العالم الصوري الموازي في( عندما احترق المطر ) للشاعرة العراقية سلمى حربة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د انور غني الموسوي
    أديب وكاتب
    • 31-12-2014
    • 127

    العالم الصوري الموازي في( عندما احترق المطر ) للشاعرة العراقية سلمى حربة

    العالم الصوري الموازي
    في قصيدة
    ( عندما احترق المطر ) للشاعرة العراقية سلمى حربة
    د انور غني الموسوي


    2 (2).jpg

    احتلت الصورة الشعرية مركزية معروفة في مفهوم الشعر و الوعي به ، و ازدادت مركزيتها قوة حينما تخلى الشعر عن موسيقاه الشكلية فصار يكتب بالنثر، بحيث ما عاد ممكنا بيان تعريف واقعي للشعر يميزه عن النثر الا بإدخال الصورة الشعرية فيه .
    ان الاثارة التي تحققها الصورة الشعرية تحفز مواطن مناسبة في مجال الاستجابة ، فيعمد الفكر الى نسج ما يستطيع من انظمة المعنى و الاستفادة بتصور يفارق الواقعية في كثير من لحظات وجوده ، ان الصورة الشعر هي المتنفس الحقيقي للفكر لرؤية الخارج بلغة خلاقة ، بعبارة ثانية ان الصورة الشعرية ليست عملا مختصا بالكاتب و انما حقيقة انتاجها يرجع الى عالم التلقي.
    حينما يواجه الفكر الصورة الشعرية يرتفع في مستوى النظر الى الاشياء و يتخلى عن المنطقية المعهودة و يكون على استعداد عال لذلك .و يحضر انجاز المؤلف هنا بالقاموس المعنوي و طبيعة العلاقة بين الصورة و مكوناتها ، فيخلق اثناء توجيه البناء النصي شكلا فكريا بناء منتجا يحلق به المتلقي ، يعتمد شكله على طبيعة مكونات الصورة والعلاقات بينها
    الصورة بحسب اللغة المعتمدة في تكوينها ، اما ان تكون تعبيرية تحكي الواقع بشكل جميل بشكل مباشر او غير مباشر ، تكون الحكاية اولية فيها ، او تجسيدية تعطي للاشياء معنى اخر و توسع مدارك الفكر بالاشياء ، و بهذا الشكل من التعبير يمكن فهم الابداع على انه حالة مستقبلية معرفية تتجاوز حدود الواقع و امكانته في اطلاق فكر الانسان وخياله نحو حياة افضل . وهذا يقع في صلب رسالية الادب و اخلاقياته .
    حينما تنساب الصور مبحرة بالفكر يتبلور في الذهن معان لاشياء الصورة تختلف عما هو معهود بقدر الطاقة التي اكتسبتها بفعل الصورة ، حتى تصل في التغاير و البناء في علاقتها الى نظام متكامل قائم بنفسه يظهر كعالم مواز لعالم مرجعيات اللغة .
    اللغة التي رسمت بها الشاعرة المبدعة سلمى حربة قصيدتها (عندما احترق المطر !! ) تمثل نموذجا متقدما و واضحا للغة العالم الصوري الموازي . ونجد ذلك جليا لو نظرنا الى ثلاث وحدات تركيبية في النص ،الوحدة التجاورية ، و الوحدة الجملية و الوحدة النصية .

    الوحدات التجاورية .
    يتحقق السيل الصوري و من ثم العالم الموازي ، بتجاورات مجازية متوالية لا تترك مساحة للمنطقية اللغوية ، فتغادر بذلك الكلمات مرجعياتها نحو عالم من الدلالات و المعاني مغاير ، صانعة بذلك مرجعية جديدة غير المرجعية المعهودة يمكن ان نسميها المرجعية النصية في قبال المرجعية الخارجية . و لطالما فهمنا ان الشعر او النص الادبي عموما هو اعتراض على الخارج فتجيء المرجعية النصية شكلا من اشكال الاعتراض على الخارج .
    فمن اول العنوان احتراق المطر لاألفة تجاورية ، ثم تنساب اللاألفة التجاورية و المجازات من دون هوادة بشكل صادم و مبهر لمواطن الشعور العميقة .


    احترقَ المطرُ، \ بللتْ جَمراتُه صُقيع\ تنحاز الشمسُ \ الارضُ تنطفئ، \ شمعةٍ هَدها التعبُ،\ روحي بين عرباتِ رحيلِ مسكونٍ،\ثقباً في كفيّ \ تملصتُ من الضبابِ \ زمنٌ موؤدٌ \ خاصرةِ الغيم، ِ\ الضبابُ حولي كوشاحٍ \ هَذيانُ كونٌ \ غثيانِ بحرٍ . ) ان لاألفة التجاور بين كلمات هذه التراكيب امر ظاهر ، و لو حسبنا المساحة التي شغلتها هذه التراكيب سنجدها تتجاوز الغالبية العظمى منها ، و لو علمنا ان هذه التراكيب محورية و مركزية في التركيب الجملي و النصي ستكون القصيدة مخلوقة و متقومه بهذه الصور و هذا هو المدخل الى العالم الموازي الذي صنعته القصيدة .

    الوحدات الجملية
    بعد تبين ان التراكيب التجاورية المحققة للاألفة عالية هي مركز التراكيب الجملية ، فان الجمل بذلك لا تكون الا شكلا وتجسيدا للصورة التي تريدها تلك التراكيب ، وان هذا التشكل الذي تطغى فيه اللغة على وسائليتها و توصيليتها و طريقيتها يحقق التوهج و اكتساب طاقات تعبيرية و دلالية واسعة ، و لا يمكن لوعي القارئ بعد ذلك الا ان ينظر بعين متجردة الى عالم متعال و متسام من اللغة ، باستعداد مرتفع لا يتوفر لها في الواقع ، وهذه النقطة بالذات من مصادر الامتاع العميق في الشعر ، فنجد انه ( عِندما احترقَ المطرُ، بللتْ جَمراتُه صُقيع أرضٍ لم ينزلْ بها البَرَدْ ) انه احتراف غير مألوف لمطر وجمرات وارض ارضا غير التي نعرفها ) و في عبارة ( همدتْ روحي بين عرباتِ رحيلِ مسكونٍ،( هذا الهمود غير المالوف بين عربات الرحيل ، المسكون ، ابدا لا يمكن للفكر الا ان يبحر ، و لا يتوقف عن الابحار، ففي ( رأيتُ ثقباً في كفيّ ، تملصتُ من الضبابِ حَول عَيني ) تبلغ هنا القصيدة ذروتها في النزوع و التجريد في اللغة و التفلّت من التوصيل و الحكاية انها لغة الصنع و الخلق ، انه ابداع للفكر و المعاني و للخلاص انه عالم اخر يطرح هنا ، ثم اذا به ( زمنٌ موؤدٌ على خاصرةِ الغيم، ِ) يحضر انه بالطبع ليس كزمننا انه يقبع في خاصرة الغيم و ترتفع هنا وتيرة التصور و التصوير الى ما لا نهاية انفتاح على المعنى مقنن و متعمد ، ثم (تناثرَ الضبابُ حَولى كوشاحٍ ،ككفنٍ أبيضٍ ) و شاح و كفن معبآن بمعاني غير التي نعرفها و ( هَذيان كون كانَ نشيجُ المطرِ، ) و (كغثيانِ بحرٍ غَطى رِمالهُ الزبدْ، ) لقد اسرت الغربة المكان ، فغيرت الايحاءات و الدلالات و التعابير التي وصلت الينا و البوح العميق ، ارتَدت الكلمات و الجمل و العبارات شكل غربة و افتراق واعنتاق .
    الوحدات النصية
    عادة ما يصح القول ان النص نتاج عباراته و تراكيبه الجزئية ، وهذا صحيح الى حد ما ، لذلك لا نجد حدودا للنص غير التي يصنعها النص نفسه بعباراته و تراكيبه . ان السيل الصوري ، و التحليق الذي طالبتنا به عبارات النص ، جعلنا و بقوة نبحر بعيدا عن فهمنا للأمور و الاشياء ، وكأننا صرنا ننظر الى عالم كامل تتشكل فيها الاشياء بأشكال مغايرة ، انها الاسماء ذات الاسماء الا ان تمظهرها و ملامحها و تفاعلاتها غير التي نعرف ، انه عالم اخر لأشيائنا ، و لأفكارنا و لأرواحنا .
    ان هذا النص يبين و بقوة ان المجاز ليس فقط لعبا بالألفاظ و انما هو خلق جديد و صنع جديد و معاني جديدة و تجربة جديدة و فهم جديد للأشياء و الحياة ، و يبين ايضا كيف يمكن للغة ان تصبح جسدا و شكلا و عالما للفكر و الوعي ، و تتمرد على طبيعتها و اساس وجودها من التوصيل و محاكاة الخارج و المرآتية ، انها هنا تخلق المعاني و تخلق الفكر ، بل تخلق القارئ و العالم الجديد الذي جهرت به . و بهذا الكم الكبير من الطاقة و التوهج تحرك اللغة اعماق مواطن الاستجابة الجمالية ، و تطرح قيمها و نظرتها الى الحياة ، ان لغة العالم الصوري الموازي تجسد الشعر و الشاعر لأنها لا تكون الا رؤية بشكل لغة ،و ليس رؤية تنقلها لنا اللغة ، انها تجسيد للتجربة و تجلي للفكر باللغة و ابحار الى عالم من المعاني الجديدة وهذا ما نسميه الثراء .




    النص الاصلي
    عندما إحترق المطر !!
    سلمى حربة
    ..........................
    عِندما احترقَ المطرُ،
    بللتْ جَمراتُه صُقيع أرضٍ
    لم ينزلْ بها البَرَدْ،
    ولم تنحاز الشمسُ اليّها،
    كانت الارضُ تنطفئ،
    كشمعةٍ هَدها التعبُ،
    وكنتُ كريحٍ أدورُ ما بين
    الغرفِ، أفتشُ عن شبابيكَ خروجٍ
    همدتْ روحي بين عرباتِ رحيلِ مسكونٍ،
    رأيتُ ثقباً في كفيّ ،
    تملصتُ من الضبابِ حَول عَيني،
    وجلستُ أعدُّ حباتَ الرمالِ،
    لعلي أصلُ الى تفسيرٍ لمعضلةِ الزمنِ،
    زمنٌ موؤدٌ على خاصرةِ الغيم، ِ
    تناثرَ الضبابُ حَولى كوشاحٍ ،ككفنٍ أبيضٍ وأمتدَّ على مَرمى البصرِ،
    هَذيانُ كونٌ كانَ نشيجُ المطرِ،
    أنينٌ ووجعٌ يَترامى هُنا وهُناكَ،
    كغثيانِ بحرٍ غَطى رِمالهُ الزبدْ،
    كانَ ذلكَ هو احتراقُ المطر ...
    الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة د انور غني الموسوي; الساعة 18-01-2015, 09:28.
يعمل...
X