نوافذ مشرعة...
سندع امر النافذة إلى حين، سينتبه لها بعد فترة، أما الآن، فهو مضطجح على فراشه الوتير، يترك له أمر دغدغته بلذة،
يستحلي الرقاد عليه، لكنه لا يفعل سوى الاستلقاء حتى يتمكن من متابعة أخبار
الشاشة الصغيرة، و ما تحمله من جديد، و قبل أن تحل ساعة البت، يسترجع أيام
الرقاد على الحصير، مازالت علاماته راسخة في ذاكرة جسده المعطوب بكثرة الألم
الظاهر كل مرة على شاكلة اعوجاج في الظهر. ينظر غير مركز إلى ما حوله، ها قد
امتلك سكنا لائقا بعد مسيرة عمل مضن و تقشف شديد اللهجة على جيبه المتبتل بالنقود. أن تمتلك سكنا معناه أن تكون مواطنا، فالمتشرد لا وطن له، و لا انتماء له، و لا روابط تجمعه بغيره، أن تمتلك مسكنا، معناه، أن تسكن المواجع، و أن تعبر عن قدرتك في انتزاع قطعة أرضية و إن صغرت، بدهاء و مهارة، شبيهة بعض عملاق إسمنتي بارد لأخذ قضمة تمتعك و لا تضره إذ لا تحدث به ألما. فسيحة هي قاعة الجلوس، و شاشتها الفضية مسطحة يمكنه التحكم فيها عن بعد، و زوجته الجميلة تضفي جمالا على المكان و دفئا ينسيه جفاف أيامه الصقيع. و ابنته الكريمة التي يفتخر بها و بتكوينها، يفاخر الآباء بها و بما تسكسبه من علم في شتى المجالات، رغم أنها مازالت صغيرة السن، إذ لم تتجاوز السابعة من عمرها، و تتقن الفرنسية و الأنجليزية، تتحدث بهما بطلاقة، و إن كانت في العربية تتلعثم، فالأمر بالنسبة له غير مهم. و حين حلت نشرة المساء، ركز كل أنظاره و ذهنه ليتابع الجديد محليا و عالميا... أخبار مؤلمة و مفزعة، في تلك اللحظة ثم طرق وعيه غياب ابنته ، نظر إلى كل الاتجاهات يستحلبها من دون نتيجة، فقد كان ضرع المكان خاليا من حليب وجودها. حينها تذكر النافذة.
صحيح أن قلبه اختلج، و انتابته أفكار سوداء هي بنت هذا الزمن القبيح و وليدة أحداث كثيرة فاحت روائحها، و لذا، سارع إلى فتح النافذة التي ظلت مغلقة طيلة استغراقه في الاستمتاع بلحظات الرفاهية الباسطة جناحيها على الغرفة المنارة بشمع الرضا.
رأى طفلته المعجزة تجلس على فخذ الشاب الذي يسكن قريبا من منزله. كان يجلس على صندوق خضر من خشب شبيه بصندوقه الذي كان يقتعده أيام شبابه حيث الطاقة و فائض الرغبة، ربما جاء به من الخزنة التي وضعه فيها، لكن، كيف وصل إليه؟ ربما هو محض تشابه لا غير، و ربما هو سخرية القدر يأبى إلا أن يعيد للذاكرة جراحها. انطوى على ذاته و غاص في بئر ذكرياته، و بسرعة أقفل غطاءها و طمرها من جديد في أعماقه، فعل ذلك بتقزز كما لو أنه يقفل بالوعته بإحكام حتى لا تفيض مياهها النتنة. شرع الباب على مصراعية و برشاقة و خفة انتزع ابنته من الشاب الذي تفاجأ ففغر فاه. ظلت بقعة جلوسها مرتسمة على الفخذ و قد امتلأ بشيء صلب ، شبيه بثعبان، ظل
يضطرب و يتحرك ملتويا كمثل ذيل الوزغة المقطوع. كما أن عينيه ظلتا تدوران في محجريهما تنبضان سؤالا عن سبب قطع بث أحلامه بعنف و هو الذي كان قاب قوسين أو
أدنى من تخفيف توتره المشتعل باستمرار، فمشاهد اليومي و التلفاز تزيد من ارتفاع ضغطه و التستيرون لا مجال له سوى التفريغ.
كان الأب المفجوع، أو الذي كاد يكون كذلك، يتابع أحلام الشاب المجهضة بتشف بين.
استدار، و بركلة من رجله الميمونة، ضرب قلب نفسه فتكسر ماضيه النتن.
تعليق