كائنات معدنية
تقترب مريم مثل ملاك بابتسامتها البريئة والعفوية، وتنسخ قبلة من خدي، وكأنها تنتشل روحي؛ فأنسل بدوري نحو معصمها لأكون سوارا يحرسها، تهمس برقة ودلال: أبي؛ لا تنس أن تحضر لي لوحة؛ فعصّوم يمتلك واحدة..
غرفت من براءتها حفنة أمل، وحملت نفسي المتآكلة قاصدا مصنع الألمنيوم؛ أعدها ليوم متعب من العمل. حيث تم تهميشي بصمت قاتل، صوتي ضائع وسط ضجيج الماكينات، أزيز المحركات يشتت بحة أحلامي، والأفران تحرق أيامي القادمة. الزمن بالنسبة لي؛ هو جدول من الأتعاب، وقائمة من المسؤوليات المتنامية.
أحمل حقيبة ذكريات أرهقت كاهلي.. صورا راكدة.. أحلاما من زمن الطفولة، وبعض الطموح الهش.. انهارت كلها يوم تسلمت شهادة؛ كنت أحسبها مفتاح النجاح، ولكنني اصطدمت بجدار؛ اتكأت عليه زمنا ليس بقصير، أقارع البطالة وأنواع الذل.. يوما بعد يوم وكأن الزمن يتناسل بداخلي مثل جراثيم متعفنة؛ أراني أقترب ببطء من حافة الانهيار، مثل ناطحة سحاب أرهقها الوقوف، كحبة تفاح أنهكتها الجاذبية، فتخلصت الأشجار من حمولتها، إنه موسم الخريف؛ يرفض الانسحاب، يتناسل بداخلي؛ مثل فطريات متعفنة تنتظر احتضاري.
يقتات الحديد من إنسانيتي، يزحف نحو عنقي، يشدد من حصاره، إنه عصر الحديد والمعادن، لا مكان للتراب، الطين فقد جرأة الرقص للمطر، تبا للاحتباس الحراري... المخلوقات المعدنية أصبحت تفوقنا، بعضها مصمم للحروب، وبعضها مصمم للتجسس على همس القلوب الخائفة، حتى المواعيد ترتبها الكهرباء المخزنة، وتختفي ملامح البشر خلف سماعات تسرق لحظات الاحتكاك..
-اليوم هو موعد تسلم الأجور.. قالها زميل عملي؛ والحسرة تقضم ملامح وجهه، يرغم عينيه على الفرح، يعتصر ابتسامة سرعان ما تتحول لألم يقتات اللحظة.
-القابض على أجره مثل القابض على الجمر.. أردف قائلا بحزن وصوته يفتت حلقه.
-وأنت، هل نجحت في مسابقة التعليم؟.. وكأنه أراد اقتسام الألم، يدفعني نحو الصراخ، نحو البكاء..
-يبدو أنني سأدفن بين ركام من حديد..
-سيكون شاهدك قطعة من خردوات، وربما عجلة سيارات مستوردة.. على الأغلب سيكون بيتك الأخير بعرض شبر.
أخذت نفسي، وأنا أجهز جسدي المنهك لإتمام بعض الأعمال، لأصنع قالبا معدنيا لأعمدة الألمنيوم، وضعت قطعة الحديد في آلة التآكل الكهربائي، غريبة هذه الكهرباء، تنهش الحديد ببطء حتى تضع بداخله بصمة مصممة مسبقا، وبذلك تسمح للألمنيوم الذي يكون مثل عجينة للنفاذ من خلال مخرج على أشكال كثيرة، بعضها ستكون واجهة، تعرض فيه أجساد بلاستيكية، كم هي جميلة الإناث البلاستيكية، مسالمة وسهل جدا التحدث إليهن.
لا أعلم من كان يتآكل منا، هل الحديد أم داخلي المحطم؟.. أتجاوز المكان نحو الماضي على سلم الوقت، هل كان أنشتاين محقا عندما اكتشف نظرية النسبية؟، وهل هو صحيح أن السفر في الزمن ممكن، لو أني أذهب نحو زمن التقاء والدي بوالدتي، كنت سأزيح فكره نحو امرأة أخرى، وحتما سأغري أمي برجل آخر، فقط حتى لا أوجد هكذا وهنا تحديدا... وماذا لو سافرت نحو المستقبل، نحو مصيري... سأذهب لأستطلع ياسين كيف سينال جائزة نوبل في الفيزياء، و هو يهيل مسؤوليه بنظرات عتاب و لوم، استهزاء.. سأحلم.. و أدعي أنني ركبت صهوة الزمن، سأعاقب من تسبب في مشاكلي، سأتصورني رئيسا، وأعاقب الفاسدين.. ماذا لو تعطلت آلة الزمن، وتوقف بي الرحيل في قبيلة من النساء، وأكون أميرا لمدينة نقية.. مدهش هو السفر في مكانك؛ دون حاجة لتأشيرة لدخول عوالم الخيال...
أيقظني من رحلتي صديقي وهو يصيح علي:
-لقد أتى المحاسب..
نعم هو موعد قبض الأجور، أمسكت أجري والذي بدى ناقصا، تناولت كشف الأجر، لأندهش أنه تم محاسبتي على أساس 30 يوما عوض 31.
سألت المحاسب عن السبب:
-أليست الأجرة لشهر أكتوبر؟..
أجاب بثقة وفمه مملوء بالقذارة:
-إنه قانون جديد..
أصبت بصدمة، وكدت أخرج من حالة الهدوء.. لولا صراخ وصياح.. سارعنا بالركض نحوه وهو يحوم مثل نسر، رأسه يتدلى نحو الأسفل، يقفز أحيانا وأحيانا أخرى يضرب برجله الأرض.. أرانا يده التي كانت محترقة جراء إمساكه قالب حديد ساخن.. كان قد أوتي به لتصحيح بعض العيوب به؛ وهو ما يزال ساخنا..
-500 درجة ولم تنتبه له.. قالها أحد الحاضرين، وهمس آخر في أذني:
-كان في حديث حميمي مع إحدى الفتيات، وما أن أقفل النقال حتى أمسك القالب.
أجبته: أيهم ساخن؛ حديث حبيبته، أم القالب... فأردف: أعتقد أنها أجرته هي الأعلى غليانا من بين الجميع.
تعليق