ومضات
او
الموت و الحياة
قصدية نثر طويلة .
انور غني
مقدمة : ربما اصبح من الصعب القول بامكانية تحقق قصيدة طويلة مركبة من اكثر من مقطع شعري يتجاوز وحدة الذاكرة القصيرة في عصرنا الحاضر، حيث ان توهج اللغة و طغيان التجربة المتجلية المستنفرة لنظام كامل من التعبير لا يسمح بتاجيل البوح ، فلا يقبل بتاخير تمام التجلي الى زمن يثلم عملية التجلي الاعظم. ان الوحدة الموضوعية بمعنى ما يدور حوله التوصيل ، بل و البوح التعبيري لم تعد ممكنة في اللغة المتوهجة ، لغة التجلي المحطمة للموضوع و للتصوير .
طبعا في خضم التحطيم و التمرد هناك وحدة ، و في وسط اللانمطية هناك نمطية ، هذا السر في قصيدة النثر العظيمة يجعلنا نعرف اين تكمن الوحدة ، ان وحدة اللغة المتوهجة لا تكمن في الموضوع الصوري انما هي في الموضوع التجلياتي ، فان التجلي و الحضور انما يكون جهويا اي ان التجربة و الذات تطل علينا من زاوية في المقطع الشعري ، و لذلك بامكانها ان تطل من زوايا كثيرة حسب امكانية صاحب التجلي المبدع .فحينما تتجلى ألتجربة الحزينة و الذات المتالمة في مقطع تصويري بصورة معينة فانها يمكن ان تتجلي بصورة اخرى ، بمعنى ان اللغة بمثابة شكل و مظهر للمتجليات و التي بامكامها تغييرها ، بمعنى اخرى و الذي اكدنا عليه مرارا ان اللغة في الشعر المعاصر ما عادت طريقا لايصال التجربة و وصف الذات و معاناتها و انما اصبحت شكلا و مظهرا لهما في تجليهما ، و هذا الامر العظيم الذي يجعل الجماليين شغوفين بقصيدة النثر و مؤمنين بها .اجل ما عادت اللغة اداة و لا تعبيرا و لا طريقا و لا بيانا انها جسد انها شكل انها مظهر لروح متجلية ،التجربة المتجلية و الذات المتجلية . انور غني
( الموت و الحياة )
الجزء الاول : الموت
الجزء الثاني : الارض
الجزء الثالث : الحياة
الجزء الاول : الموت
فصل
اناشيد الشتاء تغرق في الضباب .
تترك في ذاكرة الشوارع نشوة لا تنسى .
زواياه الباردة تحفل بالصمت ،
فأتجمد في حلمي كشجرة غاب قديمة .
*
الصوت ينحني ،
يتلاشى في الفضاء العريض ،
ليس للكلمة الا ان تسقط في الوحل .
السفن البائسة تخترق اذني .
تلك الازاهير تبتعد ،
تتقيأ الالم السرمدي .
تورثه الاجيال و الحلم .
*
حكايات الحضارة تغرق في المحيط .
قيل حتى مياه البحر ، بما فيها من اساور و تواريخ ،
قد التقمها الذباب في لحظة اسارة ، فصارت معدته ينابيع دافئة .
*
قلب العالم يتقاعد كأرملة .
لا مكان لحلم الانسان ،
لا دفء و لا نشيد .
سنابل القمح تعري ساقيها ،
تنحني خجلة فما في رؤوسها سوى الهواء الثقيل .
اجل ، للمغيب الف اغنية ، لا يعرف عنها الفلاحون شيئا.
*
السنين ترتجف ،
قد اكل قشرتها الاطفال ،
فلم يبق للإنسان فسحة تسع ابتسامته .
كلا ، من الكذب جدا اتهام الجسد بآثام الانسانية ،
فحب القمر غير محتاج لدم الطبيعة .
*
ليس لي الا ان احتضر .
و ليس للحضارة الغالية الا ان تسأم كل قطرة صفراء في المحيط .
للشمس اشراقة تجعل الشجر قصائد ساكنة لا تعرف شيئا عن الخلود .
هكذا تكذب الحضارة ،
تتكاثر في اوردة غادرتها الاجراس ،
تتمدد شارعا قديما ، اثلجه قلة السائرين .
*
هناك الابتسامة باردة .
ترتجف كنعامة تكاثر راسها تحت الارض ،
في اذنيها ينبت الشوك و الجياع .
الدماء تملا السواقي ،
تلتهم عروق الاشجار ،
فيتلاشى الحلم كبقرة هزيلة .
كلا ، قلب الفلاح لا يعرف الكذب .
*
المدينة تسعل ،
تتقيأ الجمال ،
تصنع من لعب الاطفال بنادق واجسادا معتمة .
النساء تستطيل ، تنتفخ بالصوت .
الحضارة تسعل ،
تبتدع تاريخ الدموع ،
كلا الجمال شيء اخر .
*
كل شيء يدور بلا رحمة ،
حتى الازهار اصبحت شاحبة ،
قد تكاثر الذباب في احشائها .
الارصفة تتقيأ الموتى ،
خلايا راسها تعفنت ،
في احضانها يتفجر الشيطان كقبلة – هناك و ببرود – يقتل الشمس .
فصل
عيناي يملاهما التراب .
اذناي تخترقها الحضارة الناعسة .
اكاد لا اعرف كيف يتاح هذا الهواء لرئتي .
*
السيول ما عادت تكفي لتضع حدا لهذا العالم السقيم .
جسده شاحب كعصاة لا حراك فيها ،
ليس هناك سوى زحف جنوني نحو الظلام الرهيب .
*
اجل ، لا بد من الموت الجديد .
هكذا اخرج من خاتمي شبحا للسلام .
اجلد ظهر المجرة بالصوت العتيد .
*
الوديان تختنق بالنمل ،
تنطوي كمائدة للجياع ،
تتكدس اجسادهم رملا رخيصا ،
يردم شقوق الشيخوخة في وجه الحضارة الغاربة .
*
اجل ، الفشل ارث هذه المجرة ،
لكي لا يقال ان الانسان لا يعرف شيئا عن الخلود ،
و لكي لا ادعي ان الحياة قد تقاعدت في موسم البذار ،
سأخرج بقرة هزيلة تملا الارض بالنداء ،
و لا تدع للمكان فرصة للرحيل ،
هكذا تنشطر الكلمة ،
كنجمة تسبح في النهر .
*
العالم يصغر ،
عظامه تلتهمها الروائح الكريهة .
كلا الروح ابتسامة للجمال ،
اما هذه الحضارة فما هي الا مدينة للموت .
*
العمر جداول قاسية ،
تملأها العصافير بالأغنية ،
تعلم الانسان الحب و الحياة ،
انا لا انكر بهجة المدينة ،
و لا انسى الوانها الزاهية على زجاج عدستي ،
لكن ما تراه من الدموع ،
يكفي لا يصمت الانسان قليلا .
فصل
زنبقة البحر حينما تبزغ اراها ،
رغم اني انام على وسادة عمياء .
كم قد حدثني القادمون عن الفضاءات البعيدة ،
لكني دونما وجع نسيت حكاياتي و جلست في الزاوية كعارف كبير .
*
السنين ترتجف قد اكل قشرتها الأطفال .
لم يبق للإنسان فسحة تسع ابتسامته ،
هؤلاء الجاثمون قد جعلوا من الليل فاكهة غارقة في النسيم ،
لكنها لا تزال معتمة .
*
عندما يتخلى التل عن امجاده العظيمة ،
و عندما انسى اسئلة لطفولتي ،
حينها يمكنك ان تتصور كم هي ضيقة فضاءات رغبتي .
*
القمح و الزهور رائدان عظيمان ،
يصنعان من طرق الموت غابات تسحر العيون .
كيف السبيل ؟
و ما هنالك سوى طيور قد تجمدت منذ شتاء بعيد .
*
هذا هو العالم الجديد ،
يطل من النافذة دون مقدمات جيدة .
تتبعثر حكاياته السمراء بين اغصان الكرم ،
كأجنحة بلا وطن او حنين .
عند الساقية هناك تنتظرني ابتسامة ريفية قلبها الداكن لا يعرف العشق .
اجل لقد تغيرت الزهور ،
و ماء النهر اصبح هزيلا لا يتسع لانتظارات الكادحين .
*
لمن تقطف الازهار و لمن تشعل الشموع ،
الموج حطم كل فراشة تذوب في حنينها الى نسمات الغروب الساحرة .
الطرق واهية تدور دونما رجوع .
اصابعي و نداءاتي لا تكفي لاجد نقاط بدايتي .
*
الصمت يتوسع في نسمات بشرتي .
يهذي كنوارس بحيرة قص المساء اجنحتها .
فلا سماء عالية و لا ساحل حبيب .
سأتخلى عن فكرة الخلود و الحياة السعيدة .
فهذا العالم لا يبق للبهجة ظلا حينما يتحدث عن رغباته الحبيبة .
*
بداياتي شاحبة .
قد استنزف ثيابها الشتاء .
اصابعي تبخرت ،
اطاح بها الحطابون كأغصان تختبئ بين وريقاتها كل حضارة ،
لا احدث بأسرارها العظيمة .
*
ان الطبيعة بارعة في اطلاق كل حكاية ممكنة ،
وكل حمامة تهمس في اذني ،
تخبرني عن ذلك الطوفان الذي سرق اعشاش الطيور ،
فلم يبق سوى بشرتي الداكنة ،
و عربة سحرية نحو الضياع .
*
رغم ان الضفادع نقية ، ا
لا انها تعشق المياه الاسنة .
و رغم ان هتافاتها تلون وجنتي المساء ،
الا انني لا اجد مسامعي تواقة لغنائها العظيم .
*
سأسقط في البئر ،
فلوحاتها تخلو من الاسماك و اللؤلؤ ،
اجل اللآلئ رسالة كل موت ،
و اغتصاب للحليج .
فينام جائعا على رصيفه الذهبي .
*
تلك المستنقعات المتمددة كعذارى و سط الظهيرة فوق ظهري ،
تلك الايدي ذات الاصابع الطويلة جدا ـ
تقطفني كأوراق الخريف بكل ود .
مرحى ايها الخليج السعيد ،
فالغروب ممتلئ بكل رقصة ساحرة .
*
القدس تتثاءب ،
تبرز من بين اضلاعها جماجم الطفولة المسروفة ،
مرحى ابتسمي ايتها العواصم الجليدية، ايتها العصور .
الليل يسير على ذراعين من اسفلت ،
و انا تلك الحجارة القديمة في رحم الارض ،
اتخم شجيراتها بكل سعال مرير .
اسناني لوحة للجمال ،
و شفتي المتساقطة في واحة الشوق حكاية شيخ مر يوما بقريتي .
*
اقتربي اقتربي ايتها الاهازيج ،
ايتها الاشلاء التي اعرفها ،
ها انا اتوقف كالموت .
عواصمي يلتهمها الجراد ،
و فمي يذيب كل قارب غريب .
مرحى مرحى ابتسمي ايتها الحرية .
*
لقد انهت الظهيرة كل شجيرة ساكنة ،
فوق اغصانها تغني الضفادع الهزيلة ,
هكذا اخرج خريفيا كالشقوق الخشنة فوق ايدي الفلاحين .
*
فصل
ها انا احيى لأرى العالم الجيد ،
ما عدت طفلا .
في فضاءات الغروب كل كوكب ينزف بالسلاح .
هناك – في العتمة – يعطي البرود احفاده دروسا في اشعال الطبيعة .
*
كل الرياح شاحبة .
الاسلحة تخنق ذاكرتي ،
تقتحم المكان ،
توزعني رسائل عشق ابدي للجياع .
*
الاقلام لا ترغب بكتابة شيء ،
فالجمال هرب خارج المجرة ،
يبحث عن عاشقين جدد .
العالم يختبئ في قارورة قديمة ،
حتى الاعياد ،
ما عادت تطلق الهواء الجديد .
*
انا لا استغرب كل هذا الالم العريض،
فقد تعلمت الاسباب الكافية .
الرغبة تجعل من الجمال مركبة ،
ليس لها الا ان تصطدم بجوانب الطريق فتحيى .
هناك لا تجد للأشجار ظلا ،
لقد كانت ريانة كما يجب .
انت تعرف ،
قلب الانسان مدينة من الجليد ،
و ذاكرة توقد في اعماقه الرعد و السحاب .
*
هناك تنكمش الشوارع ،
تطفو في سماء الصخب كمرضى تدوسهم الاقدام .
الاطفال يتكاثرون في الابار بحثا عن اسطورة قديمة .
حينها كنت طفلا ،
فالماضي اطلالة عريضة يعلمني التخفي ,
اذناي ثقيلتان كالجبل ،
لا تجد فيهما شيئا من الرحيق .
*
مواسم الخصب ما عادت تمتلك ثيابا تستقبل بها المطر ،
لقد اوصد البرد ابواب افئدتها ،
مفاصلها تهذي ،
اي خلود تعرف عيون الانسان الوقحة .
خير للتاريخ ان يسال الارصفة متاع سيل قد رمى به البرد الى جانب عتيق .
*
العالم شمس جائعة .
كل ما يجيده اشعال الفتيل فيغرق البحر في الدموع .
اجل ، ما زال السيل يحمل ذلك المعنى العظيم ،
رغم انني اصبحت مقتنعا ان الخرافة تستطيع ان تسكن البيوت المريضة كمركبة حديثة .
*
كلا ، انت لا يمكنك ان تتصور غربة الارواح التي تتعثر في الطريق .
البعد يأسر المكان ،
و كما ترى ، ما لهذا الانسان الا الحكايات الشاحبة .
انا لا استغرب كل ذلك البرود في وجوه الاشياء .
اعضائي تنشطر كحبات الرز ،
تختبئ خلف ابتسامة الليل العريضة ،
تتمدد كالوهم في الحقول ،
انها جذابة و فياضة ، انها مبهرة .
*
في ذلك الفضاء العريض ،
الذي لا انسى ،
لا يبقى للإنسان قارب يسع اطفالا يخرجون من الفرات ،
جباههم السمر قد رسم النهر عليها كثبانا من الرمل الرفيع ،
انني اتذكرها كما يجب .
*
ليس صعبا ان ينزل الانسان من السماء ،
و ليس صعبا ان يقف كشجرة قديمة تنتظر البهجة و الموت .
اصوات الليل تثخن شرايين الانسان ،
فلا يسري الخجل الى دمه
ها انا ارى الطائف تتكاثر في المكان ،
تدمي جبين النور الرفيع ،
فتغرق المجرة بالعارفين .
فصل
الغروب يعبث برؤوس الاطفال ،
ينثرهم في الحقل فراشات حاملة ،
فترتدي الاشجار قبعاتها الناعسة .
توقفي توقفي ايتها الاقدام .
ايتها التعاويذ الميتة ،
فروح الانسان لا تحيى دون صبية يلعبون في الوحل .
*
لا زالت الاشياء تجرني بنظراتها ،
خيمة قاصية انا و مناضل يفتخر بنفسه ،
اجل انا الوحيد الذي يعرف معنى الحرب ،
لأني اتحدث عنها بصدق .
*
العاصفة تغير وجه الماء ،
و كذلك الحرب ،
تصنع من القلب الجبلي عشقا ابديا للعابرين ،
فلا يبقى للوديان سوى صدور مهشمة و اصداء .
*
الحرب لون قاتم للفجر
و غناء يسرق قداسة الدموع ،
انها حكاية سمراء
لا تودع اسرارها الا في كل ساحل مظلم .
اجل العيد و الحرب ، كلامهما يعزف لحن طيور مهاجرة ،
قد نام بين اجنحتها صوت الشمس الدافئ.
*
للحرب رقصة جهنمية خبأتها في جبيني منذ عهود ،
بين اطلالها سيقان اطفال عارية ،
و فوق مياهها كل زورق يبحث عن شراع .
انت لم تكن حاضرا بداعة مشهدها الاخير .
*
لقد عاد الجنود ،
لقد عاد الجنود ،
و عواصم اغنيتي تطن كبعوضة نحيفة ،
تبتلع الضجيج و الاسئلة .
لقد عاد الجنود ،
مفاصلهم تئن كالثلج ،
قبعاتهم تتيه في الطرقات ،
كعذارى قبل جباههن الخريف .
*
ها انا اسمع الاساطير ،
التي تنزل من هناك ،
هكذا سأعود و شفتاي مدينة غفت على ارصفتها تلال غير ملامحها المساء ،
تغوص في رمالها حكايات جنود سعيدة .
*
هكذا اخرج بين الادغال
فجرا جديدا يهدي المجرة كل شيخوخة تعرفها السنين ،
هكذا انزل الى النهر بقرة تعشق النذور ،
تغرد في راسها الظلال الغاربة .
الجزء الثاني ( الارض )
فصل
يعجبني لون الفجر ،
يملا رئتي بانفاس الثائرين ،
فاتلاشى في عشق الحرية ،
عندها لا يبقى للكلمة الصفراء فسحة على شفتي .
*
عيناي احملهما فوق ظهري ،
و يداي اصنع منهما قاربا يفيض بالعائدين .
انتظري ايتها الافياء ،
انتظري ايتها الفصول
فقلبي لا يزال خفاقا رغم هذا العالم الجريح .
*
اليك يا سيد الكونين الف سلام من عاشق غريب ،
و للفجر اغنية خضراء من يديك ابتساماتها .
اليك و شفتاي تذوبان في قلب الزمن الرخامي ،
هكذا يذكرني الفجر بكل دفء .
*
يا صاحب الهم الكبير ،
صوتي متحجر وسط مدن تفيض بالنجوم ،
تتيه انوارها فوق وجنتي كسنابل ضائعة تبحث عن سائرين .
*
اليك و انت شاطئ فسيح ،
ما عادت تلك القلوب تجيد سفرا اليه .
انها الاشراقة التي تنتزع الحدود داخلي ،
فلا يبقى مني سوى صوت يتجاوز الحرية و المكان .
*
يداك اراهما ،
تمسح عن جبيني غبار انتظار غريب .
ترفعني بداية تصافح امطارها .
فتعلن الارض بدابة موسم النماء .
*
اليك كل فراشة تتمدد فوق ازهار ذاكرتي كلآلئ بحيرة ناعسة .
كل ابتسامة تتفجر في السماء
و عيناك تحفظ بهجتي حينما يكثر الغبار ،
ايتها الارض الجحود ،
يا عواصم الجليد ،
انتظري انتظري النصر .
فصل
سانتهي في عشق هذي الارض كفراشة مبهورة بين الغصون ،
فوق راسها تاج من السنن .
هكذا اخرج من بين شقوقها حلما ذاب فوق شراعيه صياد قديم ،
تصافحني سنابل القمح .
*
مفاصلي تغفو بين جفون المساء ،
الوانها خيمة تجمع حول نارها فتية يضحكون ،
تمسح رؤوسهم ايادي الريح و المطر .
*
هكذا يتمدد المساء فوق رصيف ذاكرتي ،
يلثم شفاه الاشجار ،
كعاشق عاد قبل عام الى الوطن .
*
اوزاتي تتجمد كالعنبر في واحات هذي الارض ،
اصابع الشمس تعبث بشعري كل صباح ،
توزعني رسائل عشق آسرة فينام بين ضحكات سطورها اطفال قريتي .
*
اجل مقاهي الحلة تكفيني ،
تصنع من اطرافي طائرة ورقية يلعب بها صبية في الجامعين ،
اجل هكذا اتلاشى
باقة وردة لعاشق اسطوري ،
في جيبه مدينة من الطيور و الشجر ،
ينثرها فوق رؤوس الغابرين ، الوانا من بخور جدتي .
*
هكذا اخرج فراشة واسعة العينين ،
يتناثر فوق جناحيها صبية حالمون ،
تهمس في اذانهم عصافير الصباح .:
( ان القمر نزل البارحة عند الفرات ، و قبل جباه الشوارع و الساكنين) ،
اجل هكذا يشرق الفرات و سط الظهيرة يخلق السنين ،
فتذوب على ضفتيه اصوات الشيوخ النحاسية :
( فرات لم تزل تراتيلنا خضراء في السحر) .
*
فرات يا سيد الصخور ،
تحت ثيابك تختبئ كل طفلة اذهلها ضوء الرعد في المساء ،
و صوت امها يذوب :
( ان الفرات سيشرب الرعود ) ،
فتغفو الطفلة فيك يا فرات ،
و اغفو كعارف يعيش في مغارة في القمر .
فصل
عراق ،
قبلة الحرية على جبينك انشودة توقض السائرين ،
في كربلاء حزن الخلود
و في سامراء كل شمس واعدة ،
و على دجلة باب السماء العريض .
اجل الارض تجدب دون دم او دموع .
*
اجل ساذوب في حبك كالاعياد في بلدي ،
دونما بطئ او عبارة مؤجلة ،
فالحرية لا تعرف الاناشيد الحالمة ،
لا بد من يد و ابتداء .
لا بد من حسين يحييى العالم الغريق .
يشق قلب الزمن الرخامي .
يضرب في الصخر حتى يشرق الامل الذي لا انسى تلفتي مبهورا فوق راحتيه .
*
سانتهي في حب دجلة و الفرات ،
فكلاهما يدان طالما تلاشيت في عشقهما الرفيع .
هي ذي بدايتي نحو السماوات التي اعرفها ،
المليئة بكل دفء ،
هي ذي حكاياتي تتساقط كشلال يقبل جباه الثائرين
. اجل هكذا اتعلم الانشودة الحمراء ،
هكذا تبتسم السماء لعاشقيها ،
و تشرق من هناك من يديك .
*
اجل الارض و الماء و الهواء و السماء لي .
من بعداد تشرق السنابل بالف ضوء ،
و من كربلاء الف دم الف يفور .
فاتبعثر في ازقتها حمامة غرقت وسط الظهيرة في الفرات .
*
يا سيد السحاب و المطر ،
و كل حرية حمراء لا تعرف الذبول ،
يشق انتظاهرها خجل عريض ،
فتنتهي في حنينها اليك ك
عروس ذاب في احلامها الموت و الزمن .
*
يا سيد الحرية الحمراء يا حسين ،
في جنانك يشرق العاشقون كشجيرات ندية يلثم شفاهها الصباح .
و بين كفيك تختفي النجوم و الاساطير كظل جليدي نزل ذات يوم مع المطر .
فصل
في الظل الشفيف تنحني الاغنية ،
تقبل الارصفة ،
تجعل من افئدة الشيوخ موانئء للذكرى و حروب .
*
كلماتي تبحر هشة ،
تتناثر في المكان ،
كساحرة اسطورية ذات مجد بلا حدود ،
حينها يمكنك ان تتصور نهاياتها المؤلمة ،
رغم كل ما ارى .
لا بد اني سامتلك الشروح الكافية .
لا بد اني ساخجل كثيرا و اعتذر لكل نخلة و خيمة قاصية .
*
في المساء اتجمع جيشا اسطوريا لاغرق في المحيط ،
عندها سابتسم كراهب يعرف الكثير .
ساخرج زنبقة شاحبة لا اهتم بالشمس و الخلود .
*
ثيابي تتبعثر في المكان ،
كبيوت قرية قديمة .
الخيبة تتخلل اغنيتي ،
القدس تسقط في غيابة الجب ،
يوسف يبحث عن سيارة جدد ،
هناك في قرارة البئر سيشرق الجمال .
*
لقد تركت النجوم اثارا فضيعة على حلمي .
لولا اني لا اعرف شيئا عن تاريخ الشعوب ،
لولا اني لا افهم الكثير مما يتفجر في راسي ،
لكنت حتما و دون تردد ،
صخرة برية تنبت بالزهر .
*
سيناء تراتيل شائكة .
ضفائرها نسمة تتيه فيها الاسماك .
ابوابها العالية قد سرقها النمل ،
فتجمدت سيقانها كالصنوبر في الشمال .
*
قلب مكة قد ابيضت عينها من الحزن ،
فلتاتي الرمال القاسية ،
تورث جبيني قطعة حلوى .
الحرية لا تعرف الشفاه الباردة ،
لا بد من يد و ابتداء .
*
الايام تختبئ ،
و رغم مضلاتها العريضة ،
الا ان المطر لامس بشرتي الندية ،
فخرجت فوق حقولها طحلبا عقيما و اعمى .
منذ عصور وانا ابحر في سواقي ذاكرتي ، ب
قايا ذلك الحطام الرهيب .
*
الليل حياة مؤجلة ،
و وعد اسطوري بالخلود ،
تفيض القسوة من اذنيه ،
الليل مدينة الحلم
ورغم انها شاحبة الا ان فيها زقاقا يسع الجماهير .
*
الجزء الثالث : (الحياة )
فصل
سأذوب في قصائدي كنعامة بلل احلامها المطر .
سأتلاشى في شقوق هذه الارض ،
فالحب عالم غريب يتمدد فوق الطرقات ،
يسرق رغبتي و ابتسامتي اليافعة .
*
المسافات الواسعة في ذاكرتي قد جمدها نزيف الشوارع و الساكنين .
المركبات الباردة لا تعرف شيئا عن الجمال .
*
انني اعرف اشياء لا افهمها ،
اقترب ايها الصوت ،
امنحني فرصة كافية .
لغتي تنشطر كأوصال شهيد مثخن بالجراح ،
الغربة تقتلني ،
اشعر اني انتمي الى اجيال قادمة ،
فدماي قد خبأتهما في متحف قديم ،
راسي يخترق صخور الارض ،
يتلاشى في سرعة الكلمة ،
كعاشق يجر الضوء خلفه فلا يكون .
*
للكلمة الف جناح يملؤني بالخوف .
كيف السبيل لان ارى ؟
حب الارض لا يكفي ،
لا بد من المجانية الكاملة .
اجل ، حينما يصبح للزمن جناح يرتجف ،
و للمكان قدم تمشي ،
عندها ساجمع انفاسي ،
كباقة ورد تبتسم للغد القريب .
هنا تتجمد الكلمة تحتاج الى شعر اخر ،
الى اجسد يرتجف .
*
دمي رسالة باردة .
الاشواك تتخللني .
جراحي تتكاثر في حقول اللغة كخيمة بدو قاسية .
ما زلت احفل بالنقص .
اللغة تبحث عن بحارة جدد ،
كلا ، الشمس ما عادت تكفي رمزا للحرية .
البعد يكبلني ،
ما زلت ملتصقا بالارض ،
كلماتي تشعر بالبرد ،
اطرافي تتجمد كقطارات يقطنها مسافرون من ثلج ،
انني حجل جدا .
*
ها انا اتغذى بكل قسوة ممكنة .
ها انا انتظر .
فلياتي ، فلياتي الزمن الذي لا انسى .
للحب ذاكرة لا تعرف الدموع ، و الموت .
ها انا اتعلم رغبة الاشياء .
وجه الماء مرآة كل معرفة .
*
هكذا يفترس جسدي الارض
كظل يحطم مملكة نمل عظيمة .
وحيد كالحجارة انا ،
الحجب تصنع من حنجرتي مركبة لا تصلح لشيء ،
لست نقيا كما يجب ،
مفاصلي شبكة صيادين في بحيرة قتلها الملح ،
صوتي يتكاثر في الرمل كصنم اسطوري يتخلل بشرة الجيل الجديد .
*
الموج الصعب ساعرف رغبته .
بهجة الازاهير ساعرفها
ساصمت لعلي اتذكر شيئا
سانتظر كشجرة ارز تفيض بالعائدين .
***
ركبتاي اثقلهما الصدا .
جبيني يلتصق بالارض
الفرحة تتجاوزني
كم يخجلني هذا النقص
انني اتهيء بما امتلك
امنحني فرصة كاملة
فانا سيل من الاعتذار و النداء .
***
ها انا اتعلم الاغنية
. عيناي لن تسقط ثانية
يدي لن تهذي
هذا عهد و احتفال .
*
الان اشعر اني اكثر نضجا
اسيل فوق الظلام كالندى .
لا اترك نافذة للشمس
لغتي تصفع وجه الارض
كل هذا بحجة اني عاشق للجمال ، و باحث عظيم .
*
ها انا اتساقط بصمت و غربة كاملة .
كلماتي ترقد في اكفان من الرياح
و ملامح وجهي مؤجلة .
لست مضطرا ان ارى القمر كالعاشقين
فانا لا زلت اسمع اخبارا عن اناس ذابت في احلامهم مدن باسمة .
من هنا ، تعلمت كيف ابحر هلالا يعلن بداية الشهر الجديد .
فصل
كلمات الرب امل بهيج ،
بابه الواسعة لا تفتح الا بالحب .
اني اكاد اتلاشى كالنعامة في خجلي .
ارى اثار حبك على وجه الزمن ينابيع تفيض بالثائرين ،
في اوانيك ينزل القمر كل مساء ،
فيلعب به الاطفال حتى تغفو عيونهم ،
بعيد كالحجارة انا
لا ماء و لا زهور .
كلماتك كالأعياد تلبسني الثياب الجديدة .
*
حينما يتصفحني قربك الحبيب ،
ككتاب رث
، امتلئ رعبا ،
هكذا تهبني الحياة الصادقة .ـ الامل الوحيد .
*
شكرا للربيع
يعلمني ثورة الحياة في اغصان الجماهير اليابسة ،
شعبان شهر المطر
يملا الارض بالعهد الجديد ،
فيه تفتح الاشراقة جفنيها ،
لست وحيدا
العالم يصغي ،
يصرب في الصخر حد القرار ،
يشق بذر انتظاره ضياء في رحم الكون ،
فلا ينتهي سرور الارص ،
اجل في كربلاء نلتقي بلا دموع .
*
فصل
الندى يتجول في الشوارع كالباعة و الاطفال .
يقص عليهم كل حكاية مفرحة ،
كل مساء يخترق اوردتي ،
يجعل من ذاكرتي عصافير تردد نشيدها القديم .
*
لغتي ليلة عيد باردة ،
دونما خجل سكنت قلب الشمس ،
تساقطت ورقا مصفرا دون عناء ،
بتلقائية كاملة هكذا اراني سرابا احمل في جيبي حلوى و وعود .
*
ساغوص في اعماق الارض عسى ان يجدني هواة ينقبون .
ساصمت عسى ان تسمع الفوضى صوتي .
هكذا اتعلم كتابة التاريخ الجديد ،
حيث لا اعرف الماء الا خلا يجفف دم اوردتي ،
يضع الحب في جيبه ككمثرى مظلمة ،
شيدت العصافير في ثقوب عظامها اعشاشها الامنة .
*
انا اخر ما كنت ابحث عنه ،
ها قد تعلمت ان استدير بلا حدود ،
مدينة انا بلا منار يناطح السماء ،
اجلس وسط التل ليس لشيء سوى اعتداء على الطبيعة .
مرحى مرحى ايتها الكلمات البائسة .
فصل
لست ظلا لامتلك كل ذلك التاريخ العظيم .
اطرافي تدفأ بها الحطابون .
اللغة اقفلت دكاكين بهجتي ،
جعلت مني شبحا اسطوريا قد غادرته رغبة الحياة .
*
ها انا ارى اعشاش الطيور ،
تحملها مركبات لا تنتهي ،
اجل للطيور قلب عامر بكل حكاية حبيبة .
*
اللغة مسامير صدئة ،
لا تعرف شيئا عن الحضارة ،
عيونها اوراق من المطر ،
تصنع من قلقها عكازا متعبا قدماه غائرتان في الوحل .
في احضان هذه البهجة الاسرة اكاد لا اميز وجه الارض عن اجزاء من كتفي اتبجح انها راقية .
اجل لا بد اني سأمتلك كلمات البحر حينما اتحدث عن الاشراقة داخلي .
*
فمي يتلفت وسط الكلمات .
الحرية تتدفق من اذني كالنمل .
انني اتلاشى في سرعة الكلمة كعاشق يجر الضوء خلفه فلا يكون .
ما عدت قادرا على ان استحم في الفرات ،
ان اجد في دمي مركبة ابحر بها نحو الشمس .
*
سأذوب في المي كأنشودة فلاح ينبت بين القمح .
حقيبتي تفيض بالسائرين ،
ليس لي سوى ركبتين اتلمس بهما وجه الارض .
ليس لي سوى شوك يلتهم مفاصلي ،
ينثني حول حلمي كبائعة لبن بارد في صباحات الشتاء .
*
هكذا اكون قد تعلمت الكثير .
حينما يصبح الشعر اثرا ،
و حينما تنكر الكلمات شاعرها،
فاعلم انك تنظر الى ليلة عرس تفيض بالجفاف .
اجل انك ترى ما ارى
انه احتفال ،
انه التلقائية الكاملة .
اجل انك ترى ما ارى
كل شيء يغني كل شيء يريد .
فصل
لست مضطرا ان اهذي كقصبة يصنع الظلام من راسها قبقابا ورديا لزبائن حمامات الحلة القديمة .
ها انا اتفجر كينبوع ماء اسن ،
القلق يلتهم اصابعي ،
يصنع من اغنيتي ازمنة مثقلة بالصدأ ـ
هي اخر من يتحدث عن الحرية و الجمال .
*
صوتي ليس حضاريا كما يجب ،
ليس لشيء ، سوى ان كلماتي تتساقط بغرابة كاملة .
المساء يفيض من اذني كقطار يخترق حلم الاشياء ،
لكي اكون حضاريا كما يجب ،
لا بد ان يذوب الظلام في دمي ،
و ان اصبح كالثريا بلا الم بلا رجوع .
تبا متى تنتهي هذه الفصول، فتبدا الحياة .
فصل
اليك ايتها الانهار النازلة نحو الجنوب ،
نحو عالم يغرق بالثلج ،
انني لاستغرب لابتسامات الشتاء ، كيف اودعت في حقائبك اسرارها ؟
*
انتظري انتظري ايتها الفصول ،
فاقدام الزمن العريضة تتعثر بكل ابتسامة ناعسة ،
و كل وريقة قد احرق نهاياتها المطر ـ
انني اراها و اسمع نداءاتها الشفيفة .
*
ايتها النذور ،
ايتها النذور ،
الا تعثرين على المي الحزين ،
على جسدي الغريب ،
فها انا ذا شلال طويل من الحكايات الداكنة ،
رسائل الزمن الجديد ،
الحرية الجديدة .
*
اقتربي
اقتربي
ايتها الاشلاء التي اعرفها ،
ما عدت اجيد الغرق في عشق الحرية ،
ها انا اتوقف كالثلج ،
عواصمي يلتهمها الغبار ،
و فمي يغتصبه كل قارب غريب ،
مرحى مرحى ابتسمي ايتها الحرية .
*
فصل
انا ارى هذه الساقية ،
لاني رايت ساقية قبلها
انا ابحر بالونا في فضاء هذه الورود ،
لاني عظامي تآكلت قبل عام ،
و ازدهر الصدأ في احلامها .
*
انا اسمع هذا الصوت ،
لاني سمعت صوتا قبله .
انا اتلمس وجه الشتاء ،
لاني صفعت جبين العنف داخلي ،
كراهب نزل في سلة مع المطر .
*
انا ا شم رائحة الحضارة الميتة ،
لاني شممت رائحة الحرب قبلها .
انا امتلك عواصم الجمال ،
لان اصابعي تحتضن قلب الارض كجذور سدرة بيتنا القديم .
*
انت تخرج من لون هذه الكلمة ،
لانك دخلت في لون كلمة قبلها .
انت تطارد حنين الفراشات
لانك كنت حاضرا بداعة الغروب .
*
انت تعيش هذا العشق ،
لانك ولدت في عشق قبله .
انت تسير في مجرة من الالوان ، و
حولك البهجة في ذهول،
لان ركبتيك غابتان من قصب ،
حملت اليها الرياح فلاحا اسطوريا سقاها بدمعه البريء .
*
انت حينما تقوم في الصباح ،
اكذوبة ناعسة الجفون ،
مرايا من القمح بقبعاتها و ثيابها المزخرفة .
*
انا حجارة صماء ،
تشرق في لحظة سحرية ،
لبلبل الهزار في حكايات جدتي الشتائية الآسرة
معانقا همسات اللون و الشوق المتجمد في رئتي كمقاتل عظيم .
***
تعليق