وقفت منبهران و مشدود الأنفاس أمام ملصق الفيلم الكبير، نظرت بإعجاب إلى البطل و قد تراجع جذعه الأعلى إلى الخلف، مديرا يده اليمنى الحاملة للمسدس وراءه و من خلال سترته يطلق النار على خصمه فيرديه ميتا ببراعة و خفة تخيلتهما.
أغرتني الحركة فتابعت بأنفاس لاهثة الملصقات الصغيرة المثبتة في لوحة مستطيلة مقفلة جيدا، متابعا البطل و هو يسطو على بنك محصن جيدا، و هو يركب سيارته الفارهة من دون سقف حيث تلاعب الريح شعره الناعم فترسله إلى الخلف، و هو في فيلاه قرب حوض السباحة تحيط به فاتنات بلباس سباحة يبرز أجسادهن التي تقطر شهوة، و هو يتناول طعامه الفاخر، و هو في غرفة نومه يسبح بلذة في الجسد الشهي، أبت يد المسؤول عن الصالة، ألا تبت، إلا أن تدثر حميميتهما بقلم حبر أسود، قد يكون خوفا من خدش حيائنا الهش، أو لتأجيج شهوة فضولنا، أو لأخلاق لا تتعارض مع رغبة الربح.
انتظرت في غرفتي، كقط يتربص بفريسته، بصبر النبلاء خلو الدار من أنفاس الأهل. و تحقق لي المراد، إذ ذهب الجميع لأداء الواجب الوطني، أما الصغار فقد انصرفوا للعبهم. خلا لي الجو، فتسللت إلى غرفة الجيران متحاشيا أن أستنشق الهواء الهواء العطن الذي يستوطن المكان، و النتانة الساكنة فيه حتى لا أترك أثرا من جوفي يدل على مروري. أدركت، الآن، لم كنا ننفر من طعام الجارة حين تأتينا به على سبيل" التذواق"، أي جعلنا نقتسم معها الماء و الملح، و كنا نفعل مثلها؛ صحيح أن الفعل جميل، لكن المنجز سيء.
لا أظن أن علينا تناول طعامها المقزز تجنبا لمغص أكيد، نتركها حتى تنصرف لنهرق ما حملته في كيس و الذهاب به بعيدا لرميه. و الحق أن القطط بنفسها كانت تعافه.
سار بي حدسي إلى جزانة مدفونة في جوف حائط سميك، مددت يدي إلى قنينة تحوي بنا مسحوقا، حركتها فظهرت لي النقود المعدنية فطربت، أخذت درهما واجدا لا غير، و أعدت القنينة الزجاجية إلى مكانها، و عدت أدراجي بخفة لص محترف. علمت لحظتها أني موهوب في مجال السرقة، و زاد يقيني لما عرض علي صديقي أن نتربص بحافظات نقود من يأتي للسكاكين متبضعا، و كان المكان يعج بالزبائن، نستغل الزحام فنسرق الناس أموالهم ، و نعتمد زقاق تبربرين المظلم ستارا يحمينا من المطاردة، نصل حديقة الحبول لنقتسم النقود نصرفها في شراء معجون يمنحنا سعادة و روقانا، نرى العالم مقلوبا و متضخما فيزيد من ضحكنا، و إذا كانت النقود قليلة اشترينا بعض السجائر لندخنها بنشوة. و لما نربح الخيبة نجمع أعقاب السجائر، نذهب بها إلى الملعب البلدي لمتابعة تداريب فريق مدينتنا، نفتها لنصنع منها سيجارة نستمد منها بعض العزاء.
غير أن صالة السينما خيبت انتظاري بفعل قططها المتجولة و ضيقها و مقاعدها الحديدية غير المريحة، و مقص عارض الشريط الذي لا يسمح بمرور المشاهد المثيرة، فترتفع الصيحات و يكثر السباب..
خرجت غاضبا.
في طريق عودتي مررت بمحاذاة إعدادية كانت تشهد إقبالا من الناخبين على صناديق الاقتراع، فاسترعت انتباهي سيارة سوداء فارهة مركونة إلى جانب سور المؤسسة، و قد انخفض زجاج بابها الأمامي، لم يكن بداخلها أحد، و إلى جوار مقعد السائق علبة سجائر و بعض الأوراق المالية. جلت ببصري كالصقر أستطلع المكان، لأتأكد من خلوه، و يبنما أنا أفعل، سمعت جلبة قادمة من داخل المؤسسة التربوية، رأيت بعض رجال السلطة و هم يحملون بعنف رجلا غارقا في دمه، و لما بلغوا به شاحنة القمامة رموه في الخلف و انطلقوا مسرعين لجهة مجهولة. سمعت الناس يتحدثون بصوت منخفض و يقولون إن رجل الدولة القوي الحاصل على دكتوراه دولة في علم إدارة الأزمات، يحب التواضع و يعشق الديموقراطية و يميل للشفافية حد الجنون، و لذلك وضع للناس أظرفة بيضاء لهذاا اليوم المشهود، حتى يضعوا فيها البطاقة التي يحبون بكل حرية، و كانت أمام الناخبين بطاقتان فقط، واحدة بيضاء مؤيدة، و الثانية زرقاء فاقع لونها تثير المتابعين، يستطيعون معرفة الاختيار قبل نزوله جوف الصندوق الزجاجي، فيتحذون القرار المناسب بسرعة تفاديا لأي مفاجأة غير سارة.
سيذاع في نشرة الأخبار المسائية، و لم يمض على الاقتراع سوى ساعتين، أن نتيجة التصويت بالإيجاب كانت ب 99.99، و أنه مر في جو احتفالي رائع، تميز بالانضباط التام، تحت راية الشفافية و الديمقراطية. لم تتخلله أية أحداث تذكر...
أصابني المشهد بالذعر، فنفرت من السيارة و ما تحويه، و ابتعدت عنها مسرعا كما يبتعد عن الأجرب و المجذوم، و إذا بي أرتطم برجل ذي بذلة زرقاء داكنة، و قسمات صارمة، فسقطت من يده حقيبته الجلدية السوداء، انفتحت بقوة فتبعثرت أوراقها النقدية. ظل الرجل فاغرا فاه لهول المفاجأة، لا يعرف ما عليه فعله، بقي مسمرا للحظة، أدركت بحدسي أنه سيبتعد عنها و كأنها جرم مشهود سيصيبه بوابل من بلاء. ألهمتني اللحظة بضرورة الانحناء، أخذت رزمة ورق أزرق، و عدوت بكل ما أوتيت من قوة...عدوت و عدوت إلى أن صرت وكيل لائحة قادتني إلى رئاسة مجلس المدينة التي عرفت نماء في عهدي الزاهر.
تعليق