((الكاتِدْرائِيّةْ)) تاريخ التأليف ١٩٩٣ تأليف أشجان سهاج (ذكر لا أنثى) و بالله المستعان__________________________________________ __________________________________________________ _____________________________________ ٢٥ كانون الأول ١٩٩٢ عيد الفصح الثلج يتساقط في شيء من انتظام جميل و هادىء يوحي بالسكون الحلو. الناس تروح و تَجيء في غير اضطراب و إن لَبِها شيئاً من العزّة و الراحة. البيوت قد لبست بانتظام قبعتها الثلجية لِحَدِّ أن تؤثّرَ على الناظرِ من كثرة ما انتظم فوق سطوحها من ثلج، فما كان شيءٌ أنسبَ و لا أروعَ من الثلج ليوم كهذا. إنه يومٌ يُسْتَهْلكُ في هناءة و صفاء. كنت في غايةِ السعادة و البهجة خصوصاً أني في أشد الحاجة لمعرفة ما ستكون مفاجأة العشاء الذي دعيت إليه عند بعض أصدقائي. لا بد أنها ستكون معروضةً تمثّل ميلاد المسيح أو أي شيء متعلق بعيد الفصح، فقد عهدت هذه المفاجآت في هكذا مناسبات. طبعاً كالعادة قبّلت والدي و شقيقتي الكبرى و كنت لا أطيق صبراً البقاء حبيس البيت مع ما أكنّهُ لعائلتي من حبٍّ، و ما أجده بصحبتها من متعةٍ و راحة، غير أننا انقسمنا إلى فريقين، هم فريق و أنا فريق، كلّ ٌ يتخذ ترتيباته مستقلاً عن الآخر لا لشيءٍ إلا لعادةٍ حكمت بذلك، و كم كانوا سعداء برؤيتي مشغولاً بترتيبات ليلة عيد الفصح و كأني و أصدقائي نقيم صفقة العمر فها نحن رتّبنا لعشاء هذه الليلة مع ما يحيط به من ترتيبات أخرى. فما زلت أحادثهم حتى خرجت و ما زال أمامي وقت طويل للعشاء، و كان من عادتي الخروج عصر يوم الفصح، و ذلك للتفرج على الشارع و خصوصيته و على من يرتاده من عازفين و فرق تهريج و ناس على ما بهم من سعادة و سرور. و كانت الجولة التفحّصية عندي من خصوصيات عيد الفصح فكان لا بد منها. إلا أن فكري كان لا يزال مشغولاً بالعشاء و الحفلة و ما حضّرنا لها من مفاجآت و هدايا. كنت ألتقي في جولتي بمهرجين يروحون و يجيئون، و باعَةٍ يعرضون أشجار العيد، و ناسٍ يتعاطون ما لذّ و طابَ من حلوى، و أطفال يحتفلون بالمناسبة كلٌ على طريقته. كانت الساعةُ الخامسةَ و خمسةً و أربعينَ دقيقةً و كان متبقياً ربعُ ساعةٍ من الوقت على افتتاح حفلِ العشاء، بهذا تابعت جولتي ثم لما عَرَضَتْ لي الكاتدرائية الكبيرة، في وسط الساحة الرئيسية، قررت دخولها و تأدية صلاة صغيرة استلهم بها كل الخشوع الواجب لليلةٍ كهذه. بدت الكاتدرائية غايةً في الروعة و الجمال و كم كان جميلاً دفؤها على قلبي خصوصاً و هذا البرد الكانوني. كان كل ما بها كبيراً و متناسقاً. دخلت قاعةً كبيرةً ذاتَ أعْمِدَةٍ مِنْ رُخامٍ و جدرانٍ عاليةٍ منقوشةِ الحوافِ و بلاطٍ صَقيلٍ، عَميقَةَ الهُدوءِ، مُعْتِمَةَ الأطرافِ، فإذا بي من راغبٍ في تأدية صلاة صغيرة إلى فضوليٍّ يجول بأطرافِ الكاتدرائية مأخوذٍ بجمالِها. قررت مشاهدة جميع الغرف الصغيرة. كنت قد لاحظت عن يميني سرداباً مُعتماً بعض الشيء، ذا شكلٍّ غريب، مما أثار فضولي أكثر فدخلت هذا السرداب و قطعت مسافةً لا بأس بها. زادت العتمة شيئاً فشيئاً حتى ما عدت أرى شيئاً. لم أعد أرى عقارب الساعة. لاحظت فيما لاحظت سراديبَ عديدةً عن اليمين و عن اليسار، منها الضيق و منها العريض، منها القديمةُ المُتداعيةُ الجدرانِ و منها المسدودةُ، تنتهي لغرفٍ تُشبهُ السقيفةَ أو لِشبْهِ غُرَفٍ لا تكادُ تسعُ شخصاً واقفاً على قدميه. هناكَ ممرات تَصِلُ بينَ غُرَفٍ كثيرةٍ صغيرةِ الحجم. أكثرُها معتمةٌ تماماً أو مُضاءةٌ بفضلِ بصيصٍ من الضوءِ خافت. في بعض النقاط كان الضوءُ يختفي تماماً و في نقاطٍ أخرى كان هناك شمعداناتٌ عليها رسوم من العصور الوسطى تبُثّ ُ ضوءًا قديماً كقِدَمِها. رسومٌ و نقوشٌ بارِزةٌ كانتْ تُعِيدُ المَرْءَ إلى أجواءِ القَرْنِ السابِعَ عَشَر. كنت أنتقل من مكان لآخر من الكنيسة أتحَسّسُ ملمَسَ قماش اللوحات القديمةِ من حولي. كنت، و بدون أن أشعُرََ، أرتاد أماكِنَ غيرَ اعتياديةٍ ليس بها أحدٌ، و أنتهي إلى أماكنَ تُنَفِّرُ زائرَها بعضَ الشيءِ و يبدو أنها أماكِنُ لم تُجَهّز بَعْدُ لِيَؤمّها الناسُ، بِخلافِ المِنَصّةِ و البهوِ الرئيسيِّ الذين يَعُمّهُما المَلأ ُ و خصوصاً في المناسبات. كان فضولي الذي اشتدّ من سِحْرِ هاتي المداخلِ الضّيِّقةِ دفعني إلى المُضِيِّ قُدُماً في ما أنا فيه من استطلاع. فإذا بي أجوبُ أبهيةً مختلفةً بين صغيرٍ و كبيرٍ، حتى إني نزلت أدراجاً و دخلتُ أقبيَةً و وصلت إلى مكانٍ اضطررت عندَه السيرَ فوقَ أنابيبِ مياهِ التصريفِ و اجتيازَ مولداتٍ كهربائيةٍ مخيفة. قررت حينها الخروجَ و يبدو أنني اهتديت من جديدٍ إلى سردابٍ رئيسيّ. هذا مكانٌ جيدٌ و كان يَعِزّ ُ عليّ أن لا أخصِّصَ له ما يَسْتوجِبُهُ من وقتِ الزيارة، و لكنْ موعِدُ العشاءِ اقتربَ و لم أكن أدّيت الصلاةَ التي قطعتُ وعداً على نفسي بتأديتها. كان السرداب هذه المرة خالياً من الشمعدانات الفضية التي تضيء السبيل في شيءٍ من خفوت. رحت أتلمس الجدران عن يميني و عن يساري خوفَ أن أقعَ، و الأدهى من ذلك أنني اكتشفتُ أن السردابَ، على عكس ما كنت أظنّ ُ، يؤدي أكثَرَ فأكثَرَ إلى داخلِ هذا المبنى الكَنَسِيّ، ثُمّ إن الطريقَ الضّيِّقَ راحَ يميلُ إلى أسْفَل فكان البناءُ ينتهي إلى تحتِ مستوى الأرضِ في تَدّرّجٍ مُتْعِب. شعرت بأني أتوه في سراديبَ و ممرّاتٍ كثيرةٍ، فأدخلُ قبواً لأخرجَ منهُ لِممرٍّ جديدٍ و منه لِغرفةٍ فغُرْفْةٍ فغُرْفة. العتمة تلفني و صار هدفي البحثُ عن مَنْبَعِ ضوءٍ أهتدي به لشيءٍ! هنالكَ رُطوبةٌ و هدوءٌ بَشِعانِ، حاولتُ البحثَ عن شمعةٍ في الأرض ما وجدتُ، أو مصدراً للصوتِ و لكِنْ لا شيءَ. كما قلت، كانت هناك رطوبة ٌو كان يَعُمّ ُ السكونُ العميقُ و بهذا صِرتُ أعود أدراجي خلفاً و لكن بلا فائدة. في الأوّلِ، كانت هنالك شمعاتٌ صغيرةٌ هنا و هناك تدفىءُ قلقي و توقِظ فضولي، أما الآنَ فالعتمةُ و السكونُ كالماءِ الراكِدِ الآجنِ، يملآنِ كلّ َ مكان. في بعض الأحيان كنت أسلكُ ممرّاتٍ ضَيِّقَةً عن يميني أو يساري و لكن لسوءِ الحظ كانت تنتهي إلى شِبْهِ أقبيةٍ أثريةٍ شديدةِ البرودةِ و الرطوبة، حتى لَتُحِسّ َ الرطوبةَ ماءً عَفِنَاً على الظهر و الصدرِ و بشكلٍ خاصٍ عِنْدَ لَمْسِكَ الجُدرانَ. كنت أركضُ هارباً من هاتيكَ الصُوَيْمِعاتِ و خصوصاً أن خيالي، و العُتمةُ هذهِ، كانَ يَعْلِكُ صوراً مُنَفِّرَةً لِجُرذانٍ و عَناكِبَ و صراصيرٍ جائعة. أحسَسْتُ بقَدَمَيّ َ قِطعتينِ ثلجيّتينِ فصرتُ أركض من جديدٍ ولا بدّ َ أنّ هذا فِعْلُ القلقِ وَسْطَ هذه الدّمْسة. لم أتحَسّسْ حتى الآنَ مَلْمَسَ خشَبٍ يدلّ ُ على بابٍ أو أطَأ ْ أرضَ مخرجٍ فَيُطَمْئِنُنِي قلبي، و صرت على هذا أتساءل عن موقعي المحدّدِ من الكاتدرائيةِ التي بلغت من الحجم ما فاق تصوراتي. كنت أظنّ ُ أنني ما ابتعدت كثيراً عن الباب الرئيسيّ، و إذا بي في مواقع التيهِ و سراديبهِ المحيّرةِ. أما كانَ بالإمكانِ بناءُ كنيسةٍ أبسطَ من هذهِ المتاهةِ؟ بل كيف لي أن أكونَ قطعتُ هذه المسافاتِ الشاسعةَ من حينِ أنْ دخلتُ، و أنا في واقعِ الأمرِ ـ أو هذا ما تهيّأ لي ـ لم أتعدّ الممرّ َ الذي منهُ دخلتُ؟ ثُمّ إنّ الممرّ الذي مررتُ منهُ هو هو، لم يتغير! فكيف إذاً صرتُ حَبيسَ ممراتٍ و سراديبَ مُحَيِّرَةٍ كهذهِ؟ قلت في نفسي إن هذا من صنع الخيال و إنه من فِعْلِ العُتْمةِ لا غير، و لا بدّ أنْ أخرجَ و إلا فاتني العشاء. تابعت السير و كنت لا أدخل سرداباً إلا لِأصيرَ إلى ممرٍّ، و ل اأسير في ممرٍّ إلا لأنتهي إلى غرفة قديمة أو مُصلّىً به باب، فإن فتحته و عبرت خلاله أصبحت من جديد إلى سردابٍ قد ينتهي إلى درجٍ فأصعَدُهُ، أو قد ينتهي إلى لا شيء، فأقطعُ الحبلَ و أتابع السير في ممراتٍ جانبيةٍ موصولةٍ بأقبيةٍ كريهة الرائحة أو أماكنَ تجري فيها مياه الصرف. ثم إني قد أواجه سراديبَ تصعدُ لِدَرَجَةِ أنْ تُشكِّلَ زاويَةً بالنسبة للأرض الأفقية تبلغ الثمانينَ دَرَجَةً أحياناً، و سراديبَ أخرى تَهْبِطُ مما يؤدي إلى سقوط من يحاول السير فيها إلا أنْ يَحْذَرَ. هذهِ السراديبُ تنتهي إلى غُرَيْفاتٍ بها أوانٍ فُخّاريّةٌ و تماثيلُ لعيسى و مَرْيمَ العذراءِ لا أتَعَرّفُ هُويّتَها إلا باللَّمسِ لِشِدّةِ الظلامِ المحيطِ بي. شعرتُ في لحظةٍ أنني ما عُدْتُ في الكاتدرائيةِ لِشدّةِ اختلافِ الأماكنِ التي أرتادها، فكاني أجوب أماكنَ غريبةً كُلّ َ الغرابةِ، عجيبةً كُلّ َ العَجَبِ، تكثر فيها السراديبُ و الممراتُ و الأدراجُ و الأقبيةُ و الغُرَفُ الصغيرةُ و ما شابَهَها، أجل، لا بُدّ أني كنت في مكانٍ آخرَ. الأمر اختلط عليّ َ و ضِعْتُ في محاولة البحث عن بابِ خروجٍ ما عُدْتُ أذكرُ شكلَه. حاولت أن أتذكّرَ طريق الخروج و لكن ليس هنالك مكان واحد أستطيع اعتباره نقطة انطلاق أو بَدْء، إذ كلّما ابتعدتُ عن نقطةٍ ما و لو بِضْعَ خُطُواتٍ، أو انحرفتُ عنْ يمينٍ أو يسارٍ، ما إنْ أعودَ أدراجي، حتى يختلفَ المكانُ تماماً عمّا كانَ عليه و أجِدَ ممرّاتٍ جديدةً و ممرّاتٍ و ممرّاتٍ مكانَ ذلكَ المكانِ الذي تركتُهُ مِنْ هُنَيهَةٍ و عُدْتُ تَوّاً إليه، فكأنّي كلّ َ مرّةٍ أعودُ أدراجي مِنَ الطريقِ الخَطَأِ! أيُعْقَلُ أنْ أ ُخطِىءَ لِهذا الحَد؟ جاء الرّعبُ فجأةً ليعيقَ حركتي و يَشُلّني فلم أعُدْ أستطيعُ التقدمَ، حتّى لَيَكادُ يُغْمى علي. لقد اكتشفت حقيقة مرة، مخيفة: لقد كنت محاطاً بالقبور، فشُلّتْ حركتي. لم يكن هذا المكان سوى مقبرةٍ فسيحةٍ كل ما بها أسود كالح إلا طَرَفها البعيد فقد كان شِبْهَ مُضاءٍ بشكل يثير القلق و العياء. أصبح جبيني ساخناً و تكاثفَ عليه العرق. بحثت عن منديل لأمسحَه ما وجدتُ، أردت العودةَ خلفاً ما استطعتُ، جعلتُ أهربُ لكِنّ َ المهرَبَ كانَ أبعدَ شيءٍ عني. ما عُدْتُ أعرفُ أأنا ما زِلْتُ داخلَ الكنيسةِ أم خارجَها. اختبأتُ خلف أولِ حجرةٍ صادفتني اختباءَ الفأرِ المرتعشِ و جعلتُ أسَلّطُ نظري في كلِّ جهةٍ عَلِّي أجدُ المَخْرَجَ، و لكنْ هَيهاتَ، كانَ البُعْدُ مُمَثّلاً بالظلامِ، حتى داهمني العَجَبُ المخيفُ... فأينَ موقعي الآن بالضبط؟ و أين حدودُ هذه المساحةِ التي أنا فيها؟ ثُمّ إنه داهمني رُعْبٌ شديدٌ و أصابَني ما يشبِهُ الشَلَلَ فصرتُ لا أجرؤ على النظرِ خلفي، لا حركة، لا همسة، و صرتُ بالكادِ أزْفُرُ خشيةَ إثارةِ شيءٍ غيرِ معلومٍ من حولي. و المصيبة أني لا أكاد أرى إلا بقَدْرِ ما يسمح ذلك القَبَسُ البعيدُ المحتضر. إذا بي ثَبّتتُ نظري إلى جهة الأمام لا أحيد عنها، فكنت أتخذ اجراءات عَشْوائيّةً أشتت عبرَها تفكيري. لقد انتهيت إلى مكانٍ كُلّ ُ ما بهِ يوحي بمقبرة. خلفيّةُ الأشياءِ كانت دُمْسةً حالكة. الرطوبةُُ تُحاصرُ كلّ َ شيءٍ فامتلأتْ منها عِظامي و جلدي و أنفي، كلّ ُ ما يقع حولي ـ و إن بدا المكان كأن لا حدود له ـ كأنّهُ محتجزٌ داخل غرفةٍ صغيرة، خانقة. مع ذلك شعرت بأن الأحداث تمتدّ إلى ما لا نهايةٍ! كانت الأرضُ عبارةً عن تربة مليئة بالحشائش الضارة و النباتات الشوكية. لم أكن أراها بل أتحسّسُها إذ كنت ألمَسُها أو أدهَسُها. عندها مشيت في شيءٍ من حذر كي لا أوخَزَ بالشوكِ، و لكن حذري لم ينفَعْني إذْ وُخِذْتُ بالفعل و صعبٌ تفاديها إذْ ملأت كلّ بُقعَة. حتّى أنّ الإسْتِنادَ إلى حائِطٍ أو ما شابَهَ كانَ شِبْهَ مُستحيلٍ، بل مستحيلٌ، فلا وجود لحوائطَ أو أشباهِها مهما تقدّمت، و أينما اتّجهت. مع ذلك تأكّدَ إحساسي بكوني في غرفةٍ معتمةٍ خانقة. ليسَ ثَمّةَ شعورٌ بحركة هواء و لو خفيفة أو أي أثر لحياة. كان هناك، بالإضافة للحشائش، نوعٌ بل أنواعٌ من الفطر الغريب، ألمَسُه فأصابُ بالفَزَعِ، و مِثلُهُ في الكَثْرَةِ زهورٌ قد أصابها اليُبْسُ و لم تَعُدْ لها أيّةُ رائحة. كل هذا كان باعِثَ شَكٍّ بكَوني أقعُ في موضعٍ مغلقٍ كالغرفةِ مثلاً أو ما شابهها، مع ذلك وَصَلَتْ أنفي و آذَتْهُ رائِحَةُ عَفَنٍ و كَدَرٍ خاصةً من الأقبيةِ و المستودعاتِ المهملةِ و المغلقةِ منذ سنينَ. تبّاً لي كيف ضِعْتُ في هكذا مكان و أين برَبّي انتهيت؟ أكنيسةٌ هذهِ أم مصيدةٌ أم ماذا؟ كم الساعة يا ترى؟ لقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في جولتي و لكن كم مرّ من الوقت؟ أتساءلُ الآنَ عن الطريقِ الذي أتيتُ منهُ أأجِدُهُ بِرجوعي القَهْقَرى؟ غريبٌ أنْ لا أجدَ هذا الطريقَ و عن يميني الممرّ ُ الكبيرُ الذي قادني إلى هنا و لكن، سُحْقاً، أين هذا الممرّ الآنَ؟ إني لا أجدهُ أو أتَحَسّسُهُ. هَيهاتَ إنْ وجدْتُهُ، أينَ عَلّهُ سيقودُني؟ أين هذا البابُ اللعينُ؟ لقد مضى بَعْضُ وقتٍ لم أرَ أو ألمَسَ فيهِ باباً. قبورٌ كثيرهٌ تحيط بي متشابهةٌ لا أستطيعُ إحصاءَها، بَصيصٌ من الضوءِ هو المتبقّي كان يخفُتُ فيُرْهِقُ نقطتي العمياءَ في محاولةِ تَحصيلهِ. كنت أجتهد بعياءٍ في البحث عن مهرب، ثُمّ َ إنّ َ النظرَ إلى الأمامِ أصبح أكثرَ مِنْهُ عمليةً فاشلةً، مأخَذاً مُخيفاً. ظَهَرَ أمامي فجأةً قَبَسانِ كأنهما لِشَمعتين أو عودَي ثِقابٍ حَسِبْتُهُما بادِىءَ الأمرِ في حَوزَةِ أحَدٍ و كمْ هَلّلْتُ، و لكن، و بفضلِ الضوءِِ القليلِ المنتشرِ، ظَهَرَتْ لعيني صورٌ بَشِعةٌ لِقبورٍ هُنا و هُناكَ عافَ عليها الزمَنُ فتكادُ تغورُ في الأرضِ، و كم فَرِحْتُ حالَ اشتعالِ الشمعتينِ و كنتُ ذا كآبةٍُ و حسْرة، و لكنْ الضوءُ موجودٌ الآنَ و سأخرجُ أخيراً من هذا المأزق. التُربةُ العَفِنَةُ كانتْ سبَبَ غَوَرَانِ بَعْضِ هذهِ الأجداثِ، فلمّا تقدّّمتُ صَوْبَ الشُعلتينِ جَعَلَتْ قدمي اليُسرى تغورُ في التربةِ بِبُطءٍ، مِما سمحَ لي بسحبِها فوراً و التراجُعِ ِبعضَ الشيء. بِسَحْبي إيّاها خَرجَتْ رائِحة ُ العَفَنِ فعرفتُ أنّ هذهِ التربةَ، كالماءِ الراكِدِ الآجِنِ، لمْ تَطأها قدمُ إنسانٍ أو حيوانٍ منذُ زمنٍ بعيدٍ جداً. صُدِمْتُ و لمْ أستطِعِ التقدّمَ أكثرَ و بحثتُ عن ملجأٍ فوَقَعَ بصري على نبتة شوكية كبيرة فلمْ أتردد في الإستخباء وراءها. كنتُ أريدُُ أن أستَلْهِمَ شيئاً من الطُمأنينةِ فثبّتتُ نظري على الشعلتينِ، ثم ناديتُ بهَمسٍ، ثم صرخت بقلبي عَلّ َ حاملَ الشمعةِ يجيبني، و لكن، قد يكون هذا شمعداناً، بل هو كذلك، و كيفَ يجيبُ الشمعدانُ؟ هنالكِ ضوءٌ بالفعل و لكنهُ ينير منطقة ضبابية تتشابهُ فيها على المَرْءِ الأشياءُ. نظرتُ من جديد إلى الشعلتين و لكن هذه المرة شعرت فعلاً بتكاثفِ الضبابِ، و نظرت تلقائياً إلى التربةِ شِبْهِ المُضاءَةِ، حيثُ مركزُ التكاثُفِ. كان هنالكَ دخانٌ يتصاعدُ كأنهُ أثرُ زفيرٍ شتويٍّ على الزُجاج، ذو لونٍ بنفسَجيٍّ فاتحٍ، يثيرُُ القلقَ. في الحقيقةِ كان سائلاً فوق التربة، غامقَ اللونِ، لمَحْتُهُ إذْ دقّقْتُ النظَرَ، يغلي ببطءٍ، حتى سمعت صوت الغليانِ فوَضَحَ لي الأمرُ. كُلّ ُ هذا و أنا أشعرُ بأني ممن يعيشونَ حلماً من أحلامِ اليقظةِ أو أنهُ كابوسٌ شُوِيَ على نارٍ غيرِ حاميةٍ. عالمٌ غريبٌٌ يعذِّبُ ضميري و يجعلني أكرهُ الرؤيةَ لمُجَرّدِ أنْ أرى سراديبَ أو أقبية. أغمضتُ عينيّ َ ثم فتحتُهما و حَدَجْتُ! تكاثفَ البخارُ المتصاعدُ بحيثُ فقدَ شفافيتهُ و اتّخذَ لوناً فوسفورياً وهّاجاً أزعجَ بصري و أضاءَ جُزءاً من القبر المتآكل. تكاثفَ و تكاثفَ كالحُلُمِ و أنارَ محيطَهُ المحدودَ بشكلٍ مريضٍ، فكأنّ العُتمةَ تلتهمُ الضوءَ و ليسَ العَكْسُ! هذا البخار المتكاثف أصبح مادةً ضعيفةً لَزِجَةً أو ما يشبهُ الدّبَقَ، ذا بنيةٍ متماسكةٍ غيرِ ثابتةِ الشّكلِ، حتى كأنَهُ جِسمٌ هُلاميّ ٌ يستلزِمُ إناءاً يحتويه فهو يتموّجُ و يتغيّرُ بسرعةٍ و باستمرارٍ جنونيين تزوغُ لرؤيتهِ العينُ، ثم انتهى لِأنْ اِتّخذَ شكلَ إنسانٍ كل ما فيه من الإنسان. كانت المادة الهلامية ذاتَ لونٍ فوسفوريٍ وهّاجٍ، قويٍّ في لمعانهِ، حادٍّ في بريقهِ، مُخيفٍ في اشْتِدادهِ. هذا الإنسانُ كان حزيناً، مرهقاً، على وجههِ علاماتُ الحذرِ. مكثَ على هذا بِضْعَ ثوانٍ لم يلبثْ أنْ وقعَ على مَسْمَعي الضائعِ في بحرٍ من الأوهامِ صوتٌ لم أتَعَرّفْ هُويّتَهُ. استدرت إلى الخلف بطريقةٍ هِسْتيريةٍ و ثبَتتُ نظري على جَدَثٍ خَرِبٍ، كان السائلُ الزُمُرّديّ ُ يغلي فوق سطح التربةِ فكأنّهُ رَعْشَةٌ. غَلى ثم غلى ثم راح يتبخر بشدّة فليس إلّا أنْ كان دُخانٌ عظيمٌ انتشر بسرعة و من ثم تكاثفَ حتى هو مادةٌ لزِجةٌ لِشِدّةِ ما تكاثفَ، و المادةُ تموجُ في الهواءِ إلى أنْ تتّخِذَ في نهايةِ الأمرِ، و بشكلٍ يثيرُالحُُمّى، شكلاً آدمياً. انتابني رعبٌ كأنهُ حُلُمُ نائِمٍ ليسَ لهُ نهايةٌ، و شعرتُ بِثِقْلِ عَصْرٍ كاملٍ فوق دماغي و صُداعٍ يكاد يقتلع هذا الدماغَ. أيقنت أنّ هذا لا محالةَ هَمْسُ أرواحٍ تضطربُ من حولي، تروحُ و تجيءُ، تعبَثُ، تَنْحَطِمُ فوق الأرماسِ الفظيعةِ، و لا بُُدّ َ تنتمي لأرواحٍ في الأجداثِ هذهِ. رأسي ينفجرُ و أشعرُ بأوصالي شُلّتْ. حتى أصابعي ما عُدْتُ بقادرٍ على تحريكها و ضاق عليّ َ نَفَسي و صِرتُ أتحَسّسُ رَقَبَتي في ذُعْرٍ هادِىء. أغمضت عَيْنَيّ َ ذاهلاً، لا أدري كم، رُبّما دقائِقاً، أو لِساعاتٍ، ربّما غَطَطْتُ في سُباتٍ عميقٍ أو رُبّما كنت في براثِنِ كابوسٍ يُشبهُ الحقيقةَ و الحقيقةُ أني لا أدري ما الذي جرى لي و لا إلى أينَ صِرْتُ. فتحتُ عَيْنَيّ َ فجأةً على بردٍ مُثلِجٍ يأخذُ طريقهُ إلى كل أنحاء جسمي و يُجَمِّدُ عروقي؛ كنت لا أزالُ في مُستنقعٍ من الظلامِ العَفِنِ، خلا بُقْعَةً مُنيرةً بضوءٍ مَبْعَثُهُ أشِعّةٌ فوسفوريةٌ حادةُ التوهّجِ. شهِدتُ في لحظةٍ، و يا شَدّ َ ما رأيتُ، عَمَلِيّةَ تعانُقٍ فاحتْ منها رائِحةُ جِنْسٍ بين الروحَين. إذا بهما يتعانقانِ حتى يتلاصقا تماماً و من ثُمّ َ ينصهرانِ فيذوبُ أحَدُهُما في الآخَرِ، يتحدانِ في حراكٍ مستمرٍّ لا تلبثُ أنْ تمُرّ َ لحظاتٌ يجْمُدُ فيها الروحانِ فكأنهما من الحجرِ الصّوانِ، ثمّ جْمُدُعاودانِ الحركةَ، كلّ ٌ ينجذِبُ إلى الآخَرِ، في سُرعةٍ جُنونية. كادَ هذا الإنتقالُ من الجمودِ إلى الحركة يُطيحُ ببصري و صرتُ أخشى الإصابةَ باللَوَثِ بعدما أصبتُ بذهولٍ كالصَرَعِ. عالمٌ غريبٌ يُعذِّبُ ضميري و يودي بكياني من غيرِ ما سَبَبٍ أو حادثٍ واقعي. في معمعةِ هذهِ المعانقاتِ العنيفةِ كان الروحانِ يجمدانِ جمودَ التماثيلِ، ليسَ أكثرَ من ثوانٍ معدودةٍ، جَمَدا و هَدَأا، أصابتهما حالة ٌ مِنَ التأمّلِ فجعلا ينظرانِ إلى اللاشيء، فهما يرنوانِ الفراغَ أمامَهما، و يا لِهَولِ هذا، العيونُ لا بؤبؤَ لها تحذِّرُ بالضياعِ و الرّعْبِ فهيَ بيضاءُ بَشِعَةٌ أشبهُ بعُيونِ الجيفِ. كانا يعاودانِ الرقصَ العشوائيّ َ فجأةً كأنهما يعانيانِ الهَزّةَ العصبيةَ. كانا يتمسّحانِ ببعْضِهِما البَعْضِ في حيوانيةٍ، ثُمّ يبْقَيا على هذا حتّى يزْنِيا، و يا للتّعَطُشِ المُخيفِ الذي أبْدَياهُ. لم أدرِ ما العمل، فجعلتُ أنكمِش ُ على نفسي و أنا في مَخْبَئي، خلفَ النَبْتَةِ، خَشْيَةَ أنْ يلمحاني. تمنّيتُ أمامَ هذا الواقعِ لو تبخّرتُ في لحظة. شعرتُ ببصري يظعُفُ في لحظاتٍ و الذُعْرُ ما زالَ يدفعني للبحثِ اليائسِ عن سِرداب. جعلتُ أنظرُ عنِ اليمينِ و عنِ اليسارِ، مرّةً بعدَ الأخرى في استمراريةٍ مُنْهِكة، خشيةَ أن تصطدِمَ عينايَ بالكابوسَِ الذي تدورُ أحداثُهُ أمامي، على بُعْدِ أمتارٍ من الجَدَثِ الغائر. و لكنْ، مهلاً... هذا الذي ورائي... أجل، هو السِرداب. تبّاً لي كيف زاغ عنه بصري إلّا إذا كان ظهر من اللاشيء، هكذا، فجأة؟ أجل... هو السرداب الذي منه أتيتُ و شققتُ طريقي إلى هذا الكابوس. يعلم الله أني بريءٌ من كل ذنبٍ و ليس إلا أن أعودَ الآن و بسرعةٍ جنونيةٍ إلى الخلف. السرداب هو هو، تعرّفت عليه كما أتعرّفُ على نفسي من خلال صورة فهيهاتَ أنْ أخْطِىءَ بعد ذلك. انبطحتُ على الترابِ القديمِ و صِرتُ أزحفُ و أنا أشْبَهُ بالذي يهربُ من نفسه. جعلتُ أفكِّرُ في اللاشيءِ علّني أخفِّفُ من وطأةِ ما كنتُ أرى، و يا هَولَ ما رأيتُ مِنْ زِناً يُمارَسُ بِرُعْبٍ. عندما اقتربتُ من السردابِ و كلّي قناعةٌ بِعَدَمِ مبالاةِ الشيئَينِ المخيفينِ لي، اِستدارَ الوَهْمانِ تِجاهي في هُدوءٍ يُشبِهُ الموتَ ثُمّ نَظَرا إليّ َ في شيءٍ من دِقّةٍ و تأنٍّ عَبْرَ عُيونٍ، أو بالأحرى، كُراتٍ عينيةٍ عجيبة. كانت نظرةً هادئةً، صارخةً، حكيمةً، هِستيريةً. و لكن كيفَ هذهِ الاِستدارةُ المفاجِأةُ و ليسَ للكابوسَينِ أنْ يَتَنَبّها لي لِشِدّةِ ما كانا مُنْهَمِكَيْنِ بِعَمَلِهما؟ كيفَ لاِنْسِجامِهِما هذا أنْ يزولَ في طَرْفَةِ عَينٍ؟ ماذا فعلتُ حتى أقَعَ في هذا القِطّاعِ الزمنيِّ الجُغرافيِّ الذي هو أبعدُ ما يكونُ عن الواقع؟ و لكنْ... كيفَ خرجت منه إلى هذه المِنطقة الفراغية؟ توقّفَ الروحانِ عن الحركةِ فجأةً... فهُما حِجارةٌ أو أكثرُ و قد أحَدّا بَصَرَهُما إليّ ََ و كأنّ شللاً أصابهما. جُنّ َ خوفي من نَظْرَتِهما الثابتةِ و أحسَسْتُ الزمنَ توقف عندها. تحَسّسْتُ ساعتي و لكِنْ هيهات... لقد أصبحتُ الآن بلا ساعة. أين صرتُ؟ شيءٌ يعذب ضميري. رأيت الرّوحَينِ يَصْفِرانِ بعُنْفٍ كأنْ سيُغْشى عليهما، و لكنْ... مهلاً... هل أنا مَغْشيّ ٌ عليّ أم إني أهذي أم إني أحلمُ فأحْسَبُني يَقِظاً؟ إنّ مَنْ في حالتي لا بُدّ يعالِجُ كابوساً فكيفَ يُغْمى عليهِ؟ الآن عرفتُ لماذا لا يُغْمى عليّ: أنا لا بُدّ نائِمٌ، لا أدري... __________________________________________________ __________________________________________________ _________________________________________________ و لكنْ، مهلاً، الظِّلّانِ يُعانيانِ مِنْ حالةِ تَداعٍ ابتداءً مِنَ الأسفَلِ. يا للجنون... هنالكَ حالةُ تفَكّكٍ و تآكُلٍ في طَرَفِهِما التَحتيِّ فيصبِحُ لعيني سراباً. ثمّ إني أرى بعضَ الأحيانِ لوحاتٍ مُثبّتَةً في الجدارِ، لا تَنْفَكّ ُ تتداخلُ مع صورةِ الروحينِ في هذيانٍ عميقٍ تراني لهُ أتَرَنّحُ كالسُكارى؛ فأسألُ نفسي إنْ كانَ هذا في الحُلُم. في أحيانٍ كانا يَصْحبانِ صَنَمَينِ من حَجرٍ كالصّوّانِ، ثمّ يتّخِذانِ من جديدٍ لوناً شفّافاً أشْبَهَ بلونِ البَخُورِ، ثمّ يأخُذانِ بالذوبانِ و التّحَلّلِ فيما يُشبِهُ الهُلامَ فيَفْنَيانِ ما خلا عُيُونهما فتبقى معلّقةً في الهواءِ لا تُبْدي حَرَاكاً فهيَ ثابتةٌ، مُتَرَبِّصَةٌ بي، ترنوني حتى يَسيلَ الدّمُ منها أو بالأحرى تذوبَ دماً، و يا شَدّ ما أهْذي و يا ويلي. صورٌ و مواقِفٌ تتتالى عَلَيّ َ فاحِشةٌ مُلتَبِسَةٌ. كل ما كان يدور حولي كانَ أشْبَهَ بالحُمّى. لَحَظَاتٌ مرّتْ تَهَدّمَ فيها الواقِعُ شرّ َ تَهَدُم. ركضتُ بأقصى سُرْعةٍ كالمذْعور، أتعَثّرُ في خُطواتي و الحمّى تلتهمُ جبهتي بعنف. لم يكن العقل يقود الأرجُلَ في الجَرْيِ بل الأرجلُ تسحبُ العقلَ سحباً فإذا به فاقِدٌ السُلْطَةَ. و أنا أعدو في غَياهِبِ الظلامِ رُحتُ أطْلِقُ صَرخاتٍ خفاشيةٍ، لقد انتهيتُ مرة أخرى في متاهةٍ مُتَعَدِّدَةِالمسالكِ و الدروبِ، فمِنْ رواقٍ إلى ممرٍّ إلى مَمْشى و منه إلى معبرٍ فدهليزٍ، ثم من جديدٍ شبكةٌ من الممراتِ و المجازاتِ المتداخلةِ التي تتخلّلُها أقبية ٌ ثم، آخرَ الأمْرِ، دهليزٌ يقودُ إلى مَلْجأ. هذه المتاهةُ صَيّرَتْني كمنْ فقد الوعيَ فأنا أتخبّطُ بين جدرانٍ و أسيرُ في أماكِنَ لا أرى منها شيئا. و لكِنْ في اللحظةِ اللتي شعرتُ فيها بالفناءِ و التَرَدِّي في هاويةِ الضياعِ، إذْ بِوَهَجٍ خافتٍ يُضِيءُ نُقْطَةً في البعدِ، أحسَسْتُ لها برغبةٍ في البكاءِ ِو كانَ بالفِعْلِ أنْ أطلقتُ أنيناً ضعيفاً مُرّاً تكادُ لا تَسْمَعُهُ أذُنٌ. كيفَ لا و قدْ فَقَدْتُ الإحساسَ بالمكانِ؛ فلا أنا أعلمُ إنْ ما زِلتُ داخلَ الكنيسةِ و لا المكانُ يُثْبِتُ أنهُ مكانٌ على فَرَضِ أنّ المكانَ شيءٌ واقعيٌ محدّدُ المعالمِ، تجري مساحتهُ و يجري شكلُهُ على مِحَكِّ المنطق. كأني ركضتُ سنينَ و سنينَ و اجتزتُ مسافاتٍ واسعةً في ليلٍ لا نهارَ لهُ؛ فأنا في أسْرِهِ لا حَيْلَ لي و لا قُوّةَ أصارِعُ هزّاتٍ عصبيةً لا مثيلَ لي بها. سقيمٌ و مُضْطَهَدٌ، أحِسّ ُ بِثِقْلِ السنينِ على كتفَيّ كأني مُسِنّ ٌ قد فقدَ المِزاجَ و السلوكَ معاً. من فرحتي ناديتُ على الضّوءِ. توقفتُ لحظةً عن العَدْوِ أبحثُ عن حقيقةِ مُشاهدتي؛ فرائحةُ الأرماسِ لا تزالُ تُخدِّرُ أنفي، و مجرّدُ التفكيرِ بأنها على مقرُبةٍ مني، هناك، حيثُ الضّوءُ الخافتُ، يملأُ قلبي و عقلي رُعْبا. اقتربت شيئاً فشيئاً من مصدر الضّوء و اليقينُ يدفعُنِي و الشّكّ ُ يُثَبِّطُ عزمي على التّقدّمِ، و كانتِ الصاعقة! بدتْ لِعَيْنَيّ َ الصالةُ الفسيحةُ تتوسّطُها مقاعدُ الصلاةِ و مَذْبَحُ الكنيسةِ القديم. المِنَصّةُ الخاصةُ بإقامةِ القُدّاسِ هي نفسُها لم تتغيّرْ و كذلكَ البابُ الكبيرُ الذي منهُ دخلتُ. كلُ شيءٍ ثابتٌ في مكانهِ لم يتزحزحْ و إنما عقلي هو الذي تزحزحَ! الزائِرونَ يروحونَ و يجيئون و إنّ السكينةَ لآخِذةٌ منهم بأطْرافٍ فلا هُمْ مضطربونَ و لا أنا بِمُفاجِئِهِم. كلُ شيءٍ على ما تركتُهُ من قَبْلُ فكأنّ شيئاً لمْ يكُنْ و أنا، مِسْكينٌ و مهزوزٌ من الداخلِ، لا أدري إنْ كنتُ قدْ حَرّكْتُ ساكِناً من مكانِ وقوفي أو هل مضى أصلاً وقتٌ طويلٌ و أنا واقِفٌ ههنا. ماذا بِرَبّي يحدُثُ؟ أإذاً أعاني من أحلامِ اليقظة؟ بل هل يعاني من شَهِدَ ما شَهِدْتُ إلا من أحلام اليقظة؟ استدرتُ إلى الخلفِ أبحثُ عن أساسِ حقيقةٍ ما أو خاطرةٍ مؤلمة، و تراءى لي سردابٌ مُعْتِمٌ ليس به من الغرابةِ شيئاً، هو نفسُ السردابِ الذي منه أتيت. كان يكفي النظرُ إليهِ حتى أشعرَ بالهَلَعِ و التردّي خصوصاً عند تَخَيُلي ضِيْقَهُ البَشِعَ و ظلامَهُ الباردَ و مضاضتي و تحسّري المؤلمين. كنت مُشَوّشاً لا يهدأ ُ لعقلي فِكْرٌ، مضطرباً ليس لضميري سَكينة. خرجت سريعاً من الكاتدرائِيةِ و ما هيَ إلا أنْ دَقّتِ الساعةُ الكبيرةُ التاسِعةَ و النِصف. لقد أمضيتُ ثلاثَ أرباعِ الساعةِ أتخبّطُ بينَ أقبيةِ متاهةٍ لا أدري عنها شيئاً، و يعلمُ اللهُ الآنَ مدى صعوبةِ التفكيرِ بها و بمكانِ موقعِها بلْ بِاتِّساعِها و بمداخِلها و بمخارِجها و بمهارِبِها اللامُتناهِيَةِ، فكأنّها طيفٌ من خيال. تذكّرتُ بسُرعةٍ موعِدَ العشاءِ، و لعلّهُ فاتني، ليس لي إلا الإسراعُ بالذهابِ... لقد تأخّرتُ جدّاً. أنْشأتُ أركُضُ في غَياهِبِ الظلام. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _________________________ بدا لي الصبحُ ثقيلاً، خالياً من أيّةِ تباشير. أحسَسْتُ بِثِقْلِ حُلُمٍ فظيعٍ اعْتَرَضَ نوميَ الهانِئَ أوّلَ وهلة. لا أذكرُ ساعةَ عودتي من عشاءِ البارحةِ و لكنْ من المؤكّدِ أنني عُدْتُ متأخِّراً جدّاً. أذكرُ جيداً العُتْمةَ الحالكةَ التي فيها مَشَيتُ أو عَدَوتُ. __________________________________________________ __________________________________________________ ____________________________________________ خرجتُ متوجّهاً نحوَ الجامعةِ تتلاحقُ بفكري صورٌ مُشوّشةٌ و غيرُ واضِحةٍ، لم يحدثْ قَطّ ُ أن عانيتُ من ألم رأسٍ كهذا الذي أعانيه الآن، مصحوباً بطنينٍ في الأذُنينِ خفيفٍ و مزعج. قلت في نفسي أنّ هذا لا بدّ فِعْلُ زّكامٍ نزلَ بي و اشتدّ َ أثناءَ نومي، من نوعِ ذلكَ الذي يجعلُ للعَصَبِ هَزّةً، فأنا أمام ََأمرينِ: إما أصِبْتُ بسوءِ هضمٍ تحوّلَ فيما بعدُ إلى زُكامٍ، أو أنهُ الزكامُ نفسُهُ طَرَأ عليّ مُنْذُ بردِ مساءِ البارحة. كل من رآني أو التقى بي في الجامعة أحسّ َ بما أعانيهِ من مَرَضٍ، و شَعَرَ بَغيابِ ذهني و شرودي العميقِ أثناءَ الحِصّةِ. و قدْ أرْجَعْتُ سببَ هذا لِعِلّةِ الزكامِ و حاولتُ عدمَ التفكيرِ به و تناسيهِ، بَيْدَ َأنّ حالتي الصِّحِّيّةَ هذهِ دامت بعضَ زمَنٍ؛ مما اضطرّني آخِرَ الأمرِ إلى تناولِ المُضادّات. رأيت بِوَجهي اصفراراً يظهر و يختفي من حين لآخر دونما سبب يربطه بالزكام، و أحسَسْتُ بوقوعي في حالاتِ شُخُوصٍ مما جعلني أفكر في إهمال المضادات الحيوية و أن ضررها أكثر من نفعها. الطنين الذي في أذني كان يظهر و يختفي معذِّباً رأسي، و لو أنهُ يدومُ قليلاً إلا أنّ آثارَهُ كانتْ سلبيّةً، و للقضاءِ عليهِِ لم يكُنْ في وسْعي إلا النومُ، حتى إني صرتُ أنامُ في الساعاتِ النهاريةِ، و لكنْ كل أحلامي كانت تنقلِبُ كوابيس. كنت في قلب الليل أستيقظ في نفس الساعة لا أحيد عنها، فكأني على موعدٍ مع أحدٍ، فإنْ استيقظت لا أعود للنوم بل أروح و أجيء طولَ البيتِ و عرضَهُ كالملسوعِ دون أن أجد راحةً أو سكينة. فإنْ أفاق أحدٌ من أهلي و لمحني عدت سريعاً إلى فراشي ألتحفُ بأغطيتهِ و أصارِعُ النعاسَ و يُصارِعُني. ما أعاني منه شيء كحُمّى الربع أو عاديةِ السّمّ أو، في أبشع الحالات، خَلَجٌ أو عَلَجٌ أو وَجَعٌ من التّخمةِ كالعَلّوْص. لعنتُ عيدَ الفِصْحِ و يومَ الفِصْحِ و أشجارَهُ و ليلَتَهُ، سامحني الله. كان لا بُدّ أنْ أبرأ سريعاً فلستُ معتاداً على حَمَلاتِ وباءٍ طويلةٍ، و المدرسة ُ تحتاجُ إلى دراسةٍ فلِأنتهي بسرعةٍ من هذهِ الهَيضَة. كنتُ أشْبَهَ بالسكرانِ لم يَصْحُ مِنْ سكْرَتِهِ، فهو يحاولُ إذْهابَها دونَ جدوى، و الحقيقةُ أنّ أحوالي لمْ تتحَسّنْ بِمِثْلِ ما تَرَدّت مِنْ سَيّىءٍ إلى أسوأ، حتى رأيتُ الهاويةَ و هذا زاد أفكاري تشوّشاً. عانيت من فراغٍ ذِهْنِيٍّ أظلمتْ لهُ عينايَ حتى كأني مَغْشِيّ ٌ عليه، فإذا غَفَوتُ و ارتحتُ لا ألبثُ أنْ أقفزَ من الفراش ذاهِلاً أحْسَبُني اِسْتُدْعِيتُ عاجِلاً لتحقيقٍ ما. أحياناً أخرى تجِدُني أشعرُ برغبةٍ حادةٍ في السّيْر، يحدثُ هذا أغلبَ الأحيانِ ليلاً؛ فلا أتراجَعُ عن القيامِ بِجولة. مضتْ أيامٌ عِدّةٌ و الزكامُ هذا يَشُدّ ُ عَلَيّ َ الحصارَ، و يبدو أنه تحوّلَ في الآونةِ الأخيرةِ إلى ذاتِ الجَنْبِ مع شيءٍ من سُباتٍ، أو داءٍ أعْقَدَ منهُ، و كم كان مُصِرّاً على البقاءِ فيني حتى شَعَرْتُهُ بأنْفي، و أذُني، و ساقي، و عقلي، ثم إنه دخل ضميري فأضحى جِزْءاً منهُ لا يَتَجَزّأ ُ، و كانَ هذا أغْرَبَ ما شَيءٍ، فكيف لِعِلّةٍ فيزيائيّةٍ أن تُصيبَ الضميرَ فَيُحِسّ ُ بها؟ إنهُ لَيَوْجَعُ كما تَوْجَعُ يَدٌ بها جُرْحٌ أو عَيْنٌ طرَفتْ لا كما يُوْجِعُ التأنيبُ و لَكَمْ أذهلني هذا و زاد من رَوْعي، ثم إنني زدت كمية الدواء بدل تركِهِ و اقتنعتُ بأن ما بي مرضُ الحَصبةِ في أعْنَفِ أشكالِهِ، و مَرْجِعُ قناعتي ارتفاع حرارة جلدي و بالأخص وجهي، هذا جعلني أطمَئِنّ بعض الشيء. __________________________________________________ _________________ __________________________________________________ _______________________________ و يوماً حينما كنت أمشي لمعتْ عينايَ و برقتْ على رؤيةِ كاتدرائيةٍ عظيمةٍ في وسطِ ساحةٍ كبيرةٍ فأحْسَسْتُ بحاجةٍ للذكرى، ناديتُ في ثوانٍ على خيالي أشْبَهَ بالمتوَسِّلِ المرتابِ و أغمضْتُ عينَيّ َ لم ألبثْ فتَحْتُهُما ببطءٍ و نظرتُ حتى حَسَرَتا. رحتُ أرنوها في اشتياقٍ كأني أسمعُ نداءَها العَذْبَ الحارّ َ و اختلاجاتِها المَرْمَرِيّةَ الحُلوةَ، فتساءلتُ لِمَ! كلّ ُ شيءٍ من حولي باتَ كأنْ لم يَعُدْ لهُ وجودٌ خلا هِيَ، فأنا مبهورٌ بطابَعِ مِعْمارِها مأخوذٌ ببراعةِ مُصَمِّمها. يا للإنسانِ المُبدِعِ الفنانِ و مُبْدِعِ هكذا رَوْعَةٍ بنائِيّة. ثم بعدَ هُنَيهَةٍ تكاثفَ الغيمُ بفكري، و ما هو إلا أنْ شعرتُ بالحَمْضِ المُخِيِّ المُحيطِ بالأمِّ الجافيةِِ يتحرّكُ من جديد. مسكينٌ مُخّي هذا، عليهِ تحمّل عذاب أليم ليس لهُ بهِ قِِبَل. السائل الآن يغلي و يعاودني الوجع الفظيع و أنا لا طاقةَ لي به. الآن، و من جديد، الوجع الفظيع، كأنّ على رأسي ألفُ مُذيعٍ و مُذيع، أو هذا من فِعْلِ جُرثومٍ شنيعٍ شنيع، مسكين هذا المخ، اِئْتوني بِمُبَرِّدٍ لِسائلِهِ، أو أيِّ شيءٍ آخرَ. لقد فقدتُ ذاكرتي. أنا فريسةُ سكونٍ ذِهنيٍّ عنيفٍ، بل نومٍ ذهنيٍّ غريبٍ و أشعرُ برغبةِ البكاءِ قهراً و لكنْ ليس الآن. كأنّ َ ما يَملأ ُ جُمجُمتي سائلٌ مائِيّ ٌ راكدٌ تَعَكّرَ فكأنهُ الصَدأَ ُ، مَثَلُهُ كَمَثََلِ الماءِ الآجِنِ في المستنقعِ، يَعُجّ ُ بُالحشراتُِ المخيفةِ اللاسعةِ، و هو يحيطُ بالمُخِّ فيُلَوِّثُهُ كُلّ َ ثانيةٍ تمُرّ ُ حيثُ إنهُ لِحُموضَتِهِ العَكِرَةِ يتفاعلُ مع سطحِهِ الناعمِ الدقيقِ و يا لهُ مِنْ تفاعُلٍ خبيثٍ، يمتصّ ُ كلّ َ خصائصِ خلاياهُ النقيةِ و الفاعلةِ فَيُبَخِّرُها و يُبقي فيما يُبقي الفاسِدَ الغَثّ َ يتعفّنُ مع الأيامِ، هذه هي في الحقيقةِ طبيعةُ المكوناتِ المُحْتواةِ في رأسي، كل شيء بالٍ رَثّ ٌ، أشبهُ بالعدمِ و غيرُ ذي نَفْعٍ، كلها موادٌ مَيِّتةٌ أو شِبْهُ مَيّتةٍ، و مع ذلك فرأسي من الخارجِ يبدو طبيعياً جداً و هذا فقط شكلٌ ظاهريّ ٌ لحالةٍ مخيفةٍ مرعبةٍ مثيرةٍ للتقزّز. ليس بالغريبِ إذاً تزاحُمُ صُوَرِ كنائسٍ و معابِدَ في ذهني جرّاءَ تآكُلِهِ و امتِلائِهِ المُريعِ بالسائلِ الإلتِهابِيِّ الحامِض. مختصرُ القولِ أنّ هنالك رأسُ إنسانٍ يعيش ُ و لكنّهُ رأسٌ بلا مخ أو مُخيخ أو بصلة سيسائية، رُبّما تكونْْ قدْ تآكلتْ. ثمّ إنه لمّا كانَ المُخّ ُ، بِفِعْلِ الحمضِ و التآكُلِ، كتلةً فقدتْ خصائصها و غيّرتْ و شوّهت القليلَ الباقي؛ فقدْ تشوّهَتْ بموجبِهِ مراكزُ الذِهْنِ و الخيالِ و أضْحَتْ تطرَحُ وقائعَ و تصوّراتٍ كيفما تَسَنّى لها و بعشوائيّةٍ غيرِ مُتّصِلةٍ بنظامٍ ما. هذهِ في الواقِعِ حقيقةٌ لم أعِرْها كبيرَ اهتمامٍ بقدرِ ما كنتُ مُنْجرّاً وراءَ حقيقةٍ أخرى مزيّفةٍ، تُمَثِّلُها وقائعُ تخيّلاتي و عناصرُ من انتاجِ فكري، فيا شقائي حين استسلمت لها ووقعت في شركها، و لكن ما العمل و قد ذوّبَ الحمضُ الزُعافُ ثلاثةَ أرباعِ دماغي و شوّه ما تبقّى في طريقه لِأنْ يُذيبَهُ؟ أما أنا فقدْ أرْجَعْتُ عاملَ وجعَ الرأسِ لِعاملِ الرُطوبةِ التي اتّخَذتْ عِدّةَ طُرُقٍ إلى دماغي و سكنته فكانت الكارثة. الرُطوبةُ عَبَرَتهُ فذهَبَتْ بذاكرتي و الآن لا أذكرُ شيئاً خلا إحساسٍ أشعُرُ بهِ أني مفقودٌ في اللاشيءِ، أعثُرُ على نفسي من فترةٍ لأخرى لا ألبثُ أنْ أتوهَ بها من جديد و يبقى ذهني يعُجّ ُ بآلاف الصُوَرِ المتراكبةِ لكنائس من كلِّ الأشكالِ و الأحجامِ، ترقُصُ هنا و هناكَ و قدْ تجتمِعُ لِتقومَ سويّةً برَقصةِ الشيطان. أفقت تلك الليلة على حلم الكاتدرائية الشامخة ذي الملامح القديمة، و لم أعاود النوم بل رحت أمشي ذهاباً و إياباً طول البيت و عرضه حتى انتابتني رغبةٌ في الحفظِ و الدراسةِ عظيمةٌ فكنت في أتم النشاط ذا توترٍ عالٍ إذا صحّ َ التعبير، و لكن ما إن أخذت الكتاب حتى اتّضحَ لي الخللُ في شُعوري و عَدَمُ صِحّةِ إحساسي و إن بدا قوياً و طبيعياً. جعلت أتصَفّحُ الكتابَ في غير ترتيبٍ منطقيٍّ حتى ساورني الشّكُ و داخلني القَلَقُ و شعَرْتُ بأزمةِ الوضْعِ و غرابةِ الموقفِ فَطِرْتُ في اللاشيءِ و حَطَطْتُ في ثانية. لم أتصفّحْ كتاباً واحداً بل كُتُباً و كُتُباً و لكنْ لا أرى سوى صُوراً مُنَفِّرَةً و مثيرةً للإشمِئزاز. عرفتُ عندها أنّ خيالي جاوز حدودَ الخيالِ، و أيقنت أنّ اللّقْوَةَ المسائيةَ التي كانت تنتابني كانت تجعلُ مني امْرأ ً فاقِدَ الإحساسِ أو شيئاً كهذا. ما جعلني أشكّ ُ بهذا هو فقداني لحاسةِ الذوقِ؛ فكل الأشياء صارت عِنْدي سواءً، عرفتُها أم لم أعْرِفْها، لمسْتُها أم لم ألْمِسْها، فكأنّ ما بي غَثَيان. أما مِزاجي فلمْ تَعُدْ تَطْرأ ُ عليه تلك التقلّباتُ الاِعتياديةُ التي تنتابُ الإنسانَ على مَدارِ يومِهِ و حياته، بَلْ أصبحَ رسمُ بيانِهِ خطّاً مُستقيماً، فصِرْتُ كالذي يسرَحُ بأفكاره بعيداً في اسْتِغْراقٍ ذِهنيٍّ هادِىء. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ صارَ أمرُ إخفاءِ حالتي (دائي) على والِدَيّ َ أمراً عسيراً، فلم أعُدْ أحسِنُ اصطناعَ المرحِ و الغضبِ و الألمِ و الاِهتمامِ بشيء معين و عكسِهِ و لكنّي اسْتطعتُ لِأوّلِ وَهْلَةٍ أنْ أخْفيَ عليهمْ تلكَ السّوسَةَ التي نَخَرَتْ أذُني و عَيني و أنفي. كنتُ، رغم حالة الجمود التي أصابت مِزاجي، ما زلتُ أتمتّعُ ببعضِ الإرادةِ، مِمّا وَلّدَ لدَي، و لو لبِضْعِ ثوانٍ، شعوراً بالغِبْطَةِ و الراحة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ عجيب! كل شيء غامض! ثمّ إنّ دماغي.......... __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ حضورُ النّفْسِ، يا لهذا الشيءِ الجميلِ الرائعِِ. أنا في صِراعٍ نفسيٍّ لِلحَدِّ من اِخْتفائه. يجب أن لا أتناولَ الحبوبَ المنومةَ بل مُهِمّ ٌ هو استيقاظي الدائمُ؛ فاليقظةُ اليَقظة و لْتَصِحّ َ نفسي و خواطري و ليختفِ عقلي أو ليفعلْ ما يشاء. أنا لن أتقبّلَ حقيقةَ ـ أو خُرافةَ ـ ما يحدث. ما يجري لي في الواقعِ شيءٌ هو من العبثِ أقربُ و لنْ أقولَ: "مُنافٍ للعقلِ" لأنّ عقلي تَبَخّرَ و ذاب في الحَمْضِ إلا أقَلّهُ. هو حقيقةٌ يرفضها عقلي الباطنُ و إنْ تَشاكلَ عليّ َ الأمرُ بعدما تشوّهَ العقلُ هذا، ثمّ حسِبتُ جلاءَ رؤيتي و صفاءَها دليلٌ على سلامةِ داخلي و لكن هيهات. ثمّ جاءَ اليومُ الذي تخلّفتُ فيهِ عن دروسي و استويتُ في الفراشِ اسْتواءَ المُسِنِّ، أدرسُ أو أتظاهرُ بالدراسةِ و لا أحرّكُ ساكناً، و صِرتُ لا أقيمُ وزناً لِتصرّفي على عكسِ ما قررتُ و على عكسِ ما بدا لي أنّهُ عَينُ الحقِّ و الصوابِ حتى أقلقتُ والدَيّ َ و أثرتُ انتباهَ أختي، و لمّا زاد القلقُ و رآني أبي كالحَمَلِ الأليفِ سارعَ باستدعاءِ الطبيبِ فأنكرتُ تصرّفَه و سَخِطْتُ في استسلام. بعد الكشف علي فهمت من الطبيب أن ما بي هو الزكام في أشدِّ صُوَرِهِ و داريتُ ابتسامةً ساخرة، فهل كنت محتاجاً لطبيبٍ لِأعرِفَ هذا؟ ثُمّ َ إنه وصفَ وجعَ الرأسِ بأنه مِنْ عَلائمِ الخيرِ و أنه طبيعي بالنسبة لمرضي، ثم كتب على قطعةِ ورقٍ أسماءَ عقاقيرٍ و نَبّهَ إلى أنه إذا اشتدّ عليّ َ المرضُ فلا بُدّ من اِجراءِ صورٍ إشعاعيةٍ و تحاليلٍ مَخبريةٍ، لم أجدْ كلماتٍ لتوديعهِ و تكفّلَ أبي بالأمر. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ ______________________________________________ لقد نمت كثيراً جداً و تخبّطْتُ بينَ براثِنِ الأحلامِ كثيراً، ثم استيقظت فجأةً و بدت لعينيّ المُتكحِّلتينِ بالسُهادِ أمي العزيزة و هي تقوم بواجبات المنزل. نهضت من الفراش و اقتربت منها و دققت على كتِفها في عطفٍ و رقّةٍ مُبْدٍ عنْ أسيلٍ ـ و إنْ مُصطنعٍ ـ صادقٍ! و كما الأم تتلقّى ولَدَها تلقّتني، بحنانٍ و سرورٍ، و عطفٍ و مودّةٍ. أعرفُ أنّ لا شيءَ يُسْعِدُ أمّاً كعَدَمِ تَعَكّرِ بالِ ولدِها من الهُمومِ، و أنا الآن صافي الذهنِ... لِأجلِها. التفتتُ إلى يساري و إذ أنا بأختي العزيزةِ و هي تُطالِعُ كتباً مدرسيةً كشأنِها دائماً، رنوتُ إليها بِنَظَراتٍ مريضةٍ و لكنْ غيرِ كريهةٍ و إنْ تخلّلَتْها بعضُ السماديرِ، فَلَعَنَ اللهُ القَدْعَ مُسَبِّبَها. يا لِسُوَيداءِ قلبٍ بريءٍ كقلبِها، ما أحسَنَهُ و أنفَسَهُ، و يا لها فتاةً نقيةً عذراءَ رائِعةً. لم تكنْ على درجةٍ مِنَ التّنَبّهِ لِتفهمَ نظرتي و هأنذا أقتربُ من طاولتِها و أنظُرُ لِما فوقَها، فأرى كُتُباً و دفاترَ مُبَعْثرةً فَحَسْب. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ أختي فتاةٌ شابةٌ في مُقْتَبَلِ عُمرها، لا ينقصها الجمال و تتمتّعُ بِرَفاهَةِ حِسٍّ، قد أتَمّتْ عامها الواحدَ و العِشرينَ و تفرّغُها للدراسةِ أمْرٌ مُعْجِبٌ مُحَيّرٌ في آن، بها بعضُ الإنطواءِ المُحَبّذ. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ تملّكني شُعورٌ دفينٌ بِرَغبةِ كَسْرِ زجاجِ النافذةِ ثمّ تناولِ أشلائِها و كَسْرِها بدورها قِطعاً قِطعاً، ثم النظَرِ إلى الشمسِ و الاِبتسامِ لها. __________________________________________________ _______________________________________________أ)ا لنهار_____________________________________________ _______________________________ يا للنهارِ الرائعِ، عَشِقتُهُ حتى الشّبَعِ، هو مقدّمةُ كتابٍ أسودَ يتَكَوّنُ في الليلِ، أهَمّيتُهُ تنبثقُ مِنْ كونِهِ مساحةً من الزمنِ يستحضِرُ كُلّ ٌ فيها ذاتَهُ و يُطَوّعُها لِمُعايَشةِ الليلِ و الدّيْجور. في بعضِ الأحيانِ أخالُ نفسي طَائِراً لَيْلِيّاً لَبُوناً، مِنْ مُجَنَّحَاتِ الأَيْدِي، مِنَ الْخَطَاطِيفِ، ذا جَنَاحَينِ عَرِيضَينِ مُتَّصِلَينِ، شَبِيهاً بِالفَأْرِ ، أَسْوَدَ اللَّوْنِ، يَطيرُ هنا و هناك، فشُعُوري بهِ قَوِيّ ٌ و مُزعِجٌ في آن. ثمّ أصبحتُ أعشقهُ و أحِسّ ُ إحساسَهُ. ثم ما هذهِ النَّكْهَةُ؟ مذاقُ لُعابي كريهٌ، مُرّ ٌ كالحَنْظَلِ، عَفِنٌ، نَتِنٌ، يُؤرِّقُني و يحرِمني من تَذوّقِ الحلاوة. __________________________________________________ _______________________________________________ب)ا لمخ_______________________________________________ _____________________________ شعوري بفقدان عقلي أصبح شعوراً دائماً. صدّقوني... شَدّ َ ما أتألّمُ لأجلِهِ. ضاعَ عقلي في بحرٍ عميقٍ. أعْلَنَ عقلي استقلالَهُ (ضحكة خفيفة مرّة). هلْ سمِعْتُمْ بِمُخٍّ يُعْلِنَ اسْتقلالَهُ و يتّبِعُ هواهُ؟ هو مُخّي لا غير. يا للمسكينِ، استقَلّ َ عنِ الجسمِ و تركَ اللحمَ بلا سائِسٍ. شَرْحُ هذا أنهُ يجعلني أفكر و أقرر ما لا أرغب به، فأعمَلُهُ رُغْمَ رَفضي لهُ. يجبرني ـ أقولها و أنا أرتعد ـ على التفكيرِ بأشياءٍ لا أرتضيها. هل هذا انفصامُ شخصيّة؟ الأدهى أني أعلم بهذا الإنشقاقِ فبِماذا إذاً أفكّرُ و مَنْ الذي يفكّرُ أصلاً؟ أرجوكم أنْ تُمْعِنوا في هذهِ النُقطة المُحَيّرة التي، إنْ صَحّتْ، ألْزَمَتْ أنْ يكونَ المحالُ مِنَ المُحْتَمَل. دفعني هذا لرفض مخي. شعورٌ اِرْتَعَدَتْ له فرائصي. لم أعُدْ أشعُرُ بملكيته. السّكنُ الرأسُ رأسي و لَكِنّهُ يُفَكّرُ.... لِحِسابِ آخَرَ! فمِنْ هُنا دَفْعي و رَفْضي له كجِسْمٍ غريبٍ عن جسمي. إنّ قولي أنّ الأفكارَ التي تجولُ في عقلي ليستْ أفكاري، ضَرْبٌ من الهُراءِ و لكنّها الحقيقة. غُموضُها يؤكِّدُ لي زِيْفَها و انتماءَها لكائنٍ آخرَ مختلفٍ كُلّ الإختلافِ عنّي. ما الدّاءُ بِحَقِّ اللهِ؟ ما هذا الدّاءُ الذي استلَبَ عقلي؟ تبّاً لِلشيءِ ـ كائناً ما كانَ ـ الذي يريدُ كتابةَ مُخيخي باسمِهِ. جعلتُ أنْبُذُ كثيراً من الفِكَرِ و الخواطرِ الجائلةِ بعقلي لقناعتي بِعَدَمِ مُعالجتي لها في الواقِعِ. أنا أدْرَى بي و لذلكَ أقول أنها ليست أفكاري و ثَمّةَ مَنْ يفرِضُها عليّ َ فَرْضاً و لذلكَ قمتُ بطرحِها فوراً. معرفتي بعدم انتمائها لي لم يَحُدّ َ مِنْ سيطَرَتَها، فإذا بها تتملّكُني فأصبحتْ كأنها ناشِئَةٌ مِنّي! __________________________________________________ _______________________________________________ت)ا لليل______________________________________________ ______________________________ مؤخّراً صرتُ أمشي في النومِ، و أنامُ في اليَقَظَةِ، و هلْ تُنْسى أحداثُ الليلةِ الماضيةِ البهيمةِ الحالكةِ و ما اعتراني من هَجْسٍ، هذا أني في النومِ جَثَوتُ على رُكَبي و زحفتُ مادّاً للأمام ذِراعَيّ َ في توازٍ عجيبٍ، حتى دنوت ببطءٍ من الساعة و في لَمْحِ البَصَرِ استويتُ واقفاً و قد شُدّ َ مني العصبُ و جعلتُ أدورُ حول الساعة أسْرِعُ شيئاً فشيئاً و أزْفِرُ زَفَرَاتٍ مريضةً مُطَوّلة. بدوت و كأني أتشيطنُ في وتيرةٍ حادةٍ ـ مسكينٌ أنا! ـ ثُمّ َ لمّا أتْمَمْتُ بعد ذلك ثلاثَ دوراتٍ حول الفراشِ جثوتُ مجدّداً و نزلَ عليّ َ سلطانُ السكينةِ و لفحني هواءٌ رَحيمٌ؛ فكأني مأخوذٌ بروحٍ ملائكيةٍ، فتشاهدتُ ثُمّ أويتُ إلى فِراشي و غِبْتُ في سُباتٍ عميق، و الأعجب من ذلك أني تذكرت ما حدث معي في النوم بتفاصيلهُ! __________________________________________________ _______________________________________________ث)ا لحب_______________________________________________ _____________________________ ذلك العبير المنبعث من روحين اجتمعا من غير إذن. ذلك الطرب الروحاني الذي هز الأجداث من أصولها. ذلك الإنبعاث لبخارٍ جديرٍ بالإستنشاق، متصاعدٍ من أحشاء الأرض، امتزج بأبخرةٍ أخرى عظيمة. ذلك الوفاء المرهب لا ينهيه غير الموت. خالداً يعيش في أرواح أجساد البشر المتفسّخةِ حتى يومِ العذاب. ذلك الهدف الذي يعتاد عليه الحلم. أحداث الواقع تفزعني. كل شيء حولي طبيعي و واقعي و لكنْ مرعب و موحش. تقديري بأني المريض الوحيد خطأ فاحش إذْ تحققت من كون أبي و أمي و أخي مريضين بداءٍ خبيثٍ شيطاني. ما جَلَبَ لي النكدَ و الأحزانَ هو مُشابَهَةُ دائِهم لدائي؛ ففي النهار تبدو عليهم ـ و علي ـ سيما شفاءٍ ظاهريٍّ و آنيٍّ، فالشفاءُ يتّسم بكلِّ خصائصِ الشفاءِ الإيجابيةِ بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ، و لَشَدّ َ ما ترتعِدُ لهذا فرائصي و لَشَدّ َ ما أفزعُ، فينتبهونَ لفزعي و يتحسّرونَ علي. يستدعونَ كلما اصْفَرّ َ وجهي الطبيبَ و تتنهّدُ أمي بأسى. "ليسَ مِنْ داعٍ لمحزنةٍ" قلتُ شِبْهَ غاضبٍ و تابعتُ بحَنَقٍ يخالِطُهُ مَسّ ٌ خفيفٌ مِنْ لَوَثٍ: "هذا زكامٌ يصيبُ الأعصابَ و الطالبُ عُرْضَةٌ له لا مَحالةَ و العَقْلُ إنْ تَعِبَ هذَى". الحَقّ ُ أنني الوحيدُ من بينِهِم الذي يرى الأشياءَ من طرفها الصحيح و كيف هو واقعُ الأمر. اشتعل رأسي بالشيب و أنا أصارع واقع شفائهم الوهمي الذي ظنّوهُ حقيقةً و اغْتَرّوا بمظاهره الجذابة. لا يدرونَ ـ المساكينُ ـ ما تخبِّىءُ لهم الأيام. حياتُهمْ إذاً دَيْنٌ في رَقَبَتي. أنا هو بالأحرى من سيفقِِدُهم لا هُم. يا لِأبَوَيّ َ و يا لِأختي اللطيفةِ الجميلةِ، أيّةُ حقيقةٍ يخبِّئُ لهم القدر. مَنْ سَيَرْعاني إنْ فَقَدْتُهُم إلى الأبد؟ فتَضَرّعْتُ لله. أسْدَلَتْ ليلةٌ سَرْمَدٌ ستارَها على بيتي و نشرتْ عُتْمَتَها الثقيلةَ َفي كل مكان. اِمْتصّ َ الظلامُ العقيمُ ضوءَ قمرٍ أحمرَ قانٍ تربّعَ قُبّةَ السماءِ، يُنْذِرُ ازدياداً في الحُمْرَةِ و الاِضْمِحْلال. انتابتني حالة يقظة فلعنتُها و أنا أنهضُ من نومٍ طويلٍ، واهِناً، أحِسّ ُ بدَوْخةٍ، كمَنْ ثَمّلَهُ الشّرابُ، و طنينٍ مُزْعِجٍ أحُكّ ُ لَهُ أذُني، فقلتُ في نفسي: "ماذا بعدَ ذلك؟"، و حَسِبْتُني أتعاطى الحَشيشَ، و أصْغَيتُ إلى هَمَساتٍ كالرّزِّ ، ثمّ سمعتُ كالرِّكْزِ أو كالهَتْمَلَةِ أو النّئيمِ أو القَهْقَهَة ِ تَتْبَعُها هَمَساتٌ و لَغَطٌ. ينتهي إلى مسمعي شيءٌ كالتَغَمْغُمِ أو التّجَمْجُمِ الخَفِيِِّ، كالتّأوّهاتِ أو الدعاءِ. انتابني الهَيَجانُ و بَرَزَ لي رِئِيّ و لمْ تُغْنِ اسْتِعاذاتي شيئاً. أصبحَ الدّوارُ حُمّى. اَنْدَفَعْتُ بِعَصَبِيّةٍ أبحث عن مصدرِ الرّزِّ و الهَتْمَلَةِ. اِقْترَبتُ منَ الشّباكِ فسمعتُ قَرْعَ نواقيسٍ لمْ أشُكّ َ أنّ َ مَصْدَرَها الكاتِدْرائيةُ، تُؤَذِّنُ بحلولِ وقتِ الصلاةِ. نظرت باندهاشٍ إلى ساعتي فإذا هيَ تشير إلى الثانيةِ و النصفِ بعد منتصف الليل. أطْلَلْتُ من الشّبّاكِ فرأيتُ بُنيانَ الكاتِدرائيةِ و حَشْداً من رجالٍ و نساءٍ متوافدينَ عليها، رُغْمَ المسافةِ الكبيرةِ التي تفصِلُ بيتي عن الكنيسةِ و عَشَراتِ الأبنيةِ التي تَحُولُ بيني و بينَ رُؤْيَتِها، رُغْمَ ذلكَ رأيتُها بوضوحٍ، فهلْ أزالوا كلّ َ الأبنيةِ الواقعةِ بينَ بيتي و الكنيسة؟ ظلَلتُ أحَدِّقُ إليها و أمْعِنُ فيها النّظرَ حتى احْوَلّتْ عينايَ منَ الحَمْلَقَةِ. اِسْتَشَفّتْ لي جُدْرانُها، فصِرتُ أرى ما وراءَها بِغَيرِ ما صُعُوبَةٍ؛ فبصري يثقبُها بأعْجوبَةٍ مُتخلِّلاً حِجارَتَها. اِرْتدّ َ عنها بصري في جِزْءِ ثانية. هَزَزْتُ رأسي و فركتُ عينيّ َ و حَمْلقْتُ بِشِدّةٍ. "هلْ أنا أنا أم حلّ َ فيني شيطانٌ أم هذهِ أحلام يقظة؟". اِمْتلأ رأسي بالسائلِ الشوكيّ و اِلْتَهَبَتْ الأمّ ُ الجافيةُ و استطعتُ أن أتحسّسَ بالنِّصْفِ الداخليِّ من الكُرَةِ العينيّةِ غِشاءَ العنكبوت. أشعُرُ بالسائلِ يكادُ يخرجُ من القناةِ الدمعيةِ و أكادُ أقيىءُ مِنْ نكهةِ فمي. ما هذهِ اللّزوجة؟ ما أسْوأ عَيْنِيَ اليُسرى! نظرتُ في المرآةِ و تحسّسْتُ عينيَََ اليمنى. ما هذا القَيْحُ؟ ما هذا الاِستفحالُ؟ لُعابي مُرّ ٌ كالحَنْظَلِ و أضلاعي كجرانِ البَعيرِ لُزّتْ بِدَأيٍ مَنْخورٍ، تَخِزُ كالإبَرِ. أطْلَلْتُ من النافذةِ من جديدٍ، فاسْتَشَفّ َ بَصَري مَقْبَرَة. يا إلاهي! ما هذا؟ أين أنا؟ جيد. لا بأس. فلْأجْلس. لا سأغلِقُ النافذة. برد برد. رَعْشَة. جيّد. فَلْأتفكّرْ قليلاً. أنا مدركٌ تماماً أنّ عقلي بدأ يتآكَلُ كالحديدِ و نَحْوِهِ، و تآكُلُهُ مستمِرّ ٌ منذ أنْ وقع في مصيدةِ آفَةٍ ما، يعجزُ الطِّبّ ُ أمامها، و تَقْصُرُ الحياةُ عندها و الحَيّ ُ، متى أ ُصِيبَ بها، فعيشُهُ و الموتُ سَيّان، يفقد إحساسه، و ينعدم تفكيره، و قد يخفقُ قلبُهُ بنبضِ الحُبِّ الإلاهيّ حيناً و تجري في عروقهِ دماءُ الشياطينِ حيناً آخَرَ. ليلي سخيفٌ و عبثٌ و غَفْوَتي نذيرُ شُؤْمٍ و عيني ـ كذلك أنفي و أذُني ـ أشياءُ مُنافيةٌ للعقلِ لا تفيدني مِثْقالَ ذَرّة. كنتُ أ ُحْقَنُ بكميّاتٍ مُتفاوتةٍ من مادةِ الفَزَعِ و الرّعْبِ، و هيَ مُسْتَحْضَراتٌ ليليةٌ دَخَلَ في تركيبها مَزيجٌ منْ جراثيمٍ نَجْمِيّةٍ و بَلْسَمٍ قَمَريٍّ مُتَشَرِّبٍ بموادٍ شمْسِيّةٍ، تذهبُ بالبَصَر. الأرقُ يلتهمُ نعاسي و النومُ جُرْذٌ يَقْضِمُ كُرَتي العينيّةَ فتَبْدو لي في المرآة َ كأنّها بلا أجفانٍ. بناتُ أفُكاري... أولادُ أفكاري... و هلُمّ جَرّاً. اِسْتفَقْتُ من أفكاري ـ أو هِيَ اسْتفاقَتْ مِنّي ـ أتَخَبّطُ في الفراشِ كحامِلٍ أمِّ فَرْقَدِ، و كان القمرُ في السماءِ الداكِنَةِ كضَوْءٍ خافِتٍ على وَشَكِ الإنطفاء. لا أخْفيكُمْ أني أتناولُ جهازيَ العصبيّ َ عَشاءً، لِذا تراهُ ينقصُ في الحجمِ كلّما سالَ لُعابي. أصبحَ لُعابي في الفترةِ الأخيرةِ مُرّاً و كثيفاً كالصّمْغِ، فلمْ تَعُدْ لي قابليّةٌ للأكل. ما العمل؟ لِلترويحِ عنِ النفسِ ينبغي، و العُتْمَةُ هذهِ، فِعْلُ شيءٍ ظريفٍ لطيف. أنا مُشوّشٌ تنتابني حالاتُ بردٍ و خوفٍ و غَيبوبةٍ و و... و لا أسْتَبْعِدُ القيامَ بما نهى اللهُ عنهُ. لمْ يَعُدْ بإمكاني البُكاءُ إذْ فقدتْ غُدَدي خاصّيّةَ إفرازِ الدموع. ما العمل؟ و حتى لا أطْلِقَ كريرَ المختنقِ المَجهودِ فَرأيي أنْ أموءَ أو أخورَ أو ـ في أحسنِ الحالاتِ ـ أشدو كالبلابل. نفضتُ كل هذا عن ذهني و تفرّغتُ لِرؤيةٍ بِمقدورها إفسادُ عقلِ مِئَةِ رَجُلٍ و امْرأة. رأيتُ فيما يرى النائمُ ـ أو المستيقظُ في حالتي ـ أضواءً حمراءَ و خضراءَ لطيفةً بحجمِ الحبّةِ، تملأ ُ الغُرفةَ، فهفا قلبي و شعرْتُ بانتعاشٍ، و لكنْ، مهلاً! إنْ هيَ طَرْفَةُ رِمْشٍ و إذْ بها تذوبُ في اللاشيء! أينَ أضوائيَ الجميلة؟ تعيسٌ أنا و شقيّ. على كلٍّ لا شيءَ يُضاهي إحساسيَ العظيمَ المُرّ َ بنفسي، فطالما ذكّرني بوحوشٍ مِنَ القهوةِ تأنَسُ إليها قِرَدَةُ الكهفِ الثلجيِّ، و إنْ لمْ يتلاقَوا أبداً. أيُعْقَلُ أنْ تكونَ هذهِ حالتي النفسيّة؟ أأصابُ بالإنهيارِ العصبيِّ و أنا خالٍ مِنَ الأعصابِ سِوَى النُخاعِ الشوكي؟ هلْ مَنْ يُضاهيني وداعةً أو يُعادِلني اتِّزانَ عَقْل؟ لَكِنْ للأسَفِ فقدتُ أفكاري بَلْ ذِهْني، و فاقِدُ الشيءِ لا... فتأمّل. و الأدهى من ذلك أفكاري و تخيّلاتي نفسُها. أجلْ. فأنا لا أحِسّ ُ بملكيّتِها بلْ أشعُرُ بأنها فُرِضَتْ علَيّ َ فَرْضاً. فَذِهْني بينَ طارحٍ لها و مُتَقَبِّلٍ لها و عقليَ الباطنُ رافِضٌ لها، ناءٍ عنها، واقعٌ ـ آخِرَ الأمرِ ـ في شِراكِها في حالةٍ تُنذِرُ بالجنون. الزمن بعد فيزيائي رابع للمكان حسب نظرية النسبية الخاصة، لكنه لا يعدو كونه وسيلة لتحديد ترتيب الأحداث بالنسبة لمعظم الناس، بالنسبة لي هو تتابعُ أحداثٍ و أصواتٍ في بقعةٍ فراغيةٍ ما، فهوَ مُسَجّلٌ في الفراغِ و كُلّ ُ فترةٍ منهُ تمضي يُخَلِّدُها الفراغُ و يحمِلُها عَبْرَهُ إلى اللانهايةِ، حافِظاً لها من الإمِّحاء. فاللحظاتُ المُسَجّلةُ تسبح بشكلٍ عشوائيٍّ في غاهِبِهِ و قد يحدُثُ ـ و هذا شيءٌ مُفزعٌ ـ أنْ يقعَ إنسانٌ في مجال بقعةٍ زمنيةٍ سيّارةٍ، و بحكمِ عَشْوائيّةِ مسارِ البُقَعِ الزمنيةِ يحدثُ أنْ تتخَلّلَ إحداها مجالَ زمنِ إنسانٍ ما و كُلّ ُ خوفي أنْ أكونَ هذا الإنسان! __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _________ ليلٌ أثْقَلَتْهُ الصبغةُ السوداءُ فناءَ بِحِمْلِهِ على ضميري و أنا أنظرُُُ في الأفقِ و إنْ لمْ يكُنْ ثَمّةَ أفُقٌ. ربما اكْفَهَرّ اليلُ و تذبْذبَ خطّ ُ الأفُقِ. هناكَ شيءٌ يوحي بالغِلَظِ. تبدو على السماءِ آثارُ مرضٍ عُضالٍ يستهلِكها و القمرُ صارَ خَلَفاً لكابوسٍ أزرقَ. انتابتني رَعْشةٌ حمراءُ فآذتني لدرجةِ أنْ خِلْتُ الفِراشَ صفائِحَ مِنْ مَعْدِنٍ، مِنْ تحتِها أ ُضْرِمَتْ نارٌ لاهِبَةٌ شَعْواء. لم يكن هناك تناغُمٌ بين حَرِّ الليلِ و سوادِ العُتْمَةِ، فأنا أتَخَبّطُ في مَصْيَدَتِهما بينما يتنافسانِ للفوزِ بأكبرِ قَدْرٍ مِنَ الفراغ. مددتُ ذراعَيّ و ساقَيّ في تَرَاخٍ و فُتُورٍ فوقَ الفِراشِ الصغيرِ؛ فأنا كالجُثمانِ لا رُوحَ فيه. لمْ يَدُمْ جنونُ الغِبْطَةِ و البهجةِ الذي بَرَقَ في عَينَيّ طويلاً، فقدْ أذْهَبَتْهُ الظُلْمَةُ و سادَ مكانَهُ طَنينٌ مُسْكِر. هو شيءٌ كالترنيمِ العَذْبِ الذي سمعته من أمي صغيراً، أنام و أصحو عليه، إلا أنه على خِلافِ أغنيةِ أمي يبعثُ فيني فَزَعَ المحكوم عليه بالإعدامِ، لِذا تَراني أرْعدُ كالمَمْسوس. لنْ يُجديني انتظارُ المصيرِ هكذا، مُجَرّداً من عقلي، متروكاً لكوابيسِ الوسواسِ أكادُ أؤمِنُ بِهِ إيماني بالخالِق. اليأسُ صَيّرَني شاردَ البَصَرِ، بِلا عَزْمٍ، بِلا إرادةٍ، و الآنَ يُريدُ أنْ أ ُحِيْل. ذَرَفْتُ دُموعاً حَرّى على ذكرى طفولتي السعيدة، ليس شيءٌ كَعُذُوبَتِها أو براءةٌ كبراءتِها، ما أحلاها، ما أصفاها، نقِيّةً كالماءِ النميرِ الصافي يَرِدُهُ حَمَلٌ صغيرٌ أبيضُ، و لكنْ الآنَ مضى كلّ ُ شيءٍ و لم يبقَ لِلْمَرْءِ إلا أضغاثُ الأحلامِ و تَخَيّلاتُ الفَزَعِ و الهَوْلِ، فَمَرّةً أطفالُ حربٍ مَيّتونَ انتفختْ بطونُهُمُ و تَشَقّقَ جلدُها و جَحَظَتْ عُيونُهُمُ تلاهُ خروجُ دَمٍ نَتِنٍ من الأنفِ، لا بأسَ إنْ صاحَبَ كلّ َ هذهِ الأعراضِ المُرَوِّعَةِ بُروزُ أجزاءِ مِعَى منَ الشقوقِ البطنيةِ، تخلّلتها الديدانُ و حَطّ َ فوقَها الذبابَُ الأخضرُ و الأزرقُ. و مرّةً أخرى يتوهّمُ حرباً أهليّةً قد تناثر لها القتلى من المدنيين هنا و هناك، هذا رجلهُ مهروسةٌ قد خرج مخه من جمجمته المهشّمةِ، ما زال عليه لِبسُ المُتَفَضِّل، و تلك أمّ ٌ بُقِرَتْ بطنُها فسالَتِ الأحشاءُ لِتُفْسِحَ مكاناً لحَجَرَةٍ رُمِيَتْ بها فما زال الدمُ يخرجُ كالقَيحِ، و قدْ بدا من جسدها (كلمة مشطوبة) مُقْرِفاً مُقَزِّزاً كان في الماضي مَحَطّ َ شهوةٍ، أما الآنَ فهو كِتلةٌ شاكهها الدمُ و البَولُ و موادُ أخرى صفراءُ و زرقاءُ كريهةُ الرائحةِ أصابها العَفَن. ثُمّ َ أنهُ لا يمكنُ تحديدُ ملامح وجهها لِشِدّةِ ما اعْتَمَلَ فيهِ التشويهُ المُفزِع. الأنفُ تَوَسّطَ الأسنانَ َو اللسانُ اعترضَ الحُلقومَ و الكرةُ العينيةُ خرجَ ماؤها و سالَ سوادُ بؤبؤها مُخالِطٌ بَعضَ دَمٍ، و المُخيخُ تحرّرَ و تهَشّمَ و خالطَ التُربةَ و وخمَ الشارعِ بالكادِ يُتَعَرّفُ على أجزائه. مشاهِدُ مُقَزِّزَةٌ حقاً لا رغبةَ لي في استعراضها. تَحَسّسْتُ أنيابي بِعَذ َبَةِ لِساني فشعرتُ بِتَغَيّرٍ فيها. ليس حلماً هذه المرة بل حقيقةً في زِيِّ حُلُم. لقد طالتْ أنيابي بِشكلٍ مثيرٍ للرَعْدَةِ كأنها بُرِيت. فمي مُمْتَلِئٌ بها، ثم إنها تُفْرِزُ سائلاً مِنْ كُثْرِ الشهوةِ و النَهَمِ و تدْعوني للإفتراس. الجنونُ الأصفرُ المُصاحَبُ بالهَلَعِ باتَ يداعبني. أفكاري أصبحتْ كلَوْحَةٍ سِرياليةٍ تَعْصِفُ بها رياحُ الخيالِ المريض. صبري يَنْفَذُ شيئاً فشيئاً. قُدّتِ الفرامِلُ و فَلَتَ الِّجامُ. اسْتَفْحلَ الأمر. هذا يضحكني و يودي بعقلي في آنٍ معَ استمراريةِ مداعبةِ المَسِّ لِهذا الأخير. لا أعرِفُ ما الهُدوءُ و التوتّرُ عالٍ يُنْذِرُ بالشّرارةِ إذِ العينُ لَمَعَتْ في الدّمسَةِ بالجنونِ و الضِّحْكةُ ارتسمتْ على فمي بِشكلٍ لا إراديّ. لا أنا سعيدٌ و لا أنا غاضبٌ. أنا بَيْنَ بَيْن. أنا باسِمٌ ساخِطٌ ذو مَسٍّ قَلِقٌ مِنْ رِكْزٍ لا غَيْر.، فما فائِدَةُ أنْ يأتي الطبيبُ و أنا أسناني قدِ استفحلَ طولُها و اسْتَنّتْ و اصْفَْرّتْ؟ من بربكم يعيد لي أسناني الحلوةَ البريئة؟ مَنْ........ لن أمضي في هذا الحديثِ المقرفِ الموجِعِ للدماغِ، ثمّ إنّ وجعَ الرأسِ لا ينقضي فأينَ المُشتري حتى أبيعَهُ مجاناً و ليَعْلمْ أنّ كرمي واسع. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __ تَثَنّتْ أطرافُ السماءِ و شَحُبَ القمرُ و خَفَتَ ضَوءُ النجومِ و تَبِعَهُ سكونٌ عميقٌ، حتى خِلْتُ السُكونَ ضَجيجاً و الهُدوءَ طنيناً، فتمنّيتُ سماعَ بعضَ الموسيقى لأرتاحَ و شعرتُ بفراغٍ عميقٍ و أني على وَشَكِ أنْ أصابَ بالشَلَلِ ففَزِعتُ... أهذهِ آخرتي؟ تحَسّسْتُ مِراراً و تكراراً نابَيّ َ و باقي أسناني بِحاقِّ لساني؛ فراعني طولُهُما و تفلطُحُ و اصْفِرارُ الباقي. فتحتُ فمي و أغلقتُهُ مِراراً و تكراراً، ثمّ عَنّ َ لي أنْ أجلِسَ، ثم أنْ أستلقيَ، ثم أنْ أقومَ، ثم أنْ أنبطِحَ. مَشيتُ و هرولتُ، جَرَعتُ ماءً بارداً و رميتُ الكأسَ من النافذةِ و انتابتني انفعالاتٌ تشنُّجيّةٌ وهَذَيانٌ و ترنّحتُ فارْتميتُ على سريري، و خَلَدْتُ للراحة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __ صَحَوتُ على هَمْسِ اسْتغاثةٍ مُرَوِّعَةٍ و خِلْتُ تلكَ اللحمةَ بينَ الكتفِ والصّدرِ تَهمِسُ لي بِشيءٍ غرائبيٍّ فأعَرْتُها أذُناً صَمّاءَ إذْ كنتُ أصْغي للهَمْس. و لكنْ... ما هذا؟ يبدو أنني بِحاجةٍ لإسعاف. لا. أنا بحاجةٍ لأنْ أميلَ. مِلْتُ نحو الشباك تجذبني همساتُ الاِستغاثةِ. سِرْتُ لها كالملدوغِ الأخرفِ و إنّ لَبِها أنِسٌ أزْعَرُ يستميلُ كلّ َ هَلِعٍ مُرَوّعٍ، فلمّا شارفتُهُ صَفَعَني الذّعْرُ و كِدْتُ أقعُ في غيبوبةٍ لا أفيقُ منها إلّا على شيطانٍ رجيم. ابيضّتْ عينايَ لرؤيةِ مقبرةٍ من بعيدٍ، بأرماسِها الباليةِ، و تربتِها العَفِنَةِ، و عُتْمَتِها المُضَيّعَة. أدرتُ ظهري لأحلامِ اليقظةِ و بحثتُ عن ملاذٍ في أرجاءِ البيتِ و أسعفني كُرْسِيّ ٌ وُضِعَ عن يمينِ النافذةِ فارْتميتُ عليهِ أتخبّطُ في مآسي الحياةِ و أوهامِها. فرّ النومُ من عيني كفرارِ جُرَذٍ أسودَ بَشِعٍ مُرْتَعِدِ الفَرَائِصِ و إني لأحْلُمُ لا كما اعتَدْتُ في النومِ، و لكنْ أحلُمُ و أنا صاحٍ و في أتَمِّ قوايَ العقليّةِ مفتوحُ العينينِ و لكِنْ مهلاً فإنّ هذا يجعلني أحقِدُ. هناكَ حِقْدٌ دفينٌ، حِقْدٌ ما، حِقْدٌ أسود، حِقْدٌ و كفى ههههههه. أفكاري لا تنجو من براثنِ الأحلام. كُلّما راودتني جاءتْ هذهِ فزَيّفَتْها فأنفضُ رأسي بشِدّة عَلّي أطرحُ الخبيثَ و أبقي على الجيد المقبول. قمت من مَقْعَدي و ارْتميتُ على الفراش أنشُدُ النومَ و لم أرغب في التفكير بشيءٍ، لعلي أصاحب ملاكَ الراحةِ سريعا. مضت دقائقُ عِدّةٌ و الهدوءُ عميقٌ إلّا أنه انتابني شعورٌ عميقٌ بالكُرْهِ فذُعِرْتُ ذعراً شديداً و رَجَفتُ لِلَحظةٍ بهستيريةٍ عنيفة. أرهفتُ أذُني لِضَحِكاتٍ و هَمَسَاتٍ مريضةٍ، و بنظرةٍ غابَ لها سوادُ عيني حَدَجْتُ كلّ َ ما حولي و اسْتطعتُ أنْ أرْتئيَ رغم الدُمْسةِ الشاملةِِ ـ نياماً لا أيقاظاً ـ أفرادَ العائلةِ، فرداً فرداً، يتضاحكونَ و يتهامسونَ بصوتٍ ذي نبرةٍ آليّةٍ. ثم أصابَهُمُ الجمودُ التامّ ُ، إلا عيونُهُم، فهي تتحرّكُ في كلِّ اتِّجاهٍ، ثم جمدتْ و بقِيَتْ مُعَلّقَةً في السماءِ، يُحَدِّقونَ إلى نُقطة. يمكُثونَ كذلكَ لِحينٍ ثم تنفرِجُ أساريرُهُم و يتهامسون و يَقْشَعِرّونَ. صرت بحيث لا يرونني و أراهُم و أسمعُهم. بماذا يتسارّون؟ آه إنهم يتحدّثونَ عنّي و يشمَئِزّونَ من خِلْقَتي الشوهاء. من هؤلاء و ماذا يجري؟ ثم و بسرعةٍ انقلبَ همسُهم في أذُنَيّ َ صُراخاً و ما هو إلا هُنَيهَةً حتى بدأ شيءٌ كالعَدّ التنازلي و بدأتُ أموتُ ببُطء. في أذُنَيّ َ ثُقبانِ يتفاقمُ لهما جنوني و لا أشك في خبثِ ضِحْكاتٍ مِلْؤها الكرهُ لي. يا للليلةِ المجنونة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _________ لقد تغيرت نظرةُ أهلي تجاهي، لم يعد في ذلكَ من شك، و بذلكَ لم يعد لي أهل. خسارتي فادحة في ضياعهم و أخشى أن أكونَ أضَعْتُهم للأبد. و إني لأنظرُ إليهِم عَلّ ملامِحَهُم تُنْبيني عن صِفاتِهِم، و لكنْ سُرْعانَ ما تَحَوّلتُ عنهُم إذْ هُم نيامٌ، ساكِنونَ، و إنّهُم لَيُحَمْلِقونَ، و إنْ نياماً، بالسّقفِ، مفتوحةً عُيونُهُم لا رِمْشَ لها، جامِدةً أرى بريقَها لانعِكاسِ ضوءِ القَمَرِ عليها، لا زالت شِفاهُهُم ترميني بالنِّبلِ، تَغتالُ براءَتي و إني لأرى زَبَداً يسيلُ على أطرافِ أفواهِهِم. ثم لمّا نظرتُ إليهم نظرةً أكثرَ تَفَحّصاً انْكَشَفَت لي حقيقةٌ عَفِنَةٌ مُتَفَسِّخَةٌ إذ عُيونُهُم بيضاءُ لا قَرْنيّةَ أو قُزَحِيّةَ لها و بَشَرَتُهُم تنكمِشُ فيما يُشْبِهُ انحِلالَ الجِّلْدِ الفُقاعي أو الخُناقَ العُقْبولي، يتلوهُ تمَزّقٌ و تساقُطُ رُقَعِ الجِّلْدِ و كُتَلٍ لحميةٍ فكأنّ عِظامَهُم ضَعُفَتْ عنْ أنْ تُمْسِكَ باللحمِ فإذا لُحُفُهُم حَمراءُ مِنَ الدماءِ فَصَفَعتُ نفسي عَلّني أستيقظ. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ ______________ عدتُ إلى غرفتي و نظرتُ من النافذةِ: "أيّ ُ سكونٍ هذا و أيّ ُ عُتْمة!". ما استطعتُ أنْ أفكّرَ بشيءٍ فالصُورُ تتلاشى في مُخَيِّلَتي بِمُجَرّدِ ظُهُورِها، ما عدا صورَةً واحِدَةً فاضَتْ لها عَيْني مِنَ الدّمْعِ، تُمَثِّلُ روحاً هائِمةً حزينةً واقِفَةً أمامَ رَمْسٍ مفتوحٍ، كانتْ يوماً لشابٍّ وسيمٍ، ماتَ و ظَلّتْ روحُهُ واقِفَةً على قَبرِه. ما كِدْتُ أستديرُ حتّى انتابتني موجةُ حِقْدٍ و أسىً فقارَبْتُ أجَنّ. غلا ماءُ الدِّماغِ في رأسي و انْتَفَخَتْ أوداجي و بَلّلْتُ ثيابي. ما إنْ فَرَغْتُ من هذا الفِعْلِ الأخيرِ حتى رميتُُ أختي بنَظْرَةِ قَلَقٍ و جنون، ثم أسرعتُ إلى المطبخِ و قبضتُ على أكبرِ سِكِّينٍ و صَرَخَ الهَلَعُ و الجنونُ في وجهي. لمْ أرَ عَيْنَيّ المُنعكِستينِ في مرآةِ البَهْوِ فعُدْتُ أدراجي و استرأيتُ بالمرآة فهالني احمرارُ عَيْنَيّ فخُرْتُ و ضَعُفْتُ و كِدْتُ أعْدِلُ عمّا كنتُ أنوي عليه لولا قوّةٌ عجيبةٌ دفعتني دفعاً و هَمْسٌ لاورائيّ ٌ يُلِحّ ُ: "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد". أكادُ أغرقُ في عَرَقي و لكِنْ هيهات. الهَمْسُ يُلِحّ ُ بِنفاذِ صبر أن هيّا هيّا. حَدّقتُ في قَمَرٍ أحمرَ أرجواني لمْ يلبثْ أنْ فقدَ هالتَهُ فحوّلتُ عنهُ نَظَري و وجّهْتُهُ نحوَ غرفةٍ صغيرةٍ مُعْتِمَةٍ فاستوقفني جسمٌ حلوٌ كامِلُ النّضْجِ مُسْتَلقٍ بأنُوثَةٍ ملائِكيّةٍ غنّى لهُ خَبَلي و تراقَصَتْ في مِحْجَرِها كُرَتي العَينيّة. اقتربتُ من أختي النائمةِ و أنا أرتجفُ خوفاً و الآخرُ يرتجفُ شوقاً لإتمامِ ما أنا \ هو فيه، ثم بعد ذلك قرّبتُ السكينَ و قد لمع نصله من حلقها و مكثت في تلك الحالة بِضْعَ دقائقٍ استعذتُ فيها من كل الشياطين و الجِّنِّ، ثم لما حان الوقت جعلت أتأمّل الفتاةَ كأحلى ما يتأمّلُ العُصفورُ الفضاءَ الواسعَ، و كأجملِ ما ترنوا الظِّباءُ الغديرَ و أجريتُ نَصْلَ السِّكينِ بقوّةٍ على حلقِها فتَفَجّرَ الدّمُ فغَطّيْتُ وجهَها و عُنُقَها بِمِخَدّةٍ لِأتفادى الدّمَ فانْتَفَضَتْ ثم سَكَنَتْ فَمَشيتُ في هُدوءٍ و اخْتبأتُ وراءَ الطاولةِ لا يبرحُني الجنونُ و الهَلَعُ و جعلتُ أرنوها باهْتِمامِ المَخبول. تحولَ اهتمامي بها إلى انتظارٍ مُريعٍ فحوّلتُ نظري إلى الشُبّاكِ عَلِّي أنتهي بِقَفْزة نوعية و لكِنْ سُرْعانَ ما حَوّلْتُهُ ثانيةً نحو الجّثّةِ الهامِدَة. رأيتُ أشياءَ بيضاً تَخرُجُ مِنْ أطرافِ الجسَدِ فما هيَ إلا أن اِجْتَمَعَتْ مُكَوِّنَةً صورةً بيضاءَ شفّافةً نُسخَةً مِنْ أختي، فكأنّ هذهِ اللحظةَ كانتْ المُنْتَظَرَةَ مُنذُ زَمَنٍ أفََهِيََ اللحْظَةُ الشافية؟ إنها بدون شك روح أختي تفارق الجسد. "مهلاً" صرخت في نفسي "لقد فهمت كل شيء". ثم أضاءني نورها الوهاجُ و سحرتني نظراتُها المتأمِّلةُ. يا إلهي... إنّ الروحَ قادرةٌ على كلِّ شيء! ليس بمقدوري إجبارُها على البقاءِ، فَلْأخرجْ بِسُرْعَةٍ فلا بُدّ أراها راحِلةً فأتْبَعُها. شيءٌ مُفزِعٌ ينتابني، فمِنْ أينَ لي أنْ أرى الأرواحَ ترقُصُ هنا و هناك؟ ليس شيئاً مهمّاً الآن طالما أقدمت على عملٍ أخلصتُ به لأختي و أسديت لها معروفاً لا أدري لمَ! قد تكون هي طلبت مني ذلك … هذا معقولٌ جدّاً. الروح تَفِرّ ُ من الشباكِ و سأخرجُ من البابِ فلا أدَعُ لها مَهْربا. خرجتُ من البيت... مجنوناً يَتَتَبّعُ روحاً... و لولا رؤيتي إياها لَفَقَدْتُ آخِرَ شيءٍ بقي من أختي. جرَيتُ بِذُهولٍ خلفَ روحِ أختي فإذا بها تتجه نحو كابوس طالما راودني (الكاتدرائية). __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ ______ شرِبَ الجنون الأعمى آخر قطرة من ماء دماغي فضحِكتُ لشِدّةِ الجنونِ و لولا طاقتُهُ العجيبةُ لخَرَرْتُ مَيّتاً في مكاني؛ فكُرَتايَ العَيْنيّتانِ خَرَجَتا عن المِحْجَرَينِ فصِرتُ جاحِظاً مُريعَ الجُحوظِ ، تَضَخّمَ شِرياناها حتى تلَوَنا بلونِ الدمِ و تلوّنتْ الحَدَقَتانِ بالصُفْرَة. ظهرت على وجهي تجاعيدُ المُسِنِّينَ و تَضَخّمَ لساني فيما يُشبِهُ الوَرَمَ المُسْتَفْحِلَ لدرجةِ أنهُ خرجَ من فمي بشكلٍ مُقَزِّز. بقايا آثارِ دماءٍ لا زالتْ تُلَطِّخُ قميصي و لو استعملتُ المِخَدّةَ في للحظةِ المناسبةِ لما حملت آثارَ الفِعلةِ الشنيعة. لوجهي مظهرٌ مُرعِبٌ لو يوصف. و لكن ملامحُ المجنونِ تُضْفي عليهِ شيئاً من حيويةٍ لم يزلْ يَتّصِف بها و إنْ مسحت عنه تعابيرَ البراءةِ المفقودة. لمْ أضعْ وقتاً في تجَرّعِ حسرتي و لمْ يكنْ من مانعٍ لدخولي المبنى و قد دَخَلَتْهُ الأختُ العزيزةُ بأجملِ ما بها: بروحِها. دَخَلْتُهُ ركضاً و قد استعدتُ كل مشاهد الماضي المؤلمة. إني أسلك طريقاًً سَلَكْتُهُ في الماضي: البَهْوَ الكبيرَ، فالمداخلَ المُزركشةَ، فالسراديبَ عريضَها و ضيِّقَها، فالغُرَفَ المُعْتِمَةَ الصغيرةَ ذواتِ البابينِ و الثلاثةِ أبوابٍ، فالأدراجَ الصاعِدَةَ و الهابطَةَ، فالمسالكَ الضّيّقَةَ الحاويةَ على الشَمْعَداناتِ، و عِشتُ مجدّداً حالةَ الضياعِ و الفَزَعِ عبرَ متاهاتٍ لا يُعْرَفُ لها آخِرٌ و بعد ذلك أنتهي دائماً، و بشكلٍ مُخيفٍ، إلى ساحةٍ باردةٍ ترابُها عَفِنٌ تملؤها الرماسُ البائدةُ و النباتاتُ الميّتَةُ. لقد صرتُ في مقبرةٍ لا أستوعبُ شكلَها و إنّ الحادِثَةَ لَتَقَعُ من جديدٍ حتى لَأتساءَلَ إنْ كانَ هذا كلّهُ ينتمي ببساطةٍ لِكابوسٍ مُتَجَدِّدٍ باستمرار. توقّفَتْ روحُ أختي فجأةً و راحتْ تبحثُ بعينينِ ملائِكيّتينِ بين الأجداثِ و اخْتَبأتُ خلفَ قبرٍ عليه حجرة، أراقِبُها بِعَيني المخبولِ الفَرِح. ألقتِ الروحُ نظرةً على جدثٍ عن يميني فجعلَ الجدثُ ينفتحُ شيئاً فشيئاً فَزَحَفْتُ من هلَعي و بحثتُ لي عن مكانٍ آمنٍ بعيداً عن ذاكَ الرّمْسِ، دونَ أنْ أحَوّلَ نظري عنهُ. ظهرَ بخارٌ أزرقُ بدأ بالتصاعُدِ و التكاثُفِ ثم بدأ يَشِفّ ُ حتى ابْيَضّ َو اتّخَذَ هيئَةَ روحِ شابّ. رقص الروحانِ بِعَصَبِيّةٍ ثم تمايلا بلُطْفٍ و اقتربا من بعضِهما البعضِ، يتناظرانِ في هِيامٍ حيناً و يَذرِفانِ دُموعاً مِنْ ذَهَبٍ و عَقيقٍ حيناً آخَرَ. و بِحَركاتٍ من اللسانِ المُفَضّضِّ و العينِ الزَبَرْجَدِيّةِ يُعَبِّرانِ عن سُخْطٍ و فَرَحٍ و حُزْنٍ و ضِيقٍ في آن ثم كأنّهُما يسْرَحانِ لِبِضْعِ دَقائِقٍ بِأفكارِهما بعيداً و كأنّ الأفكارَ تَسْتَغْرِقْهُما لِيَرْجِعا إلى لهْوِهِما في طَرْفَةِ عَيْن ثم يَخْتِمانِ رَقْصَتَهُما بِلَثْمَةٍ عنيفة. اِشْتَدّ وجيبُ قلبي حتى خِلْتُهُ قَرْعَ نواقيسٍ و ازْدادَ جُحُوظُ عَيْنَيّ َ حتى أوشكَ حشوُ رأسي من أعصابٍ ونحوِها أنْ يفارِقَ الجُمْجُمَةَ. عَرَفْتُ أنّها اللحظةُ التي سَتقَعُ نَظَرَاتُهُما عليّ، فَزَحَفْتُ نحوَ ما ظَنَنْتُ أنّهُ المَخْرَجُ فصِرْتُ مُجَدّداً في الدّوّامةِ و جريتُ عَلَى غَيْرِ هُدىً و اجْتَزْتُ سراديبَ فأقْبيَةً فسراديبَ فأقْبيَةً فسراديبَ أتَخَبّطُ في ظلامٍ حالِكٍ رُبّما دقائقاً أو ساعاتٍ أو أياماً أو شُهوراًً ثمّ لَفَظَتْني فجأةً الكنيسةُ فَوَجَدْتُني أفْتَرِشُ أسْفَلتَ الشارعِ العام. لقدْ جُنِنْتُ تماماً فقُمْتُ في غَثَيانٍ و مشيتُ مُتَرَنّحاً هائِماً على وجهي ثُمّ اخْتَفَيْتُ في الظلامِ الحالك.
الكاتِدْرائِيّةْ
تقليص
X
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 192542. الأعضاء 4 والزوار 192538.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق