قاهر المرض (أبي)..
بدأ الدم المصاحب لعملية التبوّل يزعجه رغم عدم إحساسه بالألم، وبات من المقلق نزفه بغزارة، هو يتمتّع بصحّة جيّدة ولمّا يبلغ الأربعين بعد. راجع طبيبا
من معارفه بحكم عمله السابق في الدعاية الطبيّة، أخصائيا في الأمراض البوليّة والتناسليّة، استقبله بحرارة وبعد فحصه بعناية، قال وعلامات القلق بادية على
محيّاه:
- آسف ياصديقي، المؤشرات تدلّ على إصابتك بذاك المرض، لكن يجب إدخالك المستشفى، لإجراء الفحوصات الّلازمة ووضع خطّة لعلاجك.
نزل بالمستشفى فعلا، وبعد ظهور النتيجة قدم الطبيب إليه، وعلامات الارتياح بادية على محيّاه، تبادلا المجاملات المعهودة وأخبره عن ممرّض قام بإيقاظه
لكي يتناول حبة المنوّم. ضحك الطّبيب، قائلا: إنّ هذا الأمر يا صديقي لا يحدث إلا في مستشفياتنا! بعدها شرح له تشخيص حالته مستعينا بصورة الأشعّة:
- سبب نزفك حصوتان صغيرتان بالكلية، نأمل أن تتمكّن من التخلّص منهما علاجيّا وتفتيهما دون جراحة، تستطيع المداومة على العلاج في البيت.
عاد إلى بيته فرحا لعدم خطورة الخطب، حرصت ابنته وزوجته على تذكيره بالدواء في مواعيده. لكنّه لم يتحسّن واستمرّ نزفه، صار لا بدّ من استشارة
طبيب آخر كما أوصاه الجميع. أصرّت ابنته على مرافقته في زيارة طبيب ذي سمعة جيّدة. في غرفة الفحص استطاع رؤية النزف ينبض من على جدار
المثانة عبر الشاشة. تركه الطبيب يرتدي ثيابه، وسمعه في مكتبه يخاطب ابنته قائلا: (شدّي حيلك يا بنتي) على الأرجح والدك مصاب بالمرض الخبيث..
رأى ابنته اليافعة الصغيرة شاحبة، بادلته نظرات حزينة متسائلة: "هل سأقوى على فقدانك، أبي؟!" ابتسم لها مشجّعا. بيّن له الطبيب خطورة الوضع، وحثّه
على ضرورة الإسراع في العلاج، فالمماطلة ليست في صالحه.
لكونه يعمل مديرا لمصنع ترتّبت عليه التزامات كثيرة، لهذا أجّل أمر العلاج إلى ما بعد انتهاء أحد المؤتمرات المزمع عقدها في قطر عربيّ آخر، وكان
مشاركا به لتقديم ورقة عمل تخصّ المصنع. في ذات الوقت نسّق مع صديق له يعمل في لندن، من أجل ترتيب موعد مع أحد الاختصاصيين هناك،
فمرضه لن يحتمل خطأ آخر. بعد انتهاء المؤتمرعاد ليجد ردّ صديقه ينتظره، يعلمه بترتيب موعد قريب وعليه الحضور على الفور لأنّه لن يكون متوفّرا
بعدها. على الفور استحصل الفيزا وبطاقة السفر، وتمكّن من الوصول إلى لندن في الموعد.
قابل الدكتور "سنيلل" الذي عامله بمنتهى اللطف والإنسانيّة، وأوعز بإدخاله المستشفى حالا. ثمّ أجرى عملية استئصال الورم باستخدام المنظار.
طمأنه أن قوامه ينبي على أنّه حميد، لكنّ الحسم سيأتي بعد ظهور نتيجة الزراعة. توتّره خلال الانتظار لم يمنعه من التعرّف على معالم لندن الأثريّة
ومرافقها الحيويّة، وقام أيضا بشراء معطف جديد ثمين أعجبه. ثمّ ظهرت النّتيجة إيجابيّة تؤكد وجود السرطان الخبيث. شرح الطبيب قائلّا:
- رغم مرضك الصّعب، إلّا أنّ الشفاء منه ليس مستحيلا. آمل أن نتمكّن من مدّ عمرك خمس سنين على أقل تقدير، الأمر بيدك ويعود إلى
حرصك على تطبيق الآتي:
بدأ الدم المصاحب لعملية التبوّل يزعجه رغم عدم إحساسه بالألم، وبات من المقلق نزفه بغزارة، هو يتمتّع بصحّة جيّدة ولمّا يبلغ الأربعين بعد. راجع طبيبا
من معارفه بحكم عمله السابق في الدعاية الطبيّة، أخصائيا في الأمراض البوليّة والتناسليّة، استقبله بحرارة وبعد فحصه بعناية، قال وعلامات القلق بادية على
محيّاه:
- آسف ياصديقي، المؤشرات تدلّ على إصابتك بذاك المرض، لكن يجب إدخالك المستشفى، لإجراء الفحوصات الّلازمة ووضع خطّة لعلاجك.
نزل بالمستشفى فعلا، وبعد ظهور النتيجة قدم الطبيب إليه، وعلامات الارتياح بادية على محيّاه، تبادلا المجاملات المعهودة وأخبره عن ممرّض قام بإيقاظه
لكي يتناول حبة المنوّم. ضحك الطّبيب، قائلا: إنّ هذا الأمر يا صديقي لا يحدث إلا في مستشفياتنا! بعدها شرح له تشخيص حالته مستعينا بصورة الأشعّة:
- سبب نزفك حصوتان صغيرتان بالكلية، نأمل أن تتمكّن من التخلّص منهما علاجيّا وتفتيهما دون جراحة، تستطيع المداومة على العلاج في البيت.
عاد إلى بيته فرحا لعدم خطورة الخطب، حرصت ابنته وزوجته على تذكيره بالدواء في مواعيده. لكنّه لم يتحسّن واستمرّ نزفه، صار لا بدّ من استشارة
طبيب آخر كما أوصاه الجميع. أصرّت ابنته على مرافقته في زيارة طبيب ذي سمعة جيّدة. في غرفة الفحص استطاع رؤية النزف ينبض من على جدار
المثانة عبر الشاشة. تركه الطبيب يرتدي ثيابه، وسمعه في مكتبه يخاطب ابنته قائلا: (شدّي حيلك يا بنتي) على الأرجح والدك مصاب بالمرض الخبيث..
رأى ابنته اليافعة الصغيرة شاحبة، بادلته نظرات حزينة متسائلة: "هل سأقوى على فقدانك، أبي؟!" ابتسم لها مشجّعا. بيّن له الطبيب خطورة الوضع، وحثّه
على ضرورة الإسراع في العلاج، فالمماطلة ليست في صالحه.
لكونه يعمل مديرا لمصنع ترتّبت عليه التزامات كثيرة، لهذا أجّل أمر العلاج إلى ما بعد انتهاء أحد المؤتمرات المزمع عقدها في قطر عربيّ آخر، وكان
مشاركا به لتقديم ورقة عمل تخصّ المصنع. في ذات الوقت نسّق مع صديق له يعمل في لندن، من أجل ترتيب موعد مع أحد الاختصاصيين هناك،
فمرضه لن يحتمل خطأ آخر. بعد انتهاء المؤتمرعاد ليجد ردّ صديقه ينتظره، يعلمه بترتيب موعد قريب وعليه الحضور على الفور لأنّه لن يكون متوفّرا
بعدها. على الفور استحصل الفيزا وبطاقة السفر، وتمكّن من الوصول إلى لندن في الموعد.
قابل الدكتور "سنيلل" الذي عامله بمنتهى اللطف والإنسانيّة، وأوعز بإدخاله المستشفى حالا. ثمّ أجرى عملية استئصال الورم باستخدام المنظار.
طمأنه أن قوامه ينبي على أنّه حميد، لكنّ الحسم سيأتي بعد ظهور نتيجة الزراعة. توتّره خلال الانتظار لم يمنعه من التعرّف على معالم لندن الأثريّة
ومرافقها الحيويّة، وقام أيضا بشراء معطف جديد ثمين أعجبه. ثمّ ظهرت النّتيجة إيجابيّة تؤكد وجود السرطان الخبيث. شرح الطبيب قائلّا:
- رغم مرضك الصّعب، إلّا أنّ الشفاء منه ليس مستحيلا. آمل أن نتمكّن من مدّ عمرك خمس سنين على أقل تقدير، الأمر بيدك ويعود إلى
حرصك على تطبيق الآتي:
- [*=right]ترك التدخين نهائيا.
[*=right] تناول جرعة كبيرة عيار ألف (1000) من فيتامين سي يوميٍّا لتقوية مقاومتك.
[*=right]مراجعتي شهريّا، لاستئصال ما قد يتكوّن من أورام جديدة، إن مراقبة المرض وحصره من أهمّ وسائل العلاج، أمّا الكيماويّ فلست بحاجة
حاليّا له، وأضاف: علينا إطالة حياتك لعلّه في المستقبل القريب يتمّ كشف علاج نهائيّ وفعّال للسرطان.
غادر المستشفى محبطا، يجول في شوارع لندن الباردة غارقًا في هواجسه، يفكّر: "الطبيب كان واضحا معي، الاستمرار في تعاطي التدخين يعني
الموت المحتّم."
تناول لفافة ووضعها بين شفتيه، لم يجرؤ على إشعالها فكّر في قرارة نفسه: "يجب أن أعيش لم ينته عمري بعد، هنالك الكثير لأفعله في حياتي"
مرّت طيوف عائلته وأهله يشجعونه فأعادها مكانها.
اتّصل بابنه الذي يدرس في أمريكا يعلمه بتطوّرات الموضوع، جاء صوت الأخير عبر الأسلاك حزينًا، قال متحشرجا:
- أرجوك التزم بأوامر الطبيب، صرت أدرك مدى صعوبة الشعور بالفقد لهذا تضامنا معك سأطفئ السيجارة في يدي،وأعدك ألّا أعود لها مستقبلّا،
إنّني لمتأكد من نجاحنا معا في ترك التدخين للأبد.
عاد إلى أحضان أسرته من جديد، وبات فخورا بابنه يحدّث النّاس عن موقفه الإيجابيّ حيال مرضه وتركه للتدخين. حرصت زوجته وابنته على تقوية
معنويّاته، لم تذرفا الدمع أمامه على الرغم من سماعه نشيجهما الخفيّ من بعيد، هذا وقد تخلّصت ابنته يوم عودته من كلّ ما له علاقة بالتدخّين.
التزم بمراجعاته الدوريّة للندن عدّة سنوات، خلالها استقال من عمله في المصنع بهدف تخفيف عبء المسؤولية عن كاهله. مكتفيا بالعمل شريكا
مع زوج ابنته في شركته الخاصّة الصغيرة.
بعد انهيار السوق المالي ازداد التضخم الاقتصادي وغلاء المعيشة، أصبح السفر إلى لندن مرهقا ماديّا، خاض نقاشا مع د. سنيلل حول الأمر
فأخبره عن وجود نطاسيّ بارع في الأردن يدعى "نادر يونس" تخرّج من عندهم تحت إشرافه مردفا:
- درّبته بنفسي وأثق به، فتح عيادة جديدة له، سيعالجك مثلي إن لم يكن أفضل.
فور عودته حصل على رقمه من خلال إعلان له بالجريدة، رحّب الطبيب به بودّ، كان أوّل مريض له في عيادته الخاصّة، اهتمّ به جيّدا لمّا علم
أنه من طرف الدكتور سنيلل. أثنى على عمل معلّمه ومهارته، لكنّه لم يكترث بأمر فيتامين سي، إذ لم يسمع سابقا عن أهميّته العلاجيّة. صار صديقا
للطبيب لمعرفته السابقة بالأدوية وتنوّره، استمرّ في مراجعاته الدوريّة واستئصال الحبّات القليلة المتكوّنة. كلمّا امتدّ الزمان تباعدت فترات المراجعة
ولم تعد تظهر حبيبات جديدة.
بعد بضعة سنوات، فوجئ بعودة النزف من جديد. هذه المرّة سافر إلى لندن تحت ضغط العائلة، سأله الدكتور سنيلل:
- هل عدت للتدخين؟ نفى بشدّة.
- إذا بالتأكيد أنّك لا تتناول فيتامين سي بانتظام. ردّ بالإيجاب، نعم أهمله لعدم اهتمام د. نادر به. أجرى له الدكتور سنيلل الاستئصال بالتنظير ،
وقال شارحا له: وضع مثانتك جيّد، طبيبك قام بعمله على أكمل وجه، لكنّي استأصلت اثنتي عشرة حبة صغيرة تسبب نزفك. حان أوان البدء
في العلاج الكيماوي، يمكن تعاطيه في بلدك هناك أرخص، مع مراعاة عودتك لتناول فيتامين سي.
حصل على الكيماوي المدعوم من قبل وزارة الصحّة لوجود تأمين صحيّ لمرضى السرطان، ثمّ راجع الدكتور نادر، رحّب به مبتسما:
- أنت مريضي المحظوظ، بالأمس عدت من دورة في أوروبا تعلّمت فيها علاج الكيماوي الموضعي داخل المثانة، وأنت أوّل من سأطبقها عليه.
كان محظوظا حقّا، لم يتعبه الكيماوي؛ لم يتساقط شعره ولم يصبه الغثيان والقيء. لكن بعد تعاطيه ثلثي الجرعات، سافر د. نادر في إجازة
فتولّى معالج آخر بالمستشفى حقنه مباشرة في الوريد، كانت حقنة مؤلمة ومتعبة جدّا أنهكته، كرّهته المرض ونفسه والحياة، واتّخذ قراره:
- لا كيماويّ بعد الآن!
أثناء مراجعاته المتكرّرة لعيادة الطبيب، وقسم معالجة السرطان تحديدا، قابل العديد من المرضى. وتجاذب أطراف الحديث مع مريضة
اسمها "ماري" تعاني نفس المرض، مع أنّ حالتها كانت تتدهور بسرعة، لكنها لم تفقد الأمل، وواظبت على الكيماويّ. جرعاتها الأخيرة
كانت تلك التي تبرّع لها بها. لقد ضربت خيرمثال له عن الإرادة وحبّ الحياة والصمود في مواجهة المرض الغدّار. رغم تمكّنه من جسدها
لم يستطع كسر روحها. أيضأ الطفلة "أمل" الصلعاء الجميلة لم تتجاوز ربيعها الخامس، راقبها زهرة تذوي والإبتسامة رغم شحوبها تملأ ثغرها.
أخبرته: لن أصبح دكتورة بل شاعرة كبيرة،لا أرغب في بيع الأمل الزائف بل يكفيني نشر الحبّ والأمل بين النّاس. هذا منحه القوّة:
"سأتقوّى وأتمسّك بالحياة لن أيأس، الأعمار بيد الله وعمري لم ينته بعد. "
لجأ إلى جميع الوسائل الطبيعيّة الّتي سمع عنها؛ الرقيّة الشرعيّة وقراءة القرآن والتعبّد، قرأ الكتب وحضر المقابلات عن طرق العلاج النفسيّة،
تناول الأعشاب والعسل المخلوط بالمكسّرات وحبة البركة، والوجبات المتوازنة مع التقليل من البروتين وتفادي شرب الحليب، وأيضا الإنصات
لخبرات من تمكّنوا من النجاة.
عاش بين أهله حياة أقرب ما يمكن للطبيعيّة. يغضب ويحزن ويفرح. لكن في المرض إن ارتفعت حرارته. يدبّ الذعر ويخشون عليه من النهاية
التي غدت قريبة حتّى في أمراض البرد الخفيفة. ذات شجار قال لزوجته: سأتزوّج عليك. فأجابت ساخرة:
- حاول.. سنرى من ستقبل بك زوجا في مرضك (المنيّل.) لم يغضب إنّمّا صالحها ممتنًّا لها. بدوره في مرضها الأخير لم يتخلّ عنها، بل كان
يحملها بنفسه إلى الحمّام، هو شفي وهي فاضت روحها لباريها. نعم شفي ولم يعد له المرض الخبيث بتاتا.
فترة توقّفه عن العلاج طالت مدة تربو عن عقدين من الزمان، عبر خلالها الألفيّة الثالثة وكان متشوّقا لبلوغها طوال حياته، رحل خلال هذه
المدّة بالإضافة إلى زوجته العديد من أهله وأصدقائه الأصحّاء والمرضى، وما زال صامدا يرفل بحول الله بالصحّة.
مؤخرا راجع طبيبه الذي تقدّم به السن، بعد فحصه بالتنظير، قال له الطبيب:
- يا عزيزي.. يبدو أننا سنقضي بمرض الشيخوخة، ما زلت مثلي الأعلى في تحدّي المرض، وتجربتي معك خير مثال داعم لمرضاي الجدد.
ملاحظة: النص واقعيّ، يستند على أحداث وطرق علاج حقيقيّة مع والدي حفظه الله.
تعليق