الصغيــــــــــــــــــــــــــــــرُ ( قصيصة) ابراهيم ابويه .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم ابويه
    قاص وباحث لغوي
    مستشار أدبي
    • 14-11-2008
    • 200

    الصغيــــــــــــــــــــــــــــــرُ ( قصيصة) ابراهيم ابويه .

    الصغيــــــــــــــــــــــــــــــرُ ( قصيصة) ابراهيم ابويه .

    انحدر من هضبةٍ تطل على قريته الصغيرة وكأنه يهرب من لحظة الغروب التي انغمست صورة قديمة منها داخل جمجمة رأسه ، ثم اختفى داخل الكوخ الذي اختاره كمنفى أخير ...
    فتح شرفته الصغيرة على ما تبقى من ضوء تبعثه نجوم بعيدة ، وأَجلَسَ صديقه الذي كان قد صنعه من بقايا تبن تركه القطيع ، وألبسه ثيابا لم يعد يستعملها . لا أعرف السر في كل ذلك ، ولكن الرجل بعدما أشعل سيجارته السوداء ، ابتسم لصديقه ابتسامته المعتادة ، و بادره بالسؤال :
    - لا بد أنك اشتقتَ للجلوس ، وتعرف أني كنت بالجبل ، لذلك لا تلمني إن تركتك وحيدا هذا اليوم ، مستلقيا على هذا الحصير .
    نظر إلى التبن الذي اتخذ الشكل الآدمي داخل اللباس ، وحوَّل بصره إلى الشرفة المفتوحة على الليل . فعل ذلك لأنه تخيل الألم الذي تسببه لصديقه الذي يجلس في الكرسي المقابل له ، فانزلقت دموع ،دون أن تستأذنه ، لتنام على أرضية الكوخ الترابية .
    ساعده نور النجوم على استعادة بعض ملامح الهدوء على وجهه ثم انتشل كتلة التبن من شرودها :
    - كان الكوخ يبدو صغيرا جدا وأنا أراه من قمة الهضبة التي كنا نمتطيعا معاً ، حتى إني تأملت تلك الصورة التي بدت القرية عليها من هناك ، فاكتشفت أن العالم كبير جدا ، وصغير في نفس الوقت ... كبير لأننا صغار ، وصغير لأننا نتكلم عنه بحزمة من كلمات نعتقد أننا اعتقلناه بداخلها . من تلك القمة كنتُ أتخيلك صامتا تنتظر هدير الباب الذي سيُفتَحُ ، والصوت الذي سيُلقي تحية المساء ، والشرفة التي ستنير ظلام المكانِ . لقد كان الكوخ أصغرَ مما تصورته ، لذلك بدا لي امتداد السماء كبيرا جدا ، وبدَتْ لي الحقول البعيدة كأنها سراب من عدمْ .
    - هل ما زلتَ تحب البحر يا صديقي ؟ هل تتمنى دائما أن تكون كائنا بحريا شفافا يعيش في الأعماق البعيدة ؟ طبعا أنت ما زلت تفكر في تلك الأمنيات . لا أعتقد أن تبن البهائم قد غيّر من تفكيرك يا صديقي الأبدي .
    ظل الصديق وفيّا لصمته ، فهو حزين الآن ، ربما أن حشراتٍ قد استوطنت تِبنَه ، وشرعت تلتهم أحشاءه التبنية بنظام مبالغ فيه . السيجارة تحرق أصابع الرجل وهو غير منتبه للألم الخفيف الذي تسببه السيجارة ، فالحواس كلها رحلت إلى النجوم ، وما تبقى منها ينظر إلى الكائن التبني الذي اختار لوحة حزينة صامتة ورسمها على شكل وجهه المصنوع من شجر الصنوبر .
    اقترب الصديق من الصديق وعانقه بقوة حتى اندلعت بينهما نار المحبة التي اختزل معالمها عود ثقاب ، جاعلا من الكوخ الصغير مقبرة مضيئة في ثنايا ليل القرية الطويل .
  • عاشقة الادب
    أديب وكاتب
    • 16-11-2013
    • 240

    #2
    الوحدة قد تجعل البعض يخترع صديقا وهميا
    لكن اضن هطا الانسان فيه اكتئاب وحزن دفين دمر حياته حتى نهايتها
    ابدعت ايها القاص المميز
    تحياتي

    تعليق

    • ابراهيم ابويه
      قاص وباحث لغوي
      مستشار أدبي
      • 14-11-2008
      • 200

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عاشقة الادب مشاهدة المشاركة
      الوحدة قد تجعل البعض يخترع صديقا وهميا
      لكن اضن هطا الانسان فيه اكتئاب وحزن دفين دمر حياته حتى نهايتها
      ابدعت ايها القاص المميز
      تحياتي
      شكرا لمرورك عاشقة الأدب .

      تعليق

      • عبير هلال
        أميرة الرومانسية
        • 23-06-2007
        • 6758

        #4
        صراحة نصك مدهش

        لك أسلوب رائع بالسرد


        كنت هنا لأسجل إعجابي

        بورك قلبك وقلمك

        أيها المبدع
        sigpic

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          الجميل في هذا النص إضافة للغته البديعة وأسلوب السرد المشوّق .
          الجميل هو لحظة التأمل التي تنتاب المتلقي بعد قرائته للنص
          وكأنه يدفع بنفسه بعيدا عن الظرف الذي ساق بطل النص
          إلى هذه اللحظة من اليأس .
          تحياتي لك أخي إبراهيم
          فوزي بيترو

          تعليق

          • ابراهيم ابويه
            قاص وباحث لغوي
            مستشار أدبي
            • 14-11-2008
            • 200

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
            صراحة نصك مدهش

            لك أسلوب رائع بالسرد


            كنت هنا لأسجل إعجابي

            بورك قلبك وقلمك

            أيها المبدع
            القارئة المتميزة عبير هلال ، تحية طيبة . نحن نكتب لأننا نحس بشيء بداخلنا يكاد يلتهمنا ، نطرده بعيدا ، ونجعل الآخرين يقتسمون معنا هذا الإحساس على طريقتنا التي نرمي لجعلها تلبس ثوبا جماليا لائقا . يسعدني مرورك الجميل .

            تعليق

            • ابراهيم ابويه
              قاص وباحث لغوي
              مستشار أدبي
              • 14-11-2008
              • 200

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
              الجميل في هذا النص إضافة للغته البديعة وأسلوب السرد المشوّق .
              الجميل هو لحظة التأمل التي تنتاب المتلقي بعد قرائته للنص
              وكأنه يدفع بنفسه بعيدا عن الظرف الذي ساق بطل النص
              إلى هذه اللحظة من اليأس .
              تحياتي لك أخي إبراهيم
              فوزي بيترو
              القاص المتميز والصديق العزيز فوزي سليم بيترو ، بصراحة ، بدوري اكتشفت هذه المسافة التي يحاول القارئ زرعها بينه وبين مصير السارد . جميل هذا الاكتشاف وعميق . محبتي وكثير من التقدير.

              تعليق

              • عبد الرحمن محمد الخضر
                أديب وكاتب
                • 25-10-2011
                • 260

                #8
                النص يسترعيك .. أسلوب مغامر آخاذ .. صياعة حلمية للقص , أن نتمكن من صنع بيئتنا كما في الاحلام , ألا نترك للاحلام مطلق تصرفها بنا وفينا , أن نحلم نحن ومن أدوات الواقع ذاته لنخلق موازيا للأعماق .. معجب أنا بهذا النص

                تعليق

                • ابراهيم ابويه
                  قاص وباحث لغوي
                  مستشار أدبي
                  • 14-11-2008
                  • 200

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرحمن محمد الخضر مشاهدة المشاركة
                  النص يسترعيك .. أسلوب مغامر آخاذ .. صياعة حلمية للقص , أن نتمكن من صنع بيئتنا كما في الاحلام , ألا نترك للاحلام مطلق تصرفها بنا وفينا , أن نحلم نحن ومن أدوات الواقع ذاته لنخلق موازيا للأعماق .. معجب أنا بهذا النص
                  المبدع والقارئ الجيد أستاذ عبد الرحمن محمد الخضر، تحية طيبة .
                  هذه رؤية عميقة لمفهوم السرد الذي يعتمد الخيال لغايات أخرى ترتبط بالتصورات والمواقف . الحلم ابن الواقع ، منه يستمد أدواته الفانطاستيكية ليمنحه حياة جديدة داخل النص . يسعدني أنه راقك . محبتي والتقدير .

                  تعليق

                  يعمل...
                  X