
الحمد لله خالق الانسان و معلمه البيان بالعربية أفضل لسان الأكوان بلا ادعاء ولا بهتان.
ثم أما بعد، نشرع بحول الله وقوته، ابتداء من هذا اليوم في نشر مقالات الشيخ المغربي الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله تعالى و التي جمعها في كتابه الموسوم بـ "تقويم اللِّسانين"، اللسان والقلم، نصحا لمن يهمه الأمر من الكُتَّاب والأدباء الناثرين و الشعراء، و سنعرف لاحقا بالشيخ الجليل إن شاء الله تعالى، ومن أرد الاطلاع على ترجمته فلينظر الرابط التالي:
ترجمة الشيخ محمد تقي الدين الهلالي
(رحمه الله تعالى وغفر له وعفا عنه)
هذا و ما قد يأتي في النص بين [...] فهو من إضافاتي الضرورية لتوضيح النص و تنظيمه.
*******
ولم يزل علماء اللغة معتنين بهذا الموضوع، باذلين جهدهم في تنظيف الإنشاء العربي من الألفاظ الدخيلة، والتعابير الثقيلة. وقد الف في ذلك الإمام أبو محمد القاسم بن علي الحريري كتابا نفيسا سماه (درة الغواص في أوهام الخواص) وهو مطبوع متداول. وأف الشهاب الخفاجي كتاب (شفاء العليل في العامي والمولد الدخيل) وألف الشيخ ابراهيم اليازجي الناقد البصير كتابا سماه (لغة الجرائد) وألف الأديب أسعد داغر في ذلك كتابا سماه ( تذكرة الكاتب) وقد بدا لي أن أكتب مقالات في هذا الموضوع أداء لواجب لغة الضاد، وصونا لجمالها من الفساد، راجيا أن ينفع الله بما أكتبه تلامذتي في الشرق والمغرب وفي أوربا، وأنا على يقين أنهم يتلقون ما أكتبه بشوق وارتياح. وكذلك رفقائي الكتاب المحافظون يستحسنون ذلك.
أما الكتاب الذين يكرهون التحقيق ويرخون العنان لأقلامهم بدون تبصر ولا تمييز
بين غث وسمين، وكدر ومعين، فإنهم سيستثقلون هذا الانتقاذ وقد يعدونه تكلفا وتنطعا، وتقييدا للحرية- بزعمهم- فلهؤلاء أقول: أني لم أكتب لكم، فما عليكم إلا ان تمروا على ما اكتب مرور الكرام وتدعوه لغيركم الذين يقدرونه حق قدره. وهذا أوان الشروع في المقصود، وبالله أستعين، فهو نعم النصير ونعم المعين.
1- الكاف الدخيلة الاستعمارية
أما تسميتها دخيلة، فلا إشكال فيه، لأنها لا توجد في الإنشاء العربي الذي قبل هذا الزمان، و أما تسميتها استعمارية، فإنها دخلت في الإنشاء العربي مع دخول الاستعمار البلدان العربية، فإن جهلة المترجمين تحيروا في ترجمة كلمة تجيء في اللغات الأوربية قبل الحال، وهي في الإنجليزية (as) وفي اللغة الفرنسية (comme) وفي الألمانية (ALS) مثال ذلك: "فلان كوزير لا ينبغي أن يتعاطى التجارة"، و "فلان يشتغل في الجامعة كمحاضر"، و"فلان مشهور ككاتب". وهذا الاستعمال دخيل لا تعرفه العرب، ولا يستسيغه ذوق سليم، وليس له في قواعد اللغة العربية موضع ودونك البيان. قال ابن مالك:
شبه بكاف و بها التعليـل قـد = يعنـي وزائدا لتوكيـد ورد.
1- التشبيه:
كقول المتنبي في ممدوحه :
كالبحر يقذف للقريـب جواهـرا = جودا ويبعـث للبعيـد سحائبـا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها = يغشى البلاد مشارقـا ومغاربـا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها = يغشى البلاد مشارقـا ومغاربـا
وأركان التشبيه أربعة: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه ؛ فالمشبه في البيتين المذكورين هو الممدوح، والمشبه به، الشمس والبحر، وأداة التشبيه، الكاف، ووجه الشبه، حصول النفع للقريب والبعيد. فالشمس على فرط بعدها من الأرض ينتفع أهل الأرض بضوئها ودفئها وإنضاجها للثمار إلى غير ذلك، فكذلك الممدوح يصل إحسانه إلى من كان بعيدا منه، ولا يقتصر على من كان قريبا منه.
والمشبه في البيت الأول هو الممدوح، والمشبه به هو البحر، وأداة التشبيه هي الكاف، ووجه الشبه، وصول الإحسان إلى القريب والبعيد، فالقريب يستخرج الجواهر من البحر، والبعيد ينتفع بمطر السحائب الناشئة من البحر، فكذلك الممدوح يعطي من كان حاضرا عنده الجوائز والصلات ويبعث بها إلى من كان بعيدا عنه، وبهذا تعلم أن الكاف الاستعمارية لا يجوز أن تكون للتشبيه البتة لعدم وجود أركانه.
2- التعليل:
تجيء الكاف للتعليل كقوله تعالى في سورة البقرة/198 {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين} أي واذكروا الله لأنه هداكم.
3- [الزيادة]:
أن تكون زائدة إذا دخلت على كلمة بمعناها، وجعل منه قوله تعالى في سورة الشورى/11 { ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير} فإن قلت :"إن كانت زائدة لا فائدة في ذكرها، فلماذا جاءت في القرآن؟" فالجواب، "أن فائدتها التوكيد، وإنما سميت زائدة، لأن الكلام يتم بدونها، كما تزاد (من) للتوكيد كقوله تعالى في سورة المائدة/19 {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} فمن هنا زيدت لتوكيد النفي، ولو حذفت لكان الكلام تاما.
4- [الكاف اسما]:
أن تكون اسما بمعنى مثل كقول الشاعر:
اتنتهـون ولن ينهـى ذوي شطـط = كالطعن يذهب فيه الزيت والفتـل.
وإنما وقع جهلة المترجمين في هذا الاستعمال الفاسد لضعفهم في اللغتين أو إحداهما فلا يستطيعون إدراك معنى الجملة مجتمعة ليصوغوا في اللغة الأخرى جملة تؤدي المعنى المطلوب بألفاظ جيدة الاستعمال ، واقعة في مواضعها التي يقتضيها النظم الفصيح، وهذا العجز هو الذي يلجئهم إلى أن يبدلوا كل مفرد في إحدى اللغتين بمفرد آخر في اللغة الأخرى فيجيء التركيب فاسدا معوجا لا تستسيغه أذواق الفصحاء في اللغة التي ينقل إليها المعنى وستأتي في هذه المقالات إن شاء الله أمثلة عديدة توضح ذلك.
وليس المترجمون العرب وحدهم هم الذين يقعون في أخطاء الترجمة، بل يقع فيها كبار العلماء الأوربيين، وقد أحصيت الأخطاء الموجودة في ترجمة ( جورح سيل) للقرآن الكريم بالإنجليزية فوجدت في الجزء الأول وحده، وهو حزبان بتجزئة المغاربة ستين خطأ و( جورج سيل) مستشرق انكليزي كبير، وقد تبعه من بعده المترجمين في أخطائه، حتى الأستاذ( محمد مار ماديوك بكثال) المسلم الإنجليزي رحمه الله تبعه في أول خطأ كبير ارتكبه، وقد ناظرته في ذلك مناظرة طويلة حتى اقتنع ورجع عن خطئه، وكان ذلك في ترجمة قوله تعالى في سورة البقرة/13 (ألا إنهم هم السفهاء، ولكن لا يعلمون) فإنهما ترجماها بما معناه (أليسوا سفهاء) وسبب وقوعهما في هذا الخطأ عدم التمييز بين (ألا) الاستفتاحية البسيطة، و( ألا) المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية، فإن (ألا) في قوله تعالى : { ألا إنهم هم السفهاء} استفتاحية خالية من النفي يجب أن تترجم بلفظ انكليزي يدل على التوكيد ومثال المركبة الذي أوردته على الأستاذ الإنكليزي المذكور فاقتنع بوجود الفرق بين الكلمتين قوله تعالى في سورة الملك/14 {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.
وليس كل الكتاب البلغاء في العصر الحاضر يتورطون في استعمال الكاف الاستعمارية فإن فيهم طائفة من عليتهم لا تشين إنشاءها بذلك الاستعمال" اهـ.
وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى، وإن كان في العمر بقية و الإرادة قوية.
تعليق