قصة قصيرة..الكنز الذهبى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزى إسماعيل
    أديب وكاتب
    • 20-01-2015
    • 42

    قصة قصيرة..الكنز الذهبى

    الكنز الذهبى

    " حسن" صبى فى قهوة، لعله فى الخامسة عشر صغير هو على هذا العمل الشـاق، منذ الصباح وهو يلبى طلبات الزبائن، القهوة تقـع فى حـى الحسين بالقاهرة، روادها كثيرون من كل الفئات العمرية مساحتهـا تزيد عن قيراطين، يحيطهــا مبانى وورش ومشاريع بسيطة لبعض تجار الخردوات والأقمشة .
    بها مقاعد كثيرة تزيد عن المائة .
    وتعلو الباب لافته عريضة كُتب عليها : قهوة السعـادة لصاحبها أمين أبو حمام .
    معروف فى المـنطقة، قسمـاته غـليظة ومتنـافرة يميـل إلى
    السمرة، وشعرة كثيف وحاجباه غليظة وكأنها تصبو إلى الغضب بسبب أو غير سبب.
    لا يترك النرجيلة من يده ، فدائما كلما جلـس مكانة على البينج جـاءه صبيه حسن بها، وكل فترة من الزمن يسرع إليه لتغييـر حجرها.
    على جدران القهوة صور الكثيرين من الأدباء،وشخصيات بارزة فى الأدب الإنجـليزى ، مثل تشـارلز ديكنز الأديب الإنجليزى المعـروف لدى الكثيرين ممن يهمهم الأدب الإنجليزى، وكـأن الأسطى آمين يطلـع على الروايات الإنجليزية ويـعرف أدبـاء مصر بحزافيرهم .
    تستقبل الداخل إلى القهوة حكمة كتبها خطاط على الحائط القراءة غذاء الروح.
    فى ركن بعيد من القهوة يوجد مكتبة تبدو مليئة بالكتب المختلفة وكل يوم بعد إنتهاء موعد القهوة يظل حسن ينظفها بقطعة قماش بيضاء لإزالة الغبار الصاعد من النرجيلة إليها، حتى تلمع .
    تقاليد العمل عند المعلم آمين هذا ما قد يلقبوه مرة بالمعلم ومرة بالأسطى، لأنه يعتقد أنه المثقف الوحيد فى المنطقة، وكان بعض الوقـت لا يرون الناس المترددين على القهـوة بمطابقة المـعلم والأسطى على المثقف لكن كـان يحب هذين اللقبين منذ عــدة سنوات مضت، ولكن الآن يحب أن ينادى بالمعلم فقط.
    منذ سنوات قليلة وهو مُحب للأدب، عندما زاره الكاتب العـالمى نجيب محفوظ فى قهـوته وأقـام فيها ندوة كبيرة ضمت محبى الثقافة فى المنطقة، ومنطقة الحسين مـعروفة بالقهـاوى الثقافية لذلك صنع له مكتبة ضمت أعمال كبار الكُتّاب ممن يعرفهم ومن لا يعرفهم، ثم وجه الدعوة لكل رواد القهوة بإستعارة هذه الكتب حتى يساعد على نشر الثقافة،فكانت بادرة منه،وشجعت الكثيرين من القهاوى لتحويلها إلى قهاوى ثقافية.
    كان حسـن من إختصاصاته أن ينظف القهوة ونزول الطلـبات للرواد ويحضر الشـاى المظبوط والشيشة للمعلم الكبير قبل أن ينشغل بالزبائن، وحسن يشتهى أن يتعلم لكى يريح نفسه من عناء العمل فى القهوة، فكلما أستراح قليلا من طلبات الزبائـن وقـف أمام صورة أحد الكُتّاب والأدباء المعلقة على الجـدران يتأملهـا بصمت دفين فى صورة كانت تساوره نفسه أن يتمنى أن يكـون واحدا منهم ويتمنى أن يكون أديبا يعرفه العالم مثل نجيب محفوظ الذى حصل على أرفع الأوسمة وجائزة نويل العالمية رغم صغر سنة، ولم يحـظ بالتعليم المناسب كمثل أقرانه الذين هم فى سنه، وقف قليلا ليحلم حلمه الذى من المستحيل أن يتحقق كمـا زعـم حتى أفاق على صوت جهورى أستيقظه فجأة طالبا شيشة وشاى فى الخمسينة.
    لم يتركة التفكير فى بعض الأدباء حتى وهو يشتغـل فى تجهيز الطلبات للزبائن وكأنما صورالأدباء تعرض أمام عيناه واحدة تلو الأخرى، كما لو كانت تذكره كما لو كانت تذكره بفعل شىء ولم يقطـع تطلعاته المستمرة إلى المكتبة والكتب التى تـم تحويلهـا
    إلى صفوف متراصيه لكل كاتب على حده.
    فعندما يهم بتنظيفها يمسك الكتاب فيجـد فيه سطورا تغريه على القراءة وبعد أنتهاء العمل فى القهوة يستعير كتـابا منها أعجبـه ليتصفح أوراقة فى منزله،أستمر إلى ذلك عدة أشهر لايستطيع أن يقفل باب المعرفة الذى أنفتح على مصرعيه من كثرة الأطـلاع المستمرة فى بعض الروايات كان هذا سـرا لا يعرف به المعلم آمين حتى لا يلقنه درسا لا ينساه لأنه يريد منه ألا يشغله شاغل عن عمله فى القهوة، وكأنة سخره لنفسه فكان إحتياج حسن لهذا العمل إلا من ضيق العيش فقط لا مصدر رزق له غيرها، عرف حسن مقومات القصة، وبدأ يكتب فى بعض الأوراق عنـده حتى أستطاع أن يسرد قصته مع المعلم آمين منذ أن عمل عنده صبيا فى القهوة، ومالاقاه من مأسـاة، وظروف قاسيـة جعلته يتـرك الدراسة ليساعد شقيقاته البنات فى التعليم، هند وعبير هم شقيقتاه، تدرسان فى التعليم وتحتاجان لمزيد من المـال حتى تستكمـلان دراستهما، وكان حسن من يومه عيناه كـعين الصقر، لا يكـل ولا يمل حتى يحصل على المزيد من البقشيش فى القهــوة من الزبائن المريشة، وكانت حصيلته فى نهاية اليوم من ذلك تجمع له مبلغا لا بأس به غير مرتبه الأساسى من القهوة.
    يضج صدره بالغيظ من المعلم آمين كلما نهره أمام الزبائن ولكن لا يستطيع أن يعبر عن حاله حتى لا يكون مصيره الطرد، فعيناه دائما جاحظتان من ناحية معلمه،بلغ به الظروف أن يتحمل مآسى المعلم التى لا ترحم فكان المعلم على أمل كبير أن تقام فى القهوة ندوة كبيرة كالذى أقامها نجيب محفوظ أو يزورها رواد لهم ثقلهم تجعل من القهوة مشهـورة بين المناطق الأخرى فيعلو صيتهـا ولكن منذ سنوات لم يأتـها أحد من المعروفين لذلك كانت حـالة المعلم يأسة وغير مطاقة.
    أستطاع حسن بعد جهد كبير أن يكتب رواياته الأولى فى وقـت فراغه، وكأنما صاغها كاتب كبير جاءت معه بالصدفة، وعندما كان فى عمله يوما وقرأتها هنـد الصغيرة وأعجبت بهـا أشـد إعجـاب، وتناولتهـا عبيـر هى أيضا وقرأتهـا وأعجبت بهـا هى الأخرى، ولما عاد عرف رأيهم الذى كان له مفاجأة سارة.
    على بعد قليل من شارعه توجـد مطبعة لأحد الرجال الأتقيـاء،
    الذين يشجعون المواهب الشابه.
    ذهبت إليه هند وعبير وحدثوه عن أمر هذه الرواية التى ألفهـا شقيقهم حسن،أخذها صاحب المطبعة وقـرأ بعض سطورها لـم يتركهم إلا وقد أنتهى من قراءتها، أنفرجت أساريره وأحتضـن الرواية عازما على نشرها .
    بعد أيام قلائل خرجت الرواية من المطبعة بعد ما طبعت خمـس آلاف نسخة .
    وكأن صاحب المطبعة قد وجد ضالته فيها فمجـرد أن وزعهـا نفذت فى غضون شهر واحد.
    دوت سـيرة الرواية فى كل مكـان، وحتى أستطـاع صاحب المطبعة أن يعيد طبعها بعد أن أخذ موافقة حسن الذى وافق دون مقدمات.
    وكانت حصيلة رابحة من هذه الرواية مبلغـا كبيرا لا يصـدقة حسن، كل ذلك ولم يعلم المعلم آمين شيئا عنها حتى وجـد أسمه على أحداها مع أحد الزبائن المترددين على القهوة .
    عرف بالحكاية وجاء بحسن بين يديه حتى ينهره كعادته، ولكـن حسن كان يعرف مصيره، فجـاءه وهو مستعـد للتطرد، ويدرك الآن أنه معرض لمثل هذا المصير، فخلـع مريلته وسلـم عهدته وخرج من القهوة ووجهه يعلوه صمت رهيب، ولكـن فى قرارة نفسة يطير من الفرح والسرور، تغطى نشوة النجاح كان يكـره المعلم آمين من قلبه .
    يعمل عنده منذ أربعة أعوام، مات أبوه وأمه وهو طفل فى كنفه شقيقتان تحتاجان كما تحتاج أى بنت من ملبس ومأكل وتعليـم، وفضل تعليمهم على تعليمه، لذلك خرج من المدرسة مبكرا .
    نسى نفسه وأنخرط فى العمل بالقهوة دون التفكير فى نفسه لكنه كان متطلعا إلى شىء كبير يعوضه ما فاته حتى ألتحـق بقهـوة المعلم آمين، وآمين كان يبادله النفور حتى أقصاه فى الليل البارد واقفا طوال ساعات النهار والليل لكى يلبى طلبات زبائنة وهـو مستحملا ثقلها حتى لا يتشرد ويتشرد معه أخواته البنات، ورأى أن التعب سيزول بعد ذلك، وبعد أن يدرك العمل جيدا ويشـرب الصنعة، ولا يخيفه فوات الرزق، لأنه مؤمنا بأن الرزق من عند الله وحده متذكرا بالآية الكريمة: وفى السماء رزقكم وماتوعدون.
    أنتشرت سيرة الرواية على كثير من الألسنة، حتى فوجىء المعلم آمين بمجموعة من المثقفين وأخرى من الإعلاميين من قنـوات مختلفة تدخل القهوة وتسأل عن حسن، ولم يكن المعلـم أمين أن يتحمل الصدمة، ولكنه تماسك وأستقبلهم ليستعلم الأمر، فقالوا له أنه قد حصل على جائـزة كبيرة وجئـنا لتهنئته، ففوجىء آمين بهتاف يصعد إليه من الجالسين فى القهوة، هتاف يحتفل بإنتصار حسن، وقد تجمعت حوله الحاضرين للإستماع إلى مدحهم فيه .
    لم يجد المعلم آمين بُد من أن يعاظم فى حسن الصبى الذى كـان عنده منذ أيام، وقد قال لهم حكايته منذ صغره .
    وجد المعلم أنه الوحيد فى الحاضرون متنافر منه، وغيرهم الذين علت وجوههم السرور إحتفالا بواحد من المنطقة الذى ذاع صيته فى أيام قليلة .
    فوجىء المعلم آمين يندفـع نحـو حسن يعانقه فى لهفة ودموعة تنحـدر على وجهه الصخـرى وهـو يقول بفضـل الله نلـت ما تريد.
    أضاف بلهجة: سأجعل القهوة مزارا ثقافيا .. وأقوم بتغير أسمها بإسمك.. الأديب حسن.. وسأعلق صورتك بجانب هؤلاء الأدباء.
    أندهش حسن من المعلم آمين وهو لا يجـد فيه الكراهية القديمة، وكأنه كان فى حاجة إلى زلزال يخـرج الكـنز الدفين من إرادة الناس.


    * *
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    #2
    الفكرة طيبة و صياغتها ربما تحتاج منك لبعض التأني فيها
    و ربما هي نواة عمل روائي أكثر منه قصصي
    تحتاج منك جهدا أكبر لتخرج رواية تليق بك أستاذي

    هذا رأي ربما أكون مخطئا فيه
    و لكنني أثناء القراءة ساورني هذا الشعور و ذلك لأن لغتها أقرب للغة الروايات و كذلك فواصل الزمن و الأحداث الكثيرة ضف إليها كثيرة الشخصيات هذا ما بالك بفكرة المعاناة اليومية لنادل أو عامل بسيط التي كانت تمشي بالقرب مع طريقة بناء شخصيات كبيرة في صورة حسن الذي كان موازيا لنجيب محفوظ


    تقديري أستاذي فوزي إسماعيل
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

    تعليق

    • فوزى إسماعيل
      أديب وكاتب
      • 20-01-2015
      • 42

      #3
      قصة قصيرة .. الكنز الذهبى

      الكنز الذهبى

      " حسن" صبى فى قهوة، لعله فى الخامسة عشر صغير هو على هذا العمل الشـاق، منذ الصباح وهو يلبى طلبات الزبائن، القهوة تقـع فى حـى الحسين بالقاهرة، روادها كثيرون من كل الفئات العمرية مساحتهـا تزيد عن قيراطين، يحيطهــا مبانى وورش ومشاريع بسيطة لبعض تجار الخردوات والأقمشة .
      بها مقاعد كثيرة تزيد عن المائة .
      وتعلو الباب لافته عريضة كُتب عليها : قهوة السعـادة لصاحبها أمين أبو حمام .
      معروف فى المـنطقة، قسمـاته غـليظة ومتنـافرة يميـل إلى
      السمرة، وشعرة كثيف وحاجباه غليظة وكأنها تصبو إلى الغضب بسبب أو غير سبب.
      لا يترك النرجيلة من يده ، فدائما كلما جلـس مكانة على البينج جـاءه صبيه حسن بها، وكل فترة من الزمن يسرع إليه لتغييـر حجرها.
      على جدران القهوة صور الكثيرين من الأدباء،وشخصيات بارزة فى الأدب الإنجـليزى ، مثل تشـارلز ديكنز الأديب الإنجليزى المعـروف لدى الكثيرين ممن يهمهم الأدب الإنجليزى، وكـأن الأسطى آمين يطلـع على الروايات الإنجليزية ويـعرف أدبـاء مصر بحزافيرهم .
      تستقبل الداخل إلى القهوة حكمة كتبها خطاط على الحائط القراءة غذاء الروح.
      فى ركن بعيد من القهوة يوجد مكتبة تبدو مليئة بالكتب المختلفة وكل يوم بعد إنتهاء موعد القهوة يظل حسن ينظفها بقطعة قماش بيضاء لإزالة الغبار الصاعد من النرجيلة إليها، حتى تلمع .
      تقاليد العمل عند المعلم آمين هذا ما قد يلقبوه مرة بالمعلم ومرة بالأسطى، لأنه يعتقد أنه المثقف الوحيد فى المنطقة، وكان بعض الوقـت لا يرون الناس المترددين على القهـوة بمطابقة المـعلم والأسطى على المثقف لكن كـان يحب هذين اللقبين منذ عــدة سنوات مضت، ولكن الآن يحب أن ينادى بالمعلم فقط.
      منذ سنوات قليلة وهو مُحب للأدب، عندما زاره الكاتب العـالمى نجيب محفوظ فى قهـوته وأقـام فيها ندوة كبيرة ضمت محبى الثقافة فى المنطقة، ومنطقة الحسين مـعروفة بالقهـاوى الثقافية لذلك صنع له مكتبة ضمت أعمال كبار الكُتّاب ممن يعرفهم ومن لا يعرفهم، ثم وجه الدعوة لكل رواد القهوة بإستعارة هذه الكتب حتى يساعد على نشر الثقافة،فكانت بادرة منه،وشجعت الكثيرين من القهاوى لتحويلها إلى قهاوى ثقافية.
      كان حسـن من إختصاصاته أن ينظف القهوة ونزول الطلـبات للرواد ويحضر الشـاى المظبوط والشيشة للمعلم الكبير قبل أن ينشغل بالزبائن، وحسن يشتهى أن يتعلم لكى يريح نفسه من عناء العمل فى القهوة، فكلما أستراح قليلا من طلبات الزبائـن وقـف أمام صورة أحد الكُتّاب والأدباء المعلقة على الجـدران يتأملهـا بصمت دفين فى صورة كانت تساوره نفسه أن يتمنى أن يكـون واحدا منهم ويتمنى أن يكون أديبا يعرفه العالم مثل نجيب محفوظ الذى حصل على أرفع الأوسمة وجائزة نويل العالمية رغم صغر سنة، ولم يحـظ بالتعليم المناسب كمثل أقرانه الذين هم فى سنه، وقف قليلا ليحلم حلمه الذى من المستحيل أن يتحقق كمـا زعـم حتى أفاق على صوت جهورى أستيقظه فجأة طالبا شيشة وشاى فى الخمسينة.
      لم يتركة التفكير فى بعض الأدباء حتى وهو يشتغـل فى تجهيز الطلبات للزبائن وكأنما صورالأدباء تعرض أمام عيناه واحدة تلو الأخرى، كما لو كانت تذكره كما لو كانت تذكره بفعل شىء ولم يقطـع تطلعاته المستمرة إلى المكتبة والكتب التى تـم تحويلهـا
      إلى صفوف متراصيه لكل كاتب على حده.
      فعندما يهم بتنظيفها يمسك الكتاب فيجـد فيه سطورا تغريه على القراءة وبعد أنتهاء العمل فى القهوة يستعير كتـابا منها أعجبـه ليتصفح أوراقة فى منزله،أستمر إلى ذلك عدة أشهر لايستطيع أن يقفل باب المعرفة الذى أنفتح على مصرعيه من كثرة الأطـلاع المستمرة فى بعض الروايات كان هذا سـرا لا يعرف به المعلم آمين حتى لا يلقنه درسا لا ينساه لأنه يريد منه ألا يشغله شاغل عن عمله فى القهوة، وكأنة سخره لنفسه فكان إحتياج حسن لهذا العمل إلا من ضيق العيش فقط لا مصدر رزق له غيرها، عرف حسن مقومات القصة، وبدأ يكتب فى بعض الأوراق عنـده حتى أستطاع أن يسرد قصته مع المعلم آمين منذ أن عمل عنده صبيا فى القهوة، ومالاقاه من مأسـاة، وظروف قاسيـة جعلته يتـرك الدراسة ليساعد شقيقاته البنات فى التعليم، هند وعبير هم شقيقتاه، تدرسان فى التعليم وتحتاجان لمزيد من المـال حتى تستكمـلان دراستهما، وكان حسن من يومه عيناه كـعين الصقر، لا يكـل ولا يمل حتى يحصل على المزيد من البقشيش فى القهــوة من الزبائن المريشة، وكانت حصيلته فى نهاية اليوم من ذلك تجمع له مبلغا لا بأس به غير مرتبه الأساسى من القهوة.
      يضج صدره بالغيظ من المعلم آمين كلما نهره أمام الزبائن ولكن لا يستطيع أن يعبر عن حاله حتى لا يكون مصيره الطرد، فعيناه دائما جاحظتان من ناحية معلمه،بلغ به الظروف أن يتحمل مآسى المعلم التى لا ترحم فكان المعلم على أمل كبير أن تقام فى القهوة ندوة كبيرة كالذى أقامها نجيب محفوظ أو يزورها رواد لهم ثقلهم تجعل من القهوة مشهـورة بين المناطق الأخرى فيعلو صيتهـا ولكن منذ سنوات لم يأتـها أحد من المعروفين لذلك كانت حـالة المعلم يأسة وغير مطاقة.
      أستطاع حسن بعد جهد كبير أن يكتب رواياته الأولى فى وقـت فراغه، وكأنما صاغها كاتب كبير جاءت معه بالصدفة، وعندما كان فى عمله يوما وقرأتها هنـد الصغيرة وأعجبت بهـا أشـد إعجـاب، وتناولتهـا عبيـر هى أيضا وقرأتهـا وأعجبت بهـا هى الأخرى، ولما عاد عرف رأيهم الذى كان له مفاجأة سارة.
      على بعد قليل من شارعه توجـد مطبعة لأحد الرجال الأتقيـاء،
      الذين يشجعون المواهب الشابه.
      ذهبت إليه هند وعبير وحدثوه عن أمر هذه الرواية التى ألفهـا شقيقهم حسن،أخذها صاحب المطبعة وقـرأ بعض سطورها لـم يتركهم إلا وقد أنتهى من قراءتها، أنفرجت أساريره وأحتضـن الرواية عازما على نشرها .
      بعد أيام قلائل خرجت الرواية من المطبعة بعد ما طبعت خمـس آلاف نسخة .
      وكأن صاحب المطبعة قد وجد ضالته فيها فمجـرد أن وزعهـا نفذت فى غضون شهر واحد.
      دوت سـيرة الرواية فى كل مكـان، وحتى أستطـاع صاحب المطبعة أن يعيد طبعها بعد أن أخذ موافقة حسن الذى وافق دون مقدمات.
      وكانت حصيلة رابحة من هذه الرواية مبلغـا كبيرا لا يصـدقة حسن، كل ذلك ولم يعلم المعلم آمين شيئا عنها حتى وجـد أسمه على أحداها مع أحد الزبائن المترددين على القهوة .
      عرف بالحكاية وجاء بحسن بين يديه حتى ينهره كعادته، ولكـن حسن كان يعرف مصيره، فجـاءه وهو مستعـد للتطرد، ويدرك الآن أنه معرض لمثل هذا المصير، فخلـع مريلته وسلـم عهدته وخرج من القهوة ووجهه يعلوه صمت رهيب، ولكـن فى قرارة نفسة يطير من الفرح والسرور، تغطى نشوة النجاح كان يكـره المعلم آمين من قلبه .
      يعمل عنده منذ أربعة أعوام، مات أبوه وأمه وهو طفل فى كنفه شقيقتان تحتاجان كما تحتاج أى بنت من ملبس ومأكل وتعليـم، وفضل تعليمهم على تعليمه، لذلك خرج من المدرسة مبكرا .
      نسى نفسه وأنخرط فى العمل بالقهوة دون التفكير فى نفسه لكنه كان متطلعا إلى شىء كبير يعوضه ما فاته حتى ألتحـق بقهـوة المعلم آمين، وآمين كان يبادله النفور حتى أقصاه فى الليل البارد واقفا طوال ساعات النهار والليل لكى يلبى طلبات زبائنة وهـو مستحملا ثقلها حتى لا يتشرد ويتشرد معه أخواته البنات، ورأى أن التعب سيزول بعد ذلك، وبعد أن يدرك العمل جيدا ويشـرب الصنعة، ولا يخيفه فوات الرزق، لأنه مؤمنا بأن الرزق من عند الله وحده متذكرا بالآية الكريمة: وفى السماء رزقكم وماتوعدون.
      أنتشرت سيرة الرواية على كثير من الألسنة، حتى فوجىء المعلم آمين بمجموعة من المثقفين وأخرى من الإعلاميين من قنـوات مختلفة تدخل القهوة وتسأل عن حسن، ولم يكن المعلـم أمين أن يتحمل الصدمة، ولكنه تماسك وأستقبلهم ليستعلم الأمر، فقالوا له أنه قد حصل على جائـزة كبيرة وجئـنا لتهنئته، ففوجىء آمين بهتاف يصعد إليه من الجالسين فى القهوة، هتاف يحتفل بإنتصار حسن، وقد تجمعت حوله الحاضرين للإستماع إلى مدحهم فيه .
      لم يجد المعلم آمين بُد من أن يعاظم فى حسن الصبى الذى كـان عنده منذ أيام، وقد قال لهم حكايته منذ صغره .
      وجد المعلم أنه الوحيد فى الحاضرون متنافر منه، وغيرهم الذين علت وجوههم السرور إحتفالا بواحد من المنطقة الذى ذاع صيته فى أيام قليلة .
      فوجىء المعلم آمين يندفـع نحـو حسن يعانقه فى لهفة ودموعة تنحـدر على وجهه الصخـرى وهـو يقول بفضـل الله نلـت ما تريد.
      أضاف بلهجة: سأجعل القهوة مزارا ثقافيا .. وأقوم بتغير أسمها بإسمك.. الأديب حسن.. وسأعلق صورتك بجانب هؤلاء الأدباء.
      أندهش حسن من المعلم آمين وهو لا يجـد فيه الكراهية القديمة، وكأنه كان فى حاجة إلى زلزال يخـرج الكـنز الدفين من إرادة الناس.


      * *



      تعليق

      يعمل...
      X