الطبيعي والمتخيل: قراءة في العلاقة بين الماء والشعر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحيم عيا
    أديب وكاتب
    • 20-01-2011
    • 470

    الطبيعي والمتخيل: قراءة في العلاقة بين الماء والشعر

    الطبيعي والمتخيل: قراءة في العلاقة بين الماء والشعر
    عبد الرحيم عيا

    ربط الإنسان مند القديم صلة وثيقة بالماء رأى فيه رمز الحياة والبقاء وأصلا للوجود، جاء في قصة مصرية * في البدء كان المحيط المظلم أو الماء الأول حيث كان أتون وحده الإله الأول صانع الألهة والبشر والأشياء، وجاء في التوراة : في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خاوية وعلى وجه القمر ظلام وروح الله يرف على وجه المياه*1 وورد في ملحمة مدونة باللغة البابلية والسومرية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد:
    * قبل أن يوجد البيت المقدس بيت الالهة في المكان المقدس لم يوجد القصب ولم يخلق البشر .
    لم يصنع الأجر، ولم يبنى بناء
    لم تؤسس المنازل ،ولم تشيد المدن
    لم تشيد المدن ولم تخلق الكائنات
    كانت الأرض كلها بحرا *2
    وورد في القرآن الكريم *وجعلنا من الماء كل شيء حي *3
    يرتبط الماء اذن ارتباطا وثيقا بالحياة والوجود ونظرا لطبيعة شبه الجزيرة العربية القاسية حيث الحرمان وندرة المياه وشح الأرض، فإن الجاهلي يربط مع الماء علاقة يغلب عليها القلق والتوتر ، الخوف والفرح ، الظن واليقين. جاء في كتاب الحيوان* ... ونار أخرى وهي النار التي كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء واشتد الجذب واحتاجوا الى الاستمطار اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها ثم صعدوا بها في جبل وعر وأشعلوا فيها النيران وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا -*4
    ولعل في إشعالهم النار طلبا للسقيا تعبيرا عن احتراق داخلي عن ظمإ محرق أو كأن الماء عزيز صعب المنال لا ينال إلا بعد احتراق، لأجل قطرة يحترق الانسان
    يحترق النبات
    ويحترق الحيوان
    لذلك كانت دعوتهم دعوة نابعة من هذا العزيز النادر دعوة مائية: سقى الله فلانا الغيث ، وأسقاهم ، وطلبوا له السقيا حتى إذا ذكروا أياما طالت بهم قالوا : سقى الله تلك الأيام ، وربما دعوا لديار الحبيبة بالسقيا *5
    ولذلك كان الماء صيغة فخر
    ولنا بئـــــــر رواء جمــــــة +++ من يردها بإنـاء يغتــــرف6
    ونخيل في تـــلاع جمـــــــة +++ تخرج الثمر كأمثال الأكف
    وصيغة مدح :
    و كنت ابن أشياخ يجيرون من جنى ++ ويحيون ،كالغيث العظام البواليا 7
    لست أدري كيف تسرب الماء إلى الأدب العربي وبالتحديد شعره ونقده ، لكن الماء الذي نزلت في حقه الآية الكريمة *وجعلنا من الماء كل شيء حي * ليس غريبا أن يسري في جسد الشعر فيبعث فيه الحياة، ولعلهم لذلك سموا حافظ الشعر راوية كأنه يسقيهم من ماء الشعراء ويروي ظمأهم شعرا ، قال أبو تمام :
    لم تسق بعد الهوى ماء أقل فـدى ++ من ماء قافية يسقيكه فهم 8
    وقال الجوهري:* رويت الحديث والشعر رواية، فأنا راو في الماء والشعر*9 والشعر مثل عين الماء إن تركتها اندفنت وإن استهتنتها هتنت*10
    وحتى الإلهام يحمل هذه الصفة المائية ، فشيطان الشعر عند سويد بن أبي كاهل يشبه بئرا ذات غيث ، ثرة غزيرة تتفجر حتى تصبح بحرا خمط التيار غزيرا يغرق المهرة
    و أتاني صاحبي ذو غيث ++ زفيان عند إنفاد القـُـرع 11
    ذو عباب زبــد أديــــٌــــه ++ خمط التيار يرمي بالقلع
    زغربي مستعر بحــــره ++ ليس للماهر فيه مطلــع
    هل سويد غير ليث خادر ++ تئدت أرض عليه فانتجع
    والماء يفتح باب الشعر ويهيئ النفس للإبداع، ورد في الشعر والشعراء *لم يستدعى شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي والمكان الخضر الخالي * 12
    ولأن الشعر ماء فإنه يربط علاقة مثينة بالبحر
    - سل الشعراء هل سبحوا كسبحي ++ بحور الشعر أو غاصوا مغاصي13
    - و قد رام بحري بعد ذلك طاميــا ++ من الشعراء كل عود و مقحــم14
    ففاءوا ولو أسطو على أم بعضهم ++أصاخ فلم ينصت و لم يتكلــــم
    الشعر بحر وسباحة وغوص، وبحور الشعراء أوزانه ، ومن الشعر تسرب الماء إلى النقد فأصبح الماء معيار الشعر الجميل ، فالشعـــر الذي لا يحرك القلب والوجدان ولا يحدث ما يعبر عنه الجرجاني بالهزة نعت بأنه ناشف الماء ، أما الشعر الجميل العذب فقد نعت بأن له ماء ورونق*15، ومن الماء اشتقت بعض المصطلحات ) النقدية ( كالحلاوة والعذوبة والجريان والانسياب، *والأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ ووصفوها بالسلاسة و نسبوها إلى الدماثة وقالوا كأنها الماء جريانا والهواء لطفا *16 ووصفوا الأشعار المنتقاة الجميلة بأنها عيون الشعر وإن كانت اللفظة مزدوجة الدلالة فإن هذا ا الازدواج يحمل دلالتين متكاملتين:
    عين : + حاسة + نور + رؤية + حياة
    عين : + ماء +عمق + تدفق + حياة
    الشعر إذن ماء و نور وحياة.
    تلك هي بعض أوجه العلاقة الحميمة التي تجمع بين الشعر والماء، لكن حين يوظف الماء في النص الشعري فإنه لا يحتفظ بخاصيته الكيماوية : الاوكسجين + الهدروجين ، بل يصبح ماء من نوع أخر ماء شعريا . يتدفق في البناء الشعري، فينبث القول الجميل.
    في الجزء الثاني من هذه الدراسة سنقف على تمظهرات الماء في شعر أمير الصعاليك عروة بن الورد.

    ---------------------------------------------------------------
    المصادر والمراجع
    1- تاريخ الفلسفة اليونانية – يوسف كرم : 12 – 13
    2- الاساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة – على الشوك : 34
    3- القرآن الكريم . سورة الأنبياء . رقم السورة 21 جزء من الآية 30
    4- كتاب الحيوان . الجاحظ : 4/ 466
    5 - الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام: الصائغ : 48 – 49
    6 - طبقات فحول الشعراء- ابن سلام الجمحي 1/283
    7 - المصدر نفسه – شعر الفرزدق - 1/181
    8- منهاج البلغاء : حازم القرطاجني- 124
    9- لسان العرب 14- ابن منظور : 14/348
    10- العمدة 1- ابن رشيق: 1/145
    11- المفضليات : شعر سويد بن أبي كاهل - ص: 201/202
    12- الشعر و الشعراء- 1/24
    13- ديوان عبيد بن الأبرص: 85
    14- ديوان أوس بن حجر- 123
    15- الشعر والشعراء - ابن قتيبة: 1 /24
    16- أسرار البلغاء- عبد القاهر الجرجاني : 15

    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الرحيم عيا; الساعة 27-12-2014, 18:53.
  • عبد الحميد عبد البصير أحمد
    أديب وكاتب
    • 09-04-2011
    • 768

    #2
    شكرا لك ..جهد مضنى
    تستحق عليه الاشادة
    الحمد لله كما ينبغي








    تعليق

    • عبد الرحيم عيا
      أديب وكاتب
      • 20-01-2011
      • 470

      #3
      ولكم خالص الشكر غلى القراءة والتفاعل
      مودتي

      تعليق

      يعمل...
      X