_______________ تمّ الاِستنساخ بإذنه تعالى بتاريخه و هي ثالث قصة العائدة لمجموعة خمس قصص في هذا الجنس الأدبي من تأليف التسعينات، أنشرها لكي لا تبقى حبيسة الرّفّ و الدفتر و بالله المستعان __________________________________________________ __________________________________________(( قَابِيْلْ )) ١٩٩٢___________تأليف أشجان سهاج (ذكر لا أنثى)_______________
استمعت لأحد رجال الدين في إحدى الأمسيات و هو يروي قصة ابن آدم: قابيل، فلا أذكر موقفي هذا إلا استرجعت أحاسيس الرهبة، و تمثلت آلام الضمير، و الآن أروي القصة لكلِّ ذي فكرٍ واسعٍ و نفسٍ هائمة. قال الرجل: "لمّا قُضِيَ على آدمَ بأن يسكنَ الأرضَ و حوّاءَ؛ لِما وقعا فيه من ذنبٍ؛ عرف كلّ منهما الآخرَ، و أنّ َ حوّاءَ زوجُ آدمْ. ثم اتّخذا عاداتِ البشرِ، لا كما في جنان عدْنْ. شعرتْ حواءُ بُأعراض ِالحملِِ، أنجبت بعد ذلك بزمنٍ ابناً سُمِّيَ قابيلُ، ثم قالت: "لقد خلقت إنساناً بمشيئَةِ اللهِ". كان قابيلُ ثالثَ إنسانٍ على وجه الأرض. بعده أنجبت حواءُ هابيلَ، رابعَ إنسانٍ و صلّى آدمُ عليهما. عرفَ آدم ُابناًُ ثالثاً له ُمن حواءَ سُمِّيَ سيت. لم يلبث أنْ أنجبتْ حواءُ لهُ أبناءً كُثُرا. أما قابيل فقد صار بمعونة المولى راعياً صاحبَ قطيعٍ من الأغنام، تسرح في الأراضي المعشبةِ المحيطةِ بكوخِ آدمَ و حواءْ. غدا هابيل مزارعاً، اِتخذ قطعةَ أرضٍ، حرثها و رمى البذار فيها، و أنشأ يحصد قمحها. الشقيقانِ يعملانِ، كُلّ ٌ بما فُطِرَ عليه من أخلاقٍ و عاداتٍ، إلى أن أتى يومٌ هو السبتُ، وجب فيه شكر اللهِ، و أن يقدّمَ كلّ ُ العبادِِ أحسنَ ما لديهم له. قدّم هابيل من محصوله، و قابيلُ من أغنامه، أثنى عندها الله ـ و قد كانا بين يديه ـ على هابيلَ، و لم يُبالِ بقابيلَ فاشتعلَ غيظاً و احْتَدّ، و تآخذَهُ الحقدُ، و انصرف عن وجه الله، و كان هذا أولَ إنسانٍ شعرَ بمثلِ هذا. مرّت أيامٌ سوداءُ على قابيل، لم يحقد على هابيلَ فقط ، بل اغتاظ من أخيه سيت لِما أبداه من ذكاءٍ. هذا النقصُ في قابيلَ، حتى اصطحبَ الشيطانَ، و كان لأشدّ ما يكون له المرءُ من غضبٍ، فباغتَ في النهايةِ هابيلَ على حين غرّةٍ، و طعنه في ظهرهِ، ثم دفنه و فرّ بعيداً. استوقفَ اللهُ قابيلَ قائلاً: "مالك...؟ و أين أخوكَ؟". أخفى قابيلُ رهبَتهُ ثم قال: "يبدو أنني أمَثِّلُهُ و آخذُ مكانَهُ في بعضِ الأمور". قال الله: "مالي أسمعُ دمَ أخيكَ يصرخُ تحت التراب، و يستطْلِبُني. ألا إنكَ لا بدّ قَتلتَه". قال قابيل ُُو قد ارتجفَ صوتُهُ: "عفوَكَ، فما كنتُ بمانِعِ ما ألَمّ بي. أنا ضعيفٌ. عفوَك". فامتلأ المكانُ بصوتِ الرّبِّ: "أنت ملعونٌ ما عِشْتَ، فاذهَبَْ و ضِعْ في الأرضِ، لا جاءَكَ صاحِبٌ، و لتَتْبَعْكَ العَينُ، إلا في الإثْم". و انْقلَبَ اللهُ، و ذاكَ يداهُ تُمسِكانِ رأسَهُ، فما هيَ إلا أنْ جرى حتى رأى عيناً حزينةً حيناً، غاضبةً حيناً آخرَ، بحجمِ إنسانٍ، تتبعُهُ أينما ذهبَ، صغيرةَ البؤبؤِ، محروقةَ الرِّمْشِ، كأنها طوراً لِوَجهٍ تَعِبٍ، و طوراً لِآخرَ يضحكُ من الغضبِ، فارتاعَ و خافَ و جرى. في النهار كان لا يبتعدُ عن ذويهِ لِأجلِ أنّ العينَ تراقبهُ. و الذي جعلهُ أقربَ إلى الجنون أنّ أباهُ آدمَ و أمَهُ حواءَ، لا يريانِ العينَ، و إن كانَ بجانبهما. هو وحدُه يراها، و يحِسّ ُ بها، و يضطربُ لِتعابيرها، فلا يسلكُ لِلوَحدةِ طريقاً أبداً، هو دوماً و أبواه. ما كانَ لِيُحَدِّثَ بذلكَ أحداً، حتى تحَسّرَ الوالدان عليه، و عرفا لهُ مرضاً لا شِفاءَ منهُ، فإذا نامَ التحفَ جيداً، و أغلقَ عينيهِ قَدْرَ المستطاعِ حتى في اليقظةِ، لِئَلا يقعَ نَظَرُهُ على العينِ، فيَفزعَ و يفقِدَ عقلَه. في المساء لا ينام إلا بعد عذابٍ. أينما نظرَ و كيفما اضطجعَ رأى العينَ أمامهُ، فيفِرّ ُ إلى حيثُ والداه، و المخيفُ أنها ـ العينُ ـ في منتصف الليل تدمَعُ، و ذاكَ تجْحَظُ عيناهُ من الخوفِ، و يحمِدُ اللهَ ألفََ مرةٍ عندما تشرقُ الشمسُ، إلى أنْ بلغتْ بهِ الحالُ مَسَدّاً أخْبَرَ عندَهُ أباهُ آدمَ بالعين، و أشارَ إليها في فزع، حتى ضاقَ بهِ آدمُ ذَرْعاً و نعتَهُ بالمجنونِ، و انتحبتِ الأمّ ُ، فجعَلَ قابيلُ يرمي العينَ بالحجارةِ، و تلكَ ترنوهُ أبداً. اتجهَ قابيلُ توّاً إلى حيثُ قبرِ أخيهِ. كانت الشمسُ تميلُ لِمَغيبٍ، و جعلَ يحفُرُ بقسوةٍ، فاختفت العينُ، و أدركَ أنَهُ يأثِمُ، و لكنهُُ تابعَ الحفرَ حتى بانت أجزاءٌ من عظامٍ، و ما أشدّ ما فزِعَ، و يا لهُ من تائِهٍ، لمّا رأى هيكلَ أخيهِ، اللحمُ قد تفسّخَ منذُ زمنٍ عدا عينيهِ، كرتانِ عينيّتانِ، بِهما احمرارٌ، مخيفتانِ تَرنوانِهِ؛ فأفَلَ راكضاً لِتظهَرَ العينُ الرانيةُ من جديدٍ، فعرفَ لها الغضبَ لِما أظهرتهُ من تعبيرٍ جعلَهُ يفكِّرُ بإثمٍ يُبعِدُ عنهُ ذلك الكابوس. عادَ إلى البيتِ، و إنما شَعَرَ آدمَ غيرما أبوهُ، و حواءَ غيرما أمُهُ، يَرنوانِهِ جامِدينِ... مَيِّتَين... ! __________________________________________________ __________________________________________________ ___________________________________________ ازدادت رغبَتُهُ في أنْ يأثِمَ، و إنّهُ لَيرتَكِبُ إثماً سيكونُ سبباً لِخلقِ ذَرِّيّةٍ له. خرج قابيلُ من الكوخِ، و الرغبةُ تملأ كيانَهُ، و تُضَيِّعُ فكرَهُ، فاتّجَهَ إلى كوخٍ لِفتاةٍ شابةٍ من ذَرِّيّةِ آدمَ، صفعها حتى سقطت على ظهرها، العينُ اختفت، و مرّتْ سحابةُ الإثمِ أمامََ عيني قابيلَ كثيفةًً. أراد أن يأثم َو يأثمَ؛ حتى لا عينَ تراقبُه. لَمّا سقطت الشابةُ على ظهرها، هجمَ قابيل ُُعليها من جديدٍ و نزعَ ثيابَها عنها، و ثيابَهُ... حتى هما عاريانِ، ثُمّ... (مقطع محذوف)... حتى أتَمّ عملَه، و كانَ لها بعدَ ذلكَ أنْ أمّتْ. الآنَ قابيلُ يجري رافِعاً ثَوبَه كاشِفاً عن عورَتهِ، فما عادت العينُ لِتظهرَ أمامهُ، و فجأةً، رآهاً فوقَهُ، مُحمرّةً، ثم استحالت غيمةً كثيفةً غطّت السماءَ، لم تنقَشِعْ طيلةَ الأسبوعِ التالي. اِتّخذَ قابيلُ كوخاً في قِمّةِ الجبلِ و لكِنّهُ فُجِعَ بموتِ قطيعهِ؛ فأحرقَ الجثثَ في حالةِ غضبٍ و جنونٍ و ما عادَ يرى من الناسِ أحدا. لَمّا غلبَهُ النومُ ليلةً، أتاهُ صوتُ الله ِبأنّ دمَهُ مهدورٌ و روحَهُ ملعونةٌ فارتعَشَ و خانتهُ نفسُهُ فلم يبكِ. ثم، و في يومٍ، سلّطَ الله ُعليهُِ مجموعةَ أشباحٍ أحاطت بكوخِهِ، و قَضّتْ مضجَعَهُ، و زرعت بنفسِهِ الشّكَ، و أمرضتهُ، و فقد لِحِينٍ إحساسَهُ، ثم فقدَ وعيَهُ، فكأنهُ نام. صحا قابيلُ، و تحوّلَ نظرُهُ إلى فتحةٍ في الكوخِ، فرأى عينينِ آدميتينِ تراقبانهِ، و ما سنحَ لهُ الآدميّ ُ أنْ يُعَدِّلَ من جِلْسَتهِ؛ لِأنّ َ ذاكَ صاحِبَ العينينِ المتوقدتينِ قفزَ إلى داخلِ الكوخِ، مُمْسِكاً خِنْجراً، و ما ترك مُتَنفّساً لِقابيلَ، بل هجم عليه بسرعةٍ خاطفةٍ، و أمسك بخِناقهِ، و كادَ يطعنُهُُ و لكِنّ َ قابيلَ أفلتَ منهُ، و ركضَ نحوَ الخارجِ، و لم يتْبَعْهُ الآدمي. عاد قابيل إلى حيثُ يقطنُ والداه، آدمُ و حواءُ، و لكنه فُوجِىءَ بالمكانِ مهجوراً، لا آثارَ لبَشَرٍ فيه. على ما هو عليه من ضيقٍ و يأسٍ، قرّرَ أن يرحلَ عن المكانِ كُلِّهِ، جَوّاباً في أرجاءِ الأرضِ، و هكذا فعلَ، أخذَ بعضَ زادٍ و مَشَى. دخل قابيلُ الصحراءَ، أحاطت به الرمال حتى لَيَعْجَزَ أن يمدَ بصرَهُ إلى أبعدَ مِمّا يمتدّ ُ إليهِ يأسُهُ، و تكاثفت الغيومُ في السماءِ؛ فجعلت تحجُبُ البقيةَ الباقيةَ من أشعة الشمسِ، و كان السكون عظيماً مريباً، مال لون الرمال إلى لون الفضة، انعكس هذا على قابيلَ حتى إنهُ لَيُمْرِضُ قلبَهُ و عقلَهُ في لحظة. الصحراءُ، تلك التي صار قابيل إليها، هي أرضُ الأجداثِ و الأرواحِ، صنعها اللهُ ليضيعَ المذنبُ فيها إلا إذا اجتازها، فأمامَهُ البحر الميّتُ. شعر قابيلُ بأخْيلَةٍ تتبَعُهُ؛ فاستدارَ فجأةً فاختفت هذهِ، عدا خيالٌ واحدٌ حَذّرَ قابيلَ من التقَدّمِ قائلاً: "إن تقدّمتَ أكثرَ؛ ستجدُ قبراً لا يلبثُ ينفتِحُ و يخرُجُ منهُ ابنُكَ على ما هو عليه من هيئةٍ قَذِرَةٍ، و سيحاولُ قتلَكَ، فحذارِ إلّا أنْ تعودَ أدراجَكَ". قالَ قابيلُ: "من هو ابني؟". أجابَ الخيالُ: "يَنُوخُ ابنُكَ، الذي في الحقيقةِ سيَلِدُ بعدَ أيامٍ، و سيغدو زعيماً كبيراً، و بَنّاءً بارِعا". ما إنْ أتمّ الخيالُ الجملةَ حتى توارى، و ما فَهِمَ قابيلُ جيّداً لِما بهِ مِنْ ألمٍ في أذنيهِ، عظيمٍ. تابعَ قابيلُ التقدّمَ، كان قد صار كثيفَ الشعرِ، طويلَ اللحيةِ... ثم رأى الجَدَثَ، فذُعِرَ، فسارعَ الإبتعادَ و ما إنْ استدارَ لِيَجري حتى انفتحَ الجدثُ و استقامَ فيهِ يَنوخُ ابنُهُ هَيْكلاً ضَخْما و في لَمْحِ البَصَرِ اختفى هو و القبرُ. ما نظرَ قابيلُ بل تابعَ الركضَ. جرى و جرى. كان قابيلُ بطولِ نخلةٍ، و كان إذا ركضَ قطعَ آلافَ الأمتارِ في ساعاتٍ معدودةٍ على ما عُرِفَ به كواحدٍ من أناسِ تلكَ الأزمانِ البعيدة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _____________________________________________ وصل قابيلُ إلى شاطئٍ للبحرِ الميتِ، و لكنه لَمّا رنا الأفُقَ، رأى الشمسَ، فاشتبهت عليهِ و خالها العَينُ تراقبُهُ، ذاتُ تعابيرٍ مُتغيّرَةٍ في كلِّ لحظةٍ؛ سقطَ عندها على رمال الشاطئِ، فما إن أتمّ قلبُهُ نبضةً واحدةً حتى شعرَ بلحيتهِ كثيفةً و تجاعيدِ وجهِهِ كثيرةً، و أنهُ كَبِرَ في لحظةٍ و شاخ. إنْ هيَ إلا بعضُ أيامٍ مرضَ قابيلُ خلالها و امتلأ وجهُهُ بالبُُثورِ، و جسَدُهُ بالقروحِ، و لزم ََ فراشاً من الرمالِ أياماً، و طلب المغفرةَ من اللهِ، فما غَيّرَ ذلك من حالهِ شيئاً، و يئِسَ و أحسّ َ الوحدَةِ، و أن العينَ جعلَتْهُ مجنوناً. __________________________________________________ __________________________________________________ __يوماً مِنَ الأيام، قامَ قابيلُ و أنشأ يَقفِزُ و يدورُ حولَ نفسِه فَرِحاً و يقوُمُ بالقفزاتِ البهلوانيةِ، سُبحانَ اللهِ كَمْ سَعِدَ و هَلّلَ و عَبَثَ كالطِفلِ البريءِ، فتمتّعَ كثيراً و طابتْ نفْسُهُ، فكأنّهُ أصيبَ بفُقدانِ الذاكرةٍ، ما أشَدّ سُرورَهُ و ولَعَهُ و حُبّهُ للدنيا و الطبيعَةِ المحيطةِ بِهِ، فضَحِكَ و عاشَ لَحَظاتٍ هَنِيّةً، ثمّ تاقَ إلى العَومِ و الإستحمام، فدخلَ الماءَ و سَبِحَ، و أمْضَى يوماً سعيداً، فظلّ َ يتعَمّقُ إلى أن اِخْتَفى أثَرُهُ. لمْ يشْهَدْ ذلِكَ إلا كَلْبٌ شاردٌ أنِسَ إليهِ فَتْرةَ مكوثِهِ هناكَ، أرابَهُ شيءٌ في البحرِ، فبحثَ عنهُ طويلاً، طويلاً... و يُقالُ أنهُ ما زالَ يبحثُ عنهُ و يترَصّدُ ذلكَ الأمرَ الذي أرابهُ... حتى اليوم! __________________________________________________ ________________
استمعت لأحد رجال الدين في إحدى الأمسيات و هو يروي قصة ابن آدم: قابيل، فلا أذكر موقفي هذا إلا استرجعت أحاسيس الرهبة، و تمثلت آلام الضمير، و الآن أروي القصة لكلِّ ذي فكرٍ واسعٍ و نفسٍ هائمة. قال الرجل: "لمّا قُضِيَ على آدمَ بأن يسكنَ الأرضَ و حوّاءَ؛ لِما وقعا فيه من ذنبٍ؛ عرف كلّ منهما الآخرَ، و أنّ َ حوّاءَ زوجُ آدمْ. ثم اتّخذا عاداتِ البشرِ، لا كما في جنان عدْنْ. شعرتْ حواءُ بُأعراض ِالحملِِ، أنجبت بعد ذلك بزمنٍ ابناً سُمِّيَ قابيلُ، ثم قالت: "لقد خلقت إنساناً بمشيئَةِ اللهِ". كان قابيلُ ثالثَ إنسانٍ على وجه الأرض. بعده أنجبت حواءُ هابيلَ، رابعَ إنسانٍ و صلّى آدمُ عليهما. عرفَ آدم ُابناًُ ثالثاً له ُمن حواءَ سُمِّيَ سيت. لم يلبث أنْ أنجبتْ حواءُ لهُ أبناءً كُثُرا. أما قابيل فقد صار بمعونة المولى راعياً صاحبَ قطيعٍ من الأغنام، تسرح في الأراضي المعشبةِ المحيطةِ بكوخِ آدمَ و حواءْ. غدا هابيل مزارعاً، اِتخذ قطعةَ أرضٍ، حرثها و رمى البذار فيها، و أنشأ يحصد قمحها. الشقيقانِ يعملانِ، كُلّ ٌ بما فُطِرَ عليه من أخلاقٍ و عاداتٍ، إلى أن أتى يومٌ هو السبتُ، وجب فيه شكر اللهِ، و أن يقدّمَ كلّ ُ العبادِِ أحسنَ ما لديهم له. قدّم هابيل من محصوله، و قابيلُ من أغنامه، أثنى عندها الله ـ و قد كانا بين يديه ـ على هابيلَ، و لم يُبالِ بقابيلَ فاشتعلَ غيظاً و احْتَدّ، و تآخذَهُ الحقدُ، و انصرف عن وجه الله، و كان هذا أولَ إنسانٍ شعرَ بمثلِ هذا. مرّت أيامٌ سوداءُ على قابيل، لم يحقد على هابيلَ فقط ، بل اغتاظ من أخيه سيت لِما أبداه من ذكاءٍ. هذا النقصُ في قابيلَ، حتى اصطحبَ الشيطانَ، و كان لأشدّ ما يكون له المرءُ من غضبٍ، فباغتَ في النهايةِ هابيلَ على حين غرّةٍ، و طعنه في ظهرهِ، ثم دفنه و فرّ بعيداً. استوقفَ اللهُ قابيلَ قائلاً: "مالك...؟ و أين أخوكَ؟". أخفى قابيلُ رهبَتهُ ثم قال: "يبدو أنني أمَثِّلُهُ و آخذُ مكانَهُ في بعضِ الأمور". قال الله: "مالي أسمعُ دمَ أخيكَ يصرخُ تحت التراب، و يستطْلِبُني. ألا إنكَ لا بدّ قَتلتَه". قال قابيل ُُو قد ارتجفَ صوتُهُ: "عفوَكَ، فما كنتُ بمانِعِ ما ألَمّ بي. أنا ضعيفٌ. عفوَك". فامتلأ المكانُ بصوتِ الرّبِّ: "أنت ملعونٌ ما عِشْتَ، فاذهَبَْ و ضِعْ في الأرضِ، لا جاءَكَ صاحِبٌ، و لتَتْبَعْكَ العَينُ، إلا في الإثْم". و انْقلَبَ اللهُ، و ذاكَ يداهُ تُمسِكانِ رأسَهُ، فما هيَ إلا أنْ جرى حتى رأى عيناً حزينةً حيناً، غاضبةً حيناً آخرَ، بحجمِ إنسانٍ، تتبعُهُ أينما ذهبَ، صغيرةَ البؤبؤِ، محروقةَ الرِّمْشِ، كأنها طوراً لِوَجهٍ تَعِبٍ، و طوراً لِآخرَ يضحكُ من الغضبِ، فارتاعَ و خافَ و جرى. في النهار كان لا يبتعدُ عن ذويهِ لِأجلِ أنّ العينَ تراقبهُ. و الذي جعلهُ أقربَ إلى الجنون أنّ أباهُ آدمَ و أمَهُ حواءَ، لا يريانِ العينَ، و إن كانَ بجانبهما. هو وحدُه يراها، و يحِسّ ُ بها، و يضطربُ لِتعابيرها، فلا يسلكُ لِلوَحدةِ طريقاً أبداً، هو دوماً و أبواه. ما كانَ لِيُحَدِّثَ بذلكَ أحداً، حتى تحَسّرَ الوالدان عليه، و عرفا لهُ مرضاً لا شِفاءَ منهُ، فإذا نامَ التحفَ جيداً، و أغلقَ عينيهِ قَدْرَ المستطاعِ حتى في اليقظةِ، لِئَلا يقعَ نَظَرُهُ على العينِ، فيَفزعَ و يفقِدَ عقلَه. في المساء لا ينام إلا بعد عذابٍ. أينما نظرَ و كيفما اضطجعَ رأى العينَ أمامهُ، فيفِرّ ُ إلى حيثُ والداه، و المخيفُ أنها ـ العينُ ـ في منتصف الليل تدمَعُ، و ذاكَ تجْحَظُ عيناهُ من الخوفِ، و يحمِدُ اللهَ ألفََ مرةٍ عندما تشرقُ الشمسُ، إلى أنْ بلغتْ بهِ الحالُ مَسَدّاً أخْبَرَ عندَهُ أباهُ آدمَ بالعين، و أشارَ إليها في فزع، حتى ضاقَ بهِ آدمُ ذَرْعاً و نعتَهُ بالمجنونِ، و انتحبتِ الأمّ ُ، فجعَلَ قابيلُ يرمي العينَ بالحجارةِ، و تلكَ ترنوهُ أبداً. اتجهَ قابيلُ توّاً إلى حيثُ قبرِ أخيهِ. كانت الشمسُ تميلُ لِمَغيبٍ، و جعلَ يحفُرُ بقسوةٍ، فاختفت العينُ، و أدركَ أنَهُ يأثِمُ، و لكنهُُ تابعَ الحفرَ حتى بانت أجزاءٌ من عظامٍ، و ما أشدّ ما فزِعَ، و يا لهُ من تائِهٍ، لمّا رأى هيكلَ أخيهِ، اللحمُ قد تفسّخَ منذُ زمنٍ عدا عينيهِ، كرتانِ عينيّتانِ، بِهما احمرارٌ، مخيفتانِ تَرنوانِهِ؛ فأفَلَ راكضاً لِتظهَرَ العينُ الرانيةُ من جديدٍ، فعرفَ لها الغضبَ لِما أظهرتهُ من تعبيرٍ جعلَهُ يفكِّرُ بإثمٍ يُبعِدُ عنهُ ذلك الكابوس. عادَ إلى البيتِ، و إنما شَعَرَ آدمَ غيرما أبوهُ، و حواءَ غيرما أمُهُ، يَرنوانِهِ جامِدينِ... مَيِّتَين... ! __________________________________________________ __________________________________________________ ___________________________________________ ازدادت رغبَتُهُ في أنْ يأثِمَ، و إنّهُ لَيرتَكِبُ إثماً سيكونُ سبباً لِخلقِ ذَرِّيّةٍ له. خرج قابيلُ من الكوخِ، و الرغبةُ تملأ كيانَهُ، و تُضَيِّعُ فكرَهُ، فاتّجَهَ إلى كوخٍ لِفتاةٍ شابةٍ من ذَرِّيّةِ آدمَ، صفعها حتى سقطت على ظهرها، العينُ اختفت، و مرّتْ سحابةُ الإثمِ أمامََ عيني قابيلَ كثيفةًً. أراد أن يأثم َو يأثمَ؛ حتى لا عينَ تراقبُه. لَمّا سقطت الشابةُ على ظهرها، هجمَ قابيل ُُعليها من جديدٍ و نزعَ ثيابَها عنها، و ثيابَهُ... حتى هما عاريانِ، ثُمّ... (مقطع محذوف)... حتى أتَمّ عملَه، و كانَ لها بعدَ ذلكَ أنْ أمّتْ. الآنَ قابيلُ يجري رافِعاً ثَوبَه كاشِفاً عن عورَتهِ، فما عادت العينُ لِتظهرَ أمامهُ، و فجأةً، رآهاً فوقَهُ، مُحمرّةً، ثم استحالت غيمةً كثيفةً غطّت السماءَ، لم تنقَشِعْ طيلةَ الأسبوعِ التالي. اِتّخذَ قابيلُ كوخاً في قِمّةِ الجبلِ و لكِنّهُ فُجِعَ بموتِ قطيعهِ؛ فأحرقَ الجثثَ في حالةِ غضبٍ و جنونٍ و ما عادَ يرى من الناسِ أحدا. لَمّا غلبَهُ النومُ ليلةً، أتاهُ صوتُ الله ِبأنّ دمَهُ مهدورٌ و روحَهُ ملعونةٌ فارتعَشَ و خانتهُ نفسُهُ فلم يبكِ. ثم، و في يومٍ، سلّطَ الله ُعليهُِ مجموعةَ أشباحٍ أحاطت بكوخِهِ، و قَضّتْ مضجَعَهُ، و زرعت بنفسِهِ الشّكَ، و أمرضتهُ، و فقد لِحِينٍ إحساسَهُ، ثم فقدَ وعيَهُ، فكأنهُ نام. صحا قابيلُ، و تحوّلَ نظرُهُ إلى فتحةٍ في الكوخِ، فرأى عينينِ آدميتينِ تراقبانهِ، و ما سنحَ لهُ الآدميّ ُ أنْ يُعَدِّلَ من جِلْسَتهِ؛ لِأنّ َ ذاكَ صاحِبَ العينينِ المتوقدتينِ قفزَ إلى داخلِ الكوخِ، مُمْسِكاً خِنْجراً، و ما ترك مُتَنفّساً لِقابيلَ، بل هجم عليه بسرعةٍ خاطفةٍ، و أمسك بخِناقهِ، و كادَ يطعنُهُُ و لكِنّ َ قابيلَ أفلتَ منهُ، و ركضَ نحوَ الخارجِ، و لم يتْبَعْهُ الآدمي. عاد قابيل إلى حيثُ يقطنُ والداه، آدمُ و حواءُ، و لكنه فُوجِىءَ بالمكانِ مهجوراً، لا آثارَ لبَشَرٍ فيه. على ما هو عليه من ضيقٍ و يأسٍ، قرّرَ أن يرحلَ عن المكانِ كُلِّهِ، جَوّاباً في أرجاءِ الأرضِ، و هكذا فعلَ، أخذَ بعضَ زادٍ و مَشَى. دخل قابيلُ الصحراءَ، أحاطت به الرمال حتى لَيَعْجَزَ أن يمدَ بصرَهُ إلى أبعدَ مِمّا يمتدّ ُ إليهِ يأسُهُ، و تكاثفت الغيومُ في السماءِ؛ فجعلت تحجُبُ البقيةَ الباقيةَ من أشعة الشمسِ، و كان السكون عظيماً مريباً، مال لون الرمال إلى لون الفضة، انعكس هذا على قابيلَ حتى إنهُ لَيُمْرِضُ قلبَهُ و عقلَهُ في لحظة. الصحراءُ، تلك التي صار قابيل إليها، هي أرضُ الأجداثِ و الأرواحِ، صنعها اللهُ ليضيعَ المذنبُ فيها إلا إذا اجتازها، فأمامَهُ البحر الميّتُ. شعر قابيلُ بأخْيلَةٍ تتبَعُهُ؛ فاستدارَ فجأةً فاختفت هذهِ، عدا خيالٌ واحدٌ حَذّرَ قابيلَ من التقَدّمِ قائلاً: "إن تقدّمتَ أكثرَ؛ ستجدُ قبراً لا يلبثُ ينفتِحُ و يخرُجُ منهُ ابنُكَ على ما هو عليه من هيئةٍ قَذِرَةٍ، و سيحاولُ قتلَكَ، فحذارِ إلّا أنْ تعودَ أدراجَكَ". قالَ قابيلُ: "من هو ابني؟". أجابَ الخيالُ: "يَنُوخُ ابنُكَ، الذي في الحقيقةِ سيَلِدُ بعدَ أيامٍ، و سيغدو زعيماً كبيراً، و بَنّاءً بارِعا". ما إنْ أتمّ الخيالُ الجملةَ حتى توارى، و ما فَهِمَ قابيلُ جيّداً لِما بهِ مِنْ ألمٍ في أذنيهِ، عظيمٍ. تابعَ قابيلُ التقدّمَ، كان قد صار كثيفَ الشعرِ، طويلَ اللحيةِ... ثم رأى الجَدَثَ، فذُعِرَ، فسارعَ الإبتعادَ و ما إنْ استدارَ لِيَجري حتى انفتحَ الجدثُ و استقامَ فيهِ يَنوخُ ابنُهُ هَيْكلاً ضَخْما و في لَمْحِ البَصَرِ اختفى هو و القبرُ. ما نظرَ قابيلُ بل تابعَ الركضَ. جرى و جرى. كان قابيلُ بطولِ نخلةٍ، و كان إذا ركضَ قطعَ آلافَ الأمتارِ في ساعاتٍ معدودةٍ على ما عُرِفَ به كواحدٍ من أناسِ تلكَ الأزمانِ البعيدة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _____________________________________________ وصل قابيلُ إلى شاطئٍ للبحرِ الميتِ، و لكنه لَمّا رنا الأفُقَ، رأى الشمسَ، فاشتبهت عليهِ و خالها العَينُ تراقبُهُ، ذاتُ تعابيرٍ مُتغيّرَةٍ في كلِّ لحظةٍ؛ سقطَ عندها على رمال الشاطئِ، فما إن أتمّ قلبُهُ نبضةً واحدةً حتى شعرَ بلحيتهِ كثيفةً و تجاعيدِ وجهِهِ كثيرةً، و أنهُ كَبِرَ في لحظةٍ و شاخ. إنْ هيَ إلا بعضُ أيامٍ مرضَ قابيلُ خلالها و امتلأ وجهُهُ بالبُُثورِ، و جسَدُهُ بالقروحِ، و لزم ََ فراشاً من الرمالِ أياماً، و طلب المغفرةَ من اللهِ، فما غَيّرَ ذلك من حالهِ شيئاً، و يئِسَ و أحسّ َ الوحدَةِ، و أن العينَ جعلَتْهُ مجنوناً. __________________________________________________ __________________________________________________ __يوماً مِنَ الأيام، قامَ قابيلُ و أنشأ يَقفِزُ و يدورُ حولَ نفسِه فَرِحاً و يقوُمُ بالقفزاتِ البهلوانيةِ، سُبحانَ اللهِ كَمْ سَعِدَ و هَلّلَ و عَبَثَ كالطِفلِ البريءِ، فتمتّعَ كثيراً و طابتْ نفْسُهُ، فكأنّهُ أصيبَ بفُقدانِ الذاكرةٍ، ما أشَدّ سُرورَهُ و ولَعَهُ و حُبّهُ للدنيا و الطبيعَةِ المحيطةِ بِهِ، فضَحِكَ و عاشَ لَحَظاتٍ هَنِيّةً، ثمّ تاقَ إلى العَومِ و الإستحمام، فدخلَ الماءَ و سَبِحَ، و أمْضَى يوماً سعيداً، فظلّ َ يتعَمّقُ إلى أن اِخْتَفى أثَرُهُ. لمْ يشْهَدْ ذلِكَ إلا كَلْبٌ شاردٌ أنِسَ إليهِ فَتْرةَ مكوثِهِ هناكَ، أرابَهُ شيءٌ في البحرِ، فبحثَ عنهُ طويلاً، طويلاً... و يُقالُ أنهُ ما زالَ يبحثُ عنهُ و يترَصّدُ ذلكَ الأمرَ الذي أرابهُ... حتى اليوم! __________________________________________________ ________________
تعليق