جنيف ،،، ( ذات ربيع )
قَبَعْتُ في غرفتي أطالع صحفا قديمة بفندق (البوريفاج) العتيق بموقعه الخرافي الذي يطل على بحيرة جنيف الجميلة، و على أطول نافورة في العالم.
ازدحمت المدينة بالبشر من كل أنحاء أوربا ،، فعيد الزهور على الأبواب.
أما أنا فقد أتيتها من باريس برا في رحلة عمل.
قاد مرافقي المغربي السيارة من باريس إلى جنيف.
رحلة ستظل محفورة في قاع ذاكرتي ،، فالريف الفرنسي يكاد يجعلك بالكاد تركز نظرك في اتجاه واحد.
تتلفت يمنة ويسرة حتى لا يفوتك شيء من هذا الجمال المستمر.
الخضرة في كل مكان، والهواء عليل.
عندما وصلنا جنيف ،، أوقفنا سيارتنا في مكان لم ننتبه إلى أن الوقوف ممنوع فيه.
بكل لباقة خاطبنا العسكري الذي لا يلبس زيا رسميا :
بنجور مسيوز ،، أنتم تقفون في الممنوع ،، من لوحة السيارة يبدو أنكم ضيوف ، هل تريدون أي خدمة ؟
شكرناه، فأبتسم ابتسامة تشع لباقة وأدبا ثم أنصرف.
انطلقنا نحو الفندق.
الهدوء المخيم على المدينة الجميلة ،، يدخل السكينة والطمأنينة إلى قلبك.
أكشاك صغيرة تملأ أطراف البحيرة.
تلوح هناك جبال الألب السامقة في انتظار زخات الجليد وجموع السائحين.
جسر خشبي صغير يفصلك عن السوق الذي يعج بمحلات الساعات والأنتيكات والمشغولات.
المنازل الفاخرة ترقد على الضفة الأخرى من البحيرة.
أدْمنتُ الجلوس على إحدى المقاعد وإطعام البط فتات الخبز.
كان جلوسي على نفس المقعد كل يوم و في نفس الوقت.
النظر للبحر يجعل عقلي يتمدد بامتداد البحر ويربت على شعوري بالوحدة.
خلفي يقبع كشك صغير يبيع الآيس كريم.
تقف خلف طاولته فتاة في عمر الزهور ، بزيها الريفي وبشرتها تحاكي لون الشفق في بداية الغروب.
وجه وديع مستدير ،، يذكرني بصورة فتاة مرسومة على علبة حلويات ( بوند ستريت ) التي كنا نشتريها أيام زمان.
شعر أشقر مجدول ينساب إلى ما أسفل خصرها ،، تلمع ضفيرتيه في ضوء الشمس كرقائق النحاس المُجَمَّر.
وقفتْ تحدق في وجهي ،، أحس بنظراتها تخترق ظهري.
ألتفت نحوها فتشاغلتْ بعملها ونصف ابتسامة ترقد على جانب شفتيها.
لون الزُرْقة في عينيها ،، يزيد من روعتهما لون بشرتها.
جلستُ على المقعد ،، ألقي بفتات الخبز ،،مستمتعا بعراك البط عليه.
النظرات إياها كنت أحس بها على ظهري تلسعني كشمس الظهيرة عند عودتي أيام الدراسة في شارع بيتنا الضيق.
ألتفتُّ بسرعة، فوجدتها تنظر إلي ،، لم تستطع أن تحول بصرها ،، تسمرت عيناها علي و كأنني أمسكتها بالجرم المشهود، تقدمت نحوها وعيناى لا تفارقان عيناها.
: صباح الخير
فردت أولا باللغة الألمانية ،، ثم بالفرنسية
قلت لها : أنت سويسرية طبعا
قالت و هي تتلعثم : أمي ألمانية و أبي سويسري ثم أردفتْ : من أين أنت ؟
هل يمكنك أن تخمني ؟
لا أستطيع ،، من أين أنت ؟
قلت لها : أنا من بلاد شمسها مشرقة . هل سمعتِ بنهر النيل؟
فشخصت ببصرها بعيدا كأنها تستحضر خارطة العالم في مخيلتها ،، وحركتْ كتفيها دلالة على جهلها بموقعي على خارطتها التخيلية..
ناولتني كوبا من ( الآيسكريم ).
قالت بابتسامة عريضة : أسمي أماندا
حملقتْ مبهورة ،، تتفرس في ملامحي بعناية.
قلت لها : إلام تنظرين ؟
قالت : لونك جميل ...
قلت لها : و أنا أعتقد أن لونك أجمل ،، وعيناك في زرقة البحر ،، و ....
أحمر وجهها خجلا وأطرقتْ تتشاغل بعملها ،، فكفَفْتُ عنها الوصف ذي الغزل البائن.
قلت : هل هناك مانع لو دعوتك لتناول العشاء معي ؟
ضحكتْ بعفوية طفل ،، لم أعرف إن كانت ضحكة موافقة أم اعتذار.
قلت : أعذريني لجرأتي
قالت : لا عليك ،، أود ذلك
أحاطها جو من الألفة والاطمئنان.
تتحدث معي ،، والمشترون لا ينقطعون.
قلت لها : سأشغلك عن عملك ،، أراك فيما بعد.
فأصرّتْ على بقائي.
لغتي الفرنسية ضعيفة ، و إنجليزيتها أضعف ،، لذا كانت تتحدث و كأنها تلوك الكلمة كقطعة من (اللبان) قبل أن تنطقها،
أصححها فتبتسم فينفرج خداها عن غمازتين بحجم نبقة سدر.
دعتني للاحتفال معها بعيد الزهور في منزل أسرتها.
تسكن في منزل بأعلى الجبل ،، تطل منه على جنيف فتبدو لك المدينة كقطيع يرعى في واد زاهي الاخضرار.
أسرتها وبعض المعارف ،، الكل يحملق في طويلا ،، ثم ينقلب الانبهار إلى عفوية وترحاب و الكل يريد أن يقدم لك مشروبا.
عرفت أنها يتيمة الأبوين ،، تقوم عمتها و زوج عمتها برعايتها..
شربوا نخبي أكثر من كأس.
لا أدري ما كانوا يقولونه عند كل نخب ،، أغلبهم يتحدث الألمانية التي تذكرني بصهيل الخيل.
رقصاتهم كرقصة الدبكة اللبنانية ،، والكل يرقص ،، والوجوه في حمرة الجمر بفعل المشروب والضحك والابتهاج.
تابعتُ المنتشين ،، وهي تتابعني بنظرات فاحصة لم أستطع ترجمتها.
عيد الزهور عالم ثان في هذه المدينة.
يختلط حابل الزهور بنابل خليط البشر ،، كرنفال من الألوان واحتفالية تضمخ الجو بعبق فواح.
أقفلتْ المحل ،، و هرعت إليّ و أنا أمارس هوايتي مع البط على البحيرة ،، جذبتني من يدي و أمسكت بها بقوة ،، و انطلقت بي وسط الجموع.
قالت و هي تنضح بالفرح وتضج بالسعادة : هذا يوم عيد ،، دعنا نمرح.
هتفتُ في صمت :
( إيه أيتها الأقحوانة الجبلية ،، عالمي غابة تعج بالأفاعي والذئاب وبنات آوى،، أتتركين هذه الجنة لصحرائي لتذوبي بين حبات رمالها الحارقة ؟ لم تسأليني حتى عن حياتي و عن سيرتي ،، ).
ببشرتي السمراء ،، ويدي التي تمسك بها صبية في لون الورد،، شعرت وكأنني عصفور أغبش يحلق فوق غابة من زهور الأوركيد والبنفسج.
انغمستُ في الأيام التالية في مهمتي التي أتيت من أجلها.
تسارعتْ وتيرة عملي، فتوقفت حتى عن هوايتي مع البط عند البحيرة.
شيء ما في دواخلي يدعوني للابتعاد عنها. مآلات علاقة مثل هذه العابرة تجعلني أغرق في تخمين يسوده الارتياب وعدم الركون إلى رأي محدد وقاطع.
وجدتُ أكثر من رسالة لي منها في غرفتي.
إستغرقني العمل تماما.
ذاك الصباح، رأيتها تقف حزينة عند باب الفندق.
أمسكتها من يدها الصغيرة الباردة.
قالت وحزن عميق يغلف صوتها : لم تهرب مني ؟ هل أغضبتك في شيء ؟
لا ،، و ألف لا ،، لم أهرب ،، كل ما في الأمر أنني مشغول.
قالت معاتبة : و لكن لديك وقت للراحة ،، لم تعد تأتي.
قلت وأنا أتحاشى نظراتها : أعذريني ،، سأسافر بعد غد إلى مدريد.
قالت و هي تركز عيناها في عيني وتزدرد ريقها : سآتي معك.
قلت في وجل : لا يمكن أن تأتي معي ،، فأنا في رحلة عمل ،، لن أجد متسعا من الوقت لك.
قالت متوسلة : سأسبقك إلى مدريد في كل الأحوال.
قلت : أوعدك وعدا صادقا بأنني سأعود.
قالت بلهفة : متى ؟
قلت : ربما بعد ثلاثة أشهر ،، أنا أعرف أين تسكنين ،، سأزورك.
قالت : هل ستحادثني و تكتب إلى ؟
قلت : بالطبع
قالت : لقد وعدتني
***
وجدتها تنتظرني في بهو الفندق لتودعني
قلت لها : إلى اللقاء إذن.
عيناها مفعمة بدمعات تتساقط متقطعة.
خلت للحظة أن دموعها ستنزلق زرقاء كلون عينيها ..
أعطتني علبة ملفوفة بعناية.
نظرت إلي مطولا بصمت فصيح.
ودعتني ،، وهرولت مسرعة دونما التفاتة أو كلمة.
وددت أن أناديها ،، أحجمت لسبب لا أدري كنهه.
وقفت أحدق في الزحام و هي تتوارى فيه.
ندمت أنني أهملتها كل هذه الفترة.
أرهقني إخلاصها و صدقها، وعذبني هروبي.
و في الطائرة فتحت العلبة، كانت ساعة جميلة و أنيقة،، حفرت خلفها أسمها و تاريخ لقاءنا.
احتضنت الهدية مطولا في راحة يدي ،، و كأنني أحس فيها بأنفاسها المتلاحقة و نبض قلبها ،، وضعت الساعة على أذني ،، دقاتها تردد صدى ضحكاتها العفوية.
مال زميلي ليراها ،، فدسستها في جيبي.
من نافذة الطائرة ،، كانت كل قمم الجبال كأنها رؤوس تماثيل تحاكي وجهها الطفولي ،، و في أذني يرن صوتها المتلعثم يلوك كل كلمة قبل أن تنطقها.
ما زالت إلى الآن عقارب الساعة تذكرني بها ،، وبخفقات أجنحة البط على البحيرة ،، وبموسيقى الريف تلك الليلة في أعلى الجبل.
قَبَعْتُ في غرفتي أطالع صحفا قديمة بفندق (البوريفاج) العتيق بموقعه الخرافي الذي يطل على بحيرة جنيف الجميلة، و على أطول نافورة في العالم.
ازدحمت المدينة بالبشر من كل أنحاء أوربا ،، فعيد الزهور على الأبواب.
أما أنا فقد أتيتها من باريس برا في رحلة عمل.
قاد مرافقي المغربي السيارة من باريس إلى جنيف.
رحلة ستظل محفورة في قاع ذاكرتي ،، فالريف الفرنسي يكاد يجعلك بالكاد تركز نظرك في اتجاه واحد.
تتلفت يمنة ويسرة حتى لا يفوتك شيء من هذا الجمال المستمر.
الخضرة في كل مكان، والهواء عليل.
عندما وصلنا جنيف ،، أوقفنا سيارتنا في مكان لم ننتبه إلى أن الوقوف ممنوع فيه.
بكل لباقة خاطبنا العسكري الذي لا يلبس زيا رسميا :
بنجور مسيوز ،، أنتم تقفون في الممنوع ،، من لوحة السيارة يبدو أنكم ضيوف ، هل تريدون أي خدمة ؟
شكرناه، فأبتسم ابتسامة تشع لباقة وأدبا ثم أنصرف.
انطلقنا نحو الفندق.
الهدوء المخيم على المدينة الجميلة ،، يدخل السكينة والطمأنينة إلى قلبك.
أكشاك صغيرة تملأ أطراف البحيرة.
تلوح هناك جبال الألب السامقة في انتظار زخات الجليد وجموع السائحين.
جسر خشبي صغير يفصلك عن السوق الذي يعج بمحلات الساعات والأنتيكات والمشغولات.
المنازل الفاخرة ترقد على الضفة الأخرى من البحيرة.
أدْمنتُ الجلوس على إحدى المقاعد وإطعام البط فتات الخبز.
كان جلوسي على نفس المقعد كل يوم و في نفس الوقت.
النظر للبحر يجعل عقلي يتمدد بامتداد البحر ويربت على شعوري بالوحدة.
خلفي يقبع كشك صغير يبيع الآيس كريم.
تقف خلف طاولته فتاة في عمر الزهور ، بزيها الريفي وبشرتها تحاكي لون الشفق في بداية الغروب.
وجه وديع مستدير ،، يذكرني بصورة فتاة مرسومة على علبة حلويات ( بوند ستريت ) التي كنا نشتريها أيام زمان.
شعر أشقر مجدول ينساب إلى ما أسفل خصرها ،، تلمع ضفيرتيه في ضوء الشمس كرقائق النحاس المُجَمَّر.
وقفتْ تحدق في وجهي ،، أحس بنظراتها تخترق ظهري.
ألتفت نحوها فتشاغلتْ بعملها ونصف ابتسامة ترقد على جانب شفتيها.
لون الزُرْقة في عينيها ،، يزيد من روعتهما لون بشرتها.
جلستُ على المقعد ،، ألقي بفتات الخبز ،،مستمتعا بعراك البط عليه.
النظرات إياها كنت أحس بها على ظهري تلسعني كشمس الظهيرة عند عودتي أيام الدراسة في شارع بيتنا الضيق.
ألتفتُّ بسرعة، فوجدتها تنظر إلي ،، لم تستطع أن تحول بصرها ،، تسمرت عيناها علي و كأنني أمسكتها بالجرم المشهود، تقدمت نحوها وعيناى لا تفارقان عيناها.
: صباح الخير
فردت أولا باللغة الألمانية ،، ثم بالفرنسية
قلت لها : أنت سويسرية طبعا
قالت و هي تتلعثم : أمي ألمانية و أبي سويسري ثم أردفتْ : من أين أنت ؟
هل يمكنك أن تخمني ؟
لا أستطيع ،، من أين أنت ؟
قلت لها : أنا من بلاد شمسها مشرقة . هل سمعتِ بنهر النيل؟
فشخصت ببصرها بعيدا كأنها تستحضر خارطة العالم في مخيلتها ،، وحركتْ كتفيها دلالة على جهلها بموقعي على خارطتها التخيلية..
ناولتني كوبا من ( الآيسكريم ).
قالت بابتسامة عريضة : أسمي أماندا
حملقتْ مبهورة ،، تتفرس في ملامحي بعناية.
قلت لها : إلام تنظرين ؟
قالت : لونك جميل ...
قلت لها : و أنا أعتقد أن لونك أجمل ،، وعيناك في زرقة البحر ،، و ....
أحمر وجهها خجلا وأطرقتْ تتشاغل بعملها ،، فكفَفْتُ عنها الوصف ذي الغزل البائن.
قلت : هل هناك مانع لو دعوتك لتناول العشاء معي ؟
ضحكتْ بعفوية طفل ،، لم أعرف إن كانت ضحكة موافقة أم اعتذار.
قلت : أعذريني لجرأتي
قالت : لا عليك ،، أود ذلك
أحاطها جو من الألفة والاطمئنان.
تتحدث معي ،، والمشترون لا ينقطعون.
قلت لها : سأشغلك عن عملك ،، أراك فيما بعد.
فأصرّتْ على بقائي.
لغتي الفرنسية ضعيفة ، و إنجليزيتها أضعف ،، لذا كانت تتحدث و كأنها تلوك الكلمة كقطعة من (اللبان) قبل أن تنطقها،
أصححها فتبتسم فينفرج خداها عن غمازتين بحجم نبقة سدر.
دعتني للاحتفال معها بعيد الزهور في منزل أسرتها.
تسكن في منزل بأعلى الجبل ،، تطل منه على جنيف فتبدو لك المدينة كقطيع يرعى في واد زاهي الاخضرار.
أسرتها وبعض المعارف ،، الكل يحملق في طويلا ،، ثم ينقلب الانبهار إلى عفوية وترحاب و الكل يريد أن يقدم لك مشروبا.
عرفت أنها يتيمة الأبوين ،، تقوم عمتها و زوج عمتها برعايتها..
شربوا نخبي أكثر من كأس.
لا أدري ما كانوا يقولونه عند كل نخب ،، أغلبهم يتحدث الألمانية التي تذكرني بصهيل الخيل.
رقصاتهم كرقصة الدبكة اللبنانية ،، والكل يرقص ،، والوجوه في حمرة الجمر بفعل المشروب والضحك والابتهاج.
تابعتُ المنتشين ،، وهي تتابعني بنظرات فاحصة لم أستطع ترجمتها.
عيد الزهور عالم ثان في هذه المدينة.
يختلط حابل الزهور بنابل خليط البشر ،، كرنفال من الألوان واحتفالية تضمخ الجو بعبق فواح.
أقفلتْ المحل ،، و هرعت إليّ و أنا أمارس هوايتي مع البط على البحيرة ،، جذبتني من يدي و أمسكت بها بقوة ،، و انطلقت بي وسط الجموع.
قالت و هي تنضح بالفرح وتضج بالسعادة : هذا يوم عيد ،، دعنا نمرح.
هتفتُ في صمت :
( إيه أيتها الأقحوانة الجبلية ،، عالمي غابة تعج بالأفاعي والذئاب وبنات آوى،، أتتركين هذه الجنة لصحرائي لتذوبي بين حبات رمالها الحارقة ؟ لم تسأليني حتى عن حياتي و عن سيرتي ،، ).
ببشرتي السمراء ،، ويدي التي تمسك بها صبية في لون الورد،، شعرت وكأنني عصفور أغبش يحلق فوق غابة من زهور الأوركيد والبنفسج.
انغمستُ في الأيام التالية في مهمتي التي أتيت من أجلها.
تسارعتْ وتيرة عملي، فتوقفت حتى عن هوايتي مع البط عند البحيرة.
شيء ما في دواخلي يدعوني للابتعاد عنها. مآلات علاقة مثل هذه العابرة تجعلني أغرق في تخمين يسوده الارتياب وعدم الركون إلى رأي محدد وقاطع.
وجدتُ أكثر من رسالة لي منها في غرفتي.
إستغرقني العمل تماما.
ذاك الصباح، رأيتها تقف حزينة عند باب الفندق.
أمسكتها من يدها الصغيرة الباردة.
قالت وحزن عميق يغلف صوتها : لم تهرب مني ؟ هل أغضبتك في شيء ؟
لا ،، و ألف لا ،، لم أهرب ،، كل ما في الأمر أنني مشغول.
قالت معاتبة : و لكن لديك وقت للراحة ،، لم تعد تأتي.
قلت وأنا أتحاشى نظراتها : أعذريني ،، سأسافر بعد غد إلى مدريد.
قالت و هي تركز عيناها في عيني وتزدرد ريقها : سآتي معك.
قلت في وجل : لا يمكن أن تأتي معي ،، فأنا في رحلة عمل ،، لن أجد متسعا من الوقت لك.
قالت متوسلة : سأسبقك إلى مدريد في كل الأحوال.
قلت : أوعدك وعدا صادقا بأنني سأعود.
قالت بلهفة : متى ؟
قلت : ربما بعد ثلاثة أشهر ،، أنا أعرف أين تسكنين ،، سأزورك.
قالت : هل ستحادثني و تكتب إلى ؟
قلت : بالطبع
قالت : لقد وعدتني
***
وجدتها تنتظرني في بهو الفندق لتودعني
قلت لها : إلى اللقاء إذن.
عيناها مفعمة بدمعات تتساقط متقطعة.
خلت للحظة أن دموعها ستنزلق زرقاء كلون عينيها ..
أعطتني علبة ملفوفة بعناية.
نظرت إلي مطولا بصمت فصيح.
ودعتني ،، وهرولت مسرعة دونما التفاتة أو كلمة.
وددت أن أناديها ،، أحجمت لسبب لا أدري كنهه.
وقفت أحدق في الزحام و هي تتوارى فيه.
ندمت أنني أهملتها كل هذه الفترة.
أرهقني إخلاصها و صدقها، وعذبني هروبي.
و في الطائرة فتحت العلبة، كانت ساعة جميلة و أنيقة،، حفرت خلفها أسمها و تاريخ لقاءنا.
احتضنت الهدية مطولا في راحة يدي ،، و كأنني أحس فيها بأنفاسها المتلاحقة و نبض قلبها ،، وضعت الساعة على أذني ،، دقاتها تردد صدى ضحكاتها العفوية.
مال زميلي ليراها ،، فدسستها في جيبي.
من نافذة الطائرة ،، كانت كل قمم الجبال كأنها رؤوس تماثيل تحاكي وجهها الطفولي ،، و في أذني يرن صوتها المتلعثم يلوك كل كلمة قبل أن تنطقها.
ما زالت إلى الآن عقارب الساعة تذكرني بها ،، وبخفقات أجنحة البط على البحيرة ،، وبموسيقى الريف تلك الليلة في أعلى الجبل.
تعليق