توقعات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سالم وريوش الحميد
    مستشار أدبي
    • 01-07-2011
    • 1173

    توقعات

    توقعات
    سالم وريوش الحميد

    أُطفئت أضواء السيارة وهدأ هدير محركها ..الليل يرخي سدوله ، ليجثم على القلوب المكلومة ، ثمة نسائم باردة تداعب وريقات الشجر ..تحتضر الأنفاس أمام جمر العواطف اللاحبة .
    نزلت باتئاد بعد أن ابتعدت من على مقعدها الوثير ، لتكشف عن ساقين أسيلين انزاح عنهما فستانها الفضفاض ،استقامت بآلية متقنة ، تلفعت بشالها السماوي ، تأبطت كلبها المالتيز* . سقط هاتفها النقال ، حين أرادت الرد على من هاتفها ، لم تنحني لالتقاطه ، الرجل الذي كان يقعي ، على قارعة الطريق ، كان أسرع من التفاتها حتى زحف نحو الهاتف ،مسحه مما علق به من وحل بجلبابه المتسخ ، ثم أعطاه إياها ، رنا لجمال عينيها ، نظرت إليه بازدراء .. رمت ورقة نقدية صغيرة إلى الأرض ..
    وقبل أن يهم بالكلام ، أراد التقاطها دفعتها الريح بعيدا ، حاول اللحاق بها .. أرتطم بشاب ترجل من ذات السيارة .. جذبه من ذراعه ، وقال محذرا :
    -الم اقل لك ابتعد عن هنا
    جدف بمجدافه نحو البعيد ، ورجع بخطواته كاسفا ليفسح الطريق ، شطب كل حزنه المرسوم على جدران عمره الضائع ، يومَّ أن وجد ه بلا جدوى ، لا شيء يرتجى منه ، قارب مخروم وسط بحر لجي ، وبلا شراع ..
    البعد الرابع ، لا يتوقف مسيره كمجرى نهر أزلي ، كل يوم يمضي يقربه خطوة نحو الآزقة ، صديقه يعب كأسا من الهم ويتجرعه على مضض ليؤكد له (( إن كل ما بينهما قُدَّ ذات ليلة بعد أن ترجل من فقره واعتلى صهوة الثراء ولُيطَلِقَ عالمه القميء ، الذي ما تآلف معه ... ))
    أنا أكره رؤية المتسولين ..؟
    قالت لزوجها و راحت تسير على أطراف أصابعها بغنج ، مضى يتبعها مذعنا ..
    لم يهتم لكلامهما راح يلاحق تلك الورقة النقدية .كلما هم بالتقاطها أبعدتها الريح ، راحت أفكاره تسترجع ذكريات صاحبه ((منذ أربعين سنة اشترى دراجة هوائية لولده الصغير ؛مكافأة النجاح , .لم يكن بارعا بالقيادة ، كان يتابع حركاته المضطربة وهو يحاول السير بخط مستقيم لكن العجلات تأخذه إلى اليمين تارة وفينة لليسار ..
    (الطريق الملتوي اقرب للوصول )
    أول درس لقنه لولده وعلمه طرق الظفر بالأشياء ..فكلما أراد شيئا ابتزه ببكائه المتواصل ...))
    الريح تبعدها وثمة إصرار لاقتفاء أثرها ..
    ..نجح بالتقاطها قبل أن يسقط وإياها في هوة عميقة ، ،نظر إلى الشاب استفزه شحوبه وخوفه المخبوء تحت طي فؤاده ، راح ينظر إلى القاع السحيق ..ويغمض عينيه ,
    لا تخف لن افعلها ..؟

    عندما جن الليل ، تأرجحت الظلمة في أراجيح الارتياع الملتبس بالوهم ، تهاوى جسده النحيل في ركن من أركان الحديقة العامة لينغمس في خضرة الحشائش المبتلة ككلب سائب ، يراقب اشتعال الأضواء وانطفائها من كوة النافذة البعيدة يتراءى له شبحيهما ، موسيقى هادئة راحت تصل إلى مسامعه ، راقصها بخياله وانتشى بها ؛وكعروض سينما الظل رآها تسند رأسها على كتفه وتتمايل على الأنغام،
    كان صديقه يجالسه ويحاكيه ، بجلسات سمر اعتاداها سويا ، حاكاه في لعبة الظل والضوء والتمثيل بالإيماء تلك الحرفة التي امتهنها سنوات طويلة ، كان ممثلا في مسرح البانتو مايم ،
    في تلك الزنزانة القميئة كانا نزيلين في دار المسنين ، احتبست ألاف الآهات في صدريهما لسنوات ، ولفافات الدخان تكاد الا تنقطع ،تعتم الرؤية ، تدمع العيون ، وتهيّج سعالا في صدر صاحبه الذي أنهكه ربو مزمن ،
    قبل أن يغمض عينيه ، التهم عشاءه أوجاعا يستعين بها على محطات رحلة الليل الطويلة حيث تتألق ملايين النجوم ؛يعدها تباعا ، وتدور الأفلاك وهو قابع في ذات المكان لا أنيس له ، إذ تتناسل الهموم حتى يتنفس الصباح .
    قادته قدماه ككل فجر يبحث عن لقمة تركها صاحبها بعد شبع ، الكل ينظر إليه بازدراء
    نفث دخان سيجارته وقام متأففا صاحب المطعم يزجره بقسوة ..
    ..( إياك أن تأتي مرة أخرى هنا ؛ كم تثير القرف يا هذا ...)
    عاد من حيث أتى ..( آآآآه ،..بعد الدعة ، .والرخاء .... هكذا أزرى الزمان بي . ) .قالها في داخله وكأنه يشكو حاله لحاله ..
    .( دار المسنين ، ما عادت تستوعب هذا الجسد النحيل ، الهزيل ، الأعجف ،منذ أن طمعت بالحرية ، ضعوني بأي غرفة أنام بها ، تحت الأرائك ، في المطبخ ، في أي جحر للجرذان ، أرجعوني نزيلا ..مللت التسكع في الطرق )
    رآهما يخرجان ؛ تقلبت ألوانها وكأنها ترى مسخا ..نظرت إليه شزرا
    ( لا أريد أن أرى هذه القمامة المتحركة عند الصبح )
    قالت ذلك وصعدت سيارتها .مسكت المقود وهي ترنو إلى زوجها يحادثه.
    _(هذا لكما )
    اخرج كيسا قطنيا وهم بأن يعطيه له ..
    _خذه لك ،وأغرب عن وجهي ..
    _دعني أكلمك ...
    لم ينصت إليه ،
    _ يا هذا ... تعسا لك ، حسبتك ولدي ..؟!
    ضحك بأسى ؛ تبعه ورغم صدود الشاب إلا أنه أراد إيصال رسالة له
    (كان لي ولد سقيته دمعي وأطعمته لحمي فأبى أن يسمع نداء أبوتي
    . صار ذا شأن فخفت أن يلحقه عار بسببي .فلذت بصمتي .؟ )
    _ .. إياك..؟
    _ لا تخف .. إني أخشى الهاوية ...؟
    *******
    (هل تعرفه أراك تودعه بنظراتك طويلا ، كلما أبصرته ..)
    قالتها فيما مضت تسوي خصلات شعرها على مرآة السيارة ..
    _ عبير ماذا تعرفين عن جدك لأبيك ...؟
    تغيرت سحنتها ، فجأة ، ضغطت على مكابح السيارة . ، رجعت إلى الخلف ثم استدارت لتعود . قطعت مسافة طويلة دون أن تنبس بكلمة ، المطر يضرب زجاج السيارة بقوة ،الشارع صار كبركة كبيرة ، الأضواء تتراقص على جانبي الطريق ، المذيع يعلن أن الأمطار ستستمر لعدة أيام ، البرق يخطف الأبصار ، الرعد يدمدم .. أنفاسها تتعالى .. عيناها تتابع انعطافات الطريق رغم شرود أفكارها ، تختنق بعبراتها ..
    ( ابحثي عن جدك ، قالها أبوها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة )
    استرجعت شريط ذكرياتها ، لعلها تظفر بصورة لجدها ما زالت بقاياها عالقة في مخيلتها .. ليلة احتضار أبيها كانت تنظر إليه بحزن عميق ، يحاول جاهدا إيصال الكلام إلى مسامعها ..يداها تمسكان بيده ..
    ( كان يوما ماطرا ، البرد قارص ، الريح هوجاء ، طردته من البيت ،ألقيت بفراشه في الشارع ، وأوصدت الباب ، كنت لا أرد لأمك طلبا أذعنت لأوامرها ، كلما استجدت ذكراه أموت ألف مرة ، يا أبنتي ) قشعريرة تسري بجسدها ، أحست ببرودة باغتتها فجأة
    ثمة دمعة تسقط من عينيها .. زوجها يرنو إليها بصمت ...
    أوقفت السيارة .. فتحت الباب بسرعة ، ركضت نحوه، وجدته في ذات المكان يغطي رأسه بقطع من الكارتون اتقاء المطر ، جسده النحيل يرتجف ..
    قام الرجل وثمة فرح في عينيه ....
    _أنت َ
    هز رأسه بالإيجاب ..
    استفزها منظره ، جلبابه المتسخ ، شعره الأشعث ، لحيته المنكوشة ، وعيناه الجاحظتان ،
    أيمكن أن يكون هذا البائس جدي ..؟! ...
    دفعته بكل قوتها وصرخت به ...
    _ أنت علة مأساتنا ،لم نذق طعما للهناء ، طلقت أمي ، و أبي مات وفي نفسه غصة بسببك أنت ،
    ما الذي تريده بعد مني .. أنا أكرهك ، احتقرك ..
    تكورت دمعة في عينيه بعد أن أذلت بقايا كبريائه ..
    _ هذه أمانة لم أفتحها ... وامتدت يده لجيب جلبابه ..
    وهذه شهادة وفاة جدك .
    أعطاها كيس القماش والشهادة ، ثم مضى وهو مطرق الرأس. مغطيا إياه بقطعة الكارتون جلبابه مكتنز بالوحل ومياه المطر المنهمر .. ،
    فتحت الكيس ، برفق قلبت محتوياته ، ..وفي عينيها دهشة وأكثر من سؤال ..!!
    قطع ذهبية ،مسبحة من اليسر **، ساعة فاخرة ، مبلغا من المال . صورة له مع أبيها وهو صغير يمتطي دراجته الهوائية ، و ثمة قصاصة صغيرة من الورق
    . قرأتها ....
    _ صديقي كل ما في هذا الكيس لك ، ابتدأ حياتك به من جديد ....!
    فرت عينيها باحثة عنه ، فلم تجده ، في لحظة يأس غذ الطريق بأقدامه نحو المجهول .......

    19 / 10 /2014 الاثنين ....


    · كلاب المالتيز كلاب زينة صغيرة الحجم
    · المسبحة اليسر هي مسبحة مصنوعة من خرز اليسر وهو حجر عضوي يستخرج من البحر الأحمر

    على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
    جون كنيدي

    الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    #2
    ما أجملك وما أجمل سردت وأوحي قلمك
    نهر معطاء هكذا مازال المتسول جالساً والطريق عامرة بهن
    والمتصيدون واثبون علي أقدامهم وعزائمهم لاتكل
    لله درك سيدي









    تعليق

    • عبير هلال
      أميرة الرومانسية
      • 23-06-2007
      • 6758

      #3
      نص فخم

      كنت هنا لأسجل إعجابي الكبير

      بنصك الذي يحوي الكثير.. الكثير


      هيَ توقعات ربما تحدث

      وربما لا

      الوالد دلل ابنه لدرجة الأنانية

      وأن يمتلك كل ما يتمناه فأضحى

      ابنه ولو حسب توقعاته ذلك الرجل

      الذي يلهث وراء المال ولا تهم النتيجة

      وهي فقدان الكرامة والتخلي عن الأهل,, ما تعلمه من


      والده دفع الوالد ثمنه غالياً..

      وجاء الندم لكن بعد فوات الآوان

      كليهما خاسر الأب والابن

      وحتى الحفيدة التي حسب التوقعات

      فضلت نفسها وباعت جدها..


      سحابة سوداء مرت ولا زال هناك المزيد منها في الأفق


      شعرت أن هناك الكثير مما لم ينتزعه قلمي من نصك البديع.,


      كل التقدير لك

      أديبنا المبدع

      سالم


      ومرحباً بعودتك مجدداً

      sigpic

      تعليق

      • سالم وريوش الحميد
        مستشار أدبي
        • 01-07-2011
        • 1173

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سيد يوسف مرسى مشاهدة المشاركة
        ما أجملك وما أجمل سردت وأوحي قلمك
        نهر معطاء هكذا مازال المتسول جالساً والطريق عامرة بهن
        والمتصيدون واثبون علي أقدامهم وعزائمهم لاتكل
        لله درك سيدي
        أهلا بك استاذي سيد يوسف
        كلمات رائعة أسعدتني جدا ،
        أشرف بهذا الحضور البهي ..ستكون كلماتك حافزا واضافه
        دام تواصلكم .... تقديري واحترامي
        على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
        جون كنيدي

        الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          و إذ أعبر عن إعجابي بجمال النص و صياغته المحكمة، أشير إلى أني لست في مستوى إيفائه حقه.
          أكتفي بقولي : أبدعت.
          و محبتي

          تعليق

          يعمل...
          X