تتفلب بذاكرتي صفحات الماضي وتأبى الذكريات إلا أن ترسخ في الذهن مقاومة كل شكل من أشكال الهجر أو النسيان. فعلى عكس ما كنت أعتقد من كون طول البعد و مرور الأيام قد يرمي بالذكريات في أبحر النسيان أو على قول المعري :
يأتي على الخلقِ إصباحٌ وإمساءُ،
وكلّنا لصروفِ الدّهرِ نَسّاءُ
فعلى العكس من ذلك، لم يفلح تتابع الشهور و تعاقب الأعوام التي قضيتها بعيدا عن المغرب من أن ينسيني صروف الدهر هاته بل كل ما حصل هو ان تقادم الأيام زاد من ترسيخ الأحلام؛ إذ فعل معي كمثل فعلته مع النبيذ : كلما ازداد قدمه كلما اشتد تأثيره. فكان حقا علي أن أنادي بصوت غير خفي : إذا استطاع الدهر يوما ان يخرج جسدي من المغرب فإنه لم ولن يفلح في إخراج المغرب من قلبي مهما طال الزمن ومهما اشتد على النفس الألم.
فبالرغم من أن سبب خروجي من المغرب (و إن كنت حينها شاب ما بعد المراهقة) قد تزامن مع فترة طبعها التوتر و الأزمات السياسية والاقتصادية لم أذق معها سوى طعم مرير كمرارة العلقم والذي نتج عنه أن سئمت تكاليف العيش بين جدرانه فضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي كالثلاثة الذي خلفوا والذين تروي لنا قصتهم سورة التوبة في القرآن الكريم، وظننت حينها أن لاملجأ لي سوى البعد بالنفس الى مستقر جديد قد تتطلع فيه الى غد مجيد… فبالرغم من ذلك كله الا انني افاجأ بالنفس وهي تخاطبني كما خاطبت احمد شوقي نفسه قائلة :
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي
جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ
ذلك بان المغرب الذي عرفته هوالمغرب الذي علمتني الطفولة عمق مبادئه وسحر جماله ناهيك عن حسن سريرة اهله. وهو المغرب الذي رباني على ايات تتلى على مسامعي بالمسجد المجاور لبيتي : وان تعفوا وتصفحوا فان ذلك من عزم الامور.
فالتعلم على الصغر كما يقال كالنقش على الحجر قد يصعب بل يستحيل معه طمس الاثر.
فصار بذلك انه مهما طالت مدة الهجر خارج الوطن فان نفسي على غرار الانفس ظلت وفية لحبها الاول متطلعة الى يوم قد تعود فيه الى لمس التراب واستنشاق الهواء ومصافحة الايادي وزيارة الاهالي. فصدق من قال:
وحبّب أوطان الرجال إليهم
معاهد قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو
عهود الصبا منها فحنّوا لذالكا
…
الى كل هؤلاء اقول :
اجل لنا من بعد هذا التفرق سبيل
وان بدا للقاء منه اليوم تاجيل
فلرب صدفة لها القلب دليل
خير من ميعاد يوم قد يستحيل
(يتبع ان شاء الله)
محمد شهيد
يأتي على الخلقِ إصباحٌ وإمساءُ،
وكلّنا لصروفِ الدّهرِ نَسّاءُ
فعلى العكس من ذلك، لم يفلح تتابع الشهور و تعاقب الأعوام التي قضيتها بعيدا عن المغرب من أن ينسيني صروف الدهر هاته بل كل ما حصل هو ان تقادم الأيام زاد من ترسيخ الأحلام؛ إذ فعل معي كمثل فعلته مع النبيذ : كلما ازداد قدمه كلما اشتد تأثيره. فكان حقا علي أن أنادي بصوت غير خفي : إذا استطاع الدهر يوما ان يخرج جسدي من المغرب فإنه لم ولن يفلح في إخراج المغرب من قلبي مهما طال الزمن ومهما اشتد على النفس الألم.
فبالرغم من أن سبب خروجي من المغرب (و إن كنت حينها شاب ما بعد المراهقة) قد تزامن مع فترة طبعها التوتر و الأزمات السياسية والاقتصادية لم أذق معها سوى طعم مرير كمرارة العلقم والذي نتج عنه أن سئمت تكاليف العيش بين جدرانه فضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي كالثلاثة الذي خلفوا والذين تروي لنا قصتهم سورة التوبة في القرآن الكريم، وظننت حينها أن لاملجأ لي سوى البعد بالنفس الى مستقر جديد قد تتطلع فيه الى غد مجيد… فبالرغم من ذلك كله الا انني افاجأ بالنفس وهي تخاطبني كما خاطبت احمد شوقي نفسه قائلة :
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي
جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ
ذلك بان المغرب الذي عرفته هوالمغرب الذي علمتني الطفولة عمق مبادئه وسحر جماله ناهيك عن حسن سريرة اهله. وهو المغرب الذي رباني على ايات تتلى على مسامعي بالمسجد المجاور لبيتي : وان تعفوا وتصفحوا فان ذلك من عزم الامور.
فالتعلم على الصغر كما يقال كالنقش على الحجر قد يصعب بل يستحيل معه طمس الاثر.
فصار بذلك انه مهما طالت مدة الهجر خارج الوطن فان نفسي على غرار الانفس ظلت وفية لحبها الاول متطلعة الى يوم قد تعود فيه الى لمس التراب واستنشاق الهواء ومصافحة الايادي وزيارة الاهالي. فصدق من قال:
وحبّب أوطان الرجال إليهم
معاهد قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو
عهود الصبا منها فحنّوا لذالكا
…
الى كل هؤلاء اقول :
اجل لنا من بعد هذا التفرق سبيل
وان بدا للقاء منه اليوم تاجيل
فلرب صدفة لها القلب دليل
خير من ميعاد يوم قد يستحيل
(يتبع ان شاء الله)
محمد شهيد
تعليق