موت كاتب حكومي / انطون تشيخوف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد الرواشدة
    أديب وكاتب
    • 11-08-2014
    • 26

    موت كاتب حكومي / انطون تشيخوف

    ترجمتي الخاصة أتمنى أن تنال إعجابكم .

    في هذه القصة , يتناول تشيخوف بسخرية لاذعة التسلسل الهرمي الواضح للمجتمع الروسي , حيث العمال و الكتبة البسطاء , يقاسون غالبا الإهانة و المشقات المبتذلة لإرضاء السادة .
    و تعرف القصة بعنوان آخر موت مستخدم مدني .
    وفاة كاتب حكومي

    في احدى الامسيات الرائعة , جلس كاتب حكومي لا يقل روعة يدعى ايفان ديمتريتش تشيرفياكوف في الصف الثاني من المقاعد متأملا عبر منظار الأوبرا عرض"كلوش دو كورنفيل" الموسيقي ومحدقا بأناة بسعادة جارفة.
    و فجأة – وكثيرا في القصص ما يلتقى القارىء بهذه الـ" وفجأة" . نعم إن المؤلفين على صواب فالحياة مليئة بالمفاجآت – تجعد وجهه و إمّحت عيناه و انقبض تنفسه , فأبعد المنظار عن عينيه و انحى للأمام و " هتشيه!!" لقد عطس كما تعلمون تماما.
    أن يعطس شخص ما في مكان ما ليس أمرا يستوجب التوبيخ , الفلاحون يعطسون و روؤساء الشرطة حتى مستشارو القيصر يقومون بذلك أحيانا . كل الرجال يعطسون .
    لم يبدو عليه الاضطراب مطلقا ومسح وجهه بمنديله ,و كرجل مهذب جال ببصره ليرى ان كان قد أزعج أحدا بعطاسه ,وعندها تملّكه شعور بالارتباك .
    رأى رجلا جالسا أمامه في الصف الاول يمسح رأسه الأصلع و رقبته بمهمازه ويدمدم لنفسه بشيء ما .

    لقد تعرّف تشيرفياكوف شخص العجوز النبيل , إنه بريزهالوف , برتبة جنرال , مسؤول الخدمة المدنية في قسم النقل .
    تبلبل فكر تشيرفياكوف " لقد رشقته بلعابي .. ومع انه ليس رئيسي في القسم لكن الامر يبقى مستهجنا .. يجب أن أعتذر .
    عندها أطلق تشيرفياكوف سعلة ثم مال برمته للامام و همس في أذن الجنرال " معذرة يا صاحب السعادة , لقد رشقتك بلعابي عن غير قصد ..."
    - انسى الأمر , لا عليك .
    - أسألك بحق الله أن تعفو عني , أنا .. أنا لم أقصد ذلك .
    - أوه ! أرجوك , إجلس و دعني استمع .

    انتاب تشيرفياكوف الحرج و ارتسمت على وجهه ابتسامة بلهاء و أما السعادة التي كانت تغمره فقد غادرته حالما عاود التحديق في العرض مرة أخرى فشعور طاغ بالانزعاج قد ألم به جراء القلق الذي ينتابه .
    في فاصل الاستراحة , اتجه نحو بريزهالوف و مشى بمحاذاته , و تمتم مكابدا خجله " لقد لطختك بلعابي يا صاحب السعادة , اغفر لي .. كما ترى .. لم أفعله كيـ ..."
    قال الجنرال مرجرجا شفته السفلى و قد عيل صبره " أوه , كفى ! لقد نسيت الامر وانت تستمر في الخوض فيه "
    التبس الأمر على تشيرفياكوف " لكن بريقا شيطانيا يلوح في عينيه .. لم يشأ الكلام .. عليّ أن أبين له .. أنني لم أقصد .. انها قوانين الطبيعة , وإلا سيعتقد أني قصدت أن ابصق عليه , انه لا يعتقد هذا الآن و لكنه سيفعل لاحقا "
    و عند بلوغه المنزل أخبر زوجته عن سقطته في عادات السلوك و قد خيل اليه أن زوجته تتناول الحادثة بميوعة شديدة لكنها كانت خائفة بعض الشيء و اطمئنت عندما علمت ان بريزهالوف كان من قسم آخر .
    - بالرغم من ذلك , فمن الافضل أن تذهب و تعتذر ,فإن لم تفعل سيظن أنك لا تجيد التصرف عند الاختلاط بالآخرين .
    - بالضبط! لقد اعتذرت بالفعل , ولكنه أخذ الأمر بغرابة, إنه لم يتفوه بكلمة مفهومة ..لم يكن هناك وقت للكلام بلباقة.

    في اليوم التالي , ارتدى تشيرفياكوف بزّة جديدة و قص شعره و ذهب الى منزل الجنرال لتوضيح الأمر .
    خطى داخل غرفة الاستقبال فرأى عددا من الناس قد جاؤوا يلتمسون أمورا لدى الجنرال , و أبصر الجنرال نفسه قائما وسطهم و قد شرع بمقابلتهم , و بعد مساءلة عددا منهو رفع الجنرال عينيه و نظر الى تشيرفياكوف.
    " البارحة في أركاديا , إن كنت تذكر يا صاحب السعادة "ثم أسهب بالشرح " لقد عطست .. و صدفة بللتك .. صاحب الســ .."
    " ما هذا الهراء ... إنه أبعد مما يعقل ." " بماذا يمكنني أن أساعدك ؟ " قال مخاطبا الشخص التالي .
    امتقع لون تشيرفياكوف و تلبسته الخواطر " لن يتكلم .. هذا يدل على أنه غاضب .. من الخطأ ترك الأمر هكذا .. سأوضح له الامر " .
    و عندما فرغ الجنرال من حديثه مع آخر المتواجدين و استدار متجها الى شقته الداخلية , خطى تشيرفياكوف نحوه و همهم "يا صاحب السعادة , حتى لو تجرأتُ على أزعاج سعادتك فإن الأمر ,ببساطة, شعور .. إن أمكنني القول .. ينبع من الأحساس بالندم , لم يكن الأمر متعمدا إن تكرمت عليّ و صدقتني "
    تغضّن وجه الجنرال و أمتلىء بالأخاديد و لوّح بيده " لماذا , إنك ببساطة تسخر مني أيها السيد " ولم ينتظر جوابا و اختفى خلف الباب .

    غرق تشيرفياكوف في أفكاره أثناء عودته للبيت" أين السخرية في هذا ! لا شيء منه البتة ! إنه جنرال و مع ذلك غير قادر على الفهم .. حسنا ,إن كانت الأمور تجري على هذا النحو .. فلن أذهب لأعتذر لهذا المتبجح بعد الآن , شيطان يأخذه , سأرسل له رسالة .. لكني لن اذهب , وحق جوبيتر , لن أذهب "
    لقد فكر مليا و عصر ذهنه فلم يتفتق عنه شيء ولم يستطع انجاز رسالة , و ادرك انه غير قادر على مراسلة الجنرال فاضطر للذهاب في اليوم التالي لتوضيح الأمر شخصيا .

    " لقد تجرأتُ و أزعجتُ سعادتك أمس " رفع الجنرال عيناه المتساءلتين نحو تشيرفياكوف الذي تابع مهمهما " ليس الأمر سخرية كما تفضلتَ و قلتَ , لقد كنت أعتذر لغمرك بلعابي , المرء عند العطاس .. ولم أحلم بالسخرية منك , أأجرؤ على السخرية منك .. إذا أخذنا بالسخرية فلن يكون هناك أي احترام للشخصيات ..سيكون .."
    حال لون الجنرال قرمزيا و انتابته رجفة شديدة و زعق " انصرف "
    و بصوت واهن شبه مخدّر من الخوف همس تشيرفياكوف "ماذا ؟"
    " انصرف " كرر الجنرال ضاربا الأرض بقدمه .
    تهاوى تشيرفياكوف على الباب وبدا أن شيئا قد تمزّق في معدته, و بدون أن يرى أو يسمع شيئا حوله , خرج الى الشارع و طفق يجوب الارصفة مترنحا و بلغ منزله بشكل آلي , و من دون أن يخلع بزّته , تمدد على الديوان و مات .

    تمت
    التعديل الأخير تم بواسطة خالد الرواشدة; الساعة 03-02-2015, 12:00.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    إحدى روائع السّاحر تشيخوف.
    أعتقد أنّ تشيخوف هو الذي أسبغ على القصّة القصيرة نكهتها و لونها الذي نعرفه اليوم. و الفرق بينه و بين الذين سبقوه في كتابة النصّ الأدبي القصير الذي يتناول وقائع إنسانيّة أمثلّه بمن نقل ردّة فعل رجل نبش في الأرض فكشف عن غطاء يستر كنزا ما، و آخر اهتمّ بانفعال الرّجل و هو يتعثّر في حجر عائدا إلى بيته..
    أشكرك أخي خالد على الاختيار و المساهمة.
    خالص مودّتي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • خالد الرواشدة
      أديب وكاتب
      • 11-08-2014
      • 26

      #3
      أشكرك استاذ محمد فطومي على المرور .
      خالص مودتي .

      تعليق

      يعمل...
      X