( رقصة لمائة ألف مُحنَط )
متى تولد الشمس تـنجلي ظلمات النفس وتعتري الأظهر العارية قشعريرة الإيمان ، فينبلج النور فوق الرؤوس وتتقد الحناجر بتلاوات الخشوع ..
الأرض لا تصرف أحذية الهائمين .. الأرض يغشاها خدر الهُيام واصطفاف الذاهلين .. الأرض آنية تسبح فيها الصلوات ..
استواء كاد أن يبلغ الكمال لولا فراغ صغير ، أدهش احتفاؤهم بمولد شمس جديدة .. ولولا ثبات مقدس لزاغت الأبصار .. غياب متكرر كدَر صفو المشهد .. شاق حضوره ، كنبتة عشب ولدت خطأً بالصحراء ..
صغره لن يعفيه من تحمل مسئولياته .. يعلم إنها مُسلمات لا تقبل الجدل ..
أتى لابساً وجهه ولم يكتف فقرر ألا يقف بموضعه واشتد تمرده فاستدار واستقبل الشمس لحظة الاشراق دون تلاوة ..
انتبه وليه للأمر ، فاهتز طرفه وتحركت مقلتيه وكأنما تبعث إليه برسالة رجاء بأن يلزم موضعه ..
واصل هال : لا أحد منكم يصنع ملامحي ، لن يدون اسمي في دفاتركم الشريفة ، فأظافري ليست لامعة وعيناي لا تضيئان ولست على قدر طهركم .. لن أكتب بعد اليوم حواديت الصغار ؛ فلم أكن لأركض في الشوارع نصف عمري لأكتفي بأن أَمثُل عند قدميه ..
- صه وابق فمك مقفلاً كرفاقك ، فلولاه لأكلتنا السباع .. أحسستك جيداً منذ وجودك وكم أخفيت خوفي من اختلافك .. فلم تكن يا صغير أبداً بالإبن البار ، فلم تمتط ظهري ككل الصغار ولم تتلو معي يومًا طقوس مملكتنا لتباركك الشمس لحظة الاشراق ..
كن كما قدر لك ولا تكفر .. انظر .. اننا نأكل .. نتناسل .. نتحرك كيفما نشاء .. ننعم بالايمان الكامل ..
عد والبس وجهك العاجي قبل أن ينتبهوا اليك ، فغداً يومك الحافل .. غداً عامك العشرون .. ستدخل حديقة القصر وتشرب من موضع قدميه ..
يسكن برهه ويعاود بصوت حان خضبته جهشات البكاء : وسترااااااااااااااه ..
نعم ستراه وستكون من خاصته .. لن تتفحم جثتك عند موتك ..
يرفع ما علق بخديه من عبرات متألمة .. يفتح جفنيه الملتزجتين وهناً وحنواً وقد بلغ به التأثُر مداه :
صرة ذهب أحمر هي عمري بكل ما فيه .. هي أنا وأنت وهذي الأرض التي نعتليها ، دفعتها لكبار سدنته لتقع عيناه عليك ؛ فيصطفيك ..
هيا يا بني اعط ظهرك للشمس واتلو معنا آيات التبرك .. قدم نفسك للشمس كرجل .. ردد :
- وداعاً مملكة العاج .. غداً سأكمل العشرين .. سيصبح رأسي رأس رجل .. جسدي مفعم بالإيمان .. أدور في مداري محباً طائعاً .. أدنو من قدم مولاي ؛ لأرتشف النور و و و
- لمَ لا تردد ما اقول ؟ أتل هال قبل أن ينتبهوا إليك .. ستتفحم جثتك عند موتك لا محالة ..
أدرك الأب أن لا فائدة .. وأن نهاية محتومة باتت بمقرُبة منه ؛ فأعلن مسرعا أن هال أصابته لعنة فأصبح عاص ، ثم تبرأ منه علناً ..
استدار هال الى الجمع المتصلب في العبادة :
- كنت الأكثر خجلاً للشمس .. ومازالت أغتسل من الحوض الشريف .. ولم أرفع رأسي يوماً لتعلو أعناقكم .. وسأظل أدافع عن مملكتي كأي جند مخلص .. لكن رأسي مل وجهاً عاجياً وأبت جوارحي أن تتجمد لأكثر .. والآن أحتضن الشمس أمامكم بلا أقنعة ..
يحتاج الصغار لأكثر من حواديت الأسلاف .. دعوهم يخترعون أصواتهم بعيداً عن تلاواتكم .. دعوهم يضعون خطاهم حيث تأمرهم أحلامهم .. فالطرق ملت دق الأقدام وكلها لا تؤدي إلا لمعبد صاحب الحوض ..
لطالما نازعتني نفسي إلى إشراقة حرة بلا طقوس .. أمتصها بحفاوة طفل تاقت نفسه لأول قطعة سكاكر ..
قبل أن ينته كان قد انتهى أمره إلى صاحب الحوض الشريف ، فكان احتجازه ..
تتهادى أغطية الليل لتعلو النهار المنهك ؛ فتسكن إرتعادته ..
ينزوي بأحد أركان الظلام ؛ فماذا يضير إفاقة نهمة تنتظر بعثتها ، من إغمائة عابرة تتلاشى ببزوغ الفجر ..
سويعات هي ما تفصله عن بداية البداية ..
الروح قطعة من نور لم تستجب لوشاية الظلام .. فأنى لأعين تنتظر الصباح أن تنام ؟
أي قبو لعين ذلك الذي انغمستم فيه .. لابد وأن يكون هنالك شيء ما حقيقي في هذا اليوم ..
وقف مغمضاً وكأنه يحمل أثقال الدنيا فوق جفنيه ..
في حضرة الشمس وكل المتصلبين في العبادة وفي لحظة تماوتت فيها الحياة ، أشار ذو الوشاح إليه ليثبت حضوره قبل أن يلقي عليه استفهامات ما قبل المعصية ..
- استفهام أول :
كيف تجترأ على الشمس وهي أم الوجود ؟
- الشمس تنام ككل الأشياء .. الشمس لا تعي ما نقول .
- استفهام ثان : عيبت خطانا وسخرت من طرقاتنا !!
- الاتجاه الواحد تماماً مثل الموت .
- استفهام ثالث :
نزعت غطاءك العاجي وما كان ينبغي أن تفعل ، فلم تبلغ بعد العشرين ولم يباركك صاحب الحوض الشريف !!
- نزعته قبل أن يبدد يقظتي .. ما من ملائكة تسكن الأرض .
- استفهام أخير :
لم توقفت عن عملك المقدس المكلف به ؟
- أي شرف ينتظر كاتبًا يُدون حواديت هي أقرب للأساطير ، ثم يملأ بها عقول الصغار .. إنهم يكبرون في زيف .. لست بحاجة إلى حياة تقتل حقيقتها .. وأي غد تخشونه وأنتم موتى !!
كلمات غريبة زاحمت انتباهات الآذان .. أعين ذاهلة توزعت لأول مرة باتجاهين .. حواس كأنما دبت فيها الحياة لأول وهلة .. مائة الف إفاقة متطلعة لحديث الشمس دون رهبة ..
تقدم إلى حيث توقع ، فمن يبصر فردوسه ولا ينفض عن كاهله كل سنينه المتعبة ..
كل شيء كان يبدو مُعداً وما هذه المساءلة إلا كزهر اصطناعي يزين غرفاً مظلمة ..
تقدم نحو المقصلة التي بدت وكأنما تغازله من بعيد .. أعاد ترتيب ذاكرته فعاد لأول لحظة سعادة مرت به ، حينما اهتزت أوصاله لأول قطعة سكاكر اقتنصتها يداه ..
أخذ يرنو بكلمات لا تقل حداثة وغرابة على مسامع الجمع المتصلب ..
ارتفعت يده اليمنى لأعلى ، تبعتها اليد اليسرى حتى اصبحتا على مسافة واحدة من الارتفاع وأخذت إحداهما تضرب الأخرى ثم بدأ جسده بالتمايل ميمنة وميسرة مع إتجاه كفيه المطبقين وظل يتراقص ويتراقص وهو يشدو :
تستقبل أنفاسي الشمس *** يلتقيـــــان بلغــة الهمـــس
ينبعث النور بانحـــــائي *** تسقط كل ظنـــــون الأمس
تتبــــدد غيمـــات الروح *** تتجلى أنـــــــوار النفـــــس
رقصته محفل خاص طاب لأجسادهم المكومة .. أنشودته متن تعويذة أبطلت سحر الأرواح ..
شهقتان أخيرتان أزعجتا صاحب الحوض وذا الوشاح وآخرين ..
تزداد اهتزازات الاجساد مع كل أمر ملكي صارخ بالثبات .. مائة ألف انسيابة قهرت صمت التوابيت الموقوتة ..
المقصلة تقطر شهداً .. بدا راقصاً في دمائه .. دماؤه تأشيرة سير تجاوبتها أسراب الموتى ؛ فهجرت مخدعها ..
رويداً تتحرك أجسادهم المتجمدة .. ترتفع أيديهم لأعلى وتضرب بعضها بعضاً ، فيتماوجون ميمنة وميسرة باتجاه الأيادي المتلاطمة .. بينما كانت أبصارهم ترنو نحو الشمس لأول مرة ...
ربما باتت هذه الأحرف التي مزقتها حركة المقصلة السريعة والحادة ، والتي هوت على رأسه في آخر ليلة من ديسمبر ، هي إعلان رسمي لآخر ليلة له في الكوكب الأرضي ..
وربما عندما يستيقظون سيكتشفون أنها الليلة الوحيدة التي أعلنت انتهاءَ عهد ٍ من الثبات ...
ربما ............. وربما لا .
عزت فوزي الحجار
تعليق