موسى الزعيم \ قراءة في مجموعة طفرة نسائية لريتا بربارة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • موسى الزعيم
    أديب وكاتب
    • 20-05-2011
    • 1216

    موسى الزعيم \ قراءة في مجموعة طفرة نسائية لريتا بربارة

    قراءة المجموعة القصصية

    طفرة نسائية
    للقاصة ريتا بربارة
    تعدّ الكاتبة القصصية ريتا بربارة من الأصوات التي لها خصوصيتها وحضورها في المشهد الثقافي السوري إلاّ أنّ ظروف الحرب أخّرت ولادة مجموعتها القصصية الأولى طفرة نسائية والتي صدرت مؤخراً عن دار الفرقان في حلب2015
    وتعدّ طفرة نسائية علامةً فارقةً في الأدب القصصي النسوي اذ تشكّل عالماً حكائيا ً أنثوياً مزجتْ فيه الكاتبة القصة القصيرة بالحكاية اليومية فصدّرت المجموعة بعبارة -على الغلاف- " صور من الحياة "
    وكأنّ الكاتبة أرادت أنْ تقول هذه القصص والحكايات أقربُ ما تكون إلى حياةِ الناس أو أنّي عايشتُ تفاصيلَ بعضها فهي مأخوذة من تجاربهم مباشرة لكنها شُكلت بمعمار قصصي سلسٍ .. أبطال الحكايات عايشوا الكاتبة شربوا القهوة معها حزنتْ لحزنهم وخافتْ لخوفهم , تحاول الكاتبة ان تشركنا كقراء لنصوصها لنكون فاعلين ومنفعلين فيها فتقول : مخاطبة القارئ

    صديقي القارئ، "كَتَبْتُ ما كَتَبْت وتركتُ لكَ ولخيالِكَ ولأفكاركَ حريّة اختيار الفكرة التي تُناسِبُكَ، وأنا أحترمُ كلّ أفكارك، انطلاقاً من إيماني بأّنكَ مُبْدِعٌ بِحَقّ ." تقع المجموعة في مئة صفحة , وفيها اثنتان وعشرون قصّة قصيرة تراوحتْ في الطول والقصر, أغلبها كُتبت في زمنِ الحرب تعكس انكسارات الانسان العربي عامة والسوري خاصّة , لكن القارئ للمجموعة يلحظٌ عنايةَ الكاتبة بصوتِ الأنثى المتمردةِ على التقاليد التي تكبّل حريتها الفكرية حريتها في إبداء رأيها والتعبير عن مشاعرها أو الاحتفاظ بها. من حقها أن تقبل أو ترفض متى ما تعارض ذلك مع دقات قلبها أنثى تحاول أن تقيمَ توازناً بين ما هو روحي سامِ وجسدي راقِ .. فحكت بصوت المرأة المتألّمة الرافضة للزيف والتهميش , فهي لا تريد أكثر من أن تعيش بشخصيتها الواعية التي تبني .. ففي قصة (أزمةُ شكّ ) بطلة القصة انهارتْ علاقتها بمن تُحب بسبب مغالاته في شكوكه وظنونه.. فمن يسلّم عليها أو تلتقي بهم أو تعرفهم هم مشروع شكّ وإزعاج بالنسبة له وبالتالي لها . لكنّه في اللحظات الأخيرة يُكابر ويبقي على حبّه لها لكن الروح قد تآكلت من الداخل فهي تدفع ثمن صدقها وصراحتها لأنها حكت له عن تجربة حبِّ قديمةِ وكأنّها نسيت أنّه رجل شرقي ,سلمته مفاتيح تهديدها كلّ ساعة . "تحاول اثبات العكس له لكن الوحش في داخله يكبر يفتك بالعلاقة السامية بينهما لا تزال تذكرُ تلك المرّة التي قالت لهُ فيها : إنّكَ تُحطّم حُبّي الشريف لك، تلوّثه بأوهامكَ . ....أنهارُ بإباءٍ أمامَك فأنت حبّي الأوحد، ووفائي لكَ هو المنطق، لا بُدًّ من وضع حدٍّ لمأساتنا التي صنعتها بحماقاتك . لا بُدًّ أن تُقَيّم أهمية وجودي بحياتك .... يتصل لا ترد ترفع السماعة يؤكد لها أنّه يحبها لكنها تلحظ أن قلبها لم يرقص هذه المرة أغلقتْ سمّاعَة الهاتف ولأول مرّة لم يرقُص قلبها فرحاً لسماعِ صوته.." القاصة ترصد في هذه القصة دقائق العلاقة بين الرجل والمرأة من جهة الحبّ وصراع العقل مع العاطفة لكن العقل ينتصر في النهاية مثبتاً وجوده لصلاح كينونتها ووجودها ككائن عالي الاحساس .. إذ لا مكان للحب في قلب نار الشكّ وتتوالى الانكسارات في حياة الانثى على مساحة المجموعة ففي قصة (الكيس) يسافر الزوج في مهمة إلى العاصمة ومهمة العمل مصيرية بالنسبة له, تدعو له بالنجاح ويعدها بهديّة إن ظفر بما يريد. لكنها تسخرُ منهُ بأنّه لم يفعلها منذ تزوجا ... ويطيل الغياب وهي تتأمل يوماً أن يعود إليها بعد كلّ غيبة يحمل لها هدية صغيرة , شأنها في ذلك شأن كلّ النساء والمحبين يعود من مهمته ويحمل بيده كيساً تحسّ أنّها ظلمته حين سخرت منه تلوم نفسها وتحاول التكفير عن ذنبها .. فتقدم له عشاء فاخراً ..لكن صبرها ينفذ فتسأله :ما في داخل الكيس؟! "لقد حاولت مرّات عديدة أن توضّح لهُ بأنه عندما يجلُب لها شيئاً، أيَّ شيءٍ، فهذا يعني الكثير بالنسبة لها، هي لا تنتظر ذهباً ولؤلؤاً، بل شيئاً بسيطاً رمزيّاً، إذ الهدف من ذلك أن يذكُرَها، ربما هي رومانسية وربما هو غير مُتفهّم ."
    نفذَ صبرُها فلمْ تستطعْ أن تنتظرَ أكثرَ من ذلك . فطرحَتْ عليه سؤالَها ببراءةٍ مصطنعةٍ :
    - ماذا جلبتَ في هذا الكيس ؟؟
    - لقد اشتريتُ لنفسي قميصاً وبنطالاً .
    .....
    هناك قصص تستحق الدرس والوقوف .. ولا أعني بذلك تفضيل نصّ على آخر إلاّ من خلال إشراقاته وحضوره الطاغي
    ففي قصة " طفرة نسائية " تعود بنا البطلة إلى عالم غسان كنفاني القصصي في قصته خيمة عن خيمة تختلف فالمرأة العجوز التي استشهد زوجها وابنها لا تقبل إلاّ أن تختار طريق المقاومة والشهادة حتى تلحق به وتنتقم له من غدر الصهاينة وهذه القصة بحدّ ذاتها يمكن أن تضاف إلى ملحمة الأدب الفلسطيني عامة وأدب المقاومة خاصة
    قصص ريتا بربارة حافلة بالحب والخيبة والحزن .. فهي مشغولة . بلغة بسيطة سهلة مشحونة العواطف.. فالحامل اللغوي للنصوص لا يحتاج لكبير عناء من أجل الدخول إلى عوالم القص الحكائي لدى الكاتبة
    طفرة نسائية كتاب يستحق القراءة والتأمل فهو يعكس واقعاً ما زوماً على الصعيد العام والخاص
    موسى الزعيم
    17\1\2015
يعمل...
X