ومايوهَ [ستمنعه؟] من تسلق السلم وركوب الموج؟

    هذا الحوار يظهر تباين الأنثى والرجل، بل يتقزّم الرجل في صورة كاريكاتورية مجسدة ما سبق أن رأينا في المشهد السابق من أمر خداع عدسات الكاميرا، مقابل صدق اللقطات الألف واللقطة. فالرجل لم يستطع أن يوسع دائرة البصر ليرى الأفق، ولذلك لم يستطع أن يرى ما هو "معلق" بين السماء والأرض. وكلما تعمق الحور حول ما تراه الأنثى (حول الطفل) لا يستطيع أن يجاريها، بل يلوذ بعماه وعدم قدرته على الرؤية! بل إنه شكك في نفسه حين قال (لا أعلم لِمَ لا أراه). لكن ليس هذا الأمر الوحيد الذي لا يدركه: فالحديث عن القلعة كان حالة أخرى. بل لا زالت الأشياء بالنسبة له نكرة (مظلة وكتابا وكرسيا ومايوه). ولا زال سيخطئ القلعة المقصودة.

    أما حالة الطفل وحبوه نحو البحر، فهي خلاصة التباين. فهما يتحاوران حول أمر طفل، تعرفه الأنثى جيدا، بل ترى أن الجميع يتمنى أن يكون للطفل موجة، والكل يتمنى أن يكون غطاء "إصبعه الظريف":
    -كلنا نتمنى أن نكونَ موجاته، كلنا نتمنى أن نتمركزَ حولَ إصبعه الظريف، ونكونَ النور الذي يضيء عالمهُ الجميل. أنظر هناك، لقد توقفَ مجدداً؛ يكاد يصل البحر
    .. آه، قد علمت لماذا توقف! الأصداف تناديه .. تأملهُ جيداً وهوَ يضعها الواحدة تلوَ الأخرى على أذنه ويصغي

    هذا الطفل مع الأصداف يريد أن يسمع صوت المحيط بكل ما للمحيط من ذاكرة، أن يسمع صوت الحياة كاملة. لكن الرجل لا أمل له في إدراك هذا أو حتى رؤية الطفل نفسه! لذلك تأتي لحظة الكشف أو لحظة الحياة بأسرارها وسرها:

    - سيدتي، أنا لا أراه!
    - من قالَ يجب أن تراه ؟

    وحتى تمعن القصة في كون الرجل لا زال على هامش الحياة، لابد أن يخطئ رغم ما يحاول إضفائه على نفسه من حياة وذكريات. بل ما أن تذكر الأنثى ما يهيمن على رؤية الرجل وحياته، حتى نتأكد أن الإبداع والخلق لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. فحين يستعيد ما "همس" به الآخرون عنهما في رقصهما زمن الحرب، حتى تكاد مفردتا الجنون ("مجنون ومجنونة") أن تقفزا من الشاشة تأكيدا لجنونهما: فهو مجنون بمفهوم المفردة المألوف (خاصة أنه أخطأ قلعتها)، أما "مجنونة" فتصدق عليها من حيث الإبداع الذي هو أيضًا حرب ضروس، ومكابدة وصراع. ألم يقل أرسطو "ما من عبقرية عظيمة بدون مسحة من جنون"! وقال في فن الشعر إن الإبداع يتطلب موهبة خاصة أو "أن يكون فيه مس من جنون"! لنقرأ كيف أخطأ الرجل قلعة:

    نعم، كانت قلعةً جميلة؛ زرناها مرات ومرات؛ رقصنا ورقصنا والكل ينظر إلينا ويهمس: مجنون ومجنونة يرقصان في زمن الحروب !!
    .. لا أقصد تلكَ القلعة بل هذه القلعة المجاورة للكرسي والكتاب والمظلة


    وهنا تماما يعود المايوه، الذي لم تهتم لأمره في البداية، ولم يعد يعنيها "ذكره" الآن، وبصريح العبارة.

    نسيت ذكر المايوه!!
    المايوه !!
    المايوه !! لم يعد يعنيني ذِكره.

    أما هي فهاجسها الوحيد هو الطفل. فإن حاول الرجل حثها على انطلاق المايوه ليزاحم المايوهات داخل البحر، فهي لا تسأله عن غير الطفل الذي لم يره ولم يدركه ولا أمل في أن يدركه مستقبلا

    - والطفل؟
    _ قلت لك آلاف المرات لا أراه!!


    وبمحاولة يائسة تحاول أن تجعله يرى، وتحدد له مكانه (بين السماء والأرض) بشكل أكثر وضوحا، لكنه لا يراه. تقول له (- إنهُ يحبو داخل ذاكرتي وحولَ أوراقي يتأرجح على قلمي ويشاغب أصابعي؛ تظللهُ الأشجار ...)، فلا يرى غير الأشجار الهامدة التي "تسمرت في مكانها"؛ ولأول مرة يرى طفلا غير الطفل، يراه ضمير لا اسم، بل ضمير متصل بأحد المايوهات (ها هو يضحك ويقهقه!!). ليس غريبا أن يخطئ مجددا في تحديد مكان الطفل. فإن كانت الأشجار عندها تظلله، فالطفل عنده يرتفع على "عري". لذلك من لا يضحك مع الطفل "ويقهقه"، فهو بالتأكيد تجاوز مفارقة العري والمايوه والصحراء مع عدسات الكاميرا. وهذا كل ما يريده لإبداعه وهو ما لا تريده لطفلها. لنقرأ:

    الأشجار! نعم أراها انظري هناك..
    - لكنها لا تتحرك؛ ما بالها تسمرت في مكانها؟
    - الطفل !! اذهب لتحضر الطفل..
    - نعم الآن أراهُ؛ أحد المايوهات يحملهُ ويرفعه؛ ها هوَ يضحك ويقهقه !!

    وتتكرر الأخطاء، فالطفل على رأس قلمها ينظر للكرسي (عرش الإبداع)، أما هو في مفارقة لا مزيد عليها يصحح لها، حتى يختار أخيرا صُوَرَه المعلقة كغيرها من الصور في معرض، صور نعلم مسبقا أنها خادعة:

    - لا أخطأت عزيزتي إنهُ ينظر للكتاب
    الصورة جاهزة للغلاف؛ نعم، هكذا أريدها أنثى ومظلة وكتابا ومايوهَ وطفلا يحبو ليبنيَ قلعتهُ !
    عبثا بدون الأشجار، عبثاً بدون البحر، عبثاً بدون المستجمة ، عبثاً بدون الكاميرا التي تجمل ما نود أن نراه !ُ
    -أخيراً سيدتي؛ الصورة معلقة كبقية الصور في المعرض !!
    - والطفل؟ هل نسيتَ الطفل؟
    - كيفَ لي أن أنساه ؟ انظري إليه يمسك عنق سحابة؛ لا تقلقي عليه.
    - الطفل .. الطفل؟
    - لا تقلقي عليه
    الأمواج تستجديه أن يقفز لأحضانها " ليخربط " مفاهيمها عن المد والجزر.

    سيظن البعض أن الرجل أخيرا أدرك أهمية الطفل، إذ لفت نظرها إلى أن الطفل الآن "يمسك عنق سحابة"، ويهدئ روعها بأن لا تقلق عليه! جميل. لكنها قلقلة جدا من فهمه للأمر، فمن الواضح أنه يرى الطفل صورة مألوفة في المعرض. أما قلقها فنابع من أن لا إبداع في المألوف ولا طفل. فهي تريد لطفلها أن "يخربط" العرف السائد، أن يغير مفاهيمنا للمد والجزر. إذ ليس من رتابة في بيئة البحر أشد من رتابة المد والجزر، بل إن بإمكان المرء أن يتوقعهما بدقة في أي زمن! ما تريده هي إن يكون طفلًا ليس كمثله طفل (لهذا جاءت ايحاءات الطفل المعجزة عليه وعلى أمه السلام).
  • عبير هلال
    أميرة الرومانسية
    • 23-06-2007
    • 6758

    #2
    القدير الهويمل أبو فهد


    وتحليل أكثر من رائع للنص

    سعيدة للغاية

    لأنني حظيت بهذه القراءة المدهشة

    لنصي ...


    مهما شكرتك لن أفيك حقك

    بورك قلبك وقلمك
    sigpic

    تعليق

    يعمل...
    X