كان يجلس على غير قرفصاء , ينظر في سقف حجرته لاإلى شيئ , في مكان ما .
الخارطة تدور في رأسه بكل مااتفق من الاشياء والازمنة والامكنة , هناك وضوح في مكان ما عابر .. وذكريات كخرير البحر ...
يصرخ طفلٌ في بيت الجيران فيقضُّ مضجع العالم لتذهب عيناه إلى مكان قريب إلى المكان الما .. كل الأمكنة ما في السقف الكوني , تنشرخ الذاكرة , وتتشظي الحيوات بكائناتها وطبيعتها وتبقى الميتافيزيقا كمحور ارتكاز .
للمرة الأولى يلحظ خمس أصابع في السقف , لن يكون غيره المرنِّج تركها حينئذٍ , يعلم ولاشك برهافة المرنّج وبالذات المرنج محسن , ولازال يتذكر تأكيد محسن الدائم في كل مرة من اشتغاله على الرنج في حجرته بأنه سيتركها علامة فارقة على تفرده وفنِّيَّته لكل من يتشرف بالدخول إليها من الناس ..
ليس الأمر هنا فحسب إنما كيف كل الزمن منذ عشرين عاماً لم يلحظ الأصابع الخمس هذه على السقف وأنَّ أحدا قط لم يقل - من كل الذين ارتادوا حجرته - بها .
أصابع من هذه الخمس ؟ , شعر بأنه بحاجة إلى سلّم مزدوج على هيئة مثلث ضلعه الثالث خط من ذات بلاط الحجرة , تذكر مثلث أفلاطون ذا الرؤوس على ذروات الجبال , ليس بالضرورة أن تكون رؤوس الجبال على مسارات مستقيمة إلى بعضها , لنتمثّل رؤوساً ليس إلا في أي مكان في أي زمان على أيٍّ من المسافات لنرسم مثلث أفلاطون .
أصابع طفل تلك هي , هم الاطفال من يفعلون مالا يفكرون به .. أيّ طفل صعد إلى هناك ؟ لابد وأن يكون في ذات اليوم الذي كان فيه الرنج لايزال على هيئة كريمة فوق الخشبات حين كان محسن يشتغل في السقف ... لم يكن له أطفال حينها ولازال , ثمّ أن محسن كان يشتغل على سقالة وليس على سلّم , هل رفع محسن طفل الجيران حتى السقف ؟ ... ثمّ .. وهنا المسألة : هل الأصابع الخمس ذكورية أم أنثوية , إستهوته المفارقة على الصبغة في السقف وفكّر حقا في المجيئ بسلّم مزدوج ..شعر بهطول حنان غزير من أصابعها هناك , كانت بقابق الحنان تطن فوق سطح بلوري عند قلبه , حدّق في ذاكرته بحدّة .. هل هو من لمس السقف في ذلك الحين؟ .. ولّد متواليات من الصور لكفيه ولأصابعه ملطخة بالرنج , كل الصور كانت صافية لارنج في أصابعه , لايمنى ولايسرى , ولا أصبع واحدة في هذه أو تلك .
الأصيل يحمل إلى الحجرة لقطات من السماء .. سحابة تلج في سحابة , ونجم يهيم عشقا في الهلال لايبارحه لكنه لايتمكن من تجاوز ذات المسافة بينهما , وماء يترجرج فوق عينيه كحصوة جاليللو التي سقطت إلى الأعلى وسط فريق الكرادلة .. السقف وسيط بينه وبين الأرض والسماء , السقف ناقل فنان للأرض وللسماء .
على يمينه جهاز التلفون المحمول , الرنة تشير إلى رسالة ... يتناول التليفون , يفتح الرابط ويقرأ : الرئيس السابق صالح متحالفا مع الحوثي على وشك الهجوم على عدن , وعلى ذات الرابط يقرأ رسالة أخرى : الرئيس هادي يستقبل قبائل شبوة الذين يتعهدون له بالدفاع عن عدن , لازالت إيقونة الرسائل تومض .. هناك أخرى , فتح وقرأ : منذ البارحة أنتظرك , هل لأني أضعني بين يديك تسترخصني ؟ هل لابد أن أكون غالية عليك لأستثمر في شقائك ؟ .. في رسالة طازجة يقرأ : كم كنت رائعا , إني أحبك . كانت الأخيرة غير مذيلة بإسم ...ترنّ أيقونة الرسائل أخرى فيقرأ : " عاجل : قوات صالح مدعومة بميليشيا الحوثيين تستولي على حوطة لحج في طريقها إلى عدن " ... وفي رسالة تالية ترّن الآن قالت له : أنت تعرفني .. أراهنك
يتناول قلما وورقة ويكتب : كانت يدها كنعيم الوردة , ووجهها كأبيض الكاذي وصدرها كهندول الأم , وشفتاها كفلقة الجنة , وحديثها كشيطان يتهوفن , وعيناها كهديل حمام .. وحبات العنب المتسلسلة فوق عمودها الفقري تقبض على خمر يتعتق في كل لمسة ستأتي هنا .
في الصباح منذ التاسعة كان الاحتفال باليوم العالمي للمرأة وكن حشداً من العيون تنبلجن من الحنوطات الزرقاء التي تتهذب عند رموشهن , لاحظ عينين بين العيون تهدل كالحمام , سمعها تحمحم في دمه المضخوخ .
منتصف الليل بين الأربعاء 25 والخميس 26 من مارس 2015م ......في هذه الأثناء كانت الطائرة تمرّ قريبة , ليست كعادتها تلك فوق قريته من صنعاء في طريقها إلى القاهرة , ربّما كارثة عمّا قليل .. صوت الطائرة يستمر دون انقطاع وكأنه بمجموعة من الطائرات تمر قريبة وليست واحدة ..
كانت الأصابع الخمس هناك في السقف .. وفي السماء أزيز الطائرات
في الصباح كان يصحو ولازالت عيناه مفتوحتين , فتح جهازه الخلوي ووجد ضالته , كان قد حفظ رقم تليفونها وبدأ سيقرأ : إني ..... في هذه الاثناء استرعى إنتباهه الخبر العاجل الملاصق لرسالتها : الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود يعلن بدء عملية عاصفة الحزم فوق مطارات ومواقع الحوثيين العسكرية باليمن ..
عاد وأكمل قراءة الرسالة : " لقد تركت بي أثرا لاينمحي ,
إني أحبك .. وسأحبك رغم كل ا لظروف
حتى لو انفصل الوطن مرة أخرى إلى شطرين سأظل أحبك
أنت شطري الذي لاينفصل ... أنت دمي ... أنت نبضي الذي دونه أموت
بدأ سيكتب : لقد تركت بي أثرا لن ينمحي , لم يسمع صوت الطائرة ولم يسمع الانفجار ولم يسمع بكاءهم فوق صدره ..
ولم يكن ليتمكن من الاقرار بوجوده ضمن الجنازات هذه التي يعرضها تليفزيون البي بي سي في العاشرة مساءا .. كان قد سبق كل الاشياء ومات تحت القصف
الخارطة تدور في رأسه بكل مااتفق من الاشياء والازمنة والامكنة , هناك وضوح في مكان ما عابر .. وذكريات كخرير البحر ...
يصرخ طفلٌ في بيت الجيران فيقضُّ مضجع العالم لتذهب عيناه إلى مكان قريب إلى المكان الما .. كل الأمكنة ما في السقف الكوني , تنشرخ الذاكرة , وتتشظي الحيوات بكائناتها وطبيعتها وتبقى الميتافيزيقا كمحور ارتكاز .
للمرة الأولى يلحظ خمس أصابع في السقف , لن يكون غيره المرنِّج تركها حينئذٍ , يعلم ولاشك برهافة المرنّج وبالذات المرنج محسن , ولازال يتذكر تأكيد محسن الدائم في كل مرة من اشتغاله على الرنج في حجرته بأنه سيتركها علامة فارقة على تفرده وفنِّيَّته لكل من يتشرف بالدخول إليها من الناس ..
ليس الأمر هنا فحسب إنما كيف كل الزمن منذ عشرين عاماً لم يلحظ الأصابع الخمس هذه على السقف وأنَّ أحدا قط لم يقل - من كل الذين ارتادوا حجرته - بها .
أصابع من هذه الخمس ؟ , شعر بأنه بحاجة إلى سلّم مزدوج على هيئة مثلث ضلعه الثالث خط من ذات بلاط الحجرة , تذكر مثلث أفلاطون ذا الرؤوس على ذروات الجبال , ليس بالضرورة أن تكون رؤوس الجبال على مسارات مستقيمة إلى بعضها , لنتمثّل رؤوساً ليس إلا في أي مكان في أي زمان على أيٍّ من المسافات لنرسم مثلث أفلاطون .
أصابع طفل تلك هي , هم الاطفال من يفعلون مالا يفكرون به .. أيّ طفل صعد إلى هناك ؟ لابد وأن يكون في ذات اليوم الذي كان فيه الرنج لايزال على هيئة كريمة فوق الخشبات حين كان محسن يشتغل في السقف ... لم يكن له أطفال حينها ولازال , ثمّ أن محسن كان يشتغل على سقالة وليس على سلّم , هل رفع محسن طفل الجيران حتى السقف ؟ ... ثمّ .. وهنا المسألة : هل الأصابع الخمس ذكورية أم أنثوية , إستهوته المفارقة على الصبغة في السقف وفكّر حقا في المجيئ بسلّم مزدوج ..شعر بهطول حنان غزير من أصابعها هناك , كانت بقابق الحنان تطن فوق سطح بلوري عند قلبه , حدّق في ذاكرته بحدّة .. هل هو من لمس السقف في ذلك الحين؟ .. ولّد متواليات من الصور لكفيه ولأصابعه ملطخة بالرنج , كل الصور كانت صافية لارنج في أصابعه , لايمنى ولايسرى , ولا أصبع واحدة في هذه أو تلك .
الأصيل يحمل إلى الحجرة لقطات من السماء .. سحابة تلج في سحابة , ونجم يهيم عشقا في الهلال لايبارحه لكنه لايتمكن من تجاوز ذات المسافة بينهما , وماء يترجرج فوق عينيه كحصوة جاليللو التي سقطت إلى الأعلى وسط فريق الكرادلة .. السقف وسيط بينه وبين الأرض والسماء , السقف ناقل فنان للأرض وللسماء .
على يمينه جهاز التلفون المحمول , الرنة تشير إلى رسالة ... يتناول التليفون , يفتح الرابط ويقرأ : الرئيس السابق صالح متحالفا مع الحوثي على وشك الهجوم على عدن , وعلى ذات الرابط يقرأ رسالة أخرى : الرئيس هادي يستقبل قبائل شبوة الذين يتعهدون له بالدفاع عن عدن , لازالت إيقونة الرسائل تومض .. هناك أخرى , فتح وقرأ : منذ البارحة أنتظرك , هل لأني أضعني بين يديك تسترخصني ؟ هل لابد أن أكون غالية عليك لأستثمر في شقائك ؟ .. في رسالة طازجة يقرأ : كم كنت رائعا , إني أحبك . كانت الأخيرة غير مذيلة بإسم ...ترنّ أيقونة الرسائل أخرى فيقرأ : " عاجل : قوات صالح مدعومة بميليشيا الحوثيين تستولي على حوطة لحج في طريقها إلى عدن " ... وفي رسالة تالية ترّن الآن قالت له : أنت تعرفني .. أراهنك
يتناول قلما وورقة ويكتب : كانت يدها كنعيم الوردة , ووجهها كأبيض الكاذي وصدرها كهندول الأم , وشفتاها كفلقة الجنة , وحديثها كشيطان يتهوفن , وعيناها كهديل حمام .. وحبات العنب المتسلسلة فوق عمودها الفقري تقبض على خمر يتعتق في كل لمسة ستأتي هنا .
في الصباح منذ التاسعة كان الاحتفال باليوم العالمي للمرأة وكن حشداً من العيون تنبلجن من الحنوطات الزرقاء التي تتهذب عند رموشهن , لاحظ عينين بين العيون تهدل كالحمام , سمعها تحمحم في دمه المضخوخ .
منتصف الليل بين الأربعاء 25 والخميس 26 من مارس 2015م ......في هذه الأثناء كانت الطائرة تمرّ قريبة , ليست كعادتها تلك فوق قريته من صنعاء في طريقها إلى القاهرة , ربّما كارثة عمّا قليل .. صوت الطائرة يستمر دون انقطاع وكأنه بمجموعة من الطائرات تمر قريبة وليست واحدة ..
كانت الأصابع الخمس هناك في السقف .. وفي السماء أزيز الطائرات
في الصباح كان يصحو ولازالت عيناه مفتوحتين , فتح جهازه الخلوي ووجد ضالته , كان قد حفظ رقم تليفونها وبدأ سيقرأ : إني ..... في هذه الاثناء استرعى إنتباهه الخبر العاجل الملاصق لرسالتها : الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود يعلن بدء عملية عاصفة الحزم فوق مطارات ومواقع الحوثيين العسكرية باليمن ..
عاد وأكمل قراءة الرسالة : " لقد تركت بي أثرا لاينمحي ,
إني أحبك .. وسأحبك رغم كل ا لظروف
حتى لو انفصل الوطن مرة أخرى إلى شطرين سأظل أحبك
أنت شطري الذي لاينفصل ... أنت دمي ... أنت نبضي الذي دونه أموت
بدأ سيكتب : لقد تركت بي أثرا لن ينمحي , لم يسمع صوت الطائرة ولم يسمع الانفجار ولم يسمع بكاءهم فوق صدره ..
ولم يكن ليتمكن من الاقرار بوجوده ضمن الجنازات هذه التي يعرضها تليفزيون البي بي سي في العاشرة مساءا .. كان قد سبق كل الاشياء ومات تحت القصف
تعليق