نازلة سحب جائزة الشعربالمغرب للعام 2015
و شهد شاهدٌ من أهلِها: حول توضيح أحمد عصيد
و شهد شاهدٌ من أهلِها: حول توضيح أحمد عصيد
محمد المهدي السقال
بُني التوضيح على ديباجة و ست معطيات، انتهت إلى تذييل استعاد تجديد الحديث عن أسباب الحجب، في اتجاه نزع المسؤولية عن جهات بعينها، في مقدمتها وزارة الثقافة، قبل تحميلها صراحة لفرد وحيد بشخصه، عضو في اللجنة المعنية، هو (السيد حسن مخافي).
سأحاول في هذه الورقات، تقديم ما عنَّ لي من مُلاحظات حول بعض التباساتٍ بقيتْ بحاجةٍ إلى توضيح « التّوضيح»، و سأتعامل مع مكونات التوضيح باعتماد التفصيل سعياً للإبلاغ بالقصد دون إجمال.
عجبتُ من استغراب أحمد عصيد، مما تم تداوله في الصحافة «حول قرار حجب جائزة الشعر لهذه السنة»، لكون ما دبجه من توضيح، لا يمثل فقط حجة عليه، بل يضعف ما تبقى من احترام لشخصه بخصوص مواقف سابقة، كان فيها مثالا استحق كبير التقدير، خاصة أنه توخّى الإدلاء بمعطيات « ضرورية لفهم ما جرى تحديدا»، ومن ضمنها كان ينتظر، تقديم كشف حساب لما تم اتخاذه من قرارات ولو في شكل توصيات للجهات المعنية، بدل التسرع للحكم على المتداول، باعتباره معطيات مقلوبة تماما ومخالفة لواقع الحال».
لقد جاءت ديباجة التوضيح، منسجمة في روحها مع بيان وزارة الثقافة، و تشي منذ مطلعها بتبرئة ذمتها، بمبادرة أو إيعاز، لا نريد استباق الشك فيهما، رغم أن الشكّ يبقى لفائدة الاشتباه. لا يبدو المعطى الأول منفصلا عن سياق الديباجة، إذ حقه في التركيب أن يكون ملحقا بها، بعدما وقف عند تشكيل لجنة الجائزة و المعيار الأول الذي تم وضعه عند بدء أشغالها.
تكرر المعيار ثلاث مرات، دون أدنى إشارة إلى مرجعية مخصوصة، يبين معها مدلول عبارة « الشعر ولا شيء غير الشعر»، رغم اتصال الصيغة بجملة « النص ولا شيء غير النص»، مما تحتفظ به ذاكرة النقد الحديث عن وجهة معلومة في القراءة والتحليل ظلت تنسب إلى البنيوية.
وسيبدو معيار الاشتغال في إطار المهمة المنوطة باللجنة، فضفاضا لدرجة الترهل، بلغته الإنشائية البعيدة عن أسس المنطق في وضع المعايير، والتي يكون في مقدمتها التوافق على الائتلاف حول ما يبلغ مستوى المسلمات بالإجماع.
يزيد من غموض المعيار المستند إليه، غياب تحديدٍ لنسبة الشعر إلى لغة معينة، إذ الأصل هو الاستئناس في النسبة بما يجد له مرجعا في ضبط اللغات المعترف بها دستوريا، ويعني ذلك أن ما يسمى بالمعيار، لا يقبل التعميم على متعدد، إلا إذا كان المعيار جامعا مانعا يقع تطبيقه الشعر في سائر اللغات، وهو ما لم يقل به أحد من قدماء ومحدثين شعراءَ ونقاداً.
تضمن المعطى الأول تركيبة لجنة جائزة الشعر في المغرب للعام 2015 ، وقد جاءت بستة أشخاص عددا زوجيا، ربما إيحاءاً بطبيعة القرار المنتهى إليه على أساس الإجماع، فتنتفي بذلك الحاجة العدد الفردي، المسعف في مثل هذه النوازل بإمكانية الانتهاء إلى تغليب النصف في أصعب الأحوال.
أما الحكم على تشكيلها بالأسماء التي ظهرت بها، فلا حاجة لإثارة ما قد يؤول إلى شخصنة ليس بيننا وبين أصحابها إلا ما بينهم والشعر من خير وإحسان، عدا ما أرى لزوم ملاحظته بخصوص رئاسة اللجنة من طرف "أحمد عصيد"، فقد عايشت تطور الشعر المغربي باللغة العربية، ولم أعرف في مرحلة من مراحل نضجه الفني تقليديا أو حداثيا، اسم أحمد عصيد شاعرا ينتمي لاتجاه أو يمثل مدرسة في الشعر، لكني بقيت على اتهام جهلي بحضوره الشعري، رغم يقيني بأن ثمة اعتبارات كانت أقوى حتى من أول معيار للجنة نفسها، وهو " الشعر ولا شيء غير الشعر". وتبقى القوة في المعطى الأول، لذلك اللمز والغمز باسم التجرد والموضوعية، لإبلاغ من يعنيهم الأمر، أن عمل اللجنة ظل منزها عن أية « مجاملة لأحد أو تفضيل أو تمييز إيجابي يعتمد أسبابا خارج الشعر»، في تناقض صارخ مع ملابسات حجب اللجنة للجائزة، كما جاء في التوضيح الفاضح لما عرفته من اختلال بعد اعتلال.
هذا معطى يثير الشفقة على مآل الشعر، دون إشفاق على تفاصيل المحنة التي مر بها في تلك اللجنة، فقد جاء التوضيح للأسف متأخرا كثيرا عما تم تداوله كشأن شخصي لا صلة له بالأدب والإبداع، وما تزامنه مع سياق بيان وزارة الثقافة، سوى محاولة إضافية للرمي بالكرة خارج ملعبها الحقيقي، للانشغال فيالحديث عن مصير الجائزة بالقيل والقال، وحصر مجال التفكير في المسؤولية الفردية، بعد التوافق على كبش فداء. المهم في المعطى الثالث، بعد تجاوز ما اعتبرتُه مُتأخر الاستدراك على بيان الوزارة الوصية، ما شعرتْ به اللجنة في شخص رئيسها أحمد عصيد، من غلط في حقها " يصل إلى حدّ المسّ بكرامة هؤلاء الأعضاء ومصداقيتهم".
فكان التفكير في الاستقالة، إلا أنه بقي في حدود الإخبار بدواعيها المرتبطة بالعلة السالفة، دون أن يترجم إلى فعل، بل دون أن يترجم إلى إخلاء الذمة بما يليق والمقام المحفوظ للرئيس في الوجدان المغربي، بالخروج إلى الرأي العام في الوقت المناسب، وليس بعد شيوع الحدث وتفاصيله، وبعد بيان وزارة الثقافة المعروف.
بعد التصريح بمحتوى النزاعات المصاحبة خفيها وظاهرها، وما تكشّف من أسرار ظلت مادة دسمة لتلاسن الكواليس، يبدو جليا أن حجب جائزة الشعر في المغرب للعام 2015، لم يكن لاعتبارات أدبية، ذات صلة بمفهوم أو مقياس أو معيار، و بالتالي، فاللجنة تبقى ماديا المعنية الأولى بكل تبعات الواقعة، ليس بسبب عجزها عن الوصول إلى نهاية موضوعية، لا تهم فيها النتيجة، ولكن بسبب سكوتها على الجهر بالعيوب التي شابت عملها، بتوازي المسؤولية المعنوية الأولى لوزارة الثقافة.
يتجدد في المعطى الرابع نفي مسؤولية اللجنة، من خلال قرائن التسريب والابتزاز والضغط الذي تعرض له أحمد عصيد « شخصيا وبشكل مباشر داخل الوزارة »، غير أن اللافت هنا، غياب رصد التعاقب الزمني لمسار تطور الأحداث، بدءا من مباشرة اللجنة لاشتغالها إلى قرار حجب الجائزة، مرورا بالسجال قبل وبعد التسريب، وما عانته اللجنة من إكراهات في اتجاه إعطاء الجائزة للشاعر محمد بنطلحة.
وهو غياب سيكون له امتداد السؤال عن حقيقة ما وقع في القادم من الأيام، بعد أن ينبري كل معني للدفاع عن موقفه وإثبات براءته بطريقته و أدواته مما حدث.
عودة أخرى إلى « العضو المذكور» صاحب تسريبات جائزة المغرب للشعر للعام 2015، لكن باتهام مباشر هذه المرة للأدوار التي لعبها داخل وخارج الوزارة «إمعانا في مراكمة الأخطاء» التي ارتكبها في حق لجنة الجائزة، وسيدلي أحمد عصيد كعادته بشهادة متأخرة في النازلة، ردا على ادعاء مسرب أسرار اللجنة بكون أعضاء في اللجنة « غرباء عن الشعر»، ليخبر الرأي العام المعني بالتوضيح، بما شاب اللجنة من عيب منذ البداية، تمثل في وجود «الغريب الوحيد عن الشعر في اللجنة»، والذي تبين أنه «العضو الوحيد داخل اللجنة الذي ليس شاعرا».
تعبت لفهم موقع هذا المعطى السادس ضمن سياق التوضيح، بعدما وجدت المعلومات المُتَضَمنة فيه خاوية ولا تغني من جوع الرغبة في معرفة حقيقة ما حصل.
إن السيد أحمد عصيد، يقدم رأيا إجماليا في الدواوين المتبارية، بعمومية غير محددة لنسبة الرأي إلى شخصه الذاتي أو إلى شخصه المعنوي، باعتباره رئيس لجنة جائزة الشعر في المغرب.
وأتساءل فقط، كيف ينسجم الاستدراك في المعطى الخامس، مع التطورات المثيرة للقضية، بعدما غاب المعيار واستلزاماته، و أصبحت الجائزة موضوع شد و جذب، فلم يعد لها لا طعم ولا رائحة، في لجنة يرأسها أحمد عصيد للأسف كما قلت وكررت.
بعد سرد أحمد عصيد لمعطيات اعتبرها كفيلة بنزع فتيل اتهام اللجنة، ونفي أدنى مسؤولية أدبية أو أخلاقية لها فيما حصل، سيعود بنا إلى الحدث الرئيس وهو حجب الجائزة، لتذكيرنا بـ « السبب الذي جعل أعضاء اللجنة يقتنعون بضرورة حجب الجائزة»، والمتمثل أساسا في «اقتناعهم المبدئي بضرورة فتح نقاش شجاع وجريء حول سلوكات بعض الكتاب والأدباء وحول عقلية آن الأوان لإدانتها والقطع معها، وهي عقلية المحاباة والمجاملة والكولسة والدسّ والمكيدة التي تجعل الشعر آخر اهتماماتها».
تكشف القراءة البسيطة لتلك المعطيات عن المسافة الفاصلة بين اقتناع أعضاء اللجنة، بضرورة حجب الجائزة من الداخل لاعتبارات تتصل بالمعيار الأولي لاشتغال اللجنة تحت عنوان « الشعر ولا شيء غير الشعر»، و بين اقتناعهم بالحجب من الخارج، استنادا إلى حاجة التموقف مما يحاك حول الجائزة، لمواجهة « المحاباة والمجاملة والكولسة والدسّ والمكيدة».
تجاوزت أزمة حجب الجائزة، دائرة حراك اللجنة على أساس ما راج حول المعيار الأول دون باقي المعايير الأخرى، الشيء الذي يطرح معه من جديد سؤال الخلفية الموضوعية للصراع بين الداخل والخارج ؟ إلا أن السيد أحمد عصيد، بصفته رئيس لجنة جائزة الشعر في المغرب للعام 2015، يبقى مصرا على براءته ومن معه، ممعنا في الإلحاح على مسؤولية الآخر، رغم اقتناعه المسبق بكون صاحب التسريبات، ليس فقط غير شاعر ، بل إنه غريب عن الشعر. سينعكس هذا الاضطراب على موقف أحد عصيد، وهو يحاول أن نفي مسؤولية وزارة الثقافة عما حدث ويحدث، وتحميلها في المقابل لـ « أخطاء الكتاب والأدباء »، دون أن نتبين المقصود منهم، ليبقى الغموض سيد الموقف حول ذلك الفراغ المهول في التوضيح، بين طرفي الداخل و الخارج، في معادلة لا تزداد إلا بكثرة مجاهيلها المسكوت عنها.
كم تمنيت لو أن أحمد عصيد، خرج منذ البدء بمثل هذا التوضيح، حفاظا على ماء الوجه بين أناس بقوا على احترامه مفكرا دون انشغال بشاعريته التي أهلته عند البعض ليكون رئيس لجنة الشعر، بل كم تمنيت لو أنه استدرك بهذا التوضيح، ما كان يحتاج إلى رفع التباساتٍ شابت أعمال اللجنة قبل وبعد حجب تلك الجائزة، بدل اجترار الحديث عمن « أساء إلى الشعر وإلى جائزة الشعر وإلى اللجنة وإلى الوزارة وإلى السيد محمد محمد بنطلحة»، والتركيز على «سنودن» المغربي، باعتباره المسؤول الأول و الأخير عما أصاب جائزة الشعر من لعنة الحجب هذا العام.