محطة مترو

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حارس الصغير
    أديب وكاتب
    • 13-01-2013
    • 681

    محطة مترو


    وقف على جانب الشارع كالشحاذ، يستجدي سائقي التاكسي. أشار إلى واحدة، اثنتين، ستة.. في كل مرة تقف السيارة أمامه، يطلب من سائقها أن يوصله إلى محطة أحمد حلمي. يسمعها السائق، ينظر إليه بتأفف شديد، يتركه واقفا، وينطلق بسيارته مسرعا دون أن يعيره اهتماما.
    حدق في الساعة، ببجاحه تخرج لسانها وتتحداه. دخل الشك إلى قلبه.. ميعاد الأتوبيس الذي سيقله إلى بلدته في الصعيد أوشك. الميعاد التالي بعد أربع وعشرين ساعة. نظر إلى رفيقته الصغيرة، الواقفة جواره بضيق شديد، غمغم:
    • لا يمكن المكوث في القاهرة ساعة واحدة بعد الآن!

    حدث نفسه بعد ذلك قائلا:
    • لابد أن شيئا حدث هناك.. التفت يمنة ويسرة، ثم سأل أحد المارة:
    • هل سمعت بحدوث شيء عند أحمد حلمي؟

    لوح الرجل بيديه، وأجابه وهو يمضي في طريقه دون أن ينظر إليه:
    • لا.
    • إذن ما الذي جرى؟! ربما تكون الحكومة أصدرت قرارا بمنعهم من الذهاب إلى هناك. ربما أصبح السائقون أثرياء.

    هكذا تواردت الهواجس في رأسه دون إجابة شافية.. والساعة لا زالت تتحداه وتتحداه.أحدّ بصره تجاه محطة المترو البعيدة، وأمسك ذراع صغيرته، همس إليها:
    • ليس لنا سواها.

    سار تجاهها متحديا الزحام وسائقي التاكسي، وعقارب الساعة. فور وصوله بعد تعب، نزل السلالم مسرعا، توجه ناحية شباك التذاكر، وقطع له تذكرة. جال ببصره بحثا عن الاتجاه المناسب. قرأ اللافتة. تتبع الإشارات، من نفق إلى نفق، سلالم متحركة وأخرى ثابتة، وعقارب الساعة مازالت تفرض عليه قوتها مع كل ثانية تمر. أخيرا وجد الرصيف (اتجاه المرج)، فأطمأن قلبه قليلا.وقف على الرصيف منتظرا. طال الوقت، ولم يظهر القطار من النفق المظلم. كتم غضبه، وراح ينظر إلى ساعة المحطة، ممنيا نفسه أن تكون أكثر رحمة من ساعته، أبت إلا أن تخرج لسانها أيضا.تململ في وقفته. نظر إلى صغيرته بحيرة وخوف، خرج صوته مبحوحا:
    • حتى القطار يتحداني!

    أوشك أن يبكي.بجواره وقف خمسة شباب، يضحكون، يحدقون فيه، ثم تتعالى ضحكاتهم. همس لنفسه بألم:
    • يبدو أنهم يسخرون مني.

    اشتد ّالزحام على الرصيف مع كل دقيقة تمضي، والقطار كأنه أصبح في عداد الأموات. تيقن من وجود مؤامرة تحاك ضده في الخفاء.بعد فترة، أضاءت اللمبة الحمراء وسط ظلام النفق، فسحب شهقة عميقة من أنفاسه أخرج بها لهيب الانتظار. اندفعت الحشود الواقفة نحو الباب كقذائف فور وقوف القطار، وكقطعة خشب يجرفها شلال هادر وجد نفسه يندفع أمامهم.. بالكاد تشبث بذراع صغيرته. فجأة سكنت الحركة، ليجد نفسه في منتصف العربة الخلفي، مواجها الباب، يقف بصعوبة، مائلا، محشورا بين كتل اللحم التي تضغط عليه من كل ناحية، تعجزه عن الحركة. انخلع الجاكت وسقط من على كتفه. لكنه لم يهتم أو بالأدق عجز عن تحريك يده ليتمكن منه.بدت له العربة الكبيرة صغيرة جدا حد أن تضاءل فيها الهواء رويدا رويدا حتى كاد أن يختنق.. وكان البرد قبل نزوله إلى المحطة يوشك أن تتجمد له أطرافه، لكنه الآن يتصبب عرقا كأنه ماء منهمر، وهو عاجز تماما. أحس بيد تلامس بنطاله، وتحتك بالجيب الخلفي، فقال في نفسه ساخرا:
    • فليسرق اللص ما يشاء!

    في محاولة أخيرة، هم ّبتحريك جسده، لينهره صوت لا يدري من أين جاء:
    • حاسب.. قدمي.

    تمتم معتذرا:
    • آسف!

    تحرك القطار، وأخذ يأكل القضبان بعجلاته، وإحساس داخله يؤكد له أنه لا يتحرك. كان يعرف منذ ركوبه أنه لا يفصله عن محطة نزوله سوى محطة واحدة.. لذا رغم الزحام والمعاناة التي هو فيها داهمته الأفكار المخيفة كأشباح مرعبة في ليلة حالكة: أنه أبدا لن يصل،وإن وصل ستضيع صغيرته وسط الزحام، سيسقط هو تحت الأرجل وتدوسه الأقدام، سيقع على القضبان، ويمزقه القطار قطعا.زاد من معاناته واشتداد آلامه أولئك الشباب الذين أحاطوا به منذ أول لحظة لركوبه بتعليقاتهم المتحفزة والمتوعدة للجميع عند النزول. حدق في صغيرته مذعورا. تيقن بأنهما سقطا في المصيدة كفأرين. في غمرة تفكيره ويأسه، لم يعد يهتم بساعته، ونسي موعد الأتوبيس تماما.. فقط توقف عقله في النجاة بنفسه وبصغيرته.وقف القطار في المحطة. لم ينزل أحد، ولم يستطع أحد الصعود. تحرك القطار مرة أخرى، وواصل سيره بسرعته الجنونية. لم يبق إلا بضعة دقائق على محطة وصوله، فتجسم الخوف أمام عينيه وحشا مفترسا جائعا ينفرد به في قفص. ترهل جسده تماما، وأحس أنه سيغمى عليه، لكنه قاوم بصعوبة خشية السقوط والضياع. تشبث أكثر قوة بذراع صغيرته، وهو يحاول أن يهدئ من فورة الشباب. ضاع صوته ولم يستمعوا إليه. تحركوا ككتلة واحدة بعد أن أمسك كل منهم بيد الآخر فور وقوف القطار. فتح الباب، فتدافعت الحشود، وأخذته كصعوده أمامها في نزوله، وهو لا يملك من نفسه شيئا. شعر بأنه سقط وانتهى كل شيء، لكنه بغتة وجد نفسه مرميا على الرصيف يلتقط أنفاسه بصعوبة كغريق. تأكد أنه نجا؛ فرقص قلبه من الفرحة. ولما بدأت الحياة تعود إلى رأسه، تذكر صغيرته، لم يجدها بجواره. انفجر قلبه رعبا. لملم بقايا جسده المتهالك، ووقف بصعوبة يبحث عنها. زرع عينيه في كل مكان، حدق بين أمواج البشر الصاعدة والهابطة ولا أثر لها، نظر إلى الأسفل، فحجبت عشرات السيقان عنه الرؤية. صرخ بأعلى صوته:
    • حقيبتي!

    لكن صرخاته ضاعت وسط الزحام، والقطار الذي تحرك.
    القاهرة 12/12/2013
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    #2
    الله يسامحك أستاذ حارس

    و الحمد لله أنها حقيبة، كنت أحضر نفسي لضياع صغيرته
    فتاه رأسي بين الزحام و علق لساني بالسعاة و أنا أوعز له بأن تمسك بحبيبتك
    حتى ضاعت، و لكن المفاجئة كانت في ضياع الحقيبة

    النص ممتع و إبقاعه سريع و بين هذا و ذاك هناك قضية اجتماعية مهمة، تناولتها من خلال بث كل تلك الأحداث عن تعامل الناس و سائقي الأجرة و كثير من التزامات مؤسسات النقل اتجاه زبائنها و كأننا يا صديقي نعيش في زمن آخر،

    رائع صديقي حارس و كيف لك أن تخفي عنا هذا النص طول هذه المدة


    محبتي الكبيرة
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      كنت دقيقا بالوصف حتى خلت نفسي أنا هو بطل القصة
      الحقيقة لم أعر " صغيرتي " أي فضول لمعرفة كينونتها ، إن كانت طفلة
      أو شنطة لعلمي المسبق أن هناك مفاجئه ولن تؤثّر في جمالية السرد ولا
      في الفكرة التي بنيَت عليها القصة .
      استمتعت كثيرا في القراءة . شكرا لك أخي حارس
      فوزي بيترو

      تعليق

      • حارس الصغير
        أديب وكاتب
        • 13-01-2013
        • 681

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
        الله يسامحك أستاذ حارس

        و الحمد لله أنها حقيبة، كنت أحضر نفسي لضياع صغيرته
        فتاه رأسي بين الزحام و علق لساني بالسعاة و أنا أوعز له بأن تمسك بحبيبتك
        حتى ضاعت، و لكن المفاجئة كانت في ضياع الحقيبة

        النص ممتع و إبقاعه سريع و بين هذا و ذاك هناك قضية اجتماعية مهمة، تناولتها من خلال بث كل تلك الأحداث عن تعامل الناس و سائقي الأجرة و كثير من التزامات مؤسسات النقل اتجاه زبائنها و كأننا يا صديقي نعيش في زمن آخر،

        رائع صديقي حارس و كيف لك أن تخفي عنا هذا النص طول هذه المدة


        محبتي الكبيرة
        الحب دائما لك صديقي بسباس
        وسامحيني للتقصير الشديد معك
        دائما تثريني بقراءتك الواعية التي تبقي لي البقية الباقية أن أتشبث بالكتابة في وقت كثر فيه النقاد يعطونك كلمات كبيرة ورنانة لا تلبس معها إلا أن تعيد قراءة نصك أو ترميه حتى في أقرب سلة مهمات.. سامحهم الله!
        شككا في كل شيء.
        طلبت منك سابقا أن تبين لي عنوانك
        أنتظر صديقي ذلك
        وحتى ذلك الحين لك المحبة والود

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          الله ..الله
          براعة خلاقة ؛ و سوف تعطي الأجمل دائما

          قبلاتي
          sigpic

          تعليق

          • لمياء كمال
            أديب وكاتب
            • 26-10-2012
            • 270

            #6
            وسط الزحام, تضيع الحقائب ويضيع الطريق ويضيع الضمير
            ولا يجمعهم سوى القلم الخلاق والذي يحول الوقائع العادية البسيطة إلى حبكة قصصية مثيرة
            تغير المكان وتحبس الأنفاس
            وتخلق واقعا يرفع الأصابع مطالبا بالتغيير

            تقديري

            تعليق

            • حارس الصغير
              أديب وكاتب
              • 13-01-2013
              • 681

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
              كنت دقيقا بالوصف حتى خلت نفسي أنا هو بطل القصة
              الحقيقة لم أعر " صغيرتي " أي فضول لمعرفة كينونتها ، إن كانت طفلة
              أو شنطة لعلمي المسبق أن هناك مفاجئه ولن تؤثّر في جمالية السرد ولا
              في الفكرة التي بنيَت عليها القصة .
              استمتعت كثيرا في القراءة . شكرا لك أخي حارس
              فوزي بيترو
              كلمات بمثابة وسام على الصدر من مبدع قدير
              تحيتي

              تعليق

              • حارس الصغير
                أديب وكاتب
                • 13-01-2013
                • 681

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                الله ..الله
                براعة خلاقة ؛ و سوف تعطي الأجمل دائما

                قبلاتي
                بالتأكيد سيمنحني وقوفك بجواري الكثير
                وفي كل مرة لا أجد ما أعبر عنه امتنانا لك أستاذي
                تحيتي

                تعليق

                • محمد الحلو
                  محظور
                  • 26-06-2015
                  • 89

                  #9
                  قلم جميل ومتمكن جدا / تحيتي لك

                  تعليق

                  • محمد فطومي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 05-06-2010
                    • 2433

                    #10
                    تحيّة طيّبة لك صديقي حارس صغير.
                    نصّك هذا جيّد و رفيع المستوى من جلّ الجوانب و أنت مبدع أطمئنّ إلى القراءة له و أصيب متعة كبيرة في التّماهي مع أسلوبه المتقدّم.
                    مع ذلك أؤكّد على الفكرة التي ذهب إليها الد. بيترو و أعيد إحياءها لأنّها جوهريّة و "خطيرة" فهي و إن سيقت بعجالة تمثّل درسا في القصّة و ما ينبغي لها.
                    غيرة على النصّ أيضا و حبّا فيه أقول لك صراحة باعتبار أنّ القفلة هي البلاغ الذي يشتغل عليه الكاتب طيلة النصّ، لقد أنفقت نصّا رائعا في مفارقة لا تحمل انفعالا و لا مسألة تشغل القارىء تدبّرا و تصوّرا و أفقا. هي انفراجة إن صحّ التّعبير، مخاتلة للقارىء و كسر لتخمينه لا أكثر. فالذي حدث هو إيهام و كشف.
                    أمر ثان يصبّ في نفس السياق تقريبا/ القائم في الفعل ليس هو المتحدّث عليه أسأل من سمّى الحقيبة صغيرته إن لم يكن السّارد أو الكاتب حتّى؟
                    ألا ترى أنّ الأمر فيه نوع من النّيابة في غير رأي مدهش؟
                    تقبل فائق تقديري و شكري لك على سردك المشوّق السّامي حقّا.
                    محبّتي.
                    مدوّنة

                    فلكُ القصّة القصيرة

                    تعليق

                    • حارس الصغير
                      أديب وكاتب
                      • 13-01-2013
                      • 681

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة لمياء كمال مشاهدة المشاركة
                      وسط الزحام, تضيع الحقائب ويضيع الطريق ويضيع الضمير
                      ولا يجمعهم سوى القلم الخلاق والذي يحول الوقائع العادية البسيطة إلى حبكة قصصية مثيرة
                      تغير المكان وتحبس الأنفاس
                      وتخلق واقعا يرفع الأصابع مطالبا بالتغيير

                      تقديري

                      الاستاذة لمياء كمال
                      أشكرك على حضورك
                      تحيتي

                      تعليق

                      • حارس الصغير
                        أديب وكاتب
                        • 13-01-2013
                        • 681

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                        تحيّة طيّبة لك صديقي حارس صغير.
                        نصّك هذا جيّد و رفيع المستوى من جلّ الجوانب و أنت مبدع أطمئنّ إلى القراءة له و أصيب متعة كبيرة في التّماهي مع أسلوبه المتقدّم.
                        مع ذلك أؤكّد على الفكرة التي ذهب إليها الد. بيترو و أعيد إحياءها لأنّها جوهريّة و "خطيرة" فهي و إن سيقت بعجالة تمثّل درسا في القصّة و ما ينبغي لها.
                        غيرة على النصّ أيضا و حبّا فيه أقول لك صراحة باعتبار أنّ القفلة هي البلاغ الذي يشتغل عليه الكاتب طيلة النصّ، لقد أنفقت نصّا رائعا في مفارقة لا تحمل انفعالا و لا مسألة تشغل القارىء تدبّرا و تصوّرا و أفقا. هي انفراجة إن صحّ التّعبير، مخاتلة للقارىء و كسر لتخمينه لا أكثر. فالذي حدث هو إيهام و كشف.
                        أمر ثان يصبّ في نفس السياق تقريبا/ القائم في الفعل ليس هو المتحدّث عليه أسأل من سمّى الحقيبة صغيرته إن لم يكن السّارد أو الكاتب حتّى؟
                        ألا ترى أنّ الأمر فيه نوع من النّيابة في غير رأي مدهش؟
                        تقبل فائق تقديري و شكري لك على سردك المشوّق السّامي حقّا.
                        محبّتي.
                        لا أعلم تأخرت كثيرا في قراءة تعليقك صديقي العزيز
                        وربما أتفق معك فيما ذهبت إليه وربما يكون لي حديث آخر معك في ذلك
                        فقط هنا أشكرك على تعليقك الثري وسامحني للتأخير لأن النص غاب عني وأكتشفت الْيَوْمَ أنني وضعته هنا
                        ولي عودة معك هنا إن شاءت الظروف
                        تقديري ومحبتي

                        تعليق

                        • عائده محمد نادر
                          عضو الملتقى
                          • 18-10-2008
                          • 12843

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة حارس الصغير مشاهدة المشاركة

                          وقف على جانب الشارع كالشحاذ، يستجدي سائقي التاكسي. أشار إلى واحدة، اثنتين، ستة.. في كل مرة تقف السيارة أمامه، يطلب من سائقها أن يوصله إلى محطة أحمد حلمي. يسمعها السائق، ينظر إليه بتأفف شديد، يتركه واقفا، وينطلق بسيارته مسرعا دون أن يعيره اهتماما.
                          حدق في الساعة، ببجاحه تخرج لسانها وتتحداه. دخل الشك إلى قلبه.. ميعاد الأتوبيس الذي سيقله إلى بلدته في الصعيد أوشك. الميعاد التالي بعد أربع وعشرين ساعة. نظر إلى رفيقته الصغيرة، الواقفة جواره بضيق شديد، غمغم:
                          • لا يمكن المكوث في القاهرة ساعة واحدة بعد الآن!

                          حدث نفسه بعد ذلك قائلا:
                          • لابد أن شيئا حدث هناك.. التفت يمنة ويسرة، ثم سأل أحد المارة:
                          • هل سمعت بحدوث شيء عند أحمد حلمي؟

                          لوح الرجل بيديه، وأجابه وهو يمضي في طريقه دون أن ينظر إليه:
                          • لا.
                          • إذن ما الذي جرى؟! ربما تكون الحكومة أصدرت قرارا بمنعهم من الذهاب إلى هناك. ربما أصبح السائقون أثرياء.

                          هكذا تواردت الهواجس في رأسه دون إجابة شافية.. والساعة لا زالت تتحداه وتتحداه.أحدّ بصره تجاه محطة المترو البعيدة، وأمسك ذراع صغيرته، همس إليها:
                          • ليس لنا سواها.

                          سار تجاهها متحديا الزحام وسائقي التاكسي، وعقارب الساعة. فور وصوله بعد تعب، نزل السلالم مسرعا، توجه ناحية شباك التذاكر، وقطع له تذكرة. جال ببصره بحثا عن الاتجاه المناسب. قرأ اللافتة. تتبع الإشارات، من نفق إلى نفق، سلالم متحركة وأخرى ثابتة، وعقارب الساعة مازالت تفرض عليه قوتها مع كل ثانية تمر. أخيرا وجد الرصيف (اتجاه المرج)، فأطمأن قلبه قليلا.وقف على الرصيف منتظرا. طال الوقت، ولم يظهر القطار من النفق المظلم. كتم غضبه، وراح ينظر إلى ساعة المحطة، ممنيا نفسه أن تكون أكثر رحمة من ساعته، أبت إلا أن تخرج لسانها أيضا.تململ في وقفته. نظر إلى صغيرته بحيرة وخوف، خرج صوته مبحوحا:
                          • حتى القطار يتحداني!

                          أوشك أن يبكي.بجواره وقف خمسة شباب، يضحكون، يحدقون فيه، ثم تتعالى ضحكاتهم. همس لنفسه بألم:
                          • يبدو أنهم يسخرون مني.

                          اشتد ّالزحام على الرصيف مع كل دقيقة تمضي، والقطار كأنه أصبح في عداد الأموات. تيقن من وجود مؤامرة تحاك ضده في الخفاء.بعد فترة، أضاءت اللمبة الحمراء وسط ظلام النفق، فسحب شهقة عميقة من أنفاسه أخرج بها لهيب الانتظار. اندفعت الحشود الواقفة نحو الباب كقذائف فور وقوف القطار، وكقطعة خشب يجرفها شلال هادر وجد نفسه يندفع أمامهم.. بالكاد تشبث بذراع صغيرته. فجأة سكنت الحركة، ليجد نفسه في منتصف العربة الخلفي، مواجها الباب، يقف بصعوبة، مائلا، محشورا بين كتل اللحم التي تضغط عليه من كل ناحية، تعجزه عن الحركة. انخلع الجاكت وسقط من على كتفه. لكنه لم يهتم أو بالأدق عجز عن تحريك يده ليتمكن منه.بدت له العربة الكبيرة صغيرة جدا حد أن تضاءل فيها الهواء رويدا رويدا حتى كاد أن يختنق.. وكان البرد قبل نزوله إلى المحطة يوشك أن تتجمد له أطرافه، لكنه الآن يتصبب عرقا كأنه ماء منهمر، وهو عاجز تماما. أحس بيد تلامس بنطاله، وتحتك بالجيب الخلفي، فقال في نفسه ساخرا:
                          • فليسرق اللص ما يشاء!

                          في محاولة أخيرة، هم ّبتحريك جسده، لينهره صوت لا يدري من أين جاء:
                          • حاسب.. قدمي.

                          تمتم معتذرا:
                          • آسف!

                          تحرك القطار، وأخذ يأكل القضبان بعجلاته، وإحساس داخله يؤكد له أنه لا يتحرك. كان يعرف منذ ركوبه أنه لا يفصله عن محطة نزوله سوى محطة واحدة.. لذا رغم الزحام والمعاناة التي هو فيها داهمته الأفكار المخيفة كأشباح مرعبة في ليلة حالكة: أنه أبدا لن يصل،وإن وصل ستضيع صغيرته وسط الزحام، سيسقط هو تحت الأرجل وتدوسه الأقدام، سيقع على القضبان، ويمزقه القطار قطعا.زاد من معاناته واشتداد آلامه أولئك الشباب الذين أحاطوا به منذ أول لحظة لركوبه بتعليقاتهم المتحفزة والمتوعدة للجميع عند النزول. حدق في صغيرته مذعورا. تيقن بأنهما سقطا في المصيدة كفأرين. في غمرة تفكيره ويأسه، لم يعد يهتم بساعته، ونسي موعد الأتوبيس تماما.. فقط توقف عقله في النجاة بنفسه وبصغيرته.وقف القطار في المحطة. لم ينزل أحد، ولم يستطع أحد الصعود. تحرك القطار مرة أخرى، وواصل سيره بسرعته الجنونية. لم يبق إلا بضعة دقائق على محطة وصوله، فتجسم الخوف أمام عينيه وحشا مفترسا جائعا ينفرد به في قفص. ترهل جسده تماما، وأحس أنه سيغمى عليه، لكنه قاوم بصعوبة خشية السقوط والضياع. تشبث أكثر قوة بذراع صغيرته، وهو يحاول أن يهدئ من فورة الشباب. ضاع صوته ولم يستمعوا إليه. تحركوا ككتلة واحدة بعد أن أمسك كل منهم بيد الآخر فور وقوف القطار. فتح الباب، فتدافعت الحشود، وأخذته كصعوده أمامها في نزوله، وهو لا يملك من نفسه شيئا. شعر بأنه سقط وانتهى كل شيء، لكنه بغتة وجد نفسه مرميا على الرصيف يلتقط أنفاسه بصعوبة كغريق. تأكد أنه نجا؛ فرقص قلبه من الفرحة. ولما بدأت الحياة تعود إلى رأسه، تذكر صغيرته، لم يجدها بجواره. انفجر قلبه رعبا. لملم بقايا جسده المتهالك، ووقف بصعوبة يبحث عنها. زرع عينيه في كل مكان، حدق بين أمواج البشر الصاعدة والهابطة ولا أثر لها، نظر إلى الأسفل، فحجبت عشرات السيقان عنه الرؤية. صرخ بأعلى صوته:
                          • حقيبتي!

                          لكن صرخاته ضاعت وسط الزحام، والقطار الذي تحرك.
                          القاهرة 12/12/2013
                          هلا وغلا حارس
                          نص جميل حقيقة دعاني أن أشارك البطل قصة عراكه مع الوقت الذي لاقيمة له في مجتمعاتنا الشرقية مع الأسف
                          نحن نحب قضاء الوقت ونحن ننتظر
                          ومازلنا نتظر وأظنني سنبقى
                          لونت لك مارأيته فائضا قليلا أو أضفى على النص بعض الطول
                          أنت رائع حارس وسيكون ك شأن
                          محبتي والورد
                          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                          تعليق

                          • حارس الصغير
                            أديب وكاتب
                            • 13-01-2013
                            • 681

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                            هلا وغلا حارس
                            نص جميل حقيقة دعاني أن أشارك البطل قصة عراكه مع الوقت الذي لاقيمة له في مجتمعاتنا الشرقية مع الأسف
                            نحن نحب قضاء الوقت ونحن ننتظر
                            ومازلنا نتظر وأظنني سنبقى
                            لونت لك مارأيته فائضا قليلا أو أضفى على النص بعض الطول
                            أنت رائع حارس وسيكون ك شأن
                            محبتي والورد
                            القديرة الكبيرة
                            عائده
                            كل الشكر الدائم لملاحظاتك
                            وأشكر أكثر لإطرائك وتحفيزك
                            تمنحيني الكثير والكثير
                            فشكرا لك

                            تعليق

                            • ريما ريماوي
                              عضو الملتقى
                              • 07-05-2011
                              • 8501

                              #15
                              جميل النص، ومتصاعد في التشويق، كنا لاهثين وراء الحروف راجين ألا يفقد صغيرته،
                              لكن لربما لو وصفتها بغاليته وكل ما يملك في الحياة، لتقبلنا أنها حقيبته أكثر..

                              شكرا على المداد الذي سطره يراع كاتب فذ.

                              تقديري.


                              أنين ناي
                              يبث الحنين لأصله
                              غصن مورّق صغير.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X