حدق في الساعة، ببجاحه تخرج لسانها وتتحداه. دخل الشك إلى قلبه.. ميعاد الأتوبيس الذي سيقله إلى بلدته في الصعيد أوشك. الميعاد التالي بعد أربع وعشرين ساعة. نظر إلى رفيقته الصغيرة، الواقفة جواره بضيق شديد، غمغم:
- لا يمكن المكوث في القاهرة ساعة واحدة بعد الآن!
حدث نفسه بعد ذلك قائلا:
- لابد أن شيئا حدث هناك.. التفت يمنة ويسرة، ثم سأل أحد المارة:
- هل سمعت بحدوث شيء عند أحمد حلمي؟
لوح الرجل بيديه، وأجابه وهو يمضي في طريقه دون أن ينظر إليه:
- لا.
- إذن ما الذي جرى؟! ربما تكون الحكومة أصدرت قرارا بمنعهم من الذهاب إلى هناك. ربما أصبح السائقون أثرياء.
هكذا تواردت الهواجس في رأسه دون إجابة شافية.. والساعة لا زالت تتحداه وتتحداه.أحدّ بصره تجاه محطة المترو البعيدة، وأمسك ذراع صغيرته، همس إليها:
- ليس لنا سواها.
سار تجاهها متحديا الزحام وسائقي التاكسي، وعقارب الساعة. فور وصوله بعد تعب، نزل السلالم مسرعا، توجه ناحية شباك التذاكر، وقطع له تذكرة. جال ببصره بحثا عن الاتجاه المناسب. قرأ اللافتة. تتبع الإشارات، من نفق إلى نفق، سلالم متحركة وأخرى ثابتة، وعقارب الساعة مازالت تفرض عليه قوتها مع كل ثانية تمر. أخيرا وجد الرصيف (اتجاه المرج)، فأطمأن قلبه قليلا.وقف على الرصيف منتظرا. طال الوقت، ولم يظهر القطار من النفق المظلم. كتم غضبه، وراح ينظر إلى ساعة المحطة، ممنيا نفسه أن تكون أكثر رحمة من ساعته، أبت إلا أن تخرج لسانها أيضا.تململ في وقفته. نظر إلى صغيرته بحيرة وخوف، خرج صوته مبحوحا:
- حتى القطار يتحداني!
أوشك أن يبكي.بجواره وقف خمسة شباب، يضحكون، يحدقون فيه، ثم تتعالى ضحكاتهم. همس لنفسه بألم:
- يبدو أنهم يسخرون مني.
اشتد ّالزحام على الرصيف مع كل دقيقة تمضي، والقطار كأنه أصبح في عداد الأموات. تيقن من وجود مؤامرة تحاك ضده في الخفاء.بعد فترة، أضاءت اللمبة الحمراء وسط ظلام النفق، فسحب شهقة عميقة من أنفاسه أخرج بها لهيب الانتظار. اندفعت الحشود الواقفة نحو الباب كقذائف فور وقوف القطار، وكقطعة خشب يجرفها شلال هادر وجد نفسه يندفع أمامهم.. بالكاد تشبث بذراع صغيرته. فجأة سكنت الحركة، ليجد نفسه في منتصف العربة الخلفي، مواجها الباب، يقف بصعوبة، مائلا، محشورا بين كتل اللحم التي تضغط عليه من كل ناحية، تعجزه عن الحركة. انخلع الجاكت وسقط من على كتفه. لكنه لم يهتم أو بالأدق عجز عن تحريك يده ليتمكن منه.بدت له العربة الكبيرة صغيرة جدا حد أن تضاءل فيها الهواء رويدا رويدا حتى كاد أن يختنق.. وكان البرد قبل نزوله إلى المحطة يوشك أن تتجمد له أطرافه، لكنه الآن يتصبب عرقا كأنه ماء منهمر، وهو عاجز تماما. أحس بيد تلامس بنطاله، وتحتك بالجيب الخلفي، فقال في نفسه ساخرا:
- فليسرق اللص ما يشاء!
في محاولة أخيرة، هم ّبتحريك جسده، لينهره صوت لا يدري من أين جاء:
- حاسب.. قدمي.
تمتم معتذرا:
- آسف!
تحرك القطار، وأخذ يأكل القضبان بعجلاته، وإحساس داخله يؤكد له أنه لا يتحرك. كان يعرف منذ ركوبه أنه لا يفصله عن محطة نزوله سوى محطة واحدة.. لذا رغم الزحام والمعاناة التي هو فيها داهمته الأفكار المخيفة كأشباح مرعبة في ليلة حالكة: أنه أبدا لن يصل،وإن وصل ستضيع صغيرته وسط الزحام، سيسقط هو تحت الأرجل وتدوسه الأقدام، سيقع على القضبان، ويمزقه القطار قطعا.زاد من معاناته واشتداد آلامه أولئك الشباب الذين أحاطوا به منذ أول لحظة لركوبه بتعليقاتهم المتحفزة والمتوعدة للجميع عند النزول. حدق في صغيرته مذعورا. تيقن بأنهما سقطا في المصيدة كفأرين. في غمرة تفكيره ويأسه، لم يعد يهتم بساعته، ونسي موعد الأتوبيس تماما.. فقط توقف عقله في النجاة بنفسه وبصغيرته.وقف القطار في المحطة. لم ينزل أحد، ولم يستطع أحد الصعود. تحرك القطار مرة أخرى، وواصل سيره بسرعته الجنونية. لم يبق إلا بضعة دقائق على محطة وصوله، فتجسم الخوف أمام عينيه وحشا مفترسا جائعا ينفرد به في قفص. ترهل جسده تماما، وأحس أنه سيغمى عليه، لكنه قاوم بصعوبة خشية السقوط والضياع. تشبث أكثر قوة بذراع صغيرته، وهو يحاول أن يهدئ من فورة الشباب. ضاع صوته ولم يستمعوا إليه. تحركوا ككتلة واحدة بعد أن أمسك كل منهم بيد الآخر فور وقوف القطار. فتح الباب، فتدافعت الحشود، وأخذته كصعوده أمامها في نزوله، وهو لا يملك من نفسه شيئا. شعر بأنه سقط وانتهى كل شيء، لكنه بغتة وجد نفسه مرميا على الرصيف يلتقط أنفاسه بصعوبة كغريق. تأكد أنه نجا؛ فرقص قلبه من الفرحة. ولما بدأت الحياة تعود إلى رأسه، تذكر صغيرته، لم يجدها بجواره. انفجر قلبه رعبا. لملم بقايا جسده المتهالك، ووقف بصعوبة يبحث عنها. زرع عينيه في كل مكان، حدق بين أمواج البشر الصاعدة والهابطة ولا أثر لها، نظر إلى الأسفل، فحجبت عشرات السيقان عنه الرؤية. صرخ بأعلى صوته:
- حقيبتي!
لكن صرخاته ضاعت وسط الزحام، والقطار الذي تحرك.
القاهرة 12/12/2013
تعليق