حضارة قريتي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين أحمد سليم
    أديب وكاتب
    • 23-10-2008
    • 147

    حضارة قريتي

    حضارةقريتي

    بقلم:حسين أحمد سليم

    وأنا أمارس حياتي بإطمئنان و قناعة في قريتي الإفتراضيّة التي تتراءى لي في البعدالآتِ أو تلك القرية الحقيقيّة التي تتربّع جغرافيّا في أرحبة وطني التّليد... أشعربأنّني في تكامل لا شائبة له و به مع الأرض, و تنتابني المشاعر العارمة بالنّبل والتّسامي و الطّافحة بكلّ الأحاسيس الأرقى بأنّني على موعد دائم مع الأبديّة... أمّاأقداري القاهرة التي حملتني قهرًا على قهرٍ و كرهًا على كرهٍ و عنوةً من نوع آخر ورمت بي في متاهات المدينة التي أخذتني إليها تلك الأقدار التي فرضت ذاتها علىمساراتي في المكان و الزّمان لأشعر بغربة الغربة و ضياع الضّياع في متاهات منفى المنفى,و ليس يجري هذا بي لعدم إستيعابي لواقع المدينة المختلط و التي سكنتها رغمًا عنإرادتي أو لعدم وعيي لعصرنة المدينة و ما فيها من تجدّد مستمرّ في كلّ شيء حتّى فيالعلاقات, و إنّما لأنّ ما وُلدتُ عليه و نشأت في رحابه و رضعته مع حليب أمّييجعلني قنوعًا و محافظًا بقوّة على مناحي إلتزاماتي بأصولي العقائديّة و الفكريّةو الأخلاقيّة و الماديّة و التي ظلّت أمينة هي و مؤتمنة على حفظ حياتي القرويّة و الرّيفيّةو الفلاّحيّة...

    لذلكتراني في كلّ تفاصيل حياتي في أرحبة المدينة مشدودًا إلى التّقاليد و الأعراف والأصول و الأطعمة الشّعبيّة و القرويّة المرتبطة بالأرض و مهنة الزّرع و الفلاحة والبذار, بحيث حافظت على جذوري و أنا أصارع زيف العصرنة و ظللت في حركة فعل نفاقات ومراآت المدينة قرويّاً ريفيا بكلّ شيء, و كنت أحسّ أنّ الأرض التي أسير عليها في أرحبةالمدينة لا تعني لي شيئًا بكلّ ما فيها و عليها, لأنّ السّماء في قريتي الرّيفيّةتختلف عن كلّ السّماوات الأخرى, إنّها تحتضن قريتي الرّيفيّة في بقاع محيط مدينة بعلبكمن جميع أطرافها, و لذلك كنت أعتقد بما لا يقبل الشّكّ أنّ السّماء قريبة جدًاً منقمّة جبل الوليّ أحمد الطّائع شفيع قريتي الحدثيّة و المتناغم في الحبّ و العشق معمقام النّبي رشادة, و دائمًا كان يراودني التّفكّر بأنّني أستطيع أن ألامس سماءبلدتي من تلك القمّة الشّمّاء حيث بقايا مقام الوليّ الطّائع, و كنت أعتقد و مازلت على إعتقادي من أنّ السّماء تسمع دندنات قلبي و ترانيم نفسي و تجاويد روحي و موسقاتهمساتي و أنا أختلي بنفسي في رحاب مقام و مسجد النّبي رشادي, أناجي بقايا آثار الوليّالطّائع غربًا و مقامات و مزارات الخضر الأخضر شرقًا في بلدة الخضر و بلدة حورتعلاو جنوبًا في بلدة كفردبش و مقام النّبي يوسف شمالاً في كفردان, إنّ قبّة السّماءالزّرقاء هي عباءة كبرى تحمي قريتيالخضراء و أهلها الكرماء كما كرم الأرض و النّهر الليطانيّ المنفجر من نبع العلاّقو يسيل مترنّما في أرجاء وادي البقاع اللبناني...

    وفقمعايير فلسفتي في إستقراءات الجمال, ليس هناك في الكينونة التي تتجلّى فيها عظمةالخالق فيما خلق و أبدع مكان قبيح أو مكان جميل أو آخر رماديّ التّفضيل خارجالوجدان الإنساني, فجماليّة الأشياء تتراءى للبصر شيئًا و للبصيرة شيئًا آخر و تنحفرو تسطع في الوجدان البشريّ عبر تجارب الحياة نفسها... و أنا ككاتب و فنّان تشكيليلست أملك القوّة المطلوبة على تطويع قلبي و إكراهه على الحبّ الإفتراضيّ أو العشق الخياليّإنّما هو من يُروّضني على ما يهوى قلبنة و عقلنة وجدانيّة, حيث أرى من منظوريالجماليّ أنّ أجمل ما في الدّنيا هي قريتي الرّيفيّة لأنّني في عقلي الجماليّالباطنيّ هكذا رأيتها تتماهى جمالاً في كلّ مشهديّاتها و أمكنتها و سهولها وبيوتها و أشجارها و ناسها و طيورها و فراشاتها و مشمشها و عنبها و كرزها و خوخها ومسجدها و مقام نبيّها الرّشاديّ...

    كلّمامارست الوحدة راحة لنفسي و إنعتاقًا من ربقاتها و من أوامرها الكثيفة على كاهليالضّعيف لأمارس التّجلّي في هدأة سكينتي و خلوت لنفسي في هجعة ضجعتي تتكوكبالنّقطة الإشراقيّة أمام بصري لتنير بصيرتي في فلسفة الإبداع الذي لا يتحقّق خارج منظومةقداسة الحبّ و وضوح الحلم و توكيد الموهبة و حركة فعل التّجربة المبدعة... لتدخلكلّ الإفتراضيات القدريّة في ثنايا الوعي الوجداني و ذاكرة الذّات الممتلئةبالأسرار التي تنمو في خفاياها الصّور و المشهديّات تترافق بنموّها كلّما نماالحلم في المكان و الزّمان وعدًا و عهدًا و قسمًا...

    أرضقريتي الرّيفيّة البعلبكيّة البقاعيّة, تلك النّجمة القدريّة التي تتماهى كوكبة فيشريط هلال قرى و بلدات غربي بعلبك مدينة الشّمس, هي التي نسجت لي في البعد المأمولبالنّجاح تفاصيل أحلامي و أمالي المرتجاة, و سماء قريتي هي السّماء الأولى التي سكبتفي أعماقي كلّ ما فيها من أنوار و إمتداد و حنين و إشراقات و إبداعات, و حبّيالأسطوريّ لقريتي جعلني أعشق كلّ ما في قريتي من مشهديّات و لوحات, رغم نأيالمسافات التي باعدت بيني و بين قريتي نزولاً عند قهر الأيّام, أرزح تحت ظلامات قاهرةأرخت بكلّ كلكلها على كاهلي السّقيم... و رغم البعد و المسافات الممتدّة فأنا قريبمن قريتي و أقرب ممّا لو كنت أسكن فيها, و الفراق الذي أعيش عذاباته يظهر في نفسيالتّائهة العواطف المطمورة في أعماق صدري, و يجعلني أرى الأشياء في قريتي بشكل آخرو مختلف...

    وأنا في البعد الجغرافيّ شكّلت لقريتي تمثالاً يُضاهي كلّ الأنصاب بمجموعها, لأتباركبه كلّما هاج الشّوق في صدري لقريتي, و غالبًا ما كنت أحسّ أنّ نهر الليطاني شرقيقريتي ينبع من قلبي و يسيل من شراييني و عروقي, و أنّ أشجار السّنديان المعمّرة غربيقريتي و التي تحرس ما تبقّى من موروثات الماضي تحرسني في بعدي عن قريتي, لأنّهاكانت و تبقى و ستبقى شديدة التّفاؤل بي و تسير إليّ لتنقل لي همس السّاحراتاللواتي يكشفن النّقاب عن أسرار المستقبل, و أنّني مهما نأى بي قدري بعدًاجغرافيّا سأعود إلى تراب قريتي ذات يوم, و أنّ الحياة التي شاءها الله لي و غيري لابدّ أن تكون عادلة ذات يوم مهما ظلمتني و ظلمني أبناء قريتي... فلقريتي الرّيفيّة جمالهاو ميزتها عن باقي القرى في البقاع و من يزور قريتي يشعر أنّه و الشّمس و الأشجار والنّجوم و النّاس و الأشياء غارقون في السّعادة, و لأنّ القلب يترنّم حبورًا وسرورًا و فرحًا و يضحك في رحاب قريتي حتّى في ساعة الموت و فترات الأحزان...

    عندماتخلو الحياة من شريط الذّكريات تصبح خاوية و خالية و بلا معنى و تفقد قدرتها على حركةفعل الجذب و البناء, و تصبح جثّة هامدة بلا روح... و الحياة بلا طفولة تغدو جامدةو يابسة كالأخشاب, و الطّفولة البريئة هي حنين العقل البشريّ المقلبن إلى إكتشافالخفايا في أدغال القلب... و عودتي إلى قريتي يومًا تعني العودة إلى أروقة الحبّ والعشق و الإيثار و الإنتصار و الحياة و الإنصهار في مجتمع قريتي الرّيفيّ...

    كلّما أكتب ما هو إلاّ تفعيلاً للرّوح و الذّاتِ من أجل الحياة في قريتي النّائية, والكتابة عن قريتي الرّيفيّة هي محاولة للعودة إلى زمن الطّفولة و البراءة والشّفافيّة في التّعامل بلا نوايا أخرى, و بلا خجل دونيّ ينتابنا كصدى للرّغباتالحمراء المكبوتة لأنّ الخجل القرويّ يتسامى رفعة و خلقًا عظيمًا عن كلّالدّونيات...

    فيقريتي يتماسك النّاس في المحن و الشّدائد, سيّما عندما يحلّ موت في بيت مافيتقاسمون المعزّون و أهل العزاء الفعل اللازم... و مجتمع قريتي الزّراعيّ يعتمدعلى كرم الأرض التي تُطعمنا اللقمة الحلال التي تولّد فينا ميلاً للعبادة الشّفيفةبلا مذاهب و بلا طوائف, و الأرض لنا هي بمنزلة الأمّ و الأب... و الكلّ يعمل منأجل نفس الخبز و نفس الحلم, و الليالي الماطرة هي تشكيلات أعراس و فرح للجميع... وفي قريتي تتوثّق الرّوابط فيما بين أهلها بحيث الأسرة كلّها تأكل في صحن واحد, و أحياناًيتناوبون الملعقة الخشبية الواحدة...

    بيوتقريتي الفقيرة و المتراصّة تنام على رؤى العشق و تغفو على قداسة الحبّ, و تصحو علىطهارة الحبّ, و الأزقّة الطّينيّة تذكّرك بأنّ السّماء ليست بخيلة.... و الرّعاةيلاحقون العشب و الشّمس من الجبال إلى الجبال. و المنجارة حين ينبعث أنينها تملأالأرواح قبل المنحدرات و الأودية... و يتفاهمون عبر الأودية, و يتحادثون منواد لواد, و كأنّهم على مائدة واحدة. كانوا يعرفون أشجار الأحراش شجرة شجرة, و يستطيعونالسّير في الجبال و المراعي و هم مغمضو العيون, لشدّة معرفتهم بها و كانوا يعرفونمراتب المطر, و متى يسحّ مدراراً, و متى يأتي رذاذاً, كلابهم تفهم أوامرهم بسهولة,و هم لا يقسون مع كلابهم أبداً, يطعمونهم ممّا يأكلون بكرم و سخاء, لأنّهميفتقدونهم في الليلة الظّلماء, و في المراعي البعيدة, و الذّئاب ترصد خطأ لتنقضعلى القطيع....
    حسين أحمد سليم
    hasaleem
يعمل...
X