بسم الله الرحمن الرحيم
لقد قام الأديب والإعلامي الكبير الأستاذ أحمد الهواس مشكورا بهذه الدراسة لمجموعتي الشعرية الأولى " ترانيم على وتر الألم" وأسأل الله أن يجعل هذه الدراسة في مبزن حسناته يوم القيامة
الشاعرة أ. إيمان رمزي بدران
البنية الفنية لللمجموعة الشعرية ترانيم على وتر الألم
للشاعرة
إيمان رمزي بدران
للشاعرة
إيمان رمزي بدران
القراءة النقدية لبعض الأعمال الأدبية ولاسيما الشعرية تفرض على القارئ أن يغوص في أعماق العمل الشعري , وأن يتحول من حالة المتلقي إلى حالة المتذوق , ومن ثم إلى حالة أخرى وهي إظهار الدرر المكنوزة داخل تلك القصائد , وهذا طبعا لا ينطبق على كل عمل شعري فالشعر كما يرى العقاد :( ليس الشعر لغواً تهذي به القرائح فتتلقاه العقول في ساع كلالها وفتورها , فلو أنه كان كذلك لما كان له هذا الشأن في حياة الناس ... ويضيف : إنما الشعر حقيقة الحقائق ولب اللباب , والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر وباطن في متناول الحواس والعقول , وهو ترجمان النفس والناقل الأمين عن لسانها , والشعر بهذه المثابة باب كبير من أبواب السعادة )والعمل النقدي عمل عقلي , يختلف عن العمل الشعري الذي في حقيقته حالة شعورية عاطفية , فالشعر وليد الحس الداخلي والدفقة الفنية الشعورية والنقد وليد الحس العقلي والنظر المتأني
وقبل أن أبدأ القراءة النقدية لمجموعة الشاعرة إيمان بدران , أقول : أني تابعتُ معظم قصائدها التي كانت تنشرها في مواقع مختلفة وعندما أرسلتها لي من فلسطين لوضع مقدمة لعملها .. أقر أني توقفت أمام قصائدها طويلا ً, وأحببت أن أقوم بدراسة العمل وإن كان في صفحات قليلة , وذلك لأنني قرأت أعمالاً ناضجة لشاعرة إسلامية نحتاج لصوتها , أو على الأصح تحتاج الأمة لأمثالها ولأسباب مختلفة ولعل أهمها :
- إن الشعر العربي الأصيل يمر الآن بأزمة كبيرة ومن أسبابها شيوع ما يسمى ( قصيدة النثر)
- قلة الأصوات الأنثوية التي تعنى بالشعر الإسلامي
- الشاعرة بنت فلسطين وتتبنى قضية وطنها بأبعادها الثلاثة الوطني والعربي والإسلامي .
وبالعودة لمجموعة الشاعرة نجدها تقسم إلى محاور ثلاثة – الهم الوطني - الهم الإسلامي - والمحور الثالث ( الشعر الذاتي)
وسوف أتناول في دراستي هذه الجانب الوطني ببعده الإسلامي , وليس إغفالي لشعرها الذاتي لضعف فيه , بل على العكس فهو من أجمل ما قالت الشاعرة ولكنني آثرت ُ أن أنقل حس ّ شاعرة بآلام وطنها , وحتى لا يُعتب علي سوف استشهد سريعا ببعض ما قالت في الشعر الذاتي , ولعل ما يستوقفني في ذلك قصيدة( بين اليأس والأمل ), وأجمل ما في قصائدها الذاتية أنك تظن للوهلة الأولى أنك أمام إنسانة يائسة من الحياة :
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
حياتي كلـهـا تعـــــب = وعيشي كله نصـب
أنا قد بت من وجـعي = لي الآلام تنتحــب
إذا دانيتُ من فــــرح = أتاني الهم ّ ينتصـب
يقول مزمجرا ً غضبا = بوجه لفه العـجـب
إذا ما رمت ِ أفراحـــا = أتاك الغـم والكـرب [/poem]
ولكن المفاجأة الأجمل عندما يغلب عليها الإيمان , وتمسك بخيوط الأمل لتعلق قلبها بالإسلام وهي تبغي نعيم الآخرة , وتعلم أن الله إذا أحب عبدا أمتحنه :
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
فيا رباه ألهــــمني = إلى الآمال اقتــرب
وبالإيمان لي سبب = إلى العلياء منتــخب
إذا ماضاقت الدنـيا = إلى الجنات أرتقب[/poem]
• الهم الوطني والبعد الإسلامي للقضية الفلسطينية
تعرضت فلسطين لمؤامرة كبرى , ساهم الغرب بصنعها فقد كان لهزيمة الغرب الصليبي على يد صلاح الدين الأثر الكبير في تغيير معادلة الصراع والسيطرة على بيت المقدس , فقد اهتدى الغرب أخيرا إلى حل يكمن بالسيطرة على المنطقة من خلال زرع هذا الكيان , وتلفيق له حقوق تاريخية ومده بأسباب البقاء والتفوق على الدول العربية , لقد عانى الفلسطينيون من ألم التشرد والضياع والمخيمات , وأخيرا ً رأوا ألا مناص لهم إلا بالجهاد فمعادلة الحياة عكسية بين الصهاينة والفلسطينيين ففي حين يحرص اليهود على "حياة " بمعنى أي نوع من الحياة سواء حياة ذل أو نعيم , فإن الفلسطيني المنطلق من مفهوم الشهادة في الإسلام لاتعني عنده الحياة بقدر ما تعني الكرامة والعزة , والأهم الفوز بنعيم الآخرة .
الوطن عند الشاعرة ليست مساحة محدودة أقرتها شرعة الأمم وقسمتها الحروب والنكبات ... بل هو وطن ممتد عبر الفضاء الإسلامي وفلسطين جزء من مكونات هذا الجسد , لكن هذا الجسد جسدٌ مريضٌ بعد أن زرع الغرب فيه عنصرا غريبا ولهذا فقد تفتقت فيه الأمراض , وكثرت فيه العلل , وأصبح تدفق الدم فيه ضعيفا , فقد سيطروا على القلب وتكاثرت المشاكل ...!! لكنها تدرك أنها بنت أمة عظيمة وأن المناعة في هذا الجسد عظيمة جدا وبالتالي سوف يتعافى ويعود أكثر سلامة
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
تمضي الليالي فتروي نبض خافقنا = في سيرة النجم ألوانا من التعب
لكنه زمن يمضـــي على أمل = حتما ًستشرق بعد الليل شمس أبي[/poem]
ولكنها حين تتحدث عن فلسطين فلأنها بنت قضية تعيش أحداثها المأساوية لحظة بلحظة , شهدت خلال سنوات عمرها الكثير من الأحداث الأليمة , ورأت بأم عينها كيف سقط من أبناء وطنها آلاف الشهداء , واغتيلت رموزه المقاومة , وكذلك شهدت انكسار الصهاينة على أرض غزة , وآلمها اقتتال الأخوة وأن ترى السلاح الفلسطيني يوجه للصدر الفلسطيني .. شهدت الحصار والحروب لقد بدا عمر الشباب أطول عمراً من عمر شيوخ طاعنين بالسن لم يروا غير التنعم ولم تمر عليهم أحزان أبناء فلسطين ... لتشكل هذه الآلام مصدر إلهام للشاعرة لتصوغ من الألم أملاً ومن الحزن جسر عبور إلى الغد المنتظر..
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
فالنصر يأتي من جراح رجاله = والنصر بعد العصر ذا مغزاه
مهما يسود الليل في ظلماته = لا بدّ يأتي الفجر في عقباه [/poem]
وفي تفاعلها الوطني مع الأحداث لا تنتمي لصفة إيديولوجية معينة , بل هي تتحدث عن آلام شعب كامل ... شعب أُريد له أن يعيش المخيمات , وينتزع من أرضه , ولهذا تعمد إلى اختيار رموز لها مدلولاتها ليس لدى الشعب الفلسطيني فحسب بل لدى كل مسلم , وكل إنسان على وجه الأرض يتحلى بالصفة الإنسانية ..!! فكيف لها أن تنقل حادثة اغتيال شيخ مقعد , شيخ يمثل رمزا لكل الأحرار في العالم ..؟؟
ولعل قصيدة ( إلى الياسين في ذكراه) المهداة لروح الشهيد الشيخ أحمد ياسين تمثل خير مثال لدراسة البنية الفنية لدى الشاعرة .
لدراسة هذه القصيدة لابد من تقسيمها إلى أسسها المكونة لها , فالقصيدة جاءت في ثلاثة عشر بيتاُ , ولعل الشاعرة هنا أرادت من هذا الرقم التفاؤل وليس التشاؤم كعادة الغرب , ولهذا فهم يحذفون يهوذا الاسخريوطي من قائمة الحواريين , وهي تقسم إلى أربعة أقسام :
1- المقدمة ( مخاطبة التاريخ )
2- شجاعة الشيخ أحمد ياسين بفكره لا بجسده
3- غدر اليهود حقق أمنية الشيخ في نيل الشهادة
4- استشهاد الشيخ هزيمة العدو
القصيدة لم تبدأ بالرثاء كما يخيل للقارئ , بما يحمله الرثاء من معان ٍ مختلفة , بل أن الشاعرة عمدت إلى استهلال قصيدتها بالفخر والحماسة , وهي تخاطب التاريخ , جاعلة من المنادى شخصا ً يسجل الحقائق في سفر ٍ يروي بطولة رجل هزم كل شيء حتى الموت , وهو بأضعف ما يكون المرء عليه عندما تحاصره الأمراض , ويقعده الشلل ويرى بأقل من نصف عين .. ولكن كان أسدا ً بفكره وبصيرته .
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
سجل حروف المجد في صفحاته = واكتب سطور العزّ ملء حياته
واذكر بفخـر للأسود زعيمــها = وانشد إلى الإيمان رمز حماتــه[/poem]
وتنتقل الشاعرة لتؤكد حقيقة عرفها كلّ أحرار العالم , فهو قائدٌ مجاهد استطاع أن يوقظ الهمم في الشباب , وقد غرس فيهم القيم الأصيلة , فكان القطاف جيلا مسلحا ً بروح الجهاد , ومضى إلى ربه شهيدا ً..ومن ثم تنتقل لحقيقة أخرى وهي أن الشهيد الشيخ أحمد ياسين لم يكن قائدا ً لحماس فحسب بل هو قائدٌ لأمة , بل هو أمة بذاتها , فقد أمسى رمزا ً لكل الأحرار في العالم , وعلم الناس أن الشجاعة والرجولة لا تحتاج لقدمين قويتين , ويدين مفتلوتي العضلات , بل الشجاعة فكر يستلب في المجاهد القلب , وتعينه بسطة الجسد في جهاده
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
وليذكر الياسين قاـئد أمــة = والعزّ كل ّالعز ّ فــــــي قسماتـه
فإذا تكلم فالفصاحة منطــق ٌ = ولدى السكوت يهزّ عرش عداته
وإذا الحياة مسيرة لا تنقضي = وإذا الشهادة توجـت بثيــابــــــــه [/poem]
ومن ثم تفضح الشاعرة جبن اليهود وخسة أفعالهم , فقد أقدموا على اغتيال شيخ مسن مقعد , ولكنهم ما دروا أنهم قد قدّموا له أمنية تمناها وعاش عليه سني عمره , وأن مقتل الشيخ هو بداية النهاية لجبروتهم , وقد باتت بوادر النصر تلوح في الآفاق , وكأن الشيخ وهو يغمض العينين مسلما ً الروح لبارئها يهمس للناس لا تحزنوا فقد قرب الخلاص .
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
ظن اليهود الغـــدر يثني عزمـــه = لما أتوه اللـــــيل في سهراتــــه
قد أمطروا المشلول من أحقادهم = من قام في الأسحار في همساته
فإذا الشهادة غايـــة في عرقـــه = وإذا الممات محـــبب في ذاتـــه
وإذا نهايــة ظلمــهم في قتـــلـــه = وبدا يلوح النصر من زفراتـــه [/poem]
ولم تمض مدة وإذا بالعدو المدجج بكل أسلحة الفتك يترنح تحت ضربات المقاومة , ليهرب من غزة , وانتصرت إرادة شعب حر ٍ , وهزم جيش الجبن والغيلة , وأصبحت غزة المحررة مثالاً لكل المدن المغتصبة بأن هزيمة هذا الجيش الذي أدعى قادته أنه لا يهزم قد هزمته إرادة المقاومة .
[poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
وغدا العدو مزلزلا ً متخوفـــا =ً قد زلزل الياسين عرش عتابه
هرب العدو من البلاد مهرولاً = فإذا القطاع محررٌ بحماتـــه
وإذا المقاوم قدْ أهل مبشراً = وإذا الجبان يموت في حسراته
ليعيش فينا ما استقام سبيلـنا = ونعيش دهرا ً نقتفي خطواتــه [/poem]
وقبل أن أختم أعترف أني أمضيت وقتا ً ممتعا ً في قراءة هذه المجموعة , وكنت ُ أود أن أحلل كل بيت ٍ جاء فيها .. ولكن هذا ما ماوفقني إليه ربي , فإن أصبنا فلله الحمد والمنة وان جانبنا الصواب فحسبنا أننا بشرٌ
أحمد حمادي الهواس
شاعر وناقد سوري عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
القاهرة 14 \ 5\ 2008 م