خواطر: الخاطرة الأولى: هروب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عزيز عياد
    أديب وكاتب
    • 23-11-2012
    • 17

    خواطر: الخاطرة الأولى: هروب

    سَرَيْتُ في مَسَارِب الحياة، جُبْتُ أَطْرَارَ البسيطة، أَجْتَرُّ عِقَالا ثقيلا يَتَكَوَّعُ بين الفينة والأخرى، أجتر الماضي وأحزانه والحاضر ومعاناته، والمستقبل ومجهوله، نَهَلْتُ من عَفْوَةِ الدنيا وكَدَرِهَا، ذقت أَفَانِينَ من صَابِهَا وحَنْضَلِها، حتى صرت من كثرة التجارب قَحُومًا بعد مِرَّةٍ، وضرعا بعد رفعة، وسَخْلاً بعد عِزٍّ. أَضْلَعَ الحزن كاهلي، أَبَّتْنِي الحياة على اُلْكَلاَكِل، فصار الصدر تَرِعٌ، والفؤاد شَيِّقٌ وَلِعٌ، صرت كلما سَجَا الليل وجَنَّ، وهَجَعَتِ الأبدان في المضاجع، أجلس القرفصاء، أنتظر مرور القمر، يَشْحَطُ على خاطري نسيم ذكريات الماضي اُلآشِبَةِ، يَسْجُمُ الدمع، وتُزَمْهِرُ العين، فَيَسْأَفُ الفؤاد، فأبيت قابعا حتى السحر. نصحتني نفسي بالانسحاب، بالهروب، فأجبتها إنها سَجِيَّةُ الجبناء، سخرت مني هنيهة ثم قالت، اسبح في مياه حزنك الآسِنَة. فكرت طويلا، قلبت الأمر غَارِبَهُ على سافله، فجأة وجدتني أصب جَامَّ غضبي على نفسي، رأيت شرارات الأسى تتطاير من عيني، اخترقت جدار صمتي اُلصَّائِكِ، والذي كلما حاولت التحرك عَنَّانِي حديده، وأُغْلِقَـتْ من دوني مَصَارِيعُهُ، تَسَحْسَحَتِ الدموع وتَسَاجَمَتْ حتى خَضَّبَتْ ثيابي، لم يعد يسعني عرض الباب للخروج، فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهُ لِأَهِيمَ على وجهي باحثا عن أرض غير الأرض وبرية غير البرية، فكنت في مشيي مُغَلْغِلاً وكأني أهرب من شيء يلاحقني، فأَطوي الأرض طيا حتى أُدميت قدماي، وصرت أُزَكْزِكُ كشيخ هَرِمٍ عندها توقفت هنيهة من الزمن أسترد أنفاسي، رفعت رأسي فإذا أنا وسط مُومَاةٍ موحشة، يطبق الصمت على أنفاسها إلا من صفير لرياح تُزَمْجِرُ غضبا من حين لآخر. زَنْخَرْتُ بمنخري، فإذا بي أشتم رائحة الطمأنينة، هويت على صفحة الأرض، فإذا هي رمال ناعمة قد لانت لملمسي، فأحسست لأول مرة بطعم الراحة والهدوء، هذا الجسد الذي تمرس باللذات والأسى، كأنه يولد على أرض جديدة، قررت حينها أن أَبُنَّ عِرِّيسَةً أساسها الأرض وسقفها السماء، مصابيحها النجوم وأناسها الوحوش والهوام، فلا أزيز دَعِيٍّ زَنِيمٍ، ولا وشوشة واش لئيم، هواءها صاف بديع، وماؤها عذب زلال، شربت من صفائها حتى تَزَكَّرَ الفؤاد، فعادت أوصاله تنبض وتعزف على أوتارها ألحان الحياة بعدما أسكتتها أشجان الأيام. مكثت أياما كلما كشرت السماء عن شمس ساطعة مشيت حتى أُشْرِفَ اُلْإِيفَاعَ من الأرض، وإذا غشي الظلام النور تصفحت صفحة السماء وما انسكب على وجهها من بقع سوداء تتراقص على وجناتها حُبيبات لامعة. جُبْتُ كل اُلسُّرُحِ، فطاب لي المقام بين قوم لا يفشى لديهم مستودع السر ولا يُزَلَّجُ عندهم الكلام، أَبْوَامٌ تذهب وحشة ليلي، وعَرْفَاءُ تبدد سحابة نهاري. رأيت من بعيد، بعض صعاليك وشعراء العرب، رأيت الشنفرة يتوعد أهله اُلسَّدْحَ... ورأيت أقدام سباق الخيول السليك بن السلكة، تحسر العين دون تعدادها، وهو يترنح مسابقا الريح... رأيت عنترة مجلجلا ترتعد الأرض تحت قدميه، تمنيت عندها...
يعمل...
X