الصغيــــــــــــــــــــــــــــــرُ ( قصيصة) ابراهيم ابويه .
انحدر من هضبةٍ تطل على قريته الصغيرة وكأنه يهرب من لحظة الغروب التي انغمست صورة قديمة منها داخل جمجمة رأسه ، ثم اختفى داخل الكوخ الذي اختاره كمنفى أخير ...
فتح شرفته الصغيرة على ما تبقى من ضوء تبعثه نجوم بعيدة ، وأَجلَسَ صديقه الذي كان قد صنعه من بقايا تبن تركه القطيع ، وألبسه ثيابا لم يعد يستعملها . لا أعرف السر في كل ذلك ، ولكن الرجل بعدما أشعل سيجارته السوداء ، ابتسم لصديقه ابتسامته المعتادة ، و بادره بالسؤال :
- لا بد أنك اشتقتَ للجلوس ، وتعرف أني كنت بالجبل ، لذلك لا تلمني إن تركتك وحيدا هذا اليوم ، مستلقيا على هذا الحصير .
نظر إلى التبن الذي اتخذ الشكل الآدمي داخل اللباس ، وحوَّل بصره إلى الشرفة المفتوحة على الليل . فعل ذلك لأنه تخيل الألم الذي تسببه لصديقه الذي يجلس في الكرسي المقابل له ، فانزلقت دموع ،دون أن تستأذنه ، لتنام على أرضية الكوخ الترابية .
ساعده نور النجوم على استعادة بعض ملامح الهدوء على وجهه ثم انتشل كتلة التبن من شرودها :
- كان الكوخ يبدو صغيرا جدا وأنا أراه من قمة الهضبة التي كنا نمتطيعا معاً ، حتى إني تأملت تلك الصورة التي بدت القرية عليها من هناك ، فاكتشفت أن العالم كبير جدا ، وصغير في نفس الوقت ... كبير لأننا صغار ، وصغير لأننا نتكلم عنه بحزمة من كلمات نعتقد أننا اعتقلناه بداخلها . من تلك القمة كنتُ أتخيلك صامتا تنتظر هدير الباب الذي سيُفتَحُ ، والصوت الذي سيُلقي تحية المساء ، والشرفة التي ستنير ظلام المكانِ . لقد كان الكوخ أصغرَ مما تصورته ، لذلك بدا لي امتداد السماء كبيرا جدا ، وبدَتْ لي الحقول البعيدة كأنها سراب من عدمْ .
- هل ما زلتَ تحب البحر يا صديقي ؟ هل تتمنى دائما أن تكون كائنا بحريا شفافا يعيش في الأعماق البعيدة ؟ طبعا أنت ما زلت تفكر في تلك الأمنيات . لا أعتقد أن تبن البهائم قد غيّر من تفكيرك يا صديقي الأبدي .
ظل الصديق وفيّا لصمته ، فهو حزين الآن ، ربما أن حشراتٍ قد استوطنت تِبنَه ، وشرعت تلتهم أحشاءه التبنية بنظام مبالغ فيه . السيجارة تحرق أصابع الرجل وهو غير منتبه للألم الخفيف الذي تسببه السيجارة ، فالحواس كلها رحلت إلى النجوم ، وما تبقى منها ينظر إلى الكائن التبني الذي اختار لوحة حزينة صامتة ورسمها على شكل وجهه المصنوع من شجر الصنوبر .
اقترب الصديق من الصديق وعانقه بقوة حتى اندلعت بينهما نار المحبة التي اختزل معالمها عود ثقاب ، جاعلا من الكوخ الصغير مقبرة مضيئة في ثنايا ليل القرية الطويل .
انحدر من هضبةٍ تطل على قريته الصغيرة وكأنه يهرب من لحظة الغروب التي انغمست صورة قديمة منها داخل جمجمة رأسه ، ثم اختفى داخل الكوخ الذي اختاره كمنفى أخير ...
فتح شرفته الصغيرة على ما تبقى من ضوء تبعثه نجوم بعيدة ، وأَجلَسَ صديقه الذي كان قد صنعه من بقايا تبن تركه القطيع ، وألبسه ثيابا لم يعد يستعملها . لا أعرف السر في كل ذلك ، ولكن الرجل بعدما أشعل سيجارته السوداء ، ابتسم لصديقه ابتسامته المعتادة ، و بادره بالسؤال :
- لا بد أنك اشتقتَ للجلوس ، وتعرف أني كنت بالجبل ، لذلك لا تلمني إن تركتك وحيدا هذا اليوم ، مستلقيا على هذا الحصير .
نظر إلى التبن الذي اتخذ الشكل الآدمي داخل اللباس ، وحوَّل بصره إلى الشرفة المفتوحة على الليل . فعل ذلك لأنه تخيل الألم الذي تسببه لصديقه الذي يجلس في الكرسي المقابل له ، فانزلقت دموع ،دون أن تستأذنه ، لتنام على أرضية الكوخ الترابية .
ساعده نور النجوم على استعادة بعض ملامح الهدوء على وجهه ثم انتشل كتلة التبن من شرودها :
- كان الكوخ يبدو صغيرا جدا وأنا أراه من قمة الهضبة التي كنا نمتطيعا معاً ، حتى إني تأملت تلك الصورة التي بدت القرية عليها من هناك ، فاكتشفت أن العالم كبير جدا ، وصغير في نفس الوقت ... كبير لأننا صغار ، وصغير لأننا نتكلم عنه بحزمة من كلمات نعتقد أننا اعتقلناه بداخلها . من تلك القمة كنتُ أتخيلك صامتا تنتظر هدير الباب الذي سيُفتَحُ ، والصوت الذي سيُلقي تحية المساء ، والشرفة التي ستنير ظلام المكانِ . لقد كان الكوخ أصغرَ مما تصورته ، لذلك بدا لي امتداد السماء كبيرا جدا ، وبدَتْ لي الحقول البعيدة كأنها سراب من عدمْ .
- هل ما زلتَ تحب البحر يا صديقي ؟ هل تتمنى دائما أن تكون كائنا بحريا شفافا يعيش في الأعماق البعيدة ؟ طبعا أنت ما زلت تفكر في تلك الأمنيات . لا أعتقد أن تبن البهائم قد غيّر من تفكيرك يا صديقي الأبدي .
ظل الصديق وفيّا لصمته ، فهو حزين الآن ، ربما أن حشراتٍ قد استوطنت تِبنَه ، وشرعت تلتهم أحشاءه التبنية بنظام مبالغ فيه . السيجارة تحرق أصابع الرجل وهو غير منتبه للألم الخفيف الذي تسببه السيجارة ، فالحواس كلها رحلت إلى النجوم ، وما تبقى منها ينظر إلى الكائن التبني الذي اختار لوحة حزينة صامتة ورسمها على شكل وجهه المصنوع من شجر الصنوبر .
اقترب الصديق من الصديق وعانقه بقوة حتى اندلعت بينهما نار المحبة التي اختزل معالمها عود ثقاب ، جاعلا من الكوخ الصغير مقبرة مضيئة في ثنايا ليل القرية الطويل .
تعليق