قراءة انطباعية لنص" تاريخ" للكاتب علي بنساعود بقلم: محمد المهدي السقال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد المهدي السقال
    مستشار أدبي
    • 07-03-2008
    • 340

    قراءة انطباعية لنص" تاريخ" للكاتب علي بنساعود بقلم: محمد المهدي السقال

    نص" تاريخ"
    ق ق ج للكاتب علي بنساعود
    قراءة انطباعية بقلم: محمد المهدي السقال




    في الأدب كما في السياسة، لا تؤسس القناعة الحقيقية إلا على اقتناع يسنده اطمئنان النفس بالوجدان و التفكير، زاد من قوة اليقين في هذا الاعتقاد، ما أدركته من مصالحة مع القصة القصيرة جدا، بعدما ظللت حذرا في التعاطي معها، فلا أتحدث عنها كشكل قصصي، إلا بصيغة ما يُسَمَّى بِــ، ليس نفيا للاعتراف بها، ولكن تعبيرا عن التردد في التسليم باستقلالها الفني ضمن الكتابة السردية، بالنظر لما تستدعيه الحكاية من حبكة في تأليف مكوناتها، لتحقق تلك المحاكاة على التخييل مادة سردية تستوفي حاجاتها من شروط التعبير باللغة.

    • بدأت ملامح تلك المصالحة الفعلية في التشكل، مع الاقتراب كثيرا من بعض الأسماء القصصية المشتغلة بجدية على كتابة تلك القصة القصيرة جدا، أذكر من ضمنها على سبيل التمثيل بعيدا عن أية مفاضلة، اسم الكاتب المغربي علي بنساعود، (2) صاحب النص موضوع القراءة.
    • لماذا هذا النص بالذات؟! : حين كنت بصدد قراءة مجموعة القصص القصيرة جدا (3) للكاتب، لفت انتباهي نص يعيد للواجهة، قيمة الحمولة الفكرية بصيغة فنية، بعدما كاد أن ينضب معين الصراع الطبقي ضمن خلفيات سرد الرواد إلى حدود التسعينات في الأقصى، وجدت فيه ذلك المعنى المفتقد منذ الزمن الضائع للسرد المغربي، والذي يلومني في التعلق به كثيرون، لمجرد الحديث عنه بحنين إليه يميل إلى التقديس، كما لاحظ البعض في إحدى المداخلات.
    • عند قراءتي المتكررة لنص " تاريخ"، لمست إشراقة سردية متميزة في بنية القصة القصيرة جدا، تنحو في اتجاه الوفاء لقيم موضوعية من صميم تحولات الواقع، مع حفظ الارتباط بأصول تلك القيم الكونية، بعد مراعاة وضعية الشرط الانساني الذي يعيشه بعض الكتاب الجدد، بالرغم من كون كثيرين منهم غير منخرطين بالفعل، بسبب غياب نضج فكري و وعي سياسي، يفترض أن يشكّلا خلفية الواقعية الجديدة في الكتابة القصصية.
    • و قد كان ضروريا تفسير أو تبرير ما تشكل من انطباع، اعتمادا على أدوات تحليل منهجية، تستوقف مفاصل المتن على مستويات البناء واللغة والدلالة، ضمن تصوري حول الانطباعية (4).
    • المتن :
      تاريخ
      بساحة الحمام، التقينا،
      نستعد لعدونا الطبقي.
      قطعنا أوصال بعضنا بعضا.
      انتهينا إلى صياغة أرضية مشتركة.
      تسايفنا من أجل تفعيل بنودها.
      ت ف ر ق ن ا
      شذر
      مذر
      متعبين ...

    • بدءا من عتبة العنوان بكلمة "تاريخ"، المصدر المفرد النكرة بمستوييه اللغوي والاصطلاحي، يجد القارئ نفسه بصدد التساؤل عما يمكن إلحاقه باللفظ، لبناء جملة ذات معنى بافتراض ما يمكن استدراكه صفة له من النعت دون الحال،( تاريخ أجوف/ تاريخ أعرج/ تاريخ مزيف/ تاريخ جميل)، أو إلحاقه بما يعرف به من المضاف إليه (تاريخ صراع/ تاريخ الصراع/ تاريخ طبقة/ تاريخ الطليعة/ تاريخ المغرب)، علما بأن تنكيره يوسع أفق تصورات الوارد من عموم المعاني ذات الصلة، بخلاف ما للتعريف من تقييد، يبقى بصيغته الابتدائية محتاجا إلى متعلق لاكتمال المعنى بجملة موصولة أو صفة.
    • و تتقاسم كلمة " تاريخ"، حمولة الزمن الماضي القابل للامتداد في الحاضر، فتحيل على واقع أو حقيقة يكون لهما وجود عيني متحيز في الزمكان، بقدر ما يكون لهما سند من الصدق على المطابقة بين مضمونه الحدثي و روايته بالتواتر أو بالتدوين، و هنا قد يتساءل القارئ عما سيقرأه نصا تحت هذا العنوان، وقد صُنف سلفا ضمن قصة قصيرة جدا ؟ ليس فقط من حيث المفارقة بين حقيقة التاريخ و مجاز الفن، ولكن أيضا، من حيث قابلية هكذا سرد لاحتواء كل منهما متصلين أو منفصلين.
    • ثمة حكاية عن تطور مسار حدث وقع في مكان معلوم الإخبار بوجوده،(ساحة الحمام) من خلال جملة أفعال تصدر تصاعديا عن قوى إنسانية، تحركها حاجات و نوازع اتصالا وانفصالا فيما بينها، على امتداد رقعة في الزمان يحد طرفاها ما يقع ابتداءً بالالتقاء و انتهاءً بالتفرّق بين الفاعلين في سياق الحدث.
    • على امتداد المسافة بين الالتقاء برغبة الإرادة و وعي الاختيار، و بين التفرق شذر مذر متعبين، يعيش أفراد الجماعة التي تحدَّدَ ضمنها للسارد انتماء، وضعية صراع مع الذات بمختلف تلويناتها و تكويناتها ضمن نسيج النضال السياسي بتنوع مرجعياته الإيديولوجية و ولاءاته الحزبية.
    • تستوقف القارئ "ساحة الحمام"، فيستحضر حمولة المكان النضالية في الوعي الجمعي، غير أنه يفاجأ بانتقال الفضاء الجميل، إلى حلبة صراع يأخذ مسارا انكفائيا بين مكونات الذات المتوافقة على الالتقاء استعدادا لمواجهة عدوها الطبقي، بدل الاتجاه نحو الآخر/ الجحيم، بكل ما يحيل عليه حجم الرفض و التشوق لوجود مغاير ضدا على الثبات والاجترار في سلطة التحكم المجاني برقاب العباد، لتنتهي الفصائل إلى خلاف بعد اختلاف، ويكون مصير الالتقاء ذلك التفرق الحزين شذر مذر بين الإخوة الأعداء.
    • يحقق النص انتماءه الفني لنوع القصة القصيرة جدا، بما راهن عليه من تكثيف لغوي ودلالي، بصيغة توالي جمل سردية تحكي عن حدث في المكان يمتد في الزمان التعاقبي غير القابل للفصل في تصاعده.

    • يحيل تأمل المادة الحدثية في نص " تاريخ"، على كثير من التفاصيل الضمنية، و التي يُستدعَى المُتلقي إلى إعادة تركيبها في مشاهد يستغرق تعالقُها في الزمن مساحة صراع، يُذكِّر بانشغالات المضمون القصصي عند الرواد حين يمتحون من صميم الواقع الاجتماعي والسياسي، استجابة لرؤيتهم لرهان النص السردي.
    • في الآن نفسه، يلمس قيمة فنية للقصة القصيرة جدا، في شخص نص "تاريخ"، بعد الوقوف على ما بلغه التكثيف السردي من قدرة على اختزال ما ظلت تحتكره الرواية لتقديم صراع الأفكار بين نخب الطليعة الثقافية في المجتمعات النامية، كما جسدته تمثيلا لا حصرا الرواية المحفوظية.
    • وكما تعمد الكاتب تغييب الزمن للدفع بارتقاء الحدث إلى مستوى عام لا يتقيد بتخصيص، اختار بموازاة ذلك بطولة الجماعة قوة رئيسة، من غير تحديد لجنسها أو فئتها العمرية أو انتمائها الثقافي و السياسي و الاجتماعي، ليشكل تجريدها من تلك التنميطات ارتقاءا بهويتها الخاصة إلى مستوى عام يرفض التحييز في جغرافية أو تاريخ ما، بالرغم من حضور ساحة الحمام الموصولة في ذاكرة التلقي المغربي، بمكان مخصوص ظل فضاء التجمعات الجماهيرية ذات المطالب المرتفعة السقف في خطاب الشارع، ضد عنف ممارسات السلطة المركزية في حق المهمشين خارج التغطية الحزبية المشاركة في مظلة النظام السياسي.
    • باستثناء الفعل الوحيد الذي جاء مضارعا في النص بصيغة المتكلم جمعا،(نستعد لعدونا الطبقي)، دالا على الحال الممتد في الاستقبال، بقي الفعل الماضي مهيمنا بالصيغة نفسها (التقينا/ قطعنا/ انتهينا/ تسايفنا/ تفرقنا)،للدلالة على تحقق الفعلية في زمن محدد ليس له ذلك الامتداد، مع ملاحظة تعلق تلك الأفعال لتمام معناها، بلاحق يفسر اتجاه الفعل أو علة ، ليس من قبيل الإفاضة في الشرح، فتسقط في فخ الإضافة حشوا واستطرادا، وهما مناقضان للاختزال باعتباره مطلبا فنيا تختص به القصة القصيرة جدا، ولكن لضرورة الحاجة إلى ذلك التعلق، كي تبلغ الحكاية مقصدها في التلقي وتحقق بالتالي ما يكون غاية من رهان التواصل بين المبدع والقارئ، دفعا لأي انزياح بالتأويل خارج سياقه الموضوعي المستهدف.
    • بوقفة أولية عند الأفعال وما كان يمكن أن يرِدَ بديلاً عنها من مفردات اللغة المرادفة، (التقينا و ليس تجمعنا ؟) / (نستعد وليس نواجه ؟) /( قطعنا و ليس مزقنا؟ ) / (انتهينا وليس اتفقنا؟) / (تسايفنا وليس تضاربنا ؟) / (تفرقنا وليس اختلفنا؟)، يمكن الاطمئنان إلى زعم حرص الكاتب على انتقاء الدقيق من اللفظ، لتنضاف كثافته الدلالية إلى كثافة التعبير اللغوي.

    • لقد ضمن الكاتب قصته حكاية صراع النخبة الطليعية، بعدما فتحت النار على بعضها رغم سابق التوافق على تأجيل المواجهة الممكنة، مادام ثمة عدو طبقي يتقاسم نبضُ الشارع مرارتَه، فحكى النص في ست جمل قصة " تاريخ" شعب، نسي أو تناسى حقيقة اعتلاله، فارتد إلى نفسه يقبل بالتناحر بدل المواجهة و الرفض للآخر .
    • من يقرأ هذا النص السردي على قصره الشديد، يجد نفسه متفاعلا مع حمولة حكايته، بعدما أثث لها الكاتب من عميق صدقه مع نفسه ومع المتلقي، بما يكفي لتولد الآثار الممكنة من غضب وتذمر وحسرة، ربما يكون الإفصاح عن عمق الجرح إحدى مداخل التطهير، بعد تضخم الإحساس بالألم.
    • للذهاب بالقصة إلى أمدائها البعيدة الممكنة، أبحث دائما عن مدخل لقلب المعنى الذي تراهن عليه، لإنتاج نص آخر، يتصل أو ينفصل عن البعد المستهدف، وفي قصة "تاريخ" لعلي بنساعود، لفتت انتباهي إمكانية قلب المعنى رأسا على عقب، بزيادة حرف وحيد لا أقل ولا أكثر، يكون "هاءا" بديلة عن نون فاعل الجماعة في كلمة " أوصالنا"، لتصير الجملة الثالثة : "قطعنا أوصالنا بعضنا ببعض" بعد الإبدال: "قطعنا أوصالهُ بعضنا ببعض".
    • تصبح الكلمة المتصلة بالهاء ضميرا عائدا على غير مذكور في القصة، لأنه يبقى ضمنيا مسكوتا عنه، لكنه يبقى معرفا بما يدل عليه من استدعاءات في الوعي واللاوعي، فتنفتح حدثية القصة على فضاء آخر، يكون فيه الصراع طبقيا بالمعنى الحقيقي، وتأخذ الجمل السردية السابقة واللاحقة أبعادا مغايرة بتغيير اتجاه حركة أفعالها في الزمان و المكان.

    • الهوامش:

    (1) " تاريخ" النص (27)ضمن مجموعة الق ق جدا: "ظلال ذابلة"
    (2) مغربي من مواليد 07/ 07/ 1960 بفاس، أستاذ، حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة، تخصص أدب عربي حديث... مدير لجريدة "فضاء سجلماسة" الجهوية الصادرة بإقليم الرشيدية، صدرت له حتى الآن المئات من الدراسات النقدية والمقالات الصحفية الموزعة على العديد من المجلات والجرائد الوطنية والعربية...
    (3) ظلال ذابلة/رايات بلا عبير:دار الآمان بالرباط سنتي2013/ 2014
    (4) الانطباعية: من القراءة إلى التلقي. ضمن كتاب: نصوص سردية مغربية: قراءة انطباعية.
    http://www.pho2up.net/do.php?filename=pho2up_1419619531431.pdf


    " مُـجَـرَّدُ كَـلاَمِ عَـجُـوزٍ لَـمْ يُـدْرِكْـهُ الْـبُـلُـوغ "
يعمل...
X