من سلسلة سِفْرٌ وَ أَسْفارٌ: الحمار و اللا شيء
حكى لي بعض الأصحاب ممن ﻻ شك في صدقه و ﻻ ريب في نبله أنه كان ذات يوم جالسا إلى أحد كبار العلماء بالهند فسمعه يروي قصة كان الشيخ نفسه أحد أبطالها. قال لي صاحبي في ما رواه عن الشيخ: حدثنا الشيخ قائلا: "خرجت أنا و ثلة من العلماء و طلبة العلم في رحلة إلى بيت الله الحرام قصد الفريضة. وأثناء الرحلة، لزم جماعتنا رجل لم يكف عن مخاطبتنا قائلا عن نفسه: "انا ﻻ شيء، أنا دونكم، أنتم كل شيء، انا ﻻ شيء، ﻻ شيء". فأصابني نوع من الضجر لما رأيته من الرجل من إحراج كان و كنا في غنى عنه. فناديته على حين غرة: "تعال هنا يا حمار!" فما أن سمع صاحبنا ندائي، حتى غضب أشد الغضب، ووثب علي كوثبة الضرغام على الريم، وأردف قائلا : " كيف سولت لك نفسك إهانتي أمام الملأ فتحط من شأني كالحمار؟"، فأجبته : "يا أخي! هون عليك، لا تضجر و لا تصخب، إنما الحمار شيء و أنت تصف نفسك على أنك ﻻ شيء؛ أما الحمار فقد ورد ذكره في التنزيل: "و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة"، فهو ظهر لنا نركبه و زينة لنا نبرز به. فأنا عكس ما تصف به نفسك، رفعت من شأنك و جعلت منك شيئا.
فأنهى الشيخ حكايته، و أنهى صاحبي حديثه عن الشيخ، و أنهيت أنا ما حكاه لي صاحبي عن روايته عن الشيخ و قصته مع الحمار و اللا شيء.
م.ش. بلد القيقب
8 رجب 1436ه / تعديل: 28 شعبان 1436ه.
تعليق