صراع في الأعماق
السماء على غير عادتها في مثل هذا اليوم من السنة ترتدي ثوبها القرمزي وتسعل مجاهدة التخلص من الدخان الكثيف
الذي تجرعته رغماً عنها..كان يجرهُ بتوتر فائق.. نظراته مرتابة يسير قليلاً.. يتوقف . يتمنى أن يمنحهم ابتسامته
الساخرة الصغيرة التي اعتادت أن تصدر من شفتيه إن أمسكوه متلبساً ..لكن حتى هذه الخدعة لم يحن موعدها .
أصوات الانفجارات تلاحقه بكل الاتجاهات .. يكاد القمر ينبثق من فم سحابة يرتدي السواد حلتها.
لا مجال لوجود شقائق النعمان حتى تزرع قبلتها الحانية على ما تبقى من رمز للحياة في هذا الركن الكئيب
من الكرة الأرضية. استيقظ المصاب وقال له بغضب: اتركني هنا واهرب بجلدك قبل فوات الأوان.. أنا ميت
لا محالة بينما أنت باستطاعتك الهرب والنجاة بحياتك . لو كنت مكانك لتركتك ونجوت بجلدي .
صدرت أنة عن المريض تبعها سعالٌ حاد ونزيف..
- إما أن نحيا معاً او نموت معاً.
إن لم نمت بسببهم فستقتلنا الثلوج.
_ لن ينتصر علينا أي شيء.. سأنقذنا لا تقلق.
كانت الثلوج تلمع ..تتأهب للهبوط على الأرض في غفلة علها تفاجيء من لم يتحصن..
تجمّد الدم في عروق سالم حينَ سمع صوت على مقربةٍ منه.. همسَ لعدنان
أن يلتزم الصمت .. تركه وزحف للأمام .. أشار بيده لعدنان أن يهدأ
وعاد إليه: إنهم مجموعة من الصبية يشوون الطيور على النار
ويصطلون بدفئها .. بعد قليل سيغادرون . المساء .. !
المساء بستاره الفضي قد أوشك على الظهور . _ لنرتدي معاطفنا يا عزيزتي
قبل ان نتجمد. سارة يا ذات المعطف الأخضر .. لنرقصْ معاً فلم يبقَ إلا القليل . حبيبك قد لثمته نفحات الصقيع.
- توقفْ عن الكلام .. أنت بحاجة للراحة ودعني أتولى أمر العناية بك.
- سارة الحبيبة، اقتربي مني أكثر ..عانقيني وغني لي يا صغيرتي.
- يا إلهي .. !! الحمّى تسيطر عليه .. يجب أن أجدَ طبيباً..
دعْه يموت ..دعْه يموت .. كان الصوت يضرب جدران دماغه .. ألم يكن هوَ من حاول قتلك
لأنك طالبته بالأرض..مع أنكما جيران وأبناء عمومة.. اتركه هنا واهرب قبل فوات الآوان.. العواصف الثلجية
ستجتاح المنطقة.. ما بين غريق و قتيل و دماء ستلطخ كل بقاع الأرض ..انجُ طفلي .. انجُ
قبل أن تبيت وجبة فاخرة لمن يهمه الأمر.
توقفت الأصوات الهادرة عن الضجيج.. تنفس سالم الصعداء وحمل عدنان على كتفه
وتوجه به أسفل المنحدر حيث كان يجلس الفتية ... وجد كوخ بالقرب من المكان .
وضع عدنان المتصبب عرقاً على الأرض ..حمل البندقية بيده .. تفقد الكوخ ليتأكد
من خلوِّه .. ثم عاد للخارج وساعد عدنان على دخول الكوخ . الأجفان ثقيلة
والمسافة طويلة والبيوت أبعد من التصور .. العقل البشري لا يستطيع رؤية ما
سيحدث مستقبلاً .. عقلي مثقل بالأفكار .. أميرتي متى سأراها .. ؟ وهل سأراها .. ؟
لا مجال للنوم .. يجب أن أنقذَه.. يجب ألّا يموت .. كانت الطبيعة في عراك صامت
مع الثلوج التي ما تكاد تلمس الأرض حتى تثور و تصخب و بعدها تذوب بحزن
ملك متقشف .. سأستغل وجود الضباب وأذهب .. انحنى على عدنان
و قبل جبينه وهمس له : لا تقلق !! سيجدونك ، وحتماً سيعتنون بك . و غادر ..
- سارة حبيبتي، ضعي منديلك على جبيني ..الصداع قاتل ..
ركضَ سالم بخفة فهد ساعات طوال .. كانَ الضباب حليفهُ كتوقعه.. عاوده
الصوت: أخيراً طفلي الحبيب ستكون الأرض من نصيبك.. لم يبقَ إلا
بضع خطوات وينتهي كابوسك.. بضع خطوات فقط لنعدَّها معاً واحد .. اثنين ..
-عدنان .. عدنان استيقظْ .. أحضرتُ لك الطبيب.
- لماذا عدت ؟
- انهضْ وانظرْ للخارج.. انقشعَتِ الغيوم .. الدنيا تمطر .. السماء صافية .. وسارة تنتظرك..
- أنت تنزف بغزارة ..
-لا عليك مني .. قال سالم وهو يحاول مغالبةَ الآلآم الفظيعة التي
تجتاح كيانه ..وصلتُ بعد الخطوة العاشرة وبقيتْ لي خطوة.. الخطوة
الأخيرة ..ظهر جندي من الفراغ وتأمل ملامحي مطولاً ..كنتُ أسرع منه لكن.. هذا
لا يهم الآن.. دع الطبيب يعالجك لتمضي من هنا سريعاً..وضع سالم يده على صدره في محاولة
منه لإيقاف الدماء.
- وسارة ، هل ستأتي بثوبها الأبيض .. ؟
- طبعاً .. ستجدها بانتظارك حين تعود
كانَ يقف ُعند شاطئ البحر يستند بيد على عكازه والأخرى
يضعها على الحاجز الصغير ، يتأمل الأنثى الرشيقة التي تلعب
مع طفلهما بالمياه ويضحكان..
- سالم .. سالم ومسح دمعتين فرَّتا من عينيه..
السماء على غير عادتها في مثل هذا اليوم من السنة ترتدي ثوبها القرمزي وتسعل مجاهدة التخلص من الدخان الكثيف
الذي تجرعته رغماً عنها..كان يجرهُ بتوتر فائق.. نظراته مرتابة يسير قليلاً.. يتوقف . يتمنى أن يمنحهم ابتسامته
الساخرة الصغيرة التي اعتادت أن تصدر من شفتيه إن أمسكوه متلبساً ..لكن حتى هذه الخدعة لم يحن موعدها .
أصوات الانفجارات تلاحقه بكل الاتجاهات .. يكاد القمر ينبثق من فم سحابة يرتدي السواد حلتها.
لا مجال لوجود شقائق النعمان حتى تزرع قبلتها الحانية على ما تبقى من رمز للحياة في هذا الركن الكئيب
من الكرة الأرضية. استيقظ المصاب وقال له بغضب: اتركني هنا واهرب بجلدك قبل فوات الأوان.. أنا ميت
لا محالة بينما أنت باستطاعتك الهرب والنجاة بحياتك . لو كنت مكانك لتركتك ونجوت بجلدي .
صدرت أنة عن المريض تبعها سعالٌ حاد ونزيف..
- إما أن نحيا معاً او نموت معاً.
إن لم نمت بسببهم فستقتلنا الثلوج.
_ لن ينتصر علينا أي شيء.. سأنقذنا لا تقلق.
كانت الثلوج تلمع ..تتأهب للهبوط على الأرض في غفلة علها تفاجيء من لم يتحصن..
تجمّد الدم في عروق سالم حينَ سمع صوت على مقربةٍ منه.. همسَ لعدنان
أن يلتزم الصمت .. تركه وزحف للأمام .. أشار بيده لعدنان أن يهدأ
وعاد إليه: إنهم مجموعة من الصبية يشوون الطيور على النار
ويصطلون بدفئها .. بعد قليل سيغادرون . المساء .. !
المساء بستاره الفضي قد أوشك على الظهور . _ لنرتدي معاطفنا يا عزيزتي
قبل ان نتجمد. سارة يا ذات المعطف الأخضر .. لنرقصْ معاً فلم يبقَ إلا القليل . حبيبك قد لثمته نفحات الصقيع.
- توقفْ عن الكلام .. أنت بحاجة للراحة ودعني أتولى أمر العناية بك.
- سارة الحبيبة، اقتربي مني أكثر ..عانقيني وغني لي يا صغيرتي.
- يا إلهي .. !! الحمّى تسيطر عليه .. يجب أن أجدَ طبيباً..
دعْه يموت ..دعْه يموت .. كان الصوت يضرب جدران دماغه .. ألم يكن هوَ من حاول قتلك
لأنك طالبته بالأرض..مع أنكما جيران وأبناء عمومة.. اتركه هنا واهرب قبل فوات الآوان.. العواصف الثلجية
ستجتاح المنطقة.. ما بين غريق و قتيل و دماء ستلطخ كل بقاع الأرض ..انجُ طفلي .. انجُ
قبل أن تبيت وجبة فاخرة لمن يهمه الأمر.
توقفت الأصوات الهادرة عن الضجيج.. تنفس سالم الصعداء وحمل عدنان على كتفه
وتوجه به أسفل المنحدر حيث كان يجلس الفتية ... وجد كوخ بالقرب من المكان .
وضع عدنان المتصبب عرقاً على الأرض ..حمل البندقية بيده .. تفقد الكوخ ليتأكد
من خلوِّه .. ثم عاد للخارج وساعد عدنان على دخول الكوخ . الأجفان ثقيلة
والمسافة طويلة والبيوت أبعد من التصور .. العقل البشري لا يستطيع رؤية ما
سيحدث مستقبلاً .. عقلي مثقل بالأفكار .. أميرتي متى سأراها .. ؟ وهل سأراها .. ؟
لا مجال للنوم .. يجب أن أنقذَه.. يجب ألّا يموت .. كانت الطبيعة في عراك صامت
مع الثلوج التي ما تكاد تلمس الأرض حتى تثور و تصخب و بعدها تذوب بحزن
ملك متقشف .. سأستغل وجود الضباب وأذهب .. انحنى على عدنان
و قبل جبينه وهمس له : لا تقلق !! سيجدونك ، وحتماً سيعتنون بك . و غادر ..
- سارة حبيبتي، ضعي منديلك على جبيني ..الصداع قاتل ..
ركضَ سالم بخفة فهد ساعات طوال .. كانَ الضباب حليفهُ كتوقعه.. عاوده
الصوت: أخيراً طفلي الحبيب ستكون الأرض من نصيبك.. لم يبقَ إلا
بضع خطوات وينتهي كابوسك.. بضع خطوات فقط لنعدَّها معاً واحد .. اثنين ..
-عدنان .. عدنان استيقظْ .. أحضرتُ لك الطبيب.
- لماذا عدت ؟
- انهضْ وانظرْ للخارج.. انقشعَتِ الغيوم .. الدنيا تمطر .. السماء صافية .. وسارة تنتظرك..
- أنت تنزف بغزارة ..
-لا عليك مني .. قال سالم وهو يحاول مغالبةَ الآلآم الفظيعة التي
تجتاح كيانه ..وصلتُ بعد الخطوة العاشرة وبقيتْ لي خطوة.. الخطوة
الأخيرة ..ظهر جندي من الفراغ وتأمل ملامحي مطولاً ..كنتُ أسرع منه لكن.. هذا
لا يهم الآن.. دع الطبيب يعالجك لتمضي من هنا سريعاً..وضع سالم يده على صدره في محاولة
منه لإيقاف الدماء.
- وسارة ، هل ستأتي بثوبها الأبيض .. ؟
- طبعاً .. ستجدها بانتظارك حين تعود
كانَ يقف ُعند شاطئ البحر يستند بيد على عكازه والأخرى
يضعها على الحاجز الصغير ، يتأمل الأنثى الرشيقة التي تلعب
مع طفلهما بالمياه ويضحكان..
- سالم .. سالم ومسح دمعتين فرَّتا من عينيه..
تعليق