مساءلة " مملكة القطار " (1)
للقاص المغربي حسن الرموتي
نص " مملكة القطار " نموذجاً.
محمد المهدي السقال
للقاص المغربي حسن الرموتي
نص " مملكة القطار " نموذجاً.
محمد المهدي السقال
· ترتبط المساءلة في الذهن بالمحاسبة ذات الصلة بالمفهوم الأخلاقي، بينما تتسع المحاسبة في شموليتها للدلالة على متابعة إنجاز ما يكون بتكليف أو بمبادرة، للتحقق من افتراضٍ أو تقييم تَوقع، بهدف استدراك ما قد يعتبر نقصا أو خللا لتصحيح وضع ما، لذلك لا تشكل المساءلة دائما اختباراً بنية مسبقة، لضبط مخالفات بتعقب الهفوات، أو تقييد كشف حساب تكون غايتَه إنزالُ ما يترتب عن ذلك من جزاء.
· وتكون المساءلة هادفة في الدرس النقدي، باتجاهها نحو تنويع القراءة، بعيدا عن استهداف الإيقاع بالمقروء، على خلفية أحكام جاهزة ومسبقة، سواء كانت من المتداول حوله، أو كانت مما يروجه الخطاب النقدي، على سبيل التعميمات ذات الطابع الإسقاطي باسم تطبيق منهج ما، فلا تروم بذلك المساءلة النقدية، استنطاق متن بهدف إثبات منفي أو نفي مثبت، إلا في حدود ما يسمح التتبع انطباعيا أو منهجيا.
· في التعاطي مع النص الإبداعي خاصة، تشكل المساءلة خارطة طريق للفهم والتأويل، اعتمادا على رصيد مرجعي في المناهج و الأدوات النقدية، بغية تلمس اتصال أو انفصال ذلك النص الإبداعي أدبيا عن جنس أو نوع، يكون صاحبه قد ارتضاه سبيلا للتعبير الفني باللغة عن معنى يراهن على إشراك الآخر في مقاسمته.
· انطلاقا من هذا التصور البسيط للمساءلة، سأحاول استيقاف ما اعتبرته بنياتٍ سردية في مجموعة " مملكة القطار" القصصية، لكاتبها المغربي "حسن الرموتي".
· اشتغلت في المستوى الأول تحديداً على سياق التأليف و العرض الإجمالي لمحتويات المجموعة، قبل تناول مكونات العنوان والعتبات، بينما تابعت في المستوى الثاني مساءلة "مملكة القطار" النص، من خلال الحدثية في مستواها الغرائبي عبر الإيهام بالواقع، والمعادل غير الموضوعي و التداعي والرؤية السردية والحوار، و قد وجدتني في الخاتمة بصدد إثارة الغياب اللافت لثيمات حيوية من صميم واقع الشخوص، بحيث لم تجد لها مكانا في تشكيل المشهد السردي لـ " مملكة القطار"، بينما حضرت موضوعات عامة اقرب إلى الوجود العرضي عرضية في بنية القصة القصيرة عند المبدع حسن الرموتي.
· صدرت المجموعة في طبعتها الأولى عن دار النشر التنوخي بالرباط شهر يونيو 2011 ، و قد توزعت دفتها الخارجية الأولى خمس مؤشرات تتوسطها لوحة أزعم أنها سريالية التشكيل، فصعب القبض فيها على تجسيم أو هيمنة لون مخصوص، بخلفية يمكن أن نتلمس فيها ظلالا تثوي عميقا عبر انشطارات هندسية قابلة لرؤية امتداداتها من منظورات وزوايا متعددة، فيما تشكل الباقي من اسم المؤلف و العنوان في و علامة دار النشر، مع تحديد بلفظ " قصص" للمحتوى، من غير نسبة تخصص الانتماء لنوع كالقصة القصيرة أو غيرها..... بينما استغرقت الدفة الخارجية الثانية في ثلثها العلوي صورة المؤلف مذيلة باسمه، قبل عرض رأيين نقديين حول نصي " المشهد " و" المحارب " في المجموعة، الأول لناقد أكاديمي من سلطنة عمان هو الدكتور عبد الله الحراصي، والثاني لكاتبة صحفية سورية هي غالية قباني، وكلاهما يسيران إجمالا في اتجاه الاحتفاء بتميز المتن السردي " الرموتي"، بعبارات فضفاضة يغلب عليها التعميم في التقييم.
· تضم مجموعة " مملكة القطار" إحدى عشرة قصة، يعلن عنها فهرسٌ يصل نصوصها بأرقام الصفحات في المُؤَلّف، وهي:
- 1 - مملكة القطار
- 2 - الحرب
- 3 - المشهد
- 4 - المحارب و المحطة
- 5 - المنصة في يوم قائظ، المحارب
- 6 - العرافة
- 7 - الفصل
- 8 - رحيل البحر
- 9 - المقهى
- 10 - عروة الزمن الحالي
- 11 - تشييع شاعر تأبين قصيدة
· يندرج صدور المجموعة ضمن مناخ عام، يطبعه تراكم النشر الورقي في ظل ما يبدو ازدهارا للفن السردي عامة و القصير و القصير جدا منه خاصة، رغم تراجع الانخراط القرائي عن المتابعة، للتمييز بين ما يمثل قوة في الحضور إبداعيا ونقديا، وبين ما يجد نفسه منسابا على غير هدى فيتلقفه النسيان.
· لكن الإصدار من زاوية أخرى، قد لا يعدو أن يكون، تحديا يسنده اندفاع ضد مقاومة الصمت، لأسماء ظل " النت " متنفسها للإعلان عن وجودها الأدبي، في مواجهة حصار بعض المنابر الصحفية، والتي ما زالت تتعامل مع أشكال الكتابة الإبداعية، بشكل حذر لا يفسره سوى سبق الاعتقاد بأن الأدب ما زال يبحث عن طريق لإثبات ذاته الفنية، علما بأن الخط التحريري للصفحات المهتمة بالشأن الثقافي والأدبي في عمومه، ما زال أسير رؤى تحكمها حسابات ضيقة، إما بسبب ضيق أفقها الأدبي إبداعيا ونقديا، وإما بسبب حرصها على عدم المغامرة بالصدام مع البنيات التقليدية في التفكير كما في الأدب.
· تصدر مجموعة " مملكة القطار " إهداء " إلى الوطن الهارب منا.....في اليقظة والحلم....وبدون مناسبة "، تلاه تقديم بعنوان: "حرقة الواقع/ لذة الألم"، للقاص المغربي أحمد أبو وصال. وسيستدرك المؤلف استهلال النصوص بمقطعين، انتقى أولهما من قصيدة للشاعر المغربي عبد الله راجع، بينما اختار ثانيهما من مأثورات رائد القصة القصيرة أنطوان تشيكوف.
· بدءا من الإهداء، تعلن المجموعة عن هويتها بالإحالة على انشغال الكاتب بثيمة الوطن فوق كل اعتبار للذاتي الشخصي المحاصر بارتباطات عاطفية أو علاقات اجتماعية، متجاوزا بذلك نمطية تلك الإهداءات الخاصة، والتي تبقى في كثير منها عارية من الدلالة على رؤية أو موقف أو اتجاه.
· يمكن تلمس الحمولة الدلالية للوطن في وعي الكاتب" حسن الرموتي"، بدالين في إهدائه لمجموعة " مملكة القطار"، هما صيغة "الهارب" صفة للوطن باسم الفاعل، و لفظ " منا" المركب من حرف الجر البعضي "من"، مضافا إلى "نا" الدالة على "نحن" الجماعة .
· أما مسند " الهارب " في العبارة، فليس غير مجاز مفرد مرسل ينوب لفظا عن اسم المفعول معنى، باعتبار وقوع الهروب على الوطن (المُهرَّب)، تحت تأثير مسكوت عنه يعتبر مسؤولا عن معـاناته، وقد دل الخروج بالإسناد من الفعلية إلى الاسمية، على الاستغراق في مطلق الزمان إمعانا في تصوير حدة مقاساة الوطن، دون حصرها في الفعل المتحيز ضمن ماض منته أو حاضر متواصل .
· و هي وضعية مأزومة لا تعود على الذات الجزئية في شروطها الخاصة، وإنما تتصل بالذات الكلية في وضعيتها العامة من خلال النحن الجماعي، دون علة معلومة تبرر هروب الوطن بكل أبعاده ، ما دام الحاصل واقعا "بدون مناسبة"، و بشكل أقرب العبث واللامعقول، حيث يطفو الفاعل الضمني بحجم مسؤوليته الأخلاقية على النظام المجتمعي المنصهر في الوطن، إزاء ذلك النحن الجماعي، وقد انفلت منه الوطن بكل معاني الحلم في المستقبل.
· بين الإهداء للوطن المُهرب مُنفلتا من الجماعة، والحلم بـ "مملكة القطار" كدالة مهيمنة على العنوان والمتن، تمتد معاناة الوجود بحثا عن استعادة معنى للوطن من منفى الهروب والضياع، بحيث لا يمكن تصور حدودٍ لذلك الوطن في المشترك المكاني، إلا من خلال ما تتقاسمه الجماعة على مستوى تعدد وتنوع هويات انتمائها الجغرافي و التاريخي، تحت عنوان المواطنة ببعدها السياسي، وما تستدعيه من شروط المعايشة لبلوغ تلك المجمعة المنفتحة على قبول الانصهار بين الذاتي و الموضوعي ضمن إحساس بالوجود، يشكل فيه التعدد اللغوي والتنوع البيئي مصدر إغناء للهوية التركيبية بعد تجاوز ما يثير عصبية الفرقة و التميز لضيق في أفق الوعي بالوطن كفضاء لقيم إنسانية.
· يمكن اعتبار هذا الإهداء بالذات، مؤشرا على اتجاه الكاتب "حسن الرموتي" نحو رؤية مغايرة للوطن في نفسه و وعيه بكينونته الفردية والجماعية، و هنا يطرح سؤال حجم انشغال النصوص القصصية القصيرة في المجموعة، بحقيقة العلل التي تكمن وراء تأزم وضعية الوطن الهارب من الجماعة، بل سؤالُ مدى انخراط الكاتب في التعرية بالخطاب الفني، لما يقرا فيه سبابا موضوعية لوجوده المعتل.
· سيختار الكاتب استهلالا متناسبا مع مشاعر الإحساس بالأسى والحزن و الإحباط، من جراء انكسار الحلم واستمرار ما يدعو إلى اليأس من مثبطات لا تزيد الجراح إلا شبرا، رغم الإصرار على امتداد الحلم و الموت المؤجل كي تنبت في قلبه وردة / الأمل، من خلال استحضار مقطع قصيدة للشاعر المغربي عبد الله راجع، قال فيه:
" و أنا امتداد الحلم والموت المؤجل
كلما نبتت بقلبي وردة،
أحسست أن جراحه تزداد شبرا ".
· بينما انتقى للاستهلال الثاني اختيارا من إحدى مأثورات رائد القصة القصيرة "أنطوان تشيخوف"، يذهب فيها إلى أنه " عندما لا تكون لنا حياة حقيقية فإننا نستبدلها بالسراب".
· كأني بالكاتب "حسن الرموتي" يستسيغ وجهة تشيكوف في الكتابة القصصية، حين يقبل باستمداد مادته السردية من السراب بكل ما يمكن أن يحيل عليه من وهم أو خيال، في غيابالحقيقة التي نريدها للواقع، فنقبل بالعيش في عوالم غير مادية، بعد سقوط المثال في الحقيقة وضياع الأمل في الحلم بها كينونة واقعية.
· علما بأن السراب البديل عن الحقيقة في قولة أنطوان تشيخوف، إنما هو السراب الفني الذي يؤطر رؤية تشيكوف للقصة القصيرة، باعتبارها كذبـة متفقاً عليها بين القاص والمتلقي، طبعاً كذبة استعارية و كنائية لها أكثر من تفسير و تبرير، ضمن التوظيف الفني في النص السردي القصير.
· هل سار الكاتب في تأليفه القصصي على هدى تصور تشيكوف في بناء مضامينه، متجها إلى السراب لاستمداد مادته الحكائية و الحدثية، بديلا عن مظاهر الحقيقة و تمظهراتها في واقع يعيش محنة "الوطن الهارب منا في اليقظة والحلم وبدون مناسبة" ؟
· بقليل من التمحل غير التعسفي في تأويل الاختيارين على أساس عدم اعتباطيتهما، يمكن الذهاب إلى اعتبارهما إطارين مرجعيين لموضوع وشكل السرد القصصي عند الكاتب حسن الرموتي، إذا نظرنا إليهما كوجهين للقناعة / البوصلة، التي ستحدد رؤيته السردية، على الأقل فيما نحن بصدد قراءته.
· سأزعم ابتداءا أن "مملكة القطار"، تذهب بعيدا في هذا الاتجاه، إذ تقدم بنية سردية تتقاطع فيها أفقية الحكاية التخيلية مع عمودية الاسترجاع الذهني، بمعنى أن التصوير يتقاطع مع التفكير في إنتاج النص القصصي القصير، كي لا يبدو ترتيب العلاقات غير منطقي بين تفاصيل الحقيقة والحياة، من منظور فني يقوم على الإيجاز المركز و الإيحاء بالإشارة، بعيدا عن الإسهاب والاستطراد.
· أما بعد ، فقد انتهيت إلى الاقتناع بإمكانية تقديم مقاربة إجمالية لمجموعة " مملكة القطار"، انطلاقا من قراءة النص الأول بالعنوان نفسه، ليس فقط لكونه جاء مأثورا من طرف الكاتب نفسه، ولكن لكونه يتيح إمكانيات الاشتغال على ميكانيزمات البناء القصصي عند الكاتب "حسن الرموتي"، انطلاقا مما ينشغل به النقد القصصي القصير من قضايا لها صلة بالمكونات البنائية، من قبيل الغرائبية والمعادل الموضوعي والرؤية السردية و بنية اللغة التعبيرية و الحوارية.
· و لم ينته اختيار التعاطي مع النص الواحد بمنطق الفصل بينه وبين نصوص المجموعة، لأن القراءة العمودية له تحديدا، إنما استأنست بما ترسب من انطباعات عن متابعة أفقية لكل النصوص، وملاحظة ما بينها من اتصال، يدعمه جرد المشترك بين النصوص بنائيا وفنيا وتعبيريا، لصياغة ما يمكن اعتباره مؤشرات دالة على خصوصية الكتابة القصصية عند الكاتب "حسن الرموتي"، لدرجة ترسب اقتناع مبدئي بأن الأحد عشر نصا المنتظمة لمجموعة " مملكة القطار "، تشكل كلا متكاملا يصل بعضَهُ ببعض خيطٌ ناظم للاتصال.
· بل تصورت في لحظات قرائية أن استمرار حضور ذلك الخيط الناظم للاتصال، يجعل من النصوص متفرقة، تنويعا على إيقاع منفرد يحيل على هوية الكاتب الوجودية والفكرية والفنية، كأني بها في مجموعها تتوحد حول الدلالة على الذات المنكسرة في مرايا متعددة، من خلال أقنعة تسعف في التباس الوجه الحقيقي ، سواء ظهرت بالمتكلم أو توارت خلف ضمير الغائب، إيهاما بالانفصال...خاصة وأن مادة السيرة الذاتية هنا، ليست محصورة في المعيش الشخصي الضيق للسارد/ الكاتب في صحوه أو يقظته، ما دام تعدد تلك الأصوات غيرَ منفصل عما عايشه ضمن تفاعله مع واقعه رصداً بالتأمل في تحولاته ( مملكة القطار/ المشهد/ المنصة في يوم قائظ/العرافة/ الفصل/رحيل البحر/المقهى)، أو عاينه من خلال متابعة تمظهرات ذلك الواقع (الحرب/ المحارب والمحطة/ عروة الزمن الحالي/ تشييع شاعر تأبين قصيدة).
· دون أن ينفي ذلك الحذرَ الواجب منهجيا عند الجمع بينهما، باستحضار سؤال الفصل بين السيروي و السردي في الكتابة الأدبية عامة و في المجموعة موضوع القراءة خاصة.
· لكل تلك الاعتبارات أزعم أن نص "مملكة القطار" يختزل المجموعة يمثلها في كليتها، انطلاقا من وجود انسجام محسوب حققه الكاتب لمجموع نصوصه، ثيميا وتعبيريا وفنيا، بعد إيراد النصوص عارية من التذييل بزمن أو مكان معلومين، كأنه يؤشر على رفض مسبق لتحيينها أو تحييزها منفصلة عن بعضها البعض.
· أقول هذا، و في النفس تردّدٌ مرجعُه ما يمكن أن تقع فيه قراءة الجزء نيابة عن الكل، من نفي لخصوصية النص المفرد بنائيا وفنيا، إذا انحصر الاتجاه في تعميم الخاص على العام..
· اتخذت المجموعة عنوانا لها " مملكة القطار "، من العنوان نفسه للقصة التي تصدرت أحد عشر نصا تشكلت منها المجموعة، و الكاتب في ذلك لا يخرق نظاما في اختيار ما يسِم به السراد تصانيفهم، لكنه ليس بالضرورة تابعا لتقليد، بحكم ما يمكن افتراضه عللا تبرر الاختيار، من قبيل إيثار الكاتب لنص " مملكة القطار " على أساس تمثيله لرؤيته السردية إزاء العالم من حوله، أو اختزاله فنيا لتجربته مع كتابة القصة القصيرة.
· تقرأ جملة العنوان نحويا على خبر التركيب الإضافي المتعلق بابتداء الإشارة المحذوفة ، لكنها تحمل مكونها الأول على النسبة للثاني قصرا، فتوحي المملكة بالخروج عن سياق مألوف في الدلالة يرتهن بالوجود في الثابت من المكان، لتأخذ معنى مغايرا في المتحول من الزمان، عبر القطار من خلال حركته إلى الأمام .
· في مقابل هيمنة نسبية لبنية الجملة الاسمية، مضافة أو معطوفة، بما يمكن أن تقربه من معنى في ذهن المتلقي، بحيث تضعه في المناخ العام للقصة القصيرة، سنجد الكاتب أكثر ميلا إلى التمسك بالعنوان المفرد في خمسة عناوين( الحرب / المشهد / العرافة / الفصل / المقهى ) ، ربما لتوفير هامش من الحرية في التلقي ، يكون فيه القارئ صاحب المبادرة في تصور ما يمكن أن يشتغل عليه الكاتب، باعتبار ما توحي به بعض المفردات الدالة بخلفياتها في الوعي القرائي، على أمكنة أو أزمنة أو أحداث، على عكس ما قد فيه الجملة الخبرية من جاهز المعنى الموقور في الذهن أو في الوجدان.
· ليس جديدا القولُ بأنه يصعب فصل صناعة أو اقتراح عنوان للنص، عن تصور مسبق لدى الكاتب باحتمالات الفهم والتأويل لدى القارئ، اعتمادا على ما يمكن وصفه بالتعاقد الضمني حول جملة دلالات يمكن أن توحي بها كلمة أو جملة العنوان، بحيث تحقق للعنوان مقصديته اعتمادا على تتمة المتلقي لما يمكن أن يكون إشارات أو علامات على معنى، يتقاسمان معا مرجعيته في مكونات البنية الرمزية للتعبيرات باللغة.
· ذلك أن وضع العنوان إما أن يكون سابق الوجود بالقوة في وعي الكاتب باللحظة التي يقتنصها مادة لتأليفه، بحيث يشكل المتن/ النص/ الخطاب، تجسيدا باللغة للمعنى / الرسالة/ البعد، من منظور الكاتب للعلاقة بين مكونات المادة الحكائية، وإما أن يكون لاحق الوجد بالفعل، في ضوء ما يتحقق للنص من انسجام مع رؤية الكاتب لاختيار لقطة حدثية متفردة في دلالتها، يصبح معها العنوان اللاحق أقوى من السابق، لما يستدعيه من جهد في التأمل والتفكير، ،عند محاولة الربط بين رهاني المعنى و المبنى.
· و في الحالتين، يجد القارئ نفسه بدءا من العنوان، متسائلا عن وجهة رهان نص تكون المملكة مقدمته، وفي الذاكرة الجمعية أكثر من استفهام حول مصيرها قبل واقعها في حركية الوجود المجتمعي ، ضمن سياق تحولات عصر يعيد ترتيب العالم، على أسس مدنية تلغي تحكمية طبقة أو نخبة باسم الولاء لنسب أو جنس أو دين أو لغة.
· غير أن النسبة إلى القطار في العنوان، قد تغير منحى التفكير في ذلك الاتجاه ، ما دام مكان المملكة متحركا في الزمان ، بكل ما يحتمله من إمكان التغير في بنية المكان تبعا لممكن التغير في الزمان، بحيث لا تقف قراءة عنوان " مملكة القطار "،عند مستوى دلالة بنيته اللغوية معجما و تركيبا، دون وصله بوظيفته القبلية أو البعدية، تعيينيا و إغراءا إيحاءا و تناصا كما تذهب السيميائية، على سبيل الاستئناس.
· ستتوزغ قصة "مملكة القطار" القصيرة، أربعة مقاطع سردية، تتدرج من الاستهلال التمهيدي الذي يقدم صورة إجمالية عن شخصية السارد، من خلال عرض سلوكات اعتيادية، ألفها بدءا من مغادرته لشقته بالعمارة، و صولا إلى القطار الواصل يوميا بين سكناه في مدينة، ومقر عمله كصحفي في مدينة أخرى، عبر قطاره اليومي، إلى الانتهاء" به مرميا على سكة الحديد والمحفظة" بجانبه.
· أما المقطع الثاني، فقد استغرق بشكل منفصل عن الأول، حدث دخول السارد عالم الانفلات" في لحظة بين اليقظة والحلم"، حيث استسلم خلالها لهواجسه"، مسترجعا أحلام قراء الجريدة"، بعدما صارت تختلط في ذهنه" الأحلام بالحقائق"، من كثرة قراءته للرسائل التي تصله على الصفحة التي يشرف عليها" بعنوان _ أحلام القراء_"، فوجد نفسه يفكر في تحويل" اتجاه القطار صوب قرية" جده، إلا أنه سيعدل عن الفكرة " سرقة القطار و تكوين مملكة" بعدما تذكر أن" الطريق المعبد لا تصل القرية، فكيف تصلها سكة الحديد".
· و سيشكل المقطع الثالث امتدادا له، بعد دعوة جاره في السفر، مشاركته في تحقيق الحلم بمملكة القطار، و الاندفاع بكل ما وسعه من قوة، لتنفيذ خطته "، من موقع قيادته التحكمية في تنظيم مملكة القطار، واضعا نفسه في أعلى مقام لا يكون رئيس الوزراء فيه أكثر من تابع له بالإنابة، وتتوزع الرعية / الركاب، على فئات تحكمها تراتبية محددة، فيتقدمها المخبرون ثم البهلوانيون، بينما يمنح المثقفون العربة الأخير، على ألا تتجاوز " مهمتهم النقاش فيما بينهم فقط ولا علاقة لهم بالعربات الأخرى"، ولن يكون حظ الأطفال والنساء وعمال القطار وسائر مكونات مجتمعه، أوفر من حظ المثقفين، فالصغار "سيخضعون لتكوين خاص داخل القطار"، و النساء، لن يتعدى" دورهن في السنوات العشر الأولى الإنجاب " فيما ينتهي مصير الباقين إلى " الخارج لمعرفتهم بأسرار العربات والمحطات..".
· مع أولى خطوات تنفيذ المغامرة، سيتملك القارئَ شعورٌ بميل السرد إلى الانفلات من رقابة المعقول على الحدثية النمطية، ليجد نفسه في مناخ غرائبي أقرب إلى الصورة السريالية، رغم الارتباط بالواقع من حيث الإحالة على شخوص نمطية أو تفاصيل من صميم الحياة اليومية للسارد .
· ففي لحظة بين اليقظة والحلم، سيتحول السارد من الإنسان الهادئ و العادي، إلى كائن منفصل عن واقعه المتسم بالنظام والاتزان، لفسح المجال أمام طفو حالة الانتقال إلى عالم الهذيان المتعارف عليه بالجنون، إلا أنه في العمق ليس مجانيا يستهدف الغرابة و لإدهاش، بالعودة إلى ما يمكن استنطاقه في المسكوت عنه منفلتا عبر اللاشعور.
· لم يظهر السارد/ في يقظته العاقلة، بوجه المهموم سياسيا أو إديولوجيا بقضايا التغيير في مجتمعه، إذا استثنينا ذلك التعليق عقب تصفح الجريدة التي ابتاعها، إذ بدت له" باهتة دون معنى، و متشابهة مع الصحف الموالية للحكومة"، بل لم يظهر السارد، حتى في حلمه الجنوني بسرقة القطار" و تكوين مملكة" منشغلا بالموضوعي في أزمة واقع سياسي معلوم بالسرد عنه أو الوصف المعري لاختلال وجوده، فانحسر ظهوره حالما في يقظته، تحت ضغط الانشغال بما يشتغل عليه مهنيا كصحفي يشرف على صفحة "أحلام القراء" بإيعاز من رئيس التحرير، وليس صدورا عن اجتهاد في التفكير الذاتي لتصور نظام بديل عن العالم من حوله عبر تهيؤاته، لتنتهي صدمة الصحو إلى إجهاض الحلم، على يد الجار الذي وثق به السارد، حين دعاه إلى مشاركته تحقيقَ الحلم غير المستحيل، من وحي انفلات في الصحو بين اليقظة والحلم.
· غير أن الحالم بمملكة القطار، رغم التعرض للعنف الذي انتهى به "مرميا على سكة الحديد"، فقد قام بعد السقوط ينفض عنه التراب ليسير بين القضبان و هو يكرر في نفسه " هذه سبيلي "، مجددا إصراره على الحلم بمملكة القطار كاختيار لاستمراره في الاتجاه نفسه.
· لقد قام بناء السرد في كليته على المفارقة بين المقبول والمرفوض في ذهن و وجدان المتلقي، وهو يبحث عن الاحتكام لمنطق العلاقة بين الحلم والحقيقة، انطلاقا مما تكوّن لديه عن شخصية السارد ناطقا باسمه مُمَثلاً بضمير المتكلم مُنفصلا ( أنا )، و متصلا في الأسماء ( الياء ) و الأفعال ( همزة المضارعة / تاء الماضي ).
و دونما حاجة للعودة إلى تلك العلاقة الشائكة بين السارد والمؤلف، يكفي التذكير بطبيعة شخصية السارد الصحفي المشرف على صفحة جديدة بعنوان" أحلام القراء"، والمتنقل يوميا عبر القطار من مقر سكناه إلى مقر عمله، سيبدو منشغلا بالواقع من خلال متابعة صحف المعارضة خاصة، دون توفر خلفية انتماء أو رؤية ما تعرف بهويته الفكرية أو السياسية، إما لانعدامها من الأصل، وإما لتوقف ما، قد يكون انتهى بالسارد إلى اليأس بعد فقدان الثقة في آليات الانخراط الفاعل في التغيير المجتمعي مثلا، وسيلقي بتلك الصحيفة جانبا لكونها تبدو له" باهتة دون معنى و متشابهة مع الصحف الموالية للحكومة"، الشيء الذي سيدفعه إلى الاستسلام لهواجسه" مسترجعا أحلام قراء الجريدة" من خلال الركن الذي يشرف عليه، وليس من خلال استرجاع وقائع عينية تعتبر علة رؤيته الأقرب إلى التشاؤم، ليقرر في لحظة بين الحلم واليقظة عزمه على إنشاء مملكة القطار، متجاوزا التخطيط إلى الإقدام على التنفيذ، بالاتجاه إلى المقصورة الأولى، ساحبا من " جيب معطفه قفازين ".
· يطفو الملمح اللافت للانتباه في البنية الحكائية لقصة" مملكة القطار، موصولا ببُعد غرائبي سيحضر في أكثر من نص في المجموعة، ( المشهد/ الفصل / رحيل البحر)، دالا على جنوح الكاتب إلى تخيلات تبدو غير ذات صلة بالوجود في واقع مادي، بل تبدو منفصلة عن أي منطق يقبل بامتدادها في ذلك الواقع، فتنفلت إيحاءاتها و دلالاتها من الإحالة على ترسبات في الخرافات و الأساطير المتداولة، كي تبني لنفسها عوالم نابعة من تجربة الكاتب و رؤيته الإبداعية، لمعنى يراهن عليه في التلقي بعد اختبار وجهد في التأمل لأبعاده.
· بمعني أن عجائبية "مملكة القطار"، لا تستند إلى المتداول حول مفهومها وتوظيفها في السرد ذي المنحى الغرائبي، من قبيل الاعتماد على الخروج بالعلاقات إلى اللامألوف والعجيب، لإثارة الإدهاش والحيرة في القارئ، و إنما تستند إلى تثبيت غير المقبول بالمنطق، في اتجاه الإقناع بواقعيته رغم لا معقوليته.
· وأزعم أنها عجائبية متميزة ضمن أشكال معالجتها في السرود ذات المنحى الغرائبي، بارتكازها على الخرق العبثي للتصورات قبل افتعال الخرق الإدهاشي للوقائع، باعتبارها غير معنية بتداخل الواقع والخيال ونفي السببية، و مخالفة لما يخضع له الوعي و العقل. و بدل التطلع إلى ما يمكن تصوره ضمن تصور معالم بديلٍ تجسدهُ مملكة القطار، على الأقل ، انسجاماً مع الحلم بالممكن من أجل تغيير واقع أو تجاوزه في أفق انتظارٍ موضوعي، سيفاجأ القارئ بمملكة تعيد إنتاج الواقع نفسه و ترسخ الملفوظ في اللاوعي الجمعي، بمحاكاة النظام المتحكم في صيرورته، إمعانا في تثبيت كل ما يقوم عليه من ميكانيزمات تضمن استمرار وجوده بإصرار على البقاء، لا يبدو اختيار الكاتب لاتجاه السارد نحو الحلم بسرقة القطار لإقامة مملكته، مندرجا ضمن توجه يعكس قناعة صادقة بالممكن من خلال ذلك الحلم، بقدر ما يبدو اختيارا يستهدف صدم القارئ و استفزازه، عبر حكاية تتنامى في حدثيتها منسجمة التأليف، إلا أنها في العمق أقرب إلى اللامعقول في تشكيل التفاصيل، تأسيسا على اللعب بالتماهي مع ذك الحلم الجنوني، لكن دون اعتباطيته المفرغة من بعده الرمزي، اتصالا بواقع يمكن الإيهام به، لدفع المالقي نحو التعاطي مع بنيته العميقة في اللاوعي الجمعي قبل الفردي.
· يقودنا هذا الانشغال بالبعد الغرائبي في "مملكة القطار" إلى مساءلتها من زاوية خصوصية ما يعبر عنه بالمعادل الموضوعي في السرد القصصي، على اعتبار السائد في دلالة التوظيف الرمزي للحكاية العجائبية ، بحيث تأتي أقرب إلى القناع في المسرح، حين يستتر الكاتب خلف استعارتها لتكون وسيطا بينه و بين القارئ، تحت إكراه التخفي لأكثر من علة اجتماعية أو سياسية.
· غير أني لا أذهب في اتجاه وجود ذلك المعادل الموضوعي، لفائدة ادعاء وجود ما أعتبره معادلا غير موضوعي في بنية "مملكة القطار"، بسبب اتجاه غرائبية الكاتب حسن الرموتي، نحو الإقناع بمنطق اللامنطق، ضمن رؤية نقدية انتقادية لمسار التطور الهجين في نسق الوعي الجمعي بعمقيه الاجتماعي والسياسي.
· وقد ساهم حضور هذا "المعادل غير الموضوعي" ضمن بنية السرد بتشكيلها الغرائبي عند الكاتب حسن الرموتي، في تغيير اتجاه القراءة التأويلية لرمزية الحكاية، والتي تتكئ عادة على مستواها الإيحائي ضمن تعاقد على التلقي بالمقابلة بين الواقعي و المتخيل، عبر وساطة التداعي بين تياري الوعي واللاوعي، حين يُفسَح مجال التفكير في الممكن منفلتا من عقال المنطق، ليقدم صورة سريالية ممتدة بين الحلم واليقظة، تمارس فيها الشخصية وجوديتها انطلاقا مما يعتمل في النفس شعوريا ولا شعوريا إزاء الحياة. إن الصحفي المتنقل في الزمان عبر القطار، يحلم في يقظته بتحويل اتجاهه الى قرية جده، لكنه يعدل عن الفكرة إلى التفكير في سرقة القطار لإقامة مملكة، ليس فيها ما يحمل على تقديم معادل موضوعي تجسده تفاصيل الحكاية، لأنها ستقوم على إعادة إنتاج الصورة الملفوظة و المرفوضة في الوعي و اللاوعي، بسخرية غير معلنة من فساد نظام قائم في الوجود السياسي والثقافي و الاجتماعي.
· و هنا يضيف الكاتب حسن الرموتي معنى آخر لإمكانية توظيف ما يُتداول حول تيار تداعي الوعي و اللاوعي، بخروجه عن تقليدية الارتداد والاسترجاع، لأنه يسعى إلى مكاشفة القارئ بما يعيه في حلم اليقظة، عن طريق تداع عاقل يقوم على الترابط و المقارنة بين واقعين يبدوان مختلفين، إلا أنهما في امتداد الوجود شبيهان بالقوة و بالفعل.
· لا يبدو الحوار كمكون سردي، باعتباره القناة المثلى لتمظهر تيار التداعي وعيا أو لا وعيا، موضوع انشغال عند الكاتب حسن الرموتي، الشيء الذي غيب الاشتغال عليه في البنية القصصية لنص "مملكة القطار"، فلم يدفع بالحوار بمستوييه الداخلي و الخارجي، للقيام بوظائفه كأداة تواصلية مع المتلقي حول الضمني و الصريح فيما يتصل بحركية الوجود والعالم، لكسر رتابة استرسال في سرد أو وصف، وبقي الحوار بذلك،بعيدا عن كشف أبعاد الإحساس أو الإدراك في بناء الشخصية السردية، قريبا من الحضور العابر في حورات بعض النصوص الروائية، لحاجة في التفصيل أو ميل إلى الاستطراد.
· يضاف إلى ذلك، ركوبُ الحوار مطية الفصحى في التعبير، دون مراعاة شرط التناسب بين مقامات الشخصيات السردية، أو إفساح هامش من الحرية لتنطق بلغتها ضمن سياقات ذلك الحوار، بينما كان من المفترض توفير حد أقصى من ذلك التناسب المطلوب، ليخرج الحوار من دائرة الافتعال اللغوي، ويعكس بالتالي واقعية الحال بتواز مع واقعية اللغة بعد تواري السارد.
· صحيح أن الخطاب السردي عند الكاتب حسن الرموتي، حريص على الوفاء لمعيارية اللغة في مظانها النحوية والمعجمية والتركيبية، لكن دون إيغال في تعمد الصناعة التعبيرية، أو تكلف في الإنشاء لبلوغ نثر فني، تكون فيه جمالية العبارة لغاية بلاغية وليست وسيلة تواصلية إبلاغية.
· غير أن هذه البساطة القريبة من السهل الممتنع في السرد أو الوصف، ستصطدم في الحوار بمفارقة حضور الفصحى على لسان نماذج إنسانية، ليست بحاجة إلى افتعال المعيارية في تعبيراتها عن حالاتها أو مواقفها ، ما دامت تصدر فيها عما يجيش في دواخلها من انفعالات متأثرة بموقع انتمائها الاجتماعي و اللغوي، و لا يعني ذلك استبعاد إمكانية تبادل تلك المستويات من الحوار الفصيح بين الشخوص الفاعلة والمتفاعلة في النصوص القصصية، و إنما يعني استبعاد حضور الفصحى في الحياة العامة كحقيقة واقعية، بغض النظر عن دواعي الاستعمال ضمن إشكالات لغة الحوار في الخطاب السردي العربي تخصيصا.
· و أختم هذه المساءلة بإثارة مقارنة بين الحاضر الغائب في" مملكة القطار"، من حيث مادتها الحكائية وبناؤها الفني ، للوقوف عند ما يشكل خصوصيتها السردية ضمن تراكم الإنتاج القصصي القصير، فبينما يحضر الواقع الهامشي بقوة ، من خلال صور منتقاة يغلب عليها أحيانا، افتعال الالتقاط المادي لحياة نماذج بشرية، عبر أمكنة يضيق مجال الرؤية في الواقع عن تعقب مساراتها، ومتابعة تفاصيل حركيتها في صورة عابرة، سوف يغيب الشرط الإنساني الأساس في وضعيات تلك الشخوص المرئية من الخارج، دون أدنى إحالة على علل ذلك الواقع المصاب بتشوهات أمعن الكاتب في نقل ملامحها سردا و وصفا برواية السارد.
· يجد المتلقي نفسه أمام بانوراما اجتماعية مكونة من جزر تكاد أن تكون منفصلة عن بعضها البعض، في غياب التقريب بالتعريف ولو ابتدائيا، لتلك الشخوص التي تم توظيفها في النصوص. لا يعني ذلك أن الكاتب مطالب بتلك التفاصيل في نصه القصصي القصير، فهذا مما تحتمله القصة الطويلة أو الرواية، وإنما يعني إمكانية الاهتمام بتلك الشخوص كدوال أو رموز، يمكن أن تحيل على حمولة أبعد في الدلالة و أعمق في التصوير.
· و إلا كيف سيسعف حضور الشخصية على امتداد المتون السردية، في دفع القارئ للانخراط في الفهم والتأويل لوجودها المأزوم في الغالب، و هي لا تعدو أن تكون علامات في الطريق، تمر أمام السارد كشريط من الصور الثابتة، بحيث لا تعدو كثير من الشخصيات الواردة في النصوص القصصية، أن تحتل دور المعينات في البناء المشهدي على طريقة الكمبارس في المسرح أو السينما.
· و أزعم أن الحضور العرضي للدين و المرأة والسياسة بين تفاصيل الواقع الهامشي، إنما يندرج ضمن ملمح سكوت المجموعة عن خبايا الصراع غير المعلن في ذلك الواقع. ولست أنتقد تغييب الكاتب للصراع كمحرك قابل للاستثمار في التطور بحدثية القصة القصيرة، اعتقادا مني بأن تجاوز مظاهره أو تمظهراته، قد يكون اختيارا يعكس رؤية الكاتب للمحتوى السردي، إن لم يكن تعبيرا عن موقف من حقيقة ذلك الصراع نفسه، باعتباره في حكم العدم مثلا، لكني أتساءل عن الرهان المستهدف لدى الكاتب من وراء خروجه إلى الناس بنصوصه، في غياب وضوح الرسالة، على اعتبار أن الإبداع في النهاية، يتجاوز وظيفة العرض بالصورة، إلى تلك الإيحاءات الرمزية القابلة لإثارة الحاجة إلى التفكير قبل خلق الإحساس بالرغبة في التغيير.
· و ما أظنه على سبيل الاقتناع المبدئي، هو أن القصة القصيرة عند الكاتب" حسن الرموتي" في مجموعته" مملكة القطار"، تراهن على تجديد محتواها الحكائي قبل الانشغال بهواجس بنائها الفني، في ضوء المتداول حول خصوصيتها المعلقة على مشجب التعدد و التنوع في الرؤى لميكانيزماتها السردية. لذلك، تحقق المجموعة متعة التلقي على مستوى حدثيتها الغرائبية بأبعادها الرمزية، من خلال تجاوز إعادة إنتاج المعنى المعقول وهميا، لفائدة المحتوى اللامعقول واقعيا.
· كم تمنيت أن يطول بي المقام في " مملكة القطار" لولا إكراه ظروف حالت بيني وبينها، بعدما أسعفتني نصوصها بمتعة التلقي، ولم تسعفني العبارة عن إيفائها حقها من التأمل أبعد مما استطعت.
==============
(1) _ " مملكة القطار" للكاتب المغربي المعاصر " حسن الرموتي " الطبعة الأولى شهر يونيو 2011 عن دار النشر التنوخي بالرباط / المغرب.