قلم رصاص وممحاة
كل يوم عندما ينتهجُ الصبح تباشيره وتبريكاته مع رائحةِ الفجر لصوت أبي وهو يشتري خبز أبنائه ببسملةِ التوكلِ على الله
أكونُ أنا قد تسللت خلف ثوب الغسق الحاجب لشخير الغرفة حاملاً معوذات الرحمه إلى ركن العباده الخاص بي،أرتلها تيمناً بحبسة قلم وممحاة تدون بهجة يومي وتمسح مآسيه.
أُمسكُ الشيطان أن يمسني وأعاود توحيد الأنبياء مسترسلاً الرؤية والطريق،أرسمُ نقشاً يقارب بين الأسطر والزوايا ودائره صغيره آخر الورقة كي تلقط صرخات الهمزات الجائرة.
أبري المرسام من جديد وأغمسه بين قطرات أصابعي حتى يكون سلساً لمقاومة غضب المحاة،يجتر القلم حرارة تدفقي في الأفكار وينضح كبرياء رأسه في أول السطر كاتباً
أنا والصبح بدايتان لعزف ناعِمْ
يضع السكون فوق الميم ويعرض لمعان إبتسامته للباقة قوله وإطاحة بتلك الممحاة.. يتقدم بخطوة سريعه ويرسم دائرة حول الممحاة ويمضي مبتسماً.
تتعارك النظرات داخل خلجات الممحاة فتعج ثورة المنتظر لعداد الحرب وتنكب عليه (كحاكم أقصى شعبه دون حجه ترمي عليه لزوجتها فتمسح حرف الميم قاذقةً نعومته الى نغم الموت،
ناعٍ
أصبح ناعٍ بعد نعومته أصبح ميتاً بمسحة حرف.. أردته ميتاً في أول مواجهة ومضت تغني قوتها على حنايا صوته..
كم هي فاتكة لغة المسح فهي لا تخلف إلا الموت
يغور الصمت ساحة المعركة وتبدأ أنفاس الورقة بالبكاء على كبرياء القلم ترتفع صرخات العزاء في موته فاغتياله" كان فاجعاً لصفحة عذراء مات فاتحها في بهجة الفرح...
يصمت الضوء ويبدأ هزيج الكتب المحاطة بطاولة المكتب تكبيراً بنقل نعشه الهامد إلى قبر حروف الذاكره.
فيعاود النصر طقوسه مبجلاً تلك الممحاة إعتلاءً لعرش المكتب.
ولا غائر اليوم إلا هي
يقتل الصمت حدة الموت وينزح ضيق القبر جثة القلم من جديد..فيرتعش الضوء داخله حاملاً صوت القلم الميت وناثراً حساب عذابه بصرخة عارمة
- الموت يسقيني طعم السماء
تدق أقفال الأدراج إنذار العودة وتصغر الجدران حتى تعانق تراب المدفن (وكأن روحاً دبت في صورة ميت تلبس المقبرة ثوب الورد وتجري الحياة مجرى الماء للعطش.. عاد من موته ليخلق روحاً جديده... بسط السماء بقوله وأنهك قوى عدوه
نفث التراب عن نفسه وعاد يصرخ
الموت يسقيني طعم السماء
غاشية حلت بتلك الممحاة وسعير جز بياضها.. ابتدأت بالذوبان من شدة ضربته فهو أضرم النار في صفوتها وآكل منها المقدره.
بقيت تقاوم تآكل جسدها ..تحاول أن تتحرك ...تمسك بطرف الورقة وتسقط ...صغر حجمها (وأصبحت كقطعة فلين صغيره تطفو على حافة الغرق
تمسك أنفاسها وتذود من الجرف أن يهديها إلى الرجوع.
أمسكت فجأة بحبل النجاة وتناست آلام حرقتها..نهضت مُسرعةً إلى صوت القلم وحطت بعنقه ورمت نفسها على كلمة السماء فأطاحت بالألف والهمزه وأسقته (السم
أوغلت طعم السماء ليصبح طعماً للسم.
ضحكت بزمهرير نارها ورفعت وجهها إلى عين القلم وهو يتلون من حرقة وغدر السم..
ما عاد يقوى على الحراك أصبح جذعه مسلكاً لطريق الموت،الآن لا روح أخرى ستجلي موته ولا كفناً وردياً سيبقيه حياً
الموت لا يرحل عنّا إلا مرة واحده عندما نهبه أنفسنا
أشحب وجهه وبدأت عروقه بالتضخم ،سنته تجر صفارها وتذرف رصاصها .. اندحر على تهاويل الورق وأصبح يرفص ( كذلك الذي يعيش نزعته الأخيره
سيموت مرة أخرى ولن يعود سيندحض في باطن الأرض وستلجه المِيتَةُ سيرتها الأولى
ظل يرفص حتى وقع على الأرض.. ووقع معه خيط الموت لم يصرخ صرخة المنزوع من جسده ولم ينطق بشهادة الخروج إلى الجنة.
بقي في مكانه صامتاً لا صوت للغناء ولا طعم للسماء..
- علمت حينها أنه رحل .. رحل للأبد.. خسر المعركة وغادر تاريخ الورق .. أيقنت أنه لن يعود (فخطيئة ممحاته كانت أقوى من حسنة خلقته)
نهضت مسرعاً نحوه كي يحضى بجنازة العظماء .. تخليداً يبقي ساكنه يقضاً ويرفع عظيمه ترفاً
رفعته من على الأرض فلمحت خطّاً بدا مرتعشاً يتهاوى يمنةً ويسرى .. لم أفهم ما هي الكلمات فتشابك الحروف كان قوياً.. اقتربت أكثر من الأرض حتى أحسست بنبض الأحرف،كانت تبعث سخونة متأججة وضوءاً ساطعاً.. مررت يدي عليها فانطبعت تلك الكلمات في باطن كفي، شقت تخايل النهاية وألصقت روحها المقاومة لسلطة الموت قائلة:
هم لا يريدون إلا مسح تواريخك... لكنهم لا يعلموا أن الحبر بيدك
النهاية
القلم : هو أنت أيها المبدع
الممحاة؛ أولئك الذين يحاولون مسح إبداعك وقتله!
فواجهمْ مهما وقعت وعد فالروح ترفضُ الموت
#عزيز
الخميس5مارس 2015
تعليق