دروس في علم العروض-3-الدرس الثالث:
ثالثا: بحور الشعر و أوزانه :
في القرن الثاني من الهجرة اكتشف الخليل بن أحمد الفراهيدي ، أنه يمكن حصر كل الشعر العربي في بحور معينة ، تتشكل عن طريق انتظام مجموعة من التفاعيل العروضية في صيغ مختلفة ، هذه التفاعيل كما علمنا هي : فاعِلُنْ ، فاعِلاتُنْ ، فَعولُنْ ، مَفاعيلُنْ ، مُسْتَفْعِلُنْ ، مُفاعَلَتُنْ ، مُتَفاعِلُنْ ، مَفْعولاتُ ... مع جواز أن يطرأ عليها بعض التغييرات التي تسمى زحافات أو علل كما أسلفنا. و حيث أن لكل بحر أوزانه وتفاعيله الخاصة ، فمن السهل بعد تقطيع بيت الشعر ومعرفة تفاعيله ، تحديد البحر الذي ينتمي إليه البيت . وقد سمي بحر الشعر بحراً ، لأنه يوزن به ما لا يتناهى من الشعر ، كالبحر لا يتناهى بما يُغرف منه .
وقد جاء الشعر العربي منذ القدم موزوناً مقفى ، وكشف الخليل يرحمه الله ، أنه محصور في بحور معينة ، بعض هذه البحور والأوزان مستعملة أو مسموعة ، ويمكن الاتيان بشواهد من القصائد العربية عليها ، وبعضها مهمل لم يعثر على أي شعر منظوم عليها . وزاد الخليل فأكد : أن ما يجمع هذه البحور خمس دوائر فقط هي :
1 - دائرة المختلف : سميت بالمختلف لأن أبحرها مركبة من تفاعيل خماسية وسباعية ، فلاختلاف أجزائها سميت دائرة المختلف . وينفك منها خمسة بحور ، ثلاثة استعملها العرب القدامى في أشعارهم وهي : الطويل ، المديد ، والبسيط . واثنان مهملان لم يستعملا ، إذ استقرأ الخليل أشعار العرب فلم يعثر لهذين البحرين على مثل . لكن المحدثين نظموا عليهما فيما بعد الخليل فاستساغتهما الذائقة العربية ، فسميا : المستطيل و الممتد .
2 - دائرة المؤتلف : سميت بالمؤتلف لأن بحريها مركبان من تفاعيل سباعية مكررة . فلائتلاف أجزائها سميت دائرة المؤتلف . وينفك منها ثلاثة بحور ، اثنان مسموعان هما : الوافر و الكامل . و واحد مهمل نظم عليه المحدثون فيما بعد وسمي : المتوافر .
3 - دائرة المشتبه : سميت بدائرة المشتبه لأن تفاعيل بحورها سباعية ومتشابهة . وينفك منها ثلاثة بحور هي : الهزج و الرجز و الرمل .
4 - دائرة المجتلب : سميت بالمجتلب لأن الجلب في اللغة يعني الكثرة ، فلكثرة أبحرها سميت بدائرة المجتلب . وينفك منها تسعة أبحر ، ستة مستعملة هي : السريع ، المنسرح ، الخفيف ، المضارع ، المقتضب و المجتث . وثلاثة مهملة استساغتها الذائقة العربية على يد المحدثين فسميت :المنسرد ، المتئد و المطرد .
5 - دائرة المتفق : سميت بدائرة المتفق لأن تفاعيل بحورها خماسية متوافقة . وينفك منها بحري : المتقارب و المتدارك .
ولم يكتف المبدعون والمحدثون والناظمون ، على مر التاريخ ، بالوزن على بحور الشعر المسموعة والمستعملة عند العرب ، بل نظموا على وزن البحور المهملة في دوائر الخليل فيما بعد ، ثم استحدثوا واستنبطوا فنونا وأوزانا جديدة ، منها الملتزم بقاعدتي العربية الفصحى والقافية ، و أخرى تكتفي بالوزن دون مراعاة قوانين اللغة العربية أو القافية . مثل الموشحات ، الدوبيت ، السلسلة ، القوما ، الزجل ، كان وكان ، و المواليا ... وغيرها من أوزان . مروراً بالشعر البدوي أو الشعبي أو النبطي . وانتهاءً بشعر التفعيلة أو الشعر الحر في عصر القصيدة الحديثة .
ومن ثم يمكن تصنيف بحور الشعر وأوزانه ... كما يلي :
البحور المسموعة : وهي البحور المستعملة عند العرب منذ القدم ، نظموا عليها قصائدهم ومعلقاتهم ، وعددها ستة عشر بحراً هي : الطويل ، المديد ، البسيط ، الوافر ، الكامل ، الهزج ، الرجز ، الرمل ، السريع ، المنسرح ، الخفيف ، المضارع ، المقتضب ، المجتث ، المتقارب والمتدارك . لم يستعمل بحر الطويل إلا تاماً ، ولم تستعمل بحور المديد والهزج والمضارع والمقتضب والمجتث إلا مجزوءة . في حين استعملت بقية البحور تامة ومجزوءة أيضاً .
البحور المهملة : وهي ستة أوزان استنبطت من قلب بعض بحور الشعر المستعملة . وتسمى بالمهملة ، لأن الخليل لم يعط أمثلة عليها ، حيث لم يرد عن العرب شعر على وزنها حتى عصره . ثم نظم عليها بعض المحدثين والناظمين ، لكنها لم تتجاوز عصرها ونطاقها الضيق المحدود ، كونها أكثر ثقلاً ونبواً عن الإيقاع العربي المألوف للشعر . وهذه الأوزان هي : المستطيل ، المتوافر ، المتئد ، المنسرد ، المطرد و الممتد .. ويندرج ضمن هذه البحور المهملة ، أصول البحور التي لم تأت في شعر العرب إلا مجزوءة ، وهي : المديد والهزج والمضارع والمقتضب والمجتث .
البحور المبتكرة : وهي الأوزان المعربة والمبتكرة حيث لم يكتف المحدثون بالوزن على بحور الشعر المهملة في دوائر الخليل ، بل عرّبوا فنونا وأوزانا جديدة : منها فن الموشحات : وقد اخترعه الاندلسيون ... وأوزانه كثيرة ، وفن الدوبيت : وهو وزن فارسي مشهور ... نسج على منواله العرب . كما استحدثوا فنوناً أخرى … تكتفي بالوزن دون مراعاة قوانين اللغة العربية ... مثل : فن السلسلة ، فن القوما ، فن الزجل ، فن كان وكان ، وفن المواليا ... ! .
الشعر الحديث : الذي برز مع مطلع النهضة الأدبية الحديثة ، وما صحبها من الدعوة إلى تجديد الشعر وتحريره من الشكل التقليدي للقصيدة العربية بحجة عدم قدرتها على مواكبة الواقع المعاصر بتجاربه وتعقيداته .
الشعر البدوي : وهي الأوزان المشهورة لدى العامة في جزيرة العرب ويمكن تصنيفها إلى بحور عربية أصيلة من دوائر الخليل المشهورة ومطابقة لها تماما ولكن بمسميات عامية . أو أوزان مبتكرة يصعب حصرها أو وضع آلية لوزنها تخضع لذوق الشاعر وبراعته ، ومدى تقبل الذوق العام لها .