الصديق إيهود ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسماء رمرام
    أديب وكاتب
    • 29-07-2008
    • 470

    الصديق إيهود ..

    الصديق إيهود


    كانت عائشة منهمكة في تحضير العشاء بينما كانت ابنتها رحمة تطالع في غرفتها كعادتها أيام العطل.وبينا هما كذلك،إذا بعماد يلج المطبخ واجما متلعثما في كلامه وهو يسأل عن وقت وضع العشاء.ولم تستغرب عائشة حال ولدها هذه المرة،فقد باتت متأكدة أن السبب في انقلاب حاله هو صديقه الجديد إيهود، فهو على حاله هذه منذ تعرّفه عليه.وقد جاء إيهود إلى قسنطينة مع عائلته سائحا منذ أسبوعين.وهو يحب قسنطينة لأن أجداده كانوا يقطنون بها قبل احتلال فلسطين.
    وقد توطدت أواصر صداقته بعماد بسرعة البرق.
    وما لبث أن أسرع عماد إلى غرفته مغلقا الباب وراءه بقوة ارتعدت لها فرائص رحمة،
    فطفقت مهرولة إلى والدتها مستفسرة عن سر غضب أخيها:
    -لقد قلت لك من قبل يا رحمة أنه على هذه الحال منذ تعرفه على إيهود
    -أنا أستغرب هذه الصداقة!
    -لا علينا،يجب أن نتعامل مع الناس مهما كانت دياناتهم أو جنسياتهم.
    -لا أقصد الدين يا أمي،ولكني أقصد الفكر الصهيوني المتطرّف اللاإنساني.لم لا نقنعه بترك هذا السائح وشأنه؟
    -وهل استطعت إقناعه؟اهتمي بمطالعتك وانسي الأمر.
    لكنّ رحمة لم تقتنع بما سمعته من أمها،فقررت محاورة أخيها علّه يعدل عن هذه الصحبة غير المضمونة عواقبها.
    * * *
    كان عماد جالسا القرفصاء على سريره،يفكر في الكلام الذي يردده إيهود ويلقيه على مسامعه في كل حين،من أنه قد دخل الإسلام يوم اصطحبه أشرف إلى مسجد فلسطين،بعد استماعه إلى خطبة الجمعة،وأنه لا يستطيع مواجهة أهله بالأمر ولذلك لن يغير اسمه بل سيبقيه على حاله حتى لا يصل الخبر إلى أسرته من الناس.
    وكان أكثر شيء يقلق عماد هو تصميم إيهود على ضرورة"الجهاد"،وأنه لم يعد راضيا عن المجازر التي تقترف في حق الفلسطينيين.فكانت كلمات إيهود ترن في أذني الولد فتذهله،وتصيّره إلى شارد أبكم لا يتكلم إلا وقت الحاجة،وإذا تكلم تلعثم،
    وتغيرت سحنته،وأطرق إطراق الوجل غير الواثق من نفسه.وإذا حدّثته أمه ردّ عليها بردود مقتضبة وجيزة،وأسرع إلى غرفته موصدا بابها وانعزل سارح الفكر مضطرب الرُوع حيرانا.
    * * *
    طرقت رحمة باب غرفة أخيها طرقا خفيفا،فقام عماد ماشيا في حذر وفتحه،فاستأذنته في الدخول فأذن لها،غير أنها ما كادت تذكر له اسم إيهود حتى ثارت ثائرته،وأخرجها شاكيا إلى أمه تدخلها في مالا يعنيها، فنظرت عائشة إلى ابنتها
    شزرا فإذا بها تسرع إلى غرفتها وتوصد الباب خلفها بقوة.
    أراد عماد الخروج إلى الشارع فمنعته والدته مهددة بقرب موعد وصول والده الذي لن يسمح له بالمكوث خارج البيت في هذا الوقت الذي جاوز صلاة العشاء بقليل.فرجع إلى سريره غضبان أسفا وواصل شروده في حَزَن.
    -رحمة..رحمة..
    -أنا نائمة يا أمي،أجّلي حديثنا إلى الصباح
    -أريدك الآن
    -حسنٌ
    ولجت عائشة غرفة ابنتها،وراحت تربِت على كتفها معتذرةعن تلك النظرة الشزراء التي صوبتها نحوها لتلزمها الصمت،مؤكدة لها أن سن المراهقة الذي يمر به عماد يحتم التعامل معه بهدوء و روية.فاستغربت البنت لأنها عندما كانت في الخامسة عشر كانت أرجح عقلا،وأملك لأعصابها،لا تثور ثائرتها لأتفه الأسباب كما هو لسان حال أخيها الصغير.ثم راحت الأم تسأل والبنت تجيب:
    -أو ليس أشرف صديقه المفضل؟
    -بلى
    -أو ليست أخته نوال صديقة من صديقاتك؟
    -بلى
    -اتصلي إذن بها واسأليها عن حال أخيها
    وماإن همت رحمة بالاتصال بصديقتها حتى سمعت صوت والدها الجهوري ينادي أن عليّ بالطعام فأسرعت لتحضّر طاولة العشاء.ونادى عمر ولده مخبرا إياه أن صديقه أشرف في الخارج ينتظره،وأمره بالعودة بعد دقائق.
    وما لبث أن خرج عماد وعلامات القلق بادية على صفحة وجهه الوسيم الأسمر،
    وكان الأكل قد جهز،فنادت عائشة زوجها من أجل العشاء.وما إن استقرّ الأب على كرسي خشبي إلى الطاولة حتى عاد ولده لاهثا ،فقعد سريعا وانقض على السمك يلتهمه بشره منقطع النظير.
    * * *
    انكشف حجاب الليل عن وجه السماء، وشعشعت الشمس. ففتحت رحمة نافذة غرفتها واستغرقت تطرب أذنيها بزقزقات العصافير،وهي تداعب شعرها الليلي، وتنظر إلى الحوانيت المتراصة وقد فتح الحاج محمد دكان المواد الغذائية، وجلس عيسىالخضار على كرسي خشبي أمام باب حانوته وقد أقبلت إليه امرأة تشتري مشيرة بأصبعها إلى صندوق الطماطم، ثم أقبل رجل ضخم الجثة عريض المنكبين يبتاع موزا، فاشتهت أكل الموز، وقررت أن يكون فاكهة الغداء لهذا اليوم، ثم تذكرت أنها إذ نامت بعد صلاة الفجر نسيت أن تقول أذكار الصباح، فراحت تقرأ آية الكرسي والمعوذتين وقل هو الله أحد، وهي ترتب غرفتها مستبشرة بيوم سعيد مشرق ربما تتحقق فيه بعض من آمالها وما هي بالكبيرة، فجزء من هذه الآمال أن يغادر "إيهود" قسنطينة إلى الأبد ليعود عماد إلى ابتسامته المشرقة، وجزء آخر هو أن تفي سندس صديقتها بوعدها وتحضر لها رواية"يوميات مدرسة حرة" كما وعدتها منذ مدة.
    ثم خرجت تروم أخاها ليبتاع الموز الذي اشتهت أكله، وتستأذن والدتها ليكون غداء الأسرة اليوم"شخشوخة".
    وقد وافقت عائشة،وطرقت باب غرفة ولدها لتحثه على الذهاب إلى جزار لشراء اللحم،ومن ثم إلى عيسى الخضار ليبتاع الموز.
    -عماد...عماد
    -تعلمين يا أمي أنه يعشق النوم
    -أنت أيضا كنت مثله،لم تتغيري إلا هذه السنة يا رحمة.
    -عماد
    -لا يجيب..طبعا..افتحي الباب إذن
    وما إن فتحت عائشة الباب حتى امتقع وجهها،واقشعر جلدها،وراحت إلى البلكون تتصفح وجوه المارة عل أحدهم يكون ولدها،وكذلك فعلت رحمة من نافذة غرفتها.
    وطفقتا من نافذة إلى نافذة تسألان الأطفال الذين يلعبون في الشارع،والذين كانت إجابتهم واحدة:"لم نره منذ أمس" ،فأسرعت البنت إلى هاتف المنزل تتصل بأبيها عمر في مكتبه،وهو مهندس معماري،وما إن أجابها بهذا الجواب حتى هدأ روعها وسكن هيجانها:"لقد خرج في الخامسة بعد أن طلب مني نقودا ليذهب مع أصدقائه إلى البحر".لكنها ما لبث أن عادت لاضطرابها بعد أن تذكرت إيهود،فأخبرت والدتها بما يدور في ذهنها فاضطرب فؤاد الأم هو الآخر.
    * * *
    مرت ساعات اليوم والأم وابنتها على حالهما من الاضطراب،وقد بدأ قلق الأب على ابنه حين جاوزت الساعة الحادية عشر ليلا،إذ لا يعقل أن يتأخر عماد إلى هذا الوقت دون أن يتصل ويطمئن أفئدتهم،ثم قام عمر ليغير هذا الجو الكئيب،فأشعل التلفزيون،واختار قناة الجزيرة ليشاهد الأخبار،فإذا بخبر عاجل:
    "انفجارمحكمة ببومرداس في الجزائر يخلف عشرين قتيلا وثمانية وسبعين جريحاً" فاهتزت الأسرة لهذا الخبر الموجع، لكنّ الصدمة كانت أكبر حين عُرِضت صورة الانتحاري الذي فجّر المحكمة، وهو مراهق لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره، وكان أشرف صديق عماد المفضل، والأخ الأصغر لنوال صديقة رحمة، فسكبت الأم وابنتها من مقلتيهما دموعاً حرّى، وراحتا تصرخان متسائلتين عن مصير عماد المجهول.
    ثم قام عمر من مكانه وضمّ ابنته إلى صدره، وقد أطلق زفيراً ينمّ عن قلق عظيم وخوف كبير، ثم عاد و قعد في مكانه، وغير الشاشة إلى القناة الجزائرية الأرضية، فإذا بصحفي يعلن عن خبر جديد عاجل، وإذا بعماد مكبّلاً بين أيدي الشرطة والصحافة توجه له أسئلة غريبة، وقد بدا شاحب الوجه متعباً، وكان يلهث. وما إن رأت عائشة ولدها على هذه الحال حتى أغمي عليها.
    * * *
    مكثت عائشة في المستشفى ثلاث ليلات لا تنبس ببنت شفة ولا تطرف عيناها، ولم تُفق حتى سمعت صوت ولدها يخترق أذنيها ويلامس قلبها فيشتعل حبه ويتوهج شوقه، ففتحت عينيها مستعبرة، وقد أشرق وجهها وعلته ابتسامة عريضة حين أخبرها الشرطي الذي كان يرافق عماد أن التحقيق في صالح ولدها وأن سراحه سيطلق هذه الليلة، وأنه سلّم نفسه بشجاعة منقطعة النظير فارّاً من أيدي السّفاحين الذين أجبروا صديقه على تنفيذ الانفجار...
    ثمّ ضمّت ولدها إلى صدرها ضمّا شديدًا، وأمسكت بيد رحمة التي كانت جالسة إلى جانبها على طرف السرير، والتي بقيت كذلك ثلاث ليلات لا يغمض لها جفن. أما عمر، فاختلى بالشرطي وراحا يتهامسان، ولم يقطع نجواهما إلا صوت عائشة وهي تصرخ في وجه ولدها معاتبةً إياه على انقياده إلى السفاح "إيهود"
    -"لقد جرّك إلى الهاوية، إذن ،قبل أن تنفذ العملية بنصف ساعة فرّ إلى فلسطين المحتلة مع عائلته الوقحة، وتظاهر بالإسلام بل تحوّل إلى داعية كبير في أيام معدودات...ألهذه الدرجة كنت غبياًّ يا ولد؟" وأتبعت رحمة كلمات والدتها بهذه العبارات رابتةً على كتف أخيها.
    -"كيف صدّقته في دعوته إلى "الجهاد"وأنت تعلم أن هذا ليس هو الجهاد، وأن الله قال في القرآن:"ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضِب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما" فردّ عماد:"لقد زرع شُبهات كثيرة في نفسي حتى نسيت كثيراً من آيات القرآن التي تحرّم قتل الناس".
    فتنهد الأب قائلا:"لاحول ولا قوة إلا بالله"
    ثم قبّلت الفتاة جبين أخيها و استأذنت أباها في الذهاب إلى نوال صديقتها، فأذِن لها.

    أسماء

  • د.مازن صافي
    أديب وكاتب
    • 09-12-2007
    • 4468

    #2
    الأخت الكريمة : أسماء

    يحق لنا أن نصفق لك طويلا على هذه القصة الناضجة والتي لفت نظري فيها الكثير من النقاط والمنعطفات والتحليلات والتلميحات الواضحة ومزج القصة بأحداث تُغرق ساحات بلادنا بإسم الاسلام ..

    واشارتك الى أن الصهيوينة هي مصدر كل الشغب والفوضى والدمار في العالم إشارات موفقة كونها تفسر حقيقة بروتوكولات حكماء صهيون التي تقول أن جزء من آلية السيطرة على العالم هو اغراقه في الفوضى والدماء والحروب ..

    وجميل أن اشرت الى فلسطين بالارض المحتلى بعد أن ساد المصطلح " اسرائيل " ..

    ورائع أنك وظفت النص نحو النصيحة لجيل الشباب وخاصة المراهق بأن أدعياء التدين أصبحوا جزءا من أعداء الأمة .


    شكرا لك ولي عودة نحو التحليل الأدبي للنص .

    دمت بألف خير وسلام ،،

    د. مازن أبويزن
    31-7-2008
    مجموعتي الادبية على الفيسبوك

    ( نسمات الحروف النثرية )

    http://www.facebook.com/home.php?sk=...98527#!/?sk=nf

    أتشرف بمشاركتكم وصداقتكم

    تعليق

    • أسماء رمرام
      أديب وكاتب
      • 29-07-2008
      • 470

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة د.مازن ابويزن مشاهدة المشاركة
      الأخت الكريمة : أسماء

      يحق لنا أن نصفق لك طويلا على هذه القصة الناضجة والتي لفت نظري فيها الكثير من النقاط والمنعطفات والتحليلات والتلميحات الواضحة ومزج القصة بأحداث تُغرق ساحات بلادنا بإسم الاسلام ..

      واشارتك الى أن الصهيوينة هي مصدر كل الشغب والفوضى والدمار في العالم إشارات موفقة كونها تفسر حقيقة بروتوكولات حكماء صهيون التي تقول أن جزء من آلية السيطرة على العالم هو اغراقه في الفوضى والدماء والحروب ..

      وجميل أن اشرت الى فلسطين بالارض المحتلى بعد أن ساد المصطلح " اسرائيل " ..

      ورائع أنك وظفت النص نحو النصيحة لجيل الشباب وخاصة المراهق بأن أدعياء التدين أصبحوا جزءا من أعداء الأمة .


      شكرا لك ولي عودة نحو التحليل الأدبي للنص .

      دمت بألف خير وسلام ،،

      د. مازن أبويزن
      31-7-2008
      دكتور مازن
      تشرفت كثيرا بردك
      وملاحظاتك
      هو واقع لايمكن أن أغفل عنه،وفكر أعوج،وفهم خاطئ للدين.
      في انتظار تقييمك الأدبي
      شكرا

      تعليق

      يعمل...
      X