تعريف نقد النقد
إن مفهوم (نقد النقد) إلى يومنا هذا ما يزال (مفهوما) يشيد ويبنى، فهو في بدء الامر وغايته، مثل كل المفاهيم التي لها حياة تنتقل من التسميات والتصورات العامة، وتمر بمراحل الصقل والاختبار قبل أن تستقر على مدلول اصطلاحي مخصِّص)(1) .
عرف نقد النقد في الويكيبيديا انه بحث معرفي موضوعه النقد الأدبي، ويتقاطع في مباحثه مع جملة من السياقات المتصلة بالبحث في ميدان الابداع بصورة عامة، مثل النظرية والتنظير النقدي. (2) . و لقد عرف غير ناقد معاصر مصطلح نقد النقد، و لكن هذه التعريفات كانت تتسم بالإيجاز الذي يقصر عن الإيفاء بضرورة إرساء المصطلح على أسس علمية ومنهجية واضحة.(3) و من أوائل الذين عرفوا هذا المصطلح الناقد جابر عصفور الذي يقول: "إن نقد النقد قول آخر في النقد يدور حول مراجعة القول النقدي ذاته و فحصه (4) و هو عند د. نجوى القسطنطيني: "خطاب يبحث في مبادئ النقد و لغته الاصطلاحية و آلياته الإجرائية و أدواته التحليلية(5 )
نشأة نقد النقد و تطوره
(نقد النقد) باعتباره كيانا معرفيا أو حقلا ابستمولوجيا ما يزال (مشروعا) تتضافر اجتهادات نظرية عدة في ايجاده وبلورته: (6) إن نقد النقد لازم التشكل الأول للنقد الأدبي، كما يذهب إلى ذلك الناقد باقر جاسم محمد، الذي عد "نظرية أرسطو في المحاكاة البذرة الجنينية الأولى التي وصلتنا مما يمكن عده نوعا من نقد النقد النظري غير المباشر (7) . أما نقد النقد عربياً "باعتباره نشاطا فكريا نوعيا، فهو قديم في مادته حديث في مصطلحه، له علاقة بكثير مما دارت حوله مناظرات العرب القدامى و مساجلاتهم، من قضايا أدبية و بلاغية و نقدية نظرية و تطبيقية لم نشك في دلالتها (8) وبالرغم من أن هذا النشاط قديم في الممارسة النقدية العربية، إلا أن التنظيرات الحديثة هي التي سعت إلى الارتقاء به إلى درجة الكيان المعرفي النوعي ضمن كيانات العلوم الإنسانية. (9) ولقد بدأت ارهاصات نقد النقد أواخر القرن التاسع عشر، ثم تعززت بظهور كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، الذي يعتبر أول مشروع عملي يؤسس لبداية "نقد النقد" دون أن يستعمل المصطلح.(10)
وظيفة نقد النقد
بإزاء ما ورد من وظائف لنقد النقد عند الدارسين السابقين، يجد الباحث ضرورة إفراد مجموعة من النقاط استلها من دراساتهم، ليقدمها بشكل جلي، لعلها تحيط بوظائف نقد النقد، (11) و هي كالآتي:
أولا:" الكشف عن طبيعة المؤثرات الثقافية والاجتماعية و السياسية التي جعلت الناقد يتبنى منهجا نقديا دون سواه واضعا عمل الناقد في سياق أكبر.
ثانيا: يكشف عن صيرورة النقد الأدبي و تحولاته، و يربط بين العوامل السياقية الخارجية التي تحفز عملية التطور الأدبي، و من ثم تطور النقد الأدبي نفسه.
ثالثا : يثير إشكالات تتصل بطبيعة النقد و إجراءاته و لغته، و هو لذلك يتوجه في البحث الى النقد الأدبي في المقام الأول .
رابعا : ينتج معرفة بفلسفة نقد النقد و آلياته و مقاصده (12)
تاسعا: "مراجعة مصطلحات النقد و بنيته التفسيرية و أدواته الإجرائية (13)
اهمية نقد النقد للنظرية الادبية
من المفروغ منه، أن أي منجز فكري أو إبداعي إنساني هو بحاجة ماسة لحالة من المراجعة والدرس والتأمل الدوري، للخروج بأفضل ماجاد به العقل البشري، ومن ثم البناء عليه، ولا يشذ النقد الأدبي عن ذلك، فهو أحد الحقول المعرفية الهامة التي تلعب دورا رئيسا في عملية تقويم وبناء المنتج الإبداعي ومن هنا تجيء أهمية تفعيل اشتغالات خطاب ( نقد النقد)، على المنجز النقدي المحلي وفق رؤية، ومنهجية واضحة ، وحتى لا يستمر تدوير الإبداع في فلك نظريات ومناهج نقدية جامدة يتم اجترارها بعد أن ثبت عدم جدوى وفاعلية بعضها. (14) ولعل معاينة واقعنا الأدبي والنقدي تشير بقوة إلى تحقيق قدر مهم من التراكم، ولكنها تشير أيضا إلى تلك الثغرة المتمثلة في ضعف نقد النقد (15)
لا ريب ان المقال النقدي هو نص بالنهاية وهو كتابة ابداعية ، وهذا الامر وان كان وجها لإمكانية تناول النص النقدي بالدراسة ، وبيان مقدار الابداع المتحقق و تسليط الضوء على مقدرة الناقد الا ان هناك امرا اكثر جوهرية من ذلك ، الا وهو بناء النظرية النقدية ، فكما ان الناقد يكشف عن اسرار الابداع في النص الابداعي ، فان دراسة المقالة النقدية ايضا تستطيع ان تكشف عن عناصر و مكونات النظرية النقدية المتحققة في المقال المعين، اذ ليس من الضرورة ان تكون الممارسة النقدية تطبيقا حرفيا لنظريات جاهزة ، كما ان للناقد باعتباره كاتبا خلاقا فان له القدرة على وضع بصمته الخاصة و المؤثر و التي في النهاية تكون الوعي النقدي من ثم تترسخ في النظرية النقدية . و لأجل الوصول الى نظرية نقد واضحة المعالم و اصيلة لا بد من التفاعل الفكري و التكامل الكتابي بين ما يكتب في النقد ، ومن هنا يكون ظاهرا اهمية نقد النقد لأجل هذه الغاية .
اشكال نقد النقد
لحقيقة تعدد حقول عملية النقد الادبي فان نقد النقد تتعدد اشكاله بذلك ، لان السمات الخاصة بكل حقل نقدي و وظائفه تختلف عن اخر ، فنقد النقد قد يتناول النقد النظري ، و قد يتناول الممارسة النقدية التطبيقية العامة و قد يتناول الممارسة النقدية الفردية . فعملية نقد النقد كما يمكن ان تكون في تناول اطروحات النقد النظري فإنها ايضا تتلمس الرؤية في الممارسة النقدية ، و كما ان عملية نقد النقد يمكن ان تناقش الممارسة التطبيقية العامة بشكل اجمالي وعام فإنها ايضا يمكنها ان تتعمق في الممارسات الفردية الجزئية المشتملة على اطروحات واضحة لاجل الاستفادة من التجربة النقدية لذلك الكاتب بمعنى انها قراءة تحريرية تبرز بشكل كتابي ، كما انها شكل من اشكال التوثيق التاريخي للسبق في كشف معالم مفهوم معين و الريادة في شكل كتابي معين ، و بينما يكون التقييم و المناقشة متأصلة في نقد النقد لنظرية النقد او الممارسة العامة فان نقد النقد الفردي اي المتعرض لمقالة نقدية معينة ابعد ما يكون عن التقييم و الحكم وانما عادة ما يكون لكشف التفرد و الابداع و الريادة ، لذلك نجد المهتمين بنظرية النقد حينما يتطرقون الى كتابة نقدية او يستشهدون بها فان ذلك في الغالب لأجل عمق تجربة ذلك الكاتب و رؤياه الريادية و هذا معلوم ، بل يمكن القول ان نقد النقد الفردي الخاص غير معني ابدا بالتقييم و الحكم انما ذلك مجاله نقد النظرية و الممارسة العامة .
1- محمد فقير مفهوم نقد النقد 2009
2- الويكيبيديا 2014
3- رشيد هارون الاسس النظرية لنقد النقد 2012
4- جابر عصفور قراءة في نقاد نجيب محفوظ ، ملاحظات أولية ، 1981
5- د.نجوى الرياحي القسطنطيني في الوعي بمصطلح نقد النقد وعوامل ظهوره ، 2009
6- محمد فقير مفهوم نقد النقد 2009
7- باقر جاسم محمد نقد النقد أم الميتانقد ، محاولة في تأصيل المفهوم، 2009 .
8- د.نجوى الرياحي القسطنطيني في الوعي بمصطلح نقد النقد وعوامل ظهوره 2009
9- محمد فقير مفهوم نقد النقد 2009
10-نفس المصدر
11-رشيد هارون رشيد هارون الاسس النظرية لنقد النقد 2012
12-د.نجوى الرياحي القسطنطيني في الوعي بمصطلح نقد النقد وعوامل ظهوره ، 2009
13-جابر عصفور قراءة في نقاد نجيب محفوظ ، ملاحظات أولية ، 1981
14- شمس علي نقد النقد طريقنا لتجديد الخطاب النقدي 2014
15- رشيد هارون رشيد هارون الاسس النظرية لنقد النقد 2012
تعليق