"حدث مما حدث لاحقاً"
مع بداية العام "1982" وأنا في طريق عودتي من المدرسة مبتسمة أتذكر درس النملة التي حذرت النمل من احتمال سحقه تحت أقدام النبي سليمان وجنوده! احتضن بعيني عناقيد الأوراق الحالية، لكن ظلال الأشجار عكست ملامح الغابة حين دخلت على أمي ووجدتها لم تحضر طعام الغداء ، وجارتنا زوجة المؤذن تبكي وأمي تقول لها: لماذا يطالبونه بالتنحي! ؟ ردت عليها: الوضع السياسي والمعيشي متدهور تماما، أمي تضربُ كفاً بكف: وما علاقة زوجك؟ ألا يدرك أن شَهْبَر، يدعمه شَبارق ومع هذا الفعل يمكن أن يكون سخيا أكثر ويساعده في الإبقاء على حكمه والحيلولة دون سقوطه! ترد: خرج مع رجال الدين بعد أن أخبر أن نابودة شقيق الرئيس شَهْبَر كل فترة يأمر أزلامه أن يجلبوا له بنت من أهم عائلات "الحورية" ليغتصبها ثم يرجعها لأهلها.. لديه صديقات أكثرهن أنوثة، نيكي، وزيبا، وساناز، أيضاً زوجته دلكش اشتهرت بالجمال وبأثوابها المزخرفة والخلاخيل الجذابة، بعد نصف ساعة ساد الصمت حين وصل "إلى" مسامعنا ضجيج عربات وجلبه في الخارج، تنتفض أمي وجارتنا مهرولات إلى السطح وتبعتها أنا وأخي الذي يكبرني بعام، وقبل أن نصل للأعلى سمعنا المساجد تصيح حي على الجهاد، توقفنا وأنفاس الوقت لها زئير، بهدوء وحذر تابعنا الصعود، من السطح رأينا المسجد الذي كان يصلي به أبي محاصراً من قبل الجيش، يا إلهي... المدفعية تقصف المسجد، وكأنها تنتحب الأحجار، الطيران يحلق فوق رؤوسنا، رأينا الدخان يتصاعد وعدة انفجارات متتالية كانت المآذن تتطاير في الجو , خاصة نصفها الأعلى، واقفة تموت الجدران، رأينا زوج جارتنا ومعه الكثير من الرجال مقيدين والجيش يصفهم على الطريق في وضع المنبطحين على بطونهم ، جارتنا زوجة الخباز تنادي علينا .. هرولت أمي وجارتنا إليها سمعتها تصرخ .. قصفو " اثنتين وأربعين" مأذنة راحت كل مساجد" الحورية" جارتنا تحتضنها وتنتحب، هرولت ثانية للأعلى.. شاهدت أحدهم يصرخ كأنه يعطي أمراً للدبابات أن تمشي على الرجال.. يا الله صرخت.. أغمضت.. حصار الظلم من كل الجهات لكن السماء فوق رؤوسنا، عدت لأنظر، وجدتهم قد سحقوا جميعا، رفعت رأسي للسماء، لم تترك على الأرض غير أثر دماء وبقايا أجساد متفتته تحت الجنازير، كنت أرتجف رعبا، تذكرت النملة التي صرخت، من احتمال سحقها تحت أقدام النبي سليمان وجنوده ... النمل لا يصمت حتى لا يسحق وتداس كرامته، المؤذن سرق صوته والمأذنة سلبت حريتها، أمي أعظم ما تفعله دموع المواساة، جارتنا تهذي مجزرة، مجزرة، كل مؤذنين "الحورية" زوجة الخباز تنظر اليهم: كأنهم أموات! ثم سقطت مغشيا عليها، أخي يهرول ليسعفها، أنا على كتف أمي، أمي على كتف الصمت، والصمت على أكتاف النمل.. إلى مثواه الأخير!
تعليق