الشيطان الكبير كان على هيئة إنسان شاب يتجول في السوق، وحين لمح الشيطانَ الصغيرَ على هيئة رجل عجوز، اقترب منه مقهقها فرد عليه: ماذا تريد أيها الوغد؟
ربت على كتفه كأنه يواسيه: يضحكني أن أراك عاطلا عن العمل..
حاول الصغير أن يمضي لكنه اعترض طريقه..
- كدت توقعني!.. أأنت عجوز؟
لو أدركتني في عنفوان شبابي لكنت رأيت أي شيطان أنا!
- إليك عني يا أنت!
في هذه اللحظة دخلت شابة ترتدي ثوبا قصيرا إلى المقهى فتبعاها وجلسا معها إلى طاولة منزوية.. هي طاولة العجوز الدائمة في المقهى، يجلس هناك ويقدم نصائح للمسترشدين، لا يأكل ولا يشرب فقط ينظر ويفكر، صاحب المقهى لا يزعجه كون زواره من علية القوم ويدفعون بسخاء..
كانت (أليس) على موعد معه، بدت مدججة بالتفكير، مضطربة لكنها لم تكن مترددة، عرفها على زميله الشاب على أنه مساعده، وأنه مفكر له أبحاث جديرة بالاهتمام، وأنه مضطلع على قضيتها بالكامل، ولا بأس من تداول كل الأمور معه، هزت رأسها بالموافقة والاطمئنان، فسألها الشاب لماذا تحولت عن ديانتك إلى الإسلام؟
قالت: لأحصل على المال وأشياء أخرى... فالفقر مغرور كما الثلج صقيعه لا يطاق..
قال العجوز: غباء المسلمين أنهم سطحيو العداء..
قال الشاب مخاطبا أليس: لا تنتهي مشكلتك إلا لتبدأ مشكلة أخرى!
- لست معنية بحل المشاكل.. كل ما أفعله هو الإمساك بخيوط المشكلة وتحريكها لتحقيق مصلحتي..
ابتهج العجوز: رائع.. رائع.. المسلمون هم الأكثر ثراء وبساطة، حتى حملة الشهادات العليا منهم لم يغير المال نفوسهم.... صمت للحظة ثم استرسل: هم سهل اختراقهم عاطفيا..
الشاب: أفكر في (اثانسيوس) يا (أليس) ؟
- هه ..! الرجل الذي جعلني أعيش معه جحيم الشك لا يستحق أن يعيش معي نعيم الحب ويقينه..
العجوز: لن تكوني عاشقة ذات قيمة إلا من فوق سرير الجحيم!..
- آه.. حقا!.. الحب الجنسي يهدف إلى اللذة وشيطان الجنس يلقنني كل ليلة أموراً لا تخطر ببال الحب..
والنوم على سرير العشق أكثر من مره يفقد الجسد رونقه ويسلب القلب بريقه..
وتيقن من أن قلب الحب مخصي، يتركك بلا وزن بلا ساحل، يأخذك لبحر يبتلع حيتانه..
ثم قامت برقتها المعهودة لقضاء بعض أمورها على أن تعود لاحقا..
يرنو الشاب ببصره إلى التاريخ في عيني العجوز مخاطبا: ألمْ تكن زوجة ( أثانسيوس) ؟!
- بلى (أليس) زوجة (أثانسيوس) قبل أن أوسوس لها بقتل عشيقته (اوديت)... ثم وسوست لها بأن تمارس الضعف أمام عشيقها (الاسكندر) واعترف أنه هو من قتل (اوديت)... وقبل الحكم بإعدام (الاسكندر) وسوست لزوج ( اوديت) أن يقتل زوج (اليس) وهكذا جعلتها تتخلص من العشيقة وزوجها وعشيقها هي مع زوجها في آن!
توقع العجوز أن ينهض الشاب وينحني له تقديرا وإعجابا غير أنه أخذ يقهقه بصوت عال: جميل.. جميل ..! ما قمت به يستطيع أي إنسان بسيط القيام به نيابة عنك! حين كنا بعمرك كنا نصنع حروبا لا تضاهيها حروب، كنا نقنص ونترصد الإنسان... وأكثر ما يسعدنا أن نخطئ القنص حتى ينزف من جراحه، ومع تعذيبه نردد الأغنيات الشيطانية المجلجلة، لم يكن لدينا أي وقت لنتسكع كما الحمير بالأسواق! كنا نبذل كل طاقاتنا، من أول كأس نكسر أكبر رأس، يصبح كل صعب في منتهى السهولة، عندما يغيب الوعي تسلسلهم وتسحبهم إلى حيث تريد.. أنتم اليوم لا تصلحون إلا لمضغ اللبان وصناعة الفقاقيع.
الشيطان الصغير يقلب شفتيه غاضبا: ذهب الخمر بعقلك.. أعطني إنسانا تقيا وسترى ماذا أفعل!
يا للتفاهة! ومع ذلك نحن اليوم ندير حروبا من نوع آخر؛ عندما يغيب العقل قد تقتل الآلاف، لكن عندما يغيب الدين أنت تقتل بلا حدود..
دمار لا يتوقف على الأرض!
- كم بلغت من العمر أيها العجوز؟
عدد لقطاء الأرض!
رد مقهقها: عليك أن تخجل من نفسك، والشيطان الصغير قد خلف على الأرض هذا العدد الهائل من القتلى!
تعليق