ذكرياتمن سيرة طفولتي
بقلم:حسين أحمد سليم
كنت صغيرًا في بداياتنطق لساني ببعض الكلمات السّهلة و بدايات المشي وحيدًا دون المساعدة من أحد, ودائمًا كانت أميّ لا تتركني وحيدًا في البيت بل تأخذني معها أين ذهبت, حتّ بعد أنتجاوزت الثّالثة من عمري, و سيّما إلى بئر القرية عند حدود القرية الشّمالي أوالبئر الذي عند حدودها الغربيّة أو البئر الواقع عند نهايات بيادر القرية شمالاًأو بئر مرج أبو صالح عند نهايات القرية الجنوبيّة شرقي محلّة التّليلة و بلدةطاريّا إحدى بلدات هلال غربي مدينة الشّمس بعلبك...
عند بئر القرية تلتقينساء القرية لملء جرارها بالماء, و حول البئر تجد غالبيّتهنّ وقتًا مديدًاللثّرثرة عن كلّ شيء و خاصّة اللقلقة عن أزواجهنّ الذين ينامون باكرًا و هميتوسّدون أذرعهم من رهق النّهارات و تعب الفلاحة و حرث الأرض و زراعتها و رعيالمواشي و الأبقار و الجمال و الماعز...
تلك اللحظات مناللقاءات النّسويّة حول البئر القرويّة كانت أوّل ما وعيته في ذاكرتي البكر, فيتلك اللحظات عرفت أنّ لي إسمًا يُنادونني به كما بقيّة الأشخاص, قطعت أمّي نذرًاعلى نفسها أنّ تُسمّيني به, و أنّ لقريتي إسمًا كما للبشر أسماء, إنّما على إسمنبيّ حملت إسمه تبريكًا, و أذكر أنّني كثيرًا ما كنت أسأل أمّي عن جغرافيّة و إسمقريتنا, و تردّ أمّي دائمًا بما يُشبه الإستغراب, قريتنا تقع في أرض الوليّالصّالح أحمد الطّائع حارس قبر جدّنا آية الله العظمى إبراهيم الحشائشي, الذييمتدّ بنسبه لعقب عبد الله بن عبّاس إبن عمّ النّبي محمّد (ص), و هو أيضًا حارسنهر الليطاني إلى الشّرق و إسم قريتنا على إسم شفيعها النّبي رشادة, و هي نجمةهلال بلدات غربي مدينة الشّمس بعلبك...
لم أستوعب ما قالت ليأمّي و أُشكِلت عليّ ما شرحت لي أمّي كما أُشكِلت عليّ التّسمية أيضًا. و مضتالأيّام تلو الأيّام و أنا أزداد وعيًا و نضوجًا... بعدها بحين من الزّمن سألت أمّي:ما معنى إسم قريتنا؟!. فقالت لي بما يُشبه الإيمان باليقين الموروث، يا ولدي، إنّإسم قريتنا مبارك بإسم شفيعها و هي مكان ولادة الإبداع و الفنون...
أيضًا لم أعرف مامعنى الإبداع و الفنون ممّا زاد في أمر فهمي تعقيدًا... ف تطوّعت أمّي و راحت تشرحلي ما خفي على وعيي و إستيعابي, يا ولدي قريتنا الرّيفيّة تقع بين قرى تسطعأنوارها من منارات قبب أنبيائها, حيث الكواكب تنبثق منها في جيئة و ذهاب إلى منارةمقام النّبي رشادة, حيث إلتقاء الأنوار المكوكبة من مقام النّبي يوسف في بلدةكفردان شمالاً و عريض الوليّ الصّالح أحمد الطّائع في حدث بعلبك و مقام النّبيإسماعيل في بلدة طاريّا و مقام النّبي سامي في بلدة شمسطار و مقام النّبي الخضر فيعين السّوداء...
هذه الأنوار لا يراها إلاّ من آمن بكرامات النّبيرشادة حيث مقامه الشّريف في بلدته... فمن شاهد هذه الأنوار كُتِب له الخلق و الإبداعو برز في ناحية من نواحي الفنون الأدبيّة أو الفنون التّشكيليّة أو الفنونالأدائيّة. و منذ ذلك الحين, رغم صغر سنّي, بنيت الأمل المرتجى و عقدت النّيّة أنأصبح كاتبًا و فنّانًا تشكيليّا... و كنت في كلّ مساء أرجو أبي أن يأخذني معه إلىرحاب مقام النّبي رشادة للصّلاة و الدّعاء و الإبتهال, علّني أظفر بما قالت ليأمّي و تظهر لي كوكبات الأنوار السّاطعة في زياراتها و مساراتها بين منارات مقاماتالأنبياء المحيطة و بمقام النّبي رشادة...
إرتسمت على محيّا أبيإبتسامة الدّهشة و أعجب بأنّي أريد أن أرود مجالات الفنون الأدبيّة و التّشكيليّة.تبسّم أبي لي بلطافة القبول و ربّت على كتفيّ و ضمّني إلى صدره بحنان الأبوّة، و نمتعلى أمل أن أصبح كاتبًا و فنّانًا...
إحتضنتني جدّتي لأبيو أصقلت موهبتي بالحكايات و الرّوايات و الأساطير التي وجدتها منجمًا لا ينضب عندها.و منذ تلك اللحظة عرفت ما معنى إسم قريتي و ما معنى إسمي و عرفت نكهة صباحات ومساءات و سهرات القرية بمعنى آخر، فقد وجدت في حكايات جدّتي قرية أخرى تختلف عنالقرية التي عند أمّي أو حتّى عند أبي...
شعرت في قريتيالرّيفيّة أنّني أحبّ جدّتي أكثر، و أحبّ حكايات جدّتي أكثر. و كانت جدّتي غالبًاما تتوسّد عتبة الباب في بيتنا التّرابيّ, ترقب المارّة و هم غادون إلى أعمالهم وأشغالهم و غاياتهم. أمّا أنا، كنت ما زلت دون السّنّ الذي يُخوّلني دخول المدرسة. فكنتأتوسّد ركبة جدّتي صاغيًا لحكاياتها و رواياتها و أساطيرها... و أنا لم أكن أستوعبغالبيّة حكاياتها ولم أكن في الغالب بحاجة إلى طلب حكاية جدّتي, بقدر ما كانت هيتبحث عن مستمع لرواياتها و أساطيرها و خرافاتها, يًشاركها عالمها الإفتراضيّ الذيتعيشه. لم أكن أدري و لم و لن أكن سأدري ما الذي كان يجذبني إلى جدّتي العجوز, غيرأنّني كنت أجد في عالمها الأسطوريّ بريقًا يُدغدغ ما هو قابع في أعماقي و أكثررومانسيّة في الحبّ الذي عقلن فكري و العشق الذي قلبن شغافي...
حدّثتني جدّتي عنشموخ تلّة عريض حدث بعلبك و مقام الوليّ الصّالح أحمد الطّائع و أسطورة وجود بقاياحجارة مزاره و ما يرافق ذكره من خشوع و رهبة و ما له من كرامات... و حدّثتني عنسيرة جدّنا آية الله العظمى العالم الطّبيب إبراهيم الحشائشي المدفون في مقابربلدة حدث بعلبك و ما له من مواقف تاريخيّة في زمانه كونه كان مرجعً للإفتاء فيالأزمان السّالفة... و حدّثتني عن مقام النّبي رشادة و كراماته وسبب وجوده في هذاالمكان دون أن تذكر لي زمن وجوده إلاّ ما ذكره بعض الرّحّالة الذين مرّوا فيالمكان و ذكروه, و أفاضت جدّتي في حكاياتها عن الأراضي التي كان يملكها النّبيرشادة كوقف له و كيف إغتصبها البعض بمكائد و مؤمرات في زمن أصحاب السّلطات القاهرةو كيف حاق العذاب بمن إغتصب أرض النّبي رشادة... و حدّثتني طويلاً عن قريتنا وعاداتنا و أعرافنا و تقاليدنا و عباداتنا و أعيانا و مناسباتنا و ضرورة إقامةشعئرها... و حدّثتني بإلحاح عن الأخلاق العظيمة و المناقب الرّفيعة و القيمالإنسانيّة و العنفوان القروي و الشّرف الإنساني...
و غالبًا ما كانتطيور الصّيف ما تُحلّق في سماء قريتنا سابحة مع النّسائم ترسل أغانيها في الفضاءاتالممتدّة, فكنت أسأل جدّتي بشغف عنها؟! و كانت تنظر إلى السّماء و تسبح بعينيهاالضّيّقتين في سماء القرية, حيث تتجمّع سحب الصّيف و هي تُربّت على كتفي قائلة: هيطيور الله راحاة للحجّ في ديار الله المقدّسة. و كنت لا أفهم من كلامها شيئًا... غيرأنّني بعد أن كبرت عرفت ما كانت ترويه لي جدّتي و ما كانت تخشاه عليّ...
و ربّما أنّ التّعبيرالذي مارسته جدّتي معي كان مجرّد رموز و مصطلحات و إشارات تكتنز بالأسرار التيتفوق قدر عمري, تخفي وراءها غرابة التحول الذي سيصيب قريتنا بعد ذلك... حدّثتني جدّتيعن حكايات و روايات دياب زنطورة الذي كان يتعامل بالماورائيات و شقيقته ضعون فيبلدة كفردان... و حدّثتني عن أساطير الجنّ و الليل و حدّثتني أكثر عن النّبيّالخضر عليه السّلام و كيف بنى له النّاس مقامات و مزارات حيث صلّى و إرتاح لفنرةما, و حدّثتني أيضًا عن حكاية لقاء الخضر بالنّبي موسى عند مجمع البحرين مؤكّدةأنّ مجمع البحرين هو في قرية النّبي رشادة غربي بعلبك و أصرّت على أنّ الخضر صلّىفي المقام المنسوب للنّبي رشادة و صلّى في بلدة الخضر و بلدة مورتعلا و بلدة حربتاو في بلدة كفردبش بعد أن ترك بعلبك الذي أرسل هاديًا لها في زمن البعل...
و حدّثتني جدّتي عنرجال عبروا القرية و تركوا تاريخا خلف ظهورهم مملوءً بالأسرار و رحلوا. حدّثتني عنالحرافشة و زمن حكمهم للقرية و عن أجدادي الذين رحلوا عن القرية تحت الظّلم والجور و لجأوا إلى قرى و بلدات أخرى في شحور بجبل عامل و كترمايا بالشّوف و فيالصّرفند و في مشغرة و في بريتال و في حمص و في دمشق و في مصر و في أميركا... حدّثتنيعن الجنّ و السّعالي، حدّثتني حديثًا لم أجده في السّير الشّعبيّة، و لا في ألفليلة و ليلة، حيث كان لجدّتي حكاياتها، و هو ما جعلني أعتقد أنّها لم تكن مجرّدراوية، بل منتجة للحكايات أيضًا. حدّثتني كثيرا و كثيرا حتّى أصبحت مدمنًا علىحكاياتها و رواياتها و أساطيرها...
و بدأت خطواتي الأولىفي مدرسة قريتنا حيث وجدت صعوبة في التّأقلم. فقد كانت حكايات جدّتي مخبّأة فيذاكرتي، كنت أحسّها تتماهى فو ق صفحات دفاتري و كانت طموحاتي تتألّق فوق ضفحاتكتبي, وكنت أرى أحلامي و آمالي تتسابق و تتقافز أمام قلمي... و كثيرًا ما كنت أهربمن مدرستي القرويّة و أنسلّ من الصّفّ دون علم أستاذي علي عدلان عمر و كنت أهرب بينالحصّة الأولى و الحصّة التي بعدها و أذهب إلى جدّتي حيث كانت تجلس، و هو ما جعل عصاأستاذي تتلوّى على ظهري. لأتعلّم بعدها كيف أوفّق بين حكايات جدّتي و عالمي المرسيّالجديد...
كبرت و ظلّت رؤىآمالي تتشارق في بعد فضاءاتي الممتدّة تتقاطع مع حكايات جدّتي التي خبأتها فيذاكرتي تشدّني للطّفولة و القرية و إبتسامة أبي و حنان أمّي و البئر و مقام النّبيرشادة... و كان ولعي بالكتابة و الرّسم بعد ذلك بسنوات يعود لرغبة دفينة في إعادةالقرية التي عشتها عندما كنت طفلا. كنت أرى القرية تهرب من حكايات جدّتي نحو عالم آخرعالم الخلق و الإبداع عالم كنت أسعى كي أعيشه بحبّ و عشق و عطاء...
قريتي اليوم لم تعدكما كانت في الأمس فقد مات الأوائل و هجر الأبناء أرضهم و هاجروا وراء وهمالوظيفة، كما تقاعد الكبار و أسلموا كفاحهم للنّسيان. أمّا النّساء الأوائل فقدغدوا تحت الثّرى و الباقيات فقد سقطن سهوًا خلف ظلمة الجدران المعتمة...
أشعر أنّ قريتي التيكانت في يوم ما واقعًا أصبحت خيالا. فحاضر القرية لم يولد من ماضيها، بل جاء وافدًابكلّ ما له و ما عليه. و القرية التي كانت آمنة مطمئنّة لم تعد كذلك. عندما بدأتكتابة القصّة كنت مدفوعًا بفطرة الكتابة نحو القرية التي تشكّلت عبر واقع عشت طرفًامنه فيما مضى، كنت مدفوعًا للتّعبير عن القرية التي وجدتها مختبئة في حكايات جدّتي.كانت مهمّتي و ما زالت و ستبقى البحث عن هذه القرية، ثمّ إعادة إنتاجها ممّا جعلهاتبدو خياليّة غير ممكنة الحدوث، رغم أنّها كانت حاضرة بقوة...
تجربتي ما هي إلاّ تجربةتسعى إلى توظيف الأسطورة الشّعبيّة و توكيدها من عالم الإفتراض إلى عالم الواقع...و إنّ ما يراه البعض أسطورة كان بالأمس القريب و البعيد واقعًا معاشًا، و أنّ مايبدو شكله عالمًا غرائبيّا أو عجائبيّا هو حالة الإنفصام الجذري و القهري عن عالم عشناهو ليس ببعيد في النّاحية المكانيّة من النّاحية الزّمنية، لكنّه بعيد من النّاحيةالإنسانيّة و المعنويّة... فقريتي الموسومة بقرية النّبي رشادة عليه السّلام هي كلّالقرى في بلاد بعلبك و الهرمل و البقاع الغربي و الجنوب و جبل لبنان و عكّار وراشيّا و حاصبيّا، و كما في قريتي للنّبيّ الخضر عليه السّلام مقام في صدور و قلوبالمؤمنين ففي كلّ القرى و البلدات الرّيفيّة للخضر مكانته الإيمانيّة في الصّويريو عين عرب و الدّكوة و أبو قمحة و كفركلا و العديسة و يارون و الصّرفند و رأس أسطاو طرابلس و بيروت... و مأساة قريتي هي مأساة غيرها، تنمية أسقطت القرى سهوًا فضاعمنّا ما لا يعوّض... فهل من أذن صاغية للمعاناة و القهر و الحرمان؟!...
بقلم:حسين أحمد سليم
كنت صغيرًا في بداياتنطق لساني ببعض الكلمات السّهلة و بدايات المشي وحيدًا دون المساعدة من أحد, ودائمًا كانت أميّ لا تتركني وحيدًا في البيت بل تأخذني معها أين ذهبت, حتّ بعد أنتجاوزت الثّالثة من عمري, و سيّما إلى بئر القرية عند حدود القرية الشّمالي أوالبئر الذي عند حدودها الغربيّة أو البئر الواقع عند نهايات بيادر القرية شمالاًأو بئر مرج أبو صالح عند نهايات القرية الجنوبيّة شرقي محلّة التّليلة و بلدةطاريّا إحدى بلدات هلال غربي مدينة الشّمس بعلبك...
عند بئر القرية تلتقينساء القرية لملء جرارها بالماء, و حول البئر تجد غالبيّتهنّ وقتًا مديدًاللثّرثرة عن كلّ شيء و خاصّة اللقلقة عن أزواجهنّ الذين ينامون باكرًا و هميتوسّدون أذرعهم من رهق النّهارات و تعب الفلاحة و حرث الأرض و زراعتها و رعيالمواشي و الأبقار و الجمال و الماعز...
تلك اللحظات مناللقاءات النّسويّة حول البئر القرويّة كانت أوّل ما وعيته في ذاكرتي البكر, فيتلك اللحظات عرفت أنّ لي إسمًا يُنادونني به كما بقيّة الأشخاص, قطعت أمّي نذرًاعلى نفسها أنّ تُسمّيني به, و أنّ لقريتي إسمًا كما للبشر أسماء, إنّما على إسمنبيّ حملت إسمه تبريكًا, و أذكر أنّني كثيرًا ما كنت أسأل أمّي عن جغرافيّة و إسمقريتنا, و تردّ أمّي دائمًا بما يُشبه الإستغراب, قريتنا تقع في أرض الوليّالصّالح أحمد الطّائع حارس قبر جدّنا آية الله العظمى إبراهيم الحشائشي, الذييمتدّ بنسبه لعقب عبد الله بن عبّاس إبن عمّ النّبي محمّد (ص), و هو أيضًا حارسنهر الليطاني إلى الشّرق و إسم قريتنا على إسم شفيعها النّبي رشادة, و هي نجمةهلال بلدات غربي مدينة الشّمس بعلبك...
لم أستوعب ما قالت ليأمّي و أُشكِلت عليّ ما شرحت لي أمّي كما أُشكِلت عليّ التّسمية أيضًا. و مضتالأيّام تلو الأيّام و أنا أزداد وعيًا و نضوجًا... بعدها بحين من الزّمن سألت أمّي:ما معنى إسم قريتنا؟!. فقالت لي بما يُشبه الإيمان باليقين الموروث، يا ولدي، إنّإسم قريتنا مبارك بإسم شفيعها و هي مكان ولادة الإبداع و الفنون...
أيضًا لم أعرف مامعنى الإبداع و الفنون ممّا زاد في أمر فهمي تعقيدًا... ف تطوّعت أمّي و راحت تشرحلي ما خفي على وعيي و إستيعابي, يا ولدي قريتنا الرّيفيّة تقع بين قرى تسطعأنوارها من منارات قبب أنبيائها, حيث الكواكب تنبثق منها في جيئة و ذهاب إلى منارةمقام النّبي رشادة, حيث إلتقاء الأنوار المكوكبة من مقام النّبي يوسف في بلدةكفردان شمالاً و عريض الوليّ الصّالح أحمد الطّائع في حدث بعلبك و مقام النّبيإسماعيل في بلدة طاريّا و مقام النّبي سامي في بلدة شمسطار و مقام النّبي الخضر فيعين السّوداء...
هذه الأنوار لا يراها إلاّ من آمن بكرامات النّبيرشادة حيث مقامه الشّريف في بلدته... فمن شاهد هذه الأنوار كُتِب له الخلق و الإبداعو برز في ناحية من نواحي الفنون الأدبيّة أو الفنون التّشكيليّة أو الفنونالأدائيّة. و منذ ذلك الحين, رغم صغر سنّي, بنيت الأمل المرتجى و عقدت النّيّة أنأصبح كاتبًا و فنّانًا تشكيليّا... و كنت في كلّ مساء أرجو أبي أن يأخذني معه إلىرحاب مقام النّبي رشادة للصّلاة و الدّعاء و الإبتهال, علّني أظفر بما قالت ليأمّي و تظهر لي كوكبات الأنوار السّاطعة في زياراتها و مساراتها بين منارات مقاماتالأنبياء المحيطة و بمقام النّبي رشادة...
إرتسمت على محيّا أبيإبتسامة الدّهشة و أعجب بأنّي أريد أن أرود مجالات الفنون الأدبيّة و التّشكيليّة.تبسّم أبي لي بلطافة القبول و ربّت على كتفيّ و ضمّني إلى صدره بحنان الأبوّة، و نمتعلى أمل أن أصبح كاتبًا و فنّانًا...
إحتضنتني جدّتي لأبيو أصقلت موهبتي بالحكايات و الرّوايات و الأساطير التي وجدتها منجمًا لا ينضب عندها.و منذ تلك اللحظة عرفت ما معنى إسم قريتي و ما معنى إسمي و عرفت نكهة صباحات ومساءات و سهرات القرية بمعنى آخر، فقد وجدت في حكايات جدّتي قرية أخرى تختلف عنالقرية التي عند أمّي أو حتّى عند أبي...
شعرت في قريتيالرّيفيّة أنّني أحبّ جدّتي أكثر، و أحبّ حكايات جدّتي أكثر. و كانت جدّتي غالبًاما تتوسّد عتبة الباب في بيتنا التّرابيّ, ترقب المارّة و هم غادون إلى أعمالهم وأشغالهم و غاياتهم. أمّا أنا، كنت ما زلت دون السّنّ الذي يُخوّلني دخول المدرسة. فكنتأتوسّد ركبة جدّتي صاغيًا لحكاياتها و رواياتها و أساطيرها... و أنا لم أكن أستوعبغالبيّة حكاياتها ولم أكن في الغالب بحاجة إلى طلب حكاية جدّتي, بقدر ما كانت هيتبحث عن مستمع لرواياتها و أساطيرها و خرافاتها, يًشاركها عالمها الإفتراضيّ الذيتعيشه. لم أكن أدري و لم و لن أكن سأدري ما الذي كان يجذبني إلى جدّتي العجوز, غيرأنّني كنت أجد في عالمها الأسطوريّ بريقًا يُدغدغ ما هو قابع في أعماقي و أكثررومانسيّة في الحبّ الذي عقلن فكري و العشق الذي قلبن شغافي...
حدّثتني جدّتي عنشموخ تلّة عريض حدث بعلبك و مقام الوليّ الصّالح أحمد الطّائع و أسطورة وجود بقاياحجارة مزاره و ما يرافق ذكره من خشوع و رهبة و ما له من كرامات... و حدّثتني عنسيرة جدّنا آية الله العظمى العالم الطّبيب إبراهيم الحشائشي المدفون في مقابربلدة حدث بعلبك و ما له من مواقف تاريخيّة في زمانه كونه كان مرجعً للإفتاء فيالأزمان السّالفة... و حدّثتني عن مقام النّبي رشادة و كراماته وسبب وجوده في هذاالمكان دون أن تذكر لي زمن وجوده إلاّ ما ذكره بعض الرّحّالة الذين مرّوا فيالمكان و ذكروه, و أفاضت جدّتي في حكاياتها عن الأراضي التي كان يملكها النّبيرشادة كوقف له و كيف إغتصبها البعض بمكائد و مؤمرات في زمن أصحاب السّلطات القاهرةو كيف حاق العذاب بمن إغتصب أرض النّبي رشادة... و حدّثتني طويلاً عن قريتنا وعاداتنا و أعرافنا و تقاليدنا و عباداتنا و أعيانا و مناسباتنا و ضرورة إقامةشعئرها... و حدّثتني بإلحاح عن الأخلاق العظيمة و المناقب الرّفيعة و القيمالإنسانيّة و العنفوان القروي و الشّرف الإنساني...
و غالبًا ما كانتطيور الصّيف ما تُحلّق في سماء قريتنا سابحة مع النّسائم ترسل أغانيها في الفضاءاتالممتدّة, فكنت أسأل جدّتي بشغف عنها؟! و كانت تنظر إلى السّماء و تسبح بعينيهاالضّيّقتين في سماء القرية, حيث تتجمّع سحب الصّيف و هي تُربّت على كتفي قائلة: هيطيور الله راحاة للحجّ في ديار الله المقدّسة. و كنت لا أفهم من كلامها شيئًا... غيرأنّني بعد أن كبرت عرفت ما كانت ترويه لي جدّتي و ما كانت تخشاه عليّ...
و ربّما أنّ التّعبيرالذي مارسته جدّتي معي كان مجرّد رموز و مصطلحات و إشارات تكتنز بالأسرار التيتفوق قدر عمري, تخفي وراءها غرابة التحول الذي سيصيب قريتنا بعد ذلك... حدّثتني جدّتيعن حكايات و روايات دياب زنطورة الذي كان يتعامل بالماورائيات و شقيقته ضعون فيبلدة كفردان... و حدّثتني عن أساطير الجنّ و الليل و حدّثتني أكثر عن النّبيّالخضر عليه السّلام و كيف بنى له النّاس مقامات و مزارات حيث صلّى و إرتاح لفنرةما, و حدّثتني أيضًا عن حكاية لقاء الخضر بالنّبي موسى عند مجمع البحرين مؤكّدةأنّ مجمع البحرين هو في قرية النّبي رشادة غربي بعلبك و أصرّت على أنّ الخضر صلّىفي المقام المنسوب للنّبي رشادة و صلّى في بلدة الخضر و بلدة مورتعلا و بلدة حربتاو في بلدة كفردبش بعد أن ترك بعلبك الذي أرسل هاديًا لها في زمن البعل...
و حدّثتني جدّتي عنرجال عبروا القرية و تركوا تاريخا خلف ظهورهم مملوءً بالأسرار و رحلوا. حدّثتني عنالحرافشة و زمن حكمهم للقرية و عن أجدادي الذين رحلوا عن القرية تحت الظّلم والجور و لجأوا إلى قرى و بلدات أخرى في شحور بجبل عامل و كترمايا بالشّوف و فيالصّرفند و في مشغرة و في بريتال و في حمص و في دمشق و في مصر و في أميركا... حدّثتنيعن الجنّ و السّعالي، حدّثتني حديثًا لم أجده في السّير الشّعبيّة، و لا في ألفليلة و ليلة، حيث كان لجدّتي حكاياتها، و هو ما جعلني أعتقد أنّها لم تكن مجرّدراوية، بل منتجة للحكايات أيضًا. حدّثتني كثيرا و كثيرا حتّى أصبحت مدمنًا علىحكاياتها و رواياتها و أساطيرها...
و بدأت خطواتي الأولىفي مدرسة قريتنا حيث وجدت صعوبة في التّأقلم. فقد كانت حكايات جدّتي مخبّأة فيذاكرتي، كنت أحسّها تتماهى فو ق صفحات دفاتري و كانت طموحاتي تتألّق فوق ضفحاتكتبي, وكنت أرى أحلامي و آمالي تتسابق و تتقافز أمام قلمي... و كثيرًا ما كنت أهربمن مدرستي القرويّة و أنسلّ من الصّفّ دون علم أستاذي علي عدلان عمر و كنت أهرب بينالحصّة الأولى و الحصّة التي بعدها و أذهب إلى جدّتي حيث كانت تجلس، و هو ما جعل عصاأستاذي تتلوّى على ظهري. لأتعلّم بعدها كيف أوفّق بين حكايات جدّتي و عالمي المرسيّالجديد...
كبرت و ظلّت رؤىآمالي تتشارق في بعد فضاءاتي الممتدّة تتقاطع مع حكايات جدّتي التي خبأتها فيذاكرتي تشدّني للطّفولة و القرية و إبتسامة أبي و حنان أمّي و البئر و مقام النّبيرشادة... و كان ولعي بالكتابة و الرّسم بعد ذلك بسنوات يعود لرغبة دفينة في إعادةالقرية التي عشتها عندما كنت طفلا. كنت أرى القرية تهرب من حكايات جدّتي نحو عالم آخرعالم الخلق و الإبداع عالم كنت أسعى كي أعيشه بحبّ و عشق و عطاء...
قريتي اليوم لم تعدكما كانت في الأمس فقد مات الأوائل و هجر الأبناء أرضهم و هاجروا وراء وهمالوظيفة، كما تقاعد الكبار و أسلموا كفاحهم للنّسيان. أمّا النّساء الأوائل فقدغدوا تحت الثّرى و الباقيات فقد سقطن سهوًا خلف ظلمة الجدران المعتمة...
أشعر أنّ قريتي التيكانت في يوم ما واقعًا أصبحت خيالا. فحاضر القرية لم يولد من ماضيها، بل جاء وافدًابكلّ ما له و ما عليه. و القرية التي كانت آمنة مطمئنّة لم تعد كذلك. عندما بدأتكتابة القصّة كنت مدفوعًا بفطرة الكتابة نحو القرية التي تشكّلت عبر واقع عشت طرفًامنه فيما مضى، كنت مدفوعًا للتّعبير عن القرية التي وجدتها مختبئة في حكايات جدّتي.كانت مهمّتي و ما زالت و ستبقى البحث عن هذه القرية، ثمّ إعادة إنتاجها ممّا جعلهاتبدو خياليّة غير ممكنة الحدوث، رغم أنّها كانت حاضرة بقوة...
تجربتي ما هي إلاّ تجربةتسعى إلى توظيف الأسطورة الشّعبيّة و توكيدها من عالم الإفتراض إلى عالم الواقع...و إنّ ما يراه البعض أسطورة كان بالأمس القريب و البعيد واقعًا معاشًا، و أنّ مايبدو شكله عالمًا غرائبيّا أو عجائبيّا هو حالة الإنفصام الجذري و القهري عن عالم عشناهو ليس ببعيد في النّاحية المكانيّة من النّاحية الزّمنية، لكنّه بعيد من النّاحيةالإنسانيّة و المعنويّة... فقريتي الموسومة بقرية النّبي رشادة عليه السّلام هي كلّالقرى في بلاد بعلبك و الهرمل و البقاع الغربي و الجنوب و جبل لبنان و عكّار وراشيّا و حاصبيّا، و كما في قريتي للنّبيّ الخضر عليه السّلام مقام في صدور و قلوبالمؤمنين ففي كلّ القرى و البلدات الرّيفيّة للخضر مكانته الإيمانيّة في الصّويريو عين عرب و الدّكوة و أبو قمحة و كفركلا و العديسة و يارون و الصّرفند و رأس أسطاو طرابلس و بيروت... و مأساة قريتي هي مأساة غيرها، تنمية أسقطت القرى سهوًا فضاعمنّا ما لا يعوّض... فهل من أذن صاغية للمعاناة و القهر و الحرمان؟!...
تعليق